Feeds:
المقالات
التعليقات

الدنيا تدور بك، يلفك الشعور بالغدر والخيانة, تتهاوى أمام عينيك سنين حياتك وشبابك الضائع وعافيتك المهدرة، اغبرت أحلامك الوردية بحياة هانئة مع فارس الأحلام الذي – غالبا- ما ترجل عن فرسه ويكاد يمشي متكئاً على عكازه.. كل ذلك حين عرفتِ أو أخبرك هو أو وشى واشٍ – لا يهم- بأن زوجك تزوج ..

قد ينزل عليك برود ثلجي وقد تنهارين باكية، وقد يُغشى عليك.. تتفاوت ردود الأفعال، ولكنك بالتأكيد ستشعرين – ولو لوهلة- بأنك طُعنت من الخلف.. بأنك حائرة, خائفة, بأنك في صحراء وحيدة فريدة بعدما خذلك أقرب الناس إليك. عندها تتجلى أعراض الصدمة العاطفية، كلها أو بعضها: الإنكار و عدم التصديق في البداية، ثم الغضب والتهيج، ثم الشعور بالذنب وإلقاء اللائمة على النفس ثم الغرق في الحزن العميق واليأس، وقد يصل الأمر إلى القلق والخوف والرغبة في اعتزال الآخرين والاكتئاب.. ثم تأتي ثالثة الأثافي حين يبدأ “المخلصون والمخلصات” بإسداء “النصائح” المهلكة من ترك المنزل وطلب الطلاق و رمي الأولاد ومحاولة تذكر سيئاته لتكرهيه والتنكيد عليه بل وربما اللجوء للسحر … الخ

ولما كان العيش في نكد قطعة من عذاب كانت هذه الرسالة في نقاط، من أخت شفيقة، ولا يبعد أن تكون مجربة، تريد بها لك حياة أفضل وسعادة أقرب.. ليس هدفي إقناعك بأهمية زواج زوجك فهذا أمر لا يخصني وقد لا يكون زواجه لسبب مهم أصلاً، ولكن هدفي – مادام أن هذا الأمر المؤلم قد وقع- أن أساعدك في تخطي هذه المرحلة بسلام ، فالسلام النفسي والحياة الطيبة هي ما ننشد.

1-      ضعي في اعتبارك أن رسالتي هذه لا تشمل كل من تزوج عليها زوجها ، وإنما تختص بمن تزوج عليها زوجها وهو يحبها وهي لا تريد أن تفارقه ، فلا يدخل فيها من أراد التزوج هروباً من زوجته أو كرهاً لها أو تخلصاً منها ، أو من عافته نفسها فلا تريد معه بقاء .

2-       ما تشعرين به من مشاعر سلبية كلها حق ، ويحق لك ، فليس من السهل أن تعيشي مع شخص قد تكونين وهبت له كل حياتك ، وأخلصتِ له في العطاء “فيكافئك” بضرة “تضرك” في سعادتك وتقاسمك أيام زوجك وأمواله واهتماماته .. لك كل الحق في مشاعرك ، ولكن نصيحة مني ، لا تتمادي في هذه المشاعر .. أعط نفسك حقها في الغضب والاستياء والحزن دون أن تتلفظي بما يغضب الرب، لشهرين أو ثلاثة ثم حاولي أن تتوازني من جديد .. إذا أردتِ أن لا تعيشي في نكد ، فلابد أن ينبع ذلك من أعماقك وتكونين أنت طبيبة نفسك ، فتنتشلينها من أحزانها في الوقت المناسب وتضعينها على المسار الصحيح .. استعيني بالله، وتذكري حقيقة الحياة الدنيا وما جُبلت عليه من أكدار، واتخذي صديقة عاقلة لتنير لك الدرب إذا أظلم.. بعض الناس يهوون العيش في جو النكد والحزن ، ويعتبرون ذلك رومانسية ، يذكون أوارها بالتفرج على الصور القديمة والاستماع إلى الأغاني العاطفية ، وتذكر الذكريات السعيدة ، فتعلو التنهدات وتنسكب العبرات و… مهلاً مهلاً.. (ترى الرجّال تزوج بس ما مات).. وأكاد أسمع إحداكن تهتف من الخلف: ليته مات ولا تزوج!

3-   لماذا تزوج ؟  أنت – تقريبا- ممن قيل فيهم: كامل الأوصاف فتنّي! جميلة ولبقة، وطباخة ماهرة، ولماحة، وأنجبتِ له البنين والبنات، ولم تنقصي في حقه شيئاً، فلماذا تزوج؟ “فراغة” عين؟ غدر وخيانة؟ ينقصه شيء؟ ربما، وربما لا.. أياً كان السبب، فليس في الشرع ما ينص على وجوب وجود سبب قوي لإباحة تعدد الزواج للرجل، فهو مباح على الإطلاق مادام قادراً وعادلاً في النفقة والمبيت .. ولكن دعيني أسألك سؤالاً مماثلاً : لماذا أنجبتِ طفلك الثاني، والثالث والرابع ؟ لِم لم تكتفي بالأول ؟ هل إنجابك للبقية غدر وخيانة له؟ هل ضَعُف حبك للأول أم هو باقٍ على حاله؟ ألا تسمعين أن حب الأم الأعظم -غالباً- لبِكرها، وأن هذا الحب يصمد على مدى السنين مالم يحوّل بكرها مساره فيصبح عنيداً، سيء الطباع، متوحشاً.. واللبيب بالإشارة يفهم !

4-   ينبغي التنبه إلى حقيقة تغيب كثيراً عن أذهان الناس حين يتعامل الجنسان معاً، وهي اختلاف طبيعة الرجل عن طبيعة المرأة، فيظل كل جنس يعامل الجنس الآخر كما لو كان مثله في تفكيره وردود أفعاله وتفضيلاته، والحقيقة أن كل جنس يختلف في كثير من الأمور عن الجنس الآخر، ويجب أن يعي الطرفان هذا الأمر لتجنب المشاكل ، سواء كانت العلاقة علاقة زواج أو أخوة أو عمل.. لماذا تزوج؟ تزوج لحاجة في نفس الرجل من حب النساء وفرض السيطرة والهيمنة وحمل المسؤولية والقيادة .. أشياء لا تكاد تستوعبها النساء جيداً، لأن الطبائع تختلف.. المهم أن تحذفي عن رأسك فكرة الخيانة.. لا تنسي أن ثقافة المجتمع على تخوين من يفعل ذلك، مع اعتقاد حلّه له بموجب الشرع.. حلال ولكنه خائن.. تناقض، أليس كذلك؟

5-  تذكري أن الشيطان للإنسان بالمرصاد، وأن أحب ما يكون للشيطان افتراق الزوجين، فيحاول أن يوقع بينك وبين زوجك بالوسوسة لكليكما . أنظري معي لهذا السيناريو المحتمل: قد تلحظين أن الزوج يسيء التصرف أحياناً، فيتكلم بفظاظة أو يتصرف بجفاء أو يسيء التعامل فيبخل أو يقصر في واجباته وذلك منذ الأسابيع الأولى لزواجه، فيقع في نفسك أنه زهد فيك، أو أن الأخرى قد غيرته وسلبت لبه وأنسته إياك، فهنا يتحرك الشيطان ويوسوس لك ليحدث أحد أمرين: إما أن تسوء طباعك كنتيجة تلقائية للدفاع عن “ممتلكاتك”، أو يغشاك حزن قوي و همّ ثقيل فتكاد عيناك أن تفقد بريق الحياة.. لا أريد لأي من الأمرين أن يحدث.. لنغير بعض الشيء من طريقة تفكيرك في السيناريو السابق.. ماذا لو فكرتِ أن زوجك –وأكرر ، الزوج الذي تزوج وهو يحبك- ارتبك في هذا الوضع الجديد: امرأة جديدة يراها حين يستيقظ، رائحتها مختلفة، ضحكتها مختلفة، طبخها مختلف، غنجها وغضبها مختلف، عليه أن يعتاد الآن هذه الحياة الجديدة جداً بعدما اعتاد على حياته الأولى معك، ولاشك أن سيقع في خراقات كثيرة حتى يتوازن، كوني صبورة ولا تجعلي للشيطان عليك سبيلاً. سيحتاج إلى بعض من الوقت ليتوازن بينك والثانية، كما تحتاجين أنت للكثير من الوقت حتى تتوازني بين الطفل الأول والتالي!

6-   شبه قاعدة: الزوجة الأولى تحظى بميزات لا تكاد توجد في غيرها، فهي حبه الأول، أول من قبّل، وأول من جامع، صاحبها في شبابه، في صبوته، صفا لها وداده وهشت لها نفسه.. وكان قلبه خالياً من غيرها فتمكنت، ولو أتت له بعيال فقد حازت المكان الرفيع والحظوة العالية .. أين للثانية كل ذاك المجد؟ تزوجته الثانية وقلبه مشغول بحب الأولى التي تعرف ما يحب فتفعله وما يكره فتتجنبه، وعلى الثانية طريق طويل مليء بالصعاب لتستكشف مجاهيل هذا الزوج الجديد، وللأسف لن يتسنى لها ذلك كل يوم ، وإنما كل يومين!! هل علمتِ مقدار ما تتقدمينه عن الثانية المسكينة؟ ولكن احذري.. لاتغتري بهذا المجد إذ أنه سرعان ما يتهاوى أمام سوء أخلاقك وشراستك التي قد تلجئين إليها دفاعاً عن “ممتلكاتك”.. الحقيقة أنه ليس ملكاً لك ولا لها.. هو مِلك نفسه، وسوف يعذرك في البداية ولكن لا أعدك أن يستمر ذلك إن طال عليه الأمر، وسيبدأ بالانتباه إلى أن هناك أخرى تحاول جاهدة الوصول إلى المكانة الأولى في الحين الذي تتراجع فيه صاحب المكانة الأولى بسوء أخلاقها.

7-   لا  تجعلي زوجك محور حياتك التي عليه تدور.. نعم، هو جنتك ونارك في وجوب طاعته بالمعروف، ولكن من قال أنه يجب أن يكون مصدر سعادتك وتعاستك؟ هناك أمور أخرى غيره يجب أن تشغل بالك، وأولها وأحقها: نفسك.. لا تجعلي زواجه بالثانية يطفئ عليك سعادتك وثقتك بنفسك.. ابحثي عما يسعد خاطرك.. قد تجعلك هذه المحنة تكتشفين مواهب وقدرات ما عهدِتها في نفسك من قبل فالمحن تولّد المنح.. ابحثي عن المنحة في زواج زوجك: ستجدين وقتاً لممارسة هواياتك التي كادت أن تندثر، ستجدين وقتاً لمزيد من البر للوالدين، لمزيد من التثقف والاطلاع، لأعمال تطوعية تزيدك سعادة بمذاق الإنجاز الرائع.. بل ولو لم يكن في زواجه بأخرى إلا الفوز ببعض الراحة من الارتباطات الزوجية (التي تشتكين من كثرتها في العادة) لكفى( وأنت عارفة وأنا عارفة!!).. أقول: قد تكونين ممن يهوى مزاج الحزن والنكد فتصر على التذكير بأنها لا تريد هوايات ولا إنجازات، وإنما تريد زوجها لها فقط، عندها لا أملك إلا أن أقول لك: الله يعينك..

8-  مالم يشتكِ منك زوجك تقصيراً معيناً فكوني كما أنت.. لا تحاولي أن تلعبي دوراً ليس دورك أو تعيشي شخصية ليست لك معتقدة أن هذا التغيير سيجعله يزيد في حبك.. هو يحبك كما أنت فلا تغيري قفل الباب.. المفتاح الذي معه لبيتك يفتح القفل القديم لا الجديد..

9-  ارفضي مقابلة الزوجة الثانية على الأقل في السنة الأولى مهما حاول الزوج أن يقنعك.. هذه من خراقات بعض الأزواج، يجسبون أنهم بذلك يؤلفون بين قلبي الزوجتين وإنما هم يضرمون نار الغيرة ويفتحون لأنفسهم أبواب المشاكل. أذكرك ثانية بوسوسات الشيطان الذي سيجعلك ترين كل ما هو جميل فيها ويغض طرفك عن كل قبيح، في حين يفعل العكس معك .. ستنتبهين فجأة إلى كبر سنك(ولو كنتِ أصغر من زوجك بعشر سنوات) وإلى شعيراتك البيضاء و(كرشك) الصغيرة وربما ستنقمين على اسمك الذي لا يحوي نفس (الدلع) الذي يحويه اسمها.. سأفشي لك سراً.. سنك الكبيرة تمثل له العشرة الطويلة بينكما، وشعيراتك يراها صبراً على نزواته شاباً و نزقه كهلاً، وكرشك فمصدر أبنائه الذي يفخر بهم، أما اسمك فستضحكين لو علمتِ أنه سيظل يناديها باسمك أنت لفترة لا بأس بها من الزمن. المهم أن ترفضي مقابلتها مهما تعذر لك حتى تستردي ثقتك بنفسك وبمكانتك عنده، والأهم من ذلك أن تمتنعي عن اللقافة والتجسس على جواله لقراءة الرسائل بينهما أو الاطلاع على أوراقه الخاصة، فمن حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه، وقد تطلعين على ما يسوؤك فتظلين في نكد أنتِ في غنى عنه .

10-                     وأخيراً، إياك والنظر إليها على أنها عدوة.. لا أدعوك لاتخاذها صديقة ولكن لا تعاديها، فليس هناك ما يدعو إلى ذلك.. هي امرأة تبحث عن مصلحتها كما تبحثين أنت عن مصلحتك.. تريد أن يضمها زوج ويحنو عليها ابن.. ضعي نفسك مكانها ولا تخبريني أنك لو كنت مكانها لما قمت بهدم بيت من أجل سعادتك.. أرجوك دعينا من هذه المثاليات فأنا منذ البداية كنت صريحة معك ولم أ غشك! لا تعرفين لو كنت مكانها ماكنت ستفعلين!! أحسني إليها إن كانت تستحق الإحسان أما اللئام فليس لهم إلا التجاهل.. أحسني إليها وليكن تعاملك لها تعاملاً مع الله .. أحسني فلعل الله ينفعك بها أو بولدها يوماً من الدهر..

أما أنت أيها الزوج الذي تقرأ فرحاً بما خطه كيبوردي، لك تدوينة خاصة بك، فانتظرها !!

العب بذكاء!

في الماضي القريب كان آباؤنا يعملون جاهدين الساعات الطوال لتوفير لقمة العيش في ظروف صعبة ؛ يضطر بعضهم للعمل تحت الشمس من قبيل الفجر وحتى الغروب ، يتسلق النخل ويتعرض لخطر السقوط. أو يعملون في البحار لصيد السمك أو جنى اللؤلؤ ويغيبون عن بيوتهم وأهاليهم أياماً، وقد لا يعودون . أو يسافرون بحثاً عن الرزق في بلاد بعيدة، يقطعون المفاوز ويواجهون قطاع الطرق ثم قد لا تتجاوز غلة أحدهم بعد كل هذه المتاعب العشرة ريالات، أو ما يساوي في زمننا الحاضر ألف ريال.

كانت المراكب الفارهة والبيوت متعددة الحجرات والأثاث المريح يكاد يكون محصوراً على الأثرياء والتجار فقط، وكان كثير من الناس لا يذوقون اللحم إلا في عيد الأضحى وينعدم عندهم التوسع في المآكل والملابس إلا في الأعياد. أما حيازة الخدم فكانت ترفاً بالغاً لا تكاد تجده إلا في بيوتات محدودة.

وانظر إلى أحوالنا الآن. يمكننا أن نقول أن الحال قد انعكست تماماً. الأغلبية تمتلك سيارة أو أكثر، انتشار المطاعم السريعة والبطيئة دليل على كمية وافرة من الرفاهية، شراء الثياب الجديدة لا موسم له، والسفر مقارنة بالأسفار القديمة صار أشبه ما يكون بسرعة انتقال عرش بلقيس للنبي سليمان عليه السلام . الكثير جداً من الناس عندهم خادمات، والأغلب يمتلك جوالات ذكية (وإن اضطر لشرائها مستعملة) .

ومع كل ذلك، لا زال كثير من الناس لا يرى إلا نصف الكوب الفارغ .

لماذا نرفض الاعتراف بأن الحياة جميلة؟

لماذا نصر على أننا (مساكين) و(حالنا تحزّن) ونظل في بؤس، فقط لأننا لم نحقق الكمال في جميع أمورنا. صاحب المازدا يريد ليكزساً فيسخط على (مازدته)، وصاحب الليكزس يريد بِنتلياً فيسخط على ( لِكزسه)،  الطويل يتمنى لو كان قصيراً لأنه أجمل، والقصير يعجبه الطول لأنه (أكشخ) ..الفتاة تتمنى لو كانت ذكراً لتنعم بالحرية، والذكر يتمنى لو كان أنثى ليرتاح (لأن الأنثى عندنا ملكة!)، وبين هذا وذاك تكمن (الحلطمة) والتوجع والشعور بالفقد واليتم والمرارة والنقص..

مشكلتنا أننا لا ننظر إلى التفاصيل الدقيقة التي تجعل الحياة أجمل.

تلفت أنظارنا أحياناً بعض الدور في أناقتها وفخامتها، ولو أمعنا النظر لوجدنا أن ذلك يعود لتفوقها على غيرها بالاهتمام بالتفاصيل: اللوحات، التحف الصغيرة على الطاولات الجانبية, مفارش الطاولات، زينة الستائر، البسط المتفرقة، الوسائد المتناثرة وغيرها. كلما أمعن المصمم في الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة كانت الدار أرقى وأجمل.

ماذا عن حياتك؟ أليس فيها من الدقائق ما يحيل حياتك نعيماً ، لو تفكرت ؟

ألم تلحظ مشاعر الراحة تغمرك حين تدخل بيتك المكيف هرباً من أشعة الشمس ( الشاوية) ظهراً، فتعانق خياشيمك رائحة الطعام الزكية تدغدغ بطنك الخاوية؟

ألم يلفت نظرك قراءة ابنتك الصغيرة للقرآن ، أو لثغة آخر العنقود وهو ويتكلم فلا تتمالك نفسك من أن تلثم فاه كلما لثغ؟

ألم تشعر بالأمان كلما ضمتك ذراعي والدك المحب إلى صدره، أو شيعتك دعوات أمك بالتوفيق والصلاح ورعاية المولى وحفظه؟

ألم يمتلئ قلبك حباً كلما التقت عينك بعيني زوجتك في ساعة ود، أو همس زوجكِ في أذنكِ بكلمة عشق ووله؟

ماذا عن حدب أخوتك وقت الشدائد، وجمَعة الأهل المتآلفين في الأعياد والأفراح، وتفاني زملاء العمل في أعمالهم، وجمال الصداقة الصدوقة في كل وقت؟

بل ماذا عن براعم التذوق (الصاحية) التي تصف الطعوم بدقة، والجسد القوي الذي يحملك ويخدمك دون مساعدة خارجية.. ماذا عن حواجبك ؟

حينما أُصبت بالسرطان وتناولت العلاج الكيماوي صار رأسي لوناً واحداً شاحباً ، لا لون مميز فيه إلا حدقتاي. كنت أرسم حواجبي بالقلم وأضع الكحل لأذكر نفسي بوجود هذين العضوين في وجهي . كنت أنظر إلى وجهي المعدّل بعد ذلك في المرآة وأقول : يا الله ! الحمد لك على نعمة الحواجب .. ماذا عنك أنت ؟ هل شكرت الله قط على نعمة الحواجب؟

هناك الكثير من الجمال في حياتنا ، ولكن مصدر القوة أو الضعف، الإيجابية أو السلبية، العزم أو الإعاقة ، كلها في قلوبنا وعقولنا، وليست في الحياة من حولنا.

أحب أن أجرب الحياة بكافة أشكالها لأستمتع، والقاعدة عندي تقتضي أن ( النكد مش حلو).

أحب أن آكل البيتزا الطازجة حارة جداً فأستمتع بالجبن ( المطاطي) ومذاق صلصة الطماطم الغنية بنكهة الريحان والزعتر البري ، فإذا باتت فضلتها باردة من الثلاجة لأستمتع بالطعم الحقيقي للعجين والجبن الذي حجبه عني حرارة الطعام، ولكليهما طعم خاص.

وكلما لبست الكم الضاغط الذي يغطي جميع ذراعي اليسرى بسبب الليمفاديما (الوذمة) الناتجة عن استئصال الغدد الليمفاوية في الإبط بسبب السرطان ، وضاقت به نفسي ذكرتها بأن وجودها في يدي خير من وجودها في ساقي مثلاً حين تنتفخ فتكبر قدمي مقاساً أو مقاسين فأضطر لشراء زوجين من نفس الحذاء بمقاسين مختلفين !

وعندما فقدت شعري بعد الكيماوي اعتبرت ذلك (نيولوك) جديداً، تحديت قريباتي وصديقاتي –مازحة- أن يأتين به، وأنى لهن .

أحب – كلما واجهتني أيام عصيبة _ أن أمني نفسي وأهدئها : هناك حكمة، هناك لطف، هناك رحمة ولابد ، فهذا القدر المؤلم هو من الحكيم اللطيف الرحيم.. ابحثي عن الجمال.. ارفعي بساط الألم وفتشي عن النعم الباهرة أسفله.

كم كان جميلاً لو اجتمعت كل المتع بكمالها لدى المرء ، ولكن هذا أمر غير واقعي ، فكان لابد أن نتعلم كيف نثمّن كل ما لدينا ونستمتع بجمال الحياة كما هي – إذا أخفقنا في تعديلها- وهكذا فقط سندرك أن الحياة جميلة، وأنها مثل لعبة الكمبيوتر : كلما سبرت أغوار المرحلة واستكشفت خباياها، وجدت هدايا صغيرة وستُفتح لك مراحل جديدة و (عوالم) مثيرة بعد قضائك على ( الوحش الأخير) : السلبية ..

العب بذكاء !

بعض من الفضول لا يضر

الحياةُ لوحاتٌ زيتية رُسمت على قماش فاخر ، أم أن اللوحات هي التي تحكي الحياة ؟ من هواياتي الأثيرة أن أفتح عينيّ جيداً ، وأتجول في معرض لوحات الحياة مع جزءٍ فضوليٍ من نفسي ، وأستمتع بشيء من التطفل و التخيل لأسبر أغوار النفوس البشرية . كم نرى من مشاهد ظاهرها يخفي كثيراً من حقيقتها .. بعض المظاهر خداعة ، وتحتاج منا لكثير من البصيرة لنقرأ ما بين ضربات الفرش ، فإذا فعلنا انقشعت عنا حُجبٌ ، وتكشفت لنا حقائق بإمكانها -إذا تدبرناها- أن تجعل حياتنا أكثر جمالاً .. يكفي بذلك أننا ننسى كثيراً من واقعنا المؤلم ، يكفي أننا نغرق في دقائق ممتعة من خيال لذيذ ، يكفي أننا قد نفلح في تلمّس بعض النعم التي غفلنا عنها .

بعد فضولي الذي طال النوافذ والستور المرخاة في تدوينتي الأولى ومن الفضول ما يُحمد والتي لاقت نجاحاً كبيراً بفضل الله ، فسيسعدني أن أطرح عليكم المزيد بطريقة مختلفة قليلاً ، فهلا مشيتم معي في هذا الممر من معرض لوحات “الحياة”، لأريكم بعض النماذج؟ ستحتاجون أولاً لإعمال شيء من فضولكم ، ولا تخافوا ، فإن بعضاً من الفضول لن يضر !

هذه لوحة تصور لي رجلاً ، يقود سيارة مهترئة وسط شارع مليء بالسيارات الفاخرة . ينظر إليها جزئي الفضولي فيقول : انظري إلى هذه السيارة “المقربعة” ، والمشكلة أن صاحبها يضحك .. كيف يمكن له أن يضحك وهو يقود شيئاً كهذا؟ لو كنت مكانه لأرخيت رأسي خجلاً وأنا أمر إلى جانب كل هذه المراكب النظيفة .. أتطلع إليه متفحصة.  بالفعل ، باب سيارته ساقط ، فهو يمسكه بيد ويقود سيارته باليد الأخرى، باب الراكب المجاور منبعج انبعاجاً قوياً ، وفي الخلف تراصّ خمسة أولاد بطريقة فنية ما ، ومع ذلك فصوت المذياع يصدح ، وضحكات الأطفال تغطي صوت المذياع ، وأكاد أسمع صوته يرد ساخراً : “لو رأيتِ الحادث الشنيع الذي بسببه اهترأت هذه السيارة وخرجتُ منه وأولادي سالمين بلا خدش واحد لعلمتِ أنه يحق لي أن أضحك وألا أتحسر بعد ذلك اليوم على ضياع أي شيء دنيوي. لقد عاينت الموت لثوانٍ ونجاني الله ، فعلى أي شيء آسف ، ومن أي شيء أخجل ؟ ولكن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

وهنا لوحة تحكي طالباً في كلية الطب الخاصة ، يلبس ثياباً جيدة ويضع عطراً فاخراً ، يحضر محاضراته بكل جدية واجتهاد ، ويتكلم برقي وأدب .. أنظر إليه فيتساءل جزئي الفضولي: محترم جداً! وددت لو رأيت بيته! فأتخيل داراً فارهة ، كثيرة الحجرات ، عالية الأسقف ، تحيط بأسوارها أشجار جوز الهند، وتصطف في مرآبها بضع سيارات ثمينة ، وإلى جوار مسبحها الكبير يتمشى الجنائني وهو يرمق المياه الزرقاء ويتلمظ محدّثاً نفسه أن يرمي بنفسه في المياه الباردة لتنقذه من لهيب الصيف الرهيب ، وليطردوه بعد ذلك . يلتفت إليّ الفتى في الصورة فيبتسم ويقول : أخطأتِ في خيالك .. وأراني في مخيلتي بيته ؛ الحي بائس, شوارعه مليئة بالحفر الرطبة .. الجرذان تمشي إلى جانبك لتدلك إلى أي دار تريدها، وصناديق القمامة الكبيرة تؤوي عشرات القطط الضالة ذات الأعين العوراء أو الذيول المقطوعة . وقبل أن يعترض جزئي الفضولي، يرفع الفتى أصبعه ويقول : “لحظة ! أنا في هذه الكلية في منحة لتفوقي ، فلم أدفع ريالًا واحداً، أما هذه الثياب فقطع نظيفة تبرع لنا بها بعض المحسنين ، ومالي في كل هذا البذخ الذي تراه إلا العطر الذي وضعته .. وللمعلومية ، فإنه مقلد! هل تستكثر عليّ عطراً مقلداً لا أعرف متى سيصيبني بالأكزيما ؟ أما عن الأدب ، فمن قال أن الأدب ملازم للغنى ؟ ظننت الأمر واضحاً ، ولكن يبدو أن البشر غالباً ما يصابون بضعف شديد في البصيرة”!

انظروا إلى هذه اللوحة ، تصور مهرجان الزهور الذي يقام في مدينتي كل سنة . تدغدغ الألوان الجياشة مشاعري ، وأشعر بها تكسر برفق أشعة الشمس الصارمة المسلطة على رؤوسنا كالحراب. ألمح زوجين مسنين بعض الشيء من دولة آسيوية يتمشيان معاً. يقفان أمام كل مجموعة ليتحدثا برهة قبل أن يخرج الزوج آلة التصوير ليصور امرأته ؛ ارفعي يدك إلى خصرك ، أميلي برأسك ، تلثمي بالطرحة في غنج ، وهي تمتثل وتضحك في دلال ، ثم يمشيان معاً ليتوقفا ثانية فيصورها بكاميرا الآيباد هذه المرة متبعاً نفس الخطوات السابقة ، افعلي كذا وكذا .. وتساءل جزئي الفضولي : انظري إليه ، يصورها بكل آلة تصوير متاحة ، ولو أتيح له أن يحضر مثّالاً لأحضره وصنع لها تمثالاً .. هل يحبها بالفعل ، أم أنه يفعل ذلك لأنه لا خيار له غير ذلك ؟ التفت إليّ الزوج على وجهه مسحة غضب وخوف معاً ، وقبل أن يتكلم بكلمة لذت بالفرار ، وأنا أعنّف فضولي وأطالبه بالتفرج في صمت .

توقفت طويلاً أمام لوحة جُدل إطارها بألياف الصبر والحب. هاهو رجل في الخمسينيات ، يرتدي ثوبه الرمادي الرث، يمشي مثقلاً بأكياس متخمة بأطايب اشتراها للتو من البقالة ، وعائدٌ إلى داره القريبة . أتفرس في الأكياس بفضول فأرى عصائر وحلويات ، وفواكه الموسم وحليبَ الصغير . يدخل على أسرته مستجيراً بالله من حرارة الجو وينادي في تعب على أطفاله الذين يهرعون ليتلقفوا ما أتاهم به والفرحة تشع من وجوههم الصغيرة التي لم تتغضن بعد، تستنشق ابنته أحد الأكياس بنهم لتملأ رئتيها من رائحة الفاكهة الطازجة ويرتفع صوت أحدهم بلثغته المحببة : بابا ، زا اللاتِب ؟ فيومئ إليه بحب ويحضنه ويلثم فاه ثم يدس في فمه قطعة شوكولاتة صغيرة . أمشي في سعادة وأمان الدنيا يغمرني ، وحنان الأب يفيض عليّ من تلكم اللوحة ، وطعم الشوكولاتة لا يزال في فمي .

ماذا عن اللوحة المشرقة  في الركن؟ اقترب  لتراها! هاهي امرأة في أواسط الستينيات ، مات عنها زوجها منذ أمد ، وتزوج آخر أولادها قبل خمس سنوات وعاشت في وحدة مع خادمتها تنتظر إطلالة أولادها عليها يومياً حسب جدول مرتب. منذ أن غادر آخر أولادها المنزل كان أمامها أحد اختيارين : أن تؤمن بانتهاء مهمتها في الحياة وتستسلم لفكرة الموت والتلاشي ، أو أن تبدأ حياة جديدة . لحسن الحظ أنها اختارت الثاني . بدأت في ممارسة الرياضة  ، إذ الرياضة من أفضل الوسائل التي ترفع هرمون السعادة (دون أن ترفع الوزن كالشوكولاتة) وتحافظ -في الوقت ذاته- على قوة البدن ، وبالتالي على صفاء الذهن ، فكانت تمشي مع خادمتها يومياً في الشارع العام حيث تشعر بأمان أكثر من الأحياء المجاورة الممتلئة حُفراً وسوائل لا تعرف مصدرها ثم تعود إلى بيتها وتفتح النافذة وتمد ساقيها في أشعة الشمس التي تنتشر سريعاً على أرض الحجرة . تسلي نفسها بقراءة كتاب ، أو تفتح المذياع على برنامج الأسرة الصباحي وتقوم بتمارين التمدد التي رأتها في يوتيوب، وبعد أن تنهي وردها اليومي من القرآن تشرع في “ساعة التعلم” كما تحب أن تسميها حيث حمّلت لها ابنتها عدة تطبيقات تعليمية تحرك بها ذهنها وتقوي ذاكرتها ، وكان آخرها تعلم اللغة الإسبانية . تذكر عندما هتفت بها ابنتها : لماذا الإسبانية ؟ فقالت ضاحكة : لأن اليابانية صعبة . والحقيقة أنها تتقن الكلمات الأساسية من الانجليزية والتي لن تحتاج إلى غيرها ، ولكنها أرادت أن تثبت لنفسها بتعلمها الإسبانية أنها لا تزال تتمتع بذهن قوي متفتح .. المسألة كلها تدور حول إثبات النفس ، حول الشعور بالقوة والقدرة على البذل ، حول عدم اليأس والإحساس بالوهن الذي يميت قبل الموت ، لهذا قبلت التحدي غير المنطوق من قِبل أولادها وطالبت بالآيفون والآيباد وشاركت في تويتر وفيس بوك وانستغرام وهي تقول : من قال أن مثل هذه الأمور حكر على الشباب ؟  أعطونا فرصة أو اثنتين لنثبت لكم أننا نستطيع .. وفازت بالتحدي .. انصرفتُ عن هذه اللوحة وقد خُيل إليّ أن المرأة تبتسم لي وترفع إبهامها مشجعة وهي ترتدي حذاء الرياضة .

طيب ، هذه اللوحة .. هذان زوجان يستعدان للسفر إلى البعثة ويودعان أهليهما .. الزوج يسمع للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف التوصيات على زوجته ، من أمها وجدتها ، وخالتها وعمتها وامرأة أبيها وخالة عم جارتها ، فيبتسم بتصنع ويقول للمرة الثامنة عشر بعد المئة والألف : أكيد ، “سما” في عيوني ، لا توصي حريص الخ الخ الخ . ترفع “سما” بصرها إليه فتكاد تتلقف الضجر والملل بيدها وهما يتقافزان في عينيه، وتتعجب ، ما كانت تعهد في نفسها القدرة على قراءة لغة الأعين ، أم أن لغة الأعين سهلة وواضحة لكل ذي لب . وفي ذهنه يتعالى السخط .. كلهم يوصيني على “سما” ، حتى أمي وأخواتي ، لكن من يوصي “سما” عليّ ؟ أم أن الرجال لا بواكي لهم؟

ما رأيكم بهذه اللوحة الملونة بألوان الباستيل الجميلة ؟ هذا خالٌ شاب ، أو ربما يكون كبيراً بعض الشيء. تأتي أخته  من بلد زوجها بأبنائها لتقضي مع أهلها شهراً من عطلة الصيف . لم يسمح زوجها لها بالذهاب إلا شريطة أن تصطحب أبناءها معها ، حيث لا شيء إلا الملل .. ينبري هذا الخال فيحمل على عاتقه إسعاد أبناء أخته ، يلعب معهم ألعاب الكمبيوتر ، ويصيح معهم في حماس كلما أحرز أحدهم هدفاً ، يمشّيهم، يشتري لهم الحلوى ، يأخذهم معه إلى المسجد، يصطحبهم إلى محل الألعاب ليشتري لهم هدايا النجاح، أو إلى المكتبة ليبتاع لهم قصصاً جديدة ، حتى صار هذا الخال من أحب ما يكون في حياتهم . وتمر الأيام ويكبر الأطفال ليصيروا شباباً أو مراهقين ويكبر الخال، فلا تعود ألعاب الكمبيوتر تسليهم، ولا يعودون يهتمون بالمكتبات ولا دكاكين الألعاب، يقدمون مع والدتهم إلى بلدها وقد لا يقدمون ، يسلمون على الخال تسليم الغريب ويمضون ، قد يتذكرونه باتصال بين الحين والآخر وغالباً ما ينسون. فجأة صار هذا الخال مملاً، و”قديماً”. ما هذه المرارة في فم الخال ؟ ماهذه الصور الباهتة التي يراها في خياله لأطفال صغار نسوه وما نسيهم؟ ولا زال في العيد بالهدايا يذكرهم ؟ قد يكون خالاً أو عماً ، قد يكون جداً أو مثل ذلك من الإناث.. أغادر ، ويهتف فضولي رغماً عني وعنه:  “ما يستحوا”!

هذه اللوحة الأخيرة، تبدو وكأنها لوحة إعلانية لقرطاسية .. الله .. أحب القرطاسيات .. أتمشى فيها بشغف كما تتمشى إحداكن في محلات العطور والمكياج . رائحة الأوراق تسحرني كما تفعل بكم رائحة القهوة الغنية ، أحب الأقلام الخشبية الملونة ، أحب أشكال الصلصال والأعمال الفنية المزركشة ، أحب الدفاتر السلكية الكبيرة ذات الأغلفة الكرتونية المبهجة ، أحب هذا العالم باختصار . ومن  منا لا يحبه ؟ أقصد ، هناك البعض ممن لا يحبه . أقف عند المحاسب ويقف أمامي رجلٌ في الخمسينيات يرتدي ثوباً رمادياً رثاً، وثلاث بنات في الابتدائية يقفن إلى جواره في صمت ويتطلعن إليه في رجاء ، وتمسك إحداهن صغيراً فضولياً يمد يده القصيرة للأرفف العالية محاولاً اصطياد أي شيء .. يخيل إليّ أني رأيت هذا الرجل من قبل، ولكن أين؟  اصطفت أمامه كومة من طلبات المدارس : أستطيع أن أميّز الصلصال ، ومسدس الغراء ، وألواح الخشب الخفيفة ، ومريلة المطبخ ، ونوعين من الألوان ، وأشياء أخرى خفيت عليّ . رأيته يخرج محفظته ويعدّ “أمواله” ثم ينقد المحاسب الثمن : فكة رهيبة من عشرات وريالات ، ليس فيها ورقة واحدة لمئة كاملة .. أكاد أسمع تأوه قلبه المنفطر من هذا الغلاء وكثرة الطلبات . ويعلو صوت الصغير : بابا ، خلّث اللاتِب ؟ فيبتسم الأب في وهن ويحمله بيده ، ويناول بيده الأخرى الأكياس لبناته فيتلقفنها في سرور وحماس.. لعل هذا السرور هو ما يطفئ لهيب قلبه .. أخرج جوالي في عجلة وأنظر إلى التاريخ الهجري وأنا أبتعد عن اللوحة فأجده الخامس من الشهر!

والآن ، ماذا عنك ؟ هلا أخبرتني عن لوحات أعجبتك ؟

سأقوم بإهداء ثلاث نسخ موقعة من كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” لأفضل ثلاث تعليقات عشوائية تردني هنا في المدونة ، أو تويتر @hannooti   خلال الأسبوع الأول من إطلاق هذه التدوينة .. تابع التعليقات بين الحين والآخر ، قد يحالفك الحظ .

 إليكم هذه الترجمة الثانية لكتيب صغير قمت بتحميله من موقع Writers’ Digest والمهتم بتعليم الصناعة الكتابية وخباياها ، الترجمة الأولى كانت بعنوان : خمسة عشر حلاً لأخطاء كتابية شائعة ، من نفس الموقع ، وأقدمهما وأي ترجمة تالية للمهتمين بتأليف المقالات والقصص القصيرة .

 هذا الكتيب – ولعله فصل من كتاب ما –  اسمه ( الفصل لا الكتاب ) الخطيئات الخمس لحكاية القصة  ، من تأليف لوري ألبيرتس .

الخطيئة الأولى : “التقليد السيء” للكتاب الآخرين :  بعض المؤلفين ينزعون إلى تقليد حرفي لبعض الكتاب العظماء الذين يكونون مفتونين بهم ومتيّمين في أول بداياتهم الكتابية ( والقرائية ) ، ولكن ما أن تمر الأيام  حتى تجدهم يقلدون آخرين لهم خصائصهم الكتابية المختلفة ، وهكذا يتنقلون من تقليد كاتب لآخر .. الهدف : اكتب قصتك الشخصية . لا شك في أن محاكاة الكتّاب الكبار أمر مهم لتعلم الصنعة الكتابية . يمكنك أن تحلل كيف بُنيت مشاهدهم ، وأن تكتشف كيف يقومون “بعرض” -لا “الإخبار” عن – مشاهدهم ، ولكن في نهاية المطاف على الكاتب أن يجد صوته “الشخصي” وأسلوبه “الشخصي” اللذين سيروي بهما عمله “الشخصي” . بعض الكتاب عندهم رؤاهم الفريدة وأساليبهم المتميزة التي تحكي عن نفسها من أول كلمة يكتبونها ، وهؤلاء لا يواجهون أي مشاكل فيما يتعلق بهذا الموضوع ، ولكن لو كنتَ مثل أغلبية الكتاب حيث عليك أن تكافح وتناضل من أجل أن توجد لنفسك صوتاً وأسلوباً خاصين بك ، فإن عليك أن تنتبه كثيراً من أن تنحو منحى كتابك المفضلين وتقليدهم في كل شيء حتى لا يبقى لك طابع خاص بك يميزك عن غيرك.

فكما أنك لن تريد  أن تسرق أعمال غيرك الأدبية ، فكذلك لن تريد أن “تسرق” أساليبهم أو قصصهم ، فأولاً سيلحظ القارئ تقليدك لهم ولن يعجبه ذلك حتماً ، وثانياً فإنك ستقوم بخداعك لنفسك وستحرمها من أجمل متع الكتابة : أن تكتشف ما تريد أن تقوله بطريقتك الخاصة .

الخطيئة الثانية : خطيئة الحوار المصطنع :

يبدو الحوار مصطنعاً كلما حوى معلومات تعرفها الشخصيات من قبل ولكن يذكرها المؤلف ليعرضها على القارئ ، فالحوار الذي يكون فيه : ” أمي – ليلى- ستكون سعيدة جداً لتلبي دعوتك على العشاء يا خالي سعيد” ، يكون بشكل أفضل لو كان : ” أمي ستكون سعيدة بتلبية دعوتك على العشاء ، شكراً ” . سنفترض أن الخال يعرف اسم الأم فلا داع لذكره ، أو حين تقول الأخت لأخيها : ” سأسافر إلى الخُبر ، مسقط رأسي ” ، مرة أخرى سنفترض أن الأخ هو أخوها الحقيقي لا أخوها بالرضاع الذي لا يعرف الكثير عن أخته ولا أين وُلدت .

كذلك سيبدو الحوار مصطنعاً حينما تتكلم الشخصية بلهجة غير لهجتها في الأمثال الشعبية مثلاً ، كما لو قال أحدهم ” من ذا الذي يراك يا من تغمز بعينيك في الظلام ” بدلاً من أن يقول ” مين شايفك يالي في الضلام تغمز”! الشخصية استخدمت مثلاً شعبياً ، فلابد أن تذكره بلهجته الشعبية كذلك وإلا بدا الحوار متكلفاً .

أيضاً ، حينما يكون الحوار رسمياً جداً فإنه يكون متكلفاً ، فحينما يتكلم أستاذ الأدب بالاستعارات والتشبيهات البلاغية وبلغة أدبية رفيعة مع طلابه في التخصص فإنه يكون مقبولاً إلى حد كبير ، ولكنه إذا استخدم ذات اللغة مع السباك أو عامل البنزين فإنه إما أن يعرض نفسه للضحك أو للشفقة . طالما لم يفعل الكاتب ذلك بغرض الإضحاك والسخرية المتعمدتين فإن ذلك سيُعد حواراً سيئاً  .

الخطيئة الثالثة : خطيئة ألا يحدث شيئ :

إذا كان على بطل القصة ( أو أي شخصية أخرى ) أن يملأ البنزين ثم ينزل إلى المحطة ليشتري شطيرة ويجري محادثة تلفونية ضاحكة دون أن يكون وراء كل ذلك حدث مهم فلعل من الحكمة أن يختصر المؤلف كل ذلك بجملة ( عبأت البنزين قبل أن آتيك ولذلك تأخرت ) مثلاً ، أو أن يترك سرد الحدث بالمرة . لا يحتاج القارئ أن تسرد له كل التفاصيل الدقيقة للشخصية لتثبت له أنه كان مشغولاً جداً ( أو أنه شخصية حقيقية جداً ) إلا لو كان وراء ذلك حدث مهم كمشادة أو حوار سيغير مجرى القصة ، وإلا فالأفضل اختصار الموقف بأكمله ، ولا تنس أن الاختصار  والإيجاز من سمات اللغة العربية . تذكر ، أنت لا تكتب سيناريو لمشهد تمثيلي حيث يكون عليك أن تكتب كل إيماءة وإلتفاتة ، أنت تكتب مشهداً روائياً ، وبينهما فرق ، فتنبه .

الخطيئة الرابعة : خطيئة مشاكل المصداقية :

يقع الكثير من الكتاب في هذه الخطيئة التي تنتج عن قلة الانتباه والسرعة في الكتابة وعدم التروي . من مشاكل المصداقية وقوع التناقض والتضارب في المعلومات المقدمة ، فقد يكون فرق العمر بين الابن وأمه قليلاً جداً بشكل ملفت للنظر ، أو يذكر في الفصل الأول أن له أختين وبعد عدة فصول يذكر أن له خمس أخوات وفي فترة زمنية لا تكفي لأمه أن تنجب الباقي ( إلا لو قامت بتبنيهم مثلاً ) . من مشاكل المصداقية أيضاً حينما يكون الأطفال أذكى وأعقل من والديهم بشكل ملفت ودائم . المصداقية مشكلة متكررة في المذكرات الشخصية والسير الذاتية إذا أخفق الراوي ( والذي يمثل المؤلف) في إقناع القارئ بأن يثق أو يصدق بالعواطف والحقائق وذلك حينما ينزع إلى المبالغة في إظهار نفسه بمظهر الضحية ، أو العكس : يظهر بأنه الفائز الغالب دائماً ، فعندها سيشعر القارئ بالاستياء والإحباط. قد تجد في بعض الكتب هذه المبالغة وتكون مقبولة في الوقت ذاته ، ولكن هذا يكون بسبب تعمد المؤلف إلى سلوك هذا الطريق ، ويبين نيته في ذلك من أول فرصة لأن القصة تدور على هذه المفارقة ، وليس هذا ما نتحدث عنه بالتأكيد . في أغلب الروايات والسير الذاتية تكون الثقة بين القارئ والمؤلف مهمة جداً ، لا تغامر بخسران هذه الثقة بأن تجعل راوي قصتك مبالغاً في وصف الشخصيات .

الخطئية الخامسة : خطيئة المشاهد العاطفية :

هناك فرق بين العاطفة والمشاهد العاطفية ، الفرق بينهما تماماً مثل السكر ، وبديل السكر. المشاهد العاطفية صناعية كالسكر الصناعي . تحاول المشاهد العاطفية التلاعب بعواطف القارئ ، فتعتصر منه عادة الشفقة أو الحنين أو المشاعر الغامضة . طبعاً أنت تريد لقرائك أن يتأثروا ويتفاعلوا مع أحداث قصتك ، ولكنك لا تريد أن تطفئ حماس قارئك بمشاهد مغرقة في العاطفة المبالغة . غالبية القراء في العصر الحديث لم يعد لديهم القدرة على تحمل الكتابة العاطفية التي كانت منتشرة بين كتّاب العقود الماضية . إلى الآن لا نزال نجد من يمارس مهمة انتزاع الدموع عندما ينفصل الزوجان/ العاشقان بالكثير من النحيب و الدموع ، أو عندما يموت شخص ما . كثيراً ما نجد المفارقات العاطفية المضحكة في مشاهد الموت ، كما لو تاب الشخص في مرض موته وتحول – بقدرة قادر – إلى شخص طيب نادم على ما سبق ليديه أن اقترفتا ، أو كانت هناك لحظة مسامحة ومغفرة للذنب قبل الغرغرة ، أو النكتة الشهيرة قبل الموت : ( أنا مش أبوك يا بني ) . لا تفهمني خطأ أرجوك ، لست أبداً ضد مشهد يثير المشاعر أو العواطف لدى القارئ ، وإنما أنا ضد المشاعر الكاذبة المزيفة التي تُنتزع انتراعاً من القارئ .. كيف لنا أن نعرف الفرق؟ حينما يحركك شيء أثناء القراءة فاسأل نفسك : هل مستوى شدة العاطفة في المشهد تماثل مستوى شدة العاطفة التي ثارت فيك أثناء القراءة ؟ لو شعرت الشخصية بمستوى عالٍ من الانفعالات لم تتمكن أنت من الحصول عليها فهذا يعني أن الكاتب قد أخفق في إقناعك .. كذلك عليك أن تنتبه أثناء كتابتك : فإذا استعملت الكتابة العاطفية أكثر من العاطفة نفسها فحتى لو كنت تكتب مشهداً فإن الأمر سينتهي بك بأن “تخبر” به بدلاً من أن “تعرضه” .. ستخبر قارئك أن عليه أن يشعر بشيء أخفقت أنت في إظهاره بشكل مقنع ، وهذا  سيهدم الهدف من المشاهد بأكملها .

كيف تصنع شبيحاً ممتازاً

كنت في شبابي أقرأ أحياناً عن معتقلات وزنازين جمال عبد الناصر والسادات وعن وسائل التعذيب التي تُمارس مع المخالفين ، ويقف شعري لكمية القسوة والجبروت التي احتوشت قلوب أولئك الزبانية .  كنت أقول في نفسي : أكيد ، لا يقدر على تلك القسوة إلا غائب عقل أو ميت قلب .

حتى الآونة الأخيرة كنت أعتقد أن بلادنا تخلو من أمثال هؤلاء ، فنحن “ندرس” التوحيد والفقه منذ الصف الأول الابتدائي والمساجد منتشرة في كل مكان .. كان ذلك ظني حتى خرجت عدة مقاطع تصور شباباً فارغاً . فارغاً عن العمل والهم ، وفارغاً قلبه من الرحمة ، ولعله الإيمان .

أخبرني ابني مرة حانقاً غاضباً من مقطع رآه لشباب أمسكوا ثعلباً (حياً) من ذيله وقربوا رأسه من شكمان السيارة و(بوووم) !!

وآخر لشباب  يسكبون على قطة صغيرة بنزيناً ثم يضرمون فيها النار .. حية!! كانوا يتسلون !! ثم قال : “يذكرون أن موقع يوتيوب حذف المقطع .. فشلونا الله يفشلهم !! “

ورأيت أنا مقطعاً لشاب “يتسلى” بضرب عامل بخيزرانة في يده ، وضربه حتى صار العامل يبكي بصوت مرتفع .. ينوح بالأصح .. ورغم أني أضع نفسي دائماً مكان الأم فآبى أن أدعو على شاب أزعجني بتفحيط أو تبختر بدباب مزعج أو رفع موسيقى عالية في الثالثة صباحاً إلا أن عدة دعوات انفلتت من فمي لا شعورياً حين شاهدت ذلك المقطع : جاك كسر في يدك . حسبي الله عليك . وجع الله يشيلك .

 لم يكن الضرب في الحقيقة مؤلماً لهذه الدرجة ، وتساءلت : لِم لم يطلق الرجل لساقيه العنان ؟ أتراه الإحساس بالذل والقهر والعجز شل قدميه ، فلم يملك إلا العويل على كرامته المهدورة وعلى الفقر الذي دفعه ليترك وطناً وأماً وزوجة وابنة ، آملاً بمرتب –وإن كان مجحفاً- إلا أنه سيكفيه ليبني بيتاً يقي أهله من الأمطار اليومية ، ويجعلهم يأكلون اللحم أسبوعياً ويصنعون خبزهم من حَب أفضل ؟

هذه الكرامة التي تنزف دماً مسفوحاً هي نفسها التي حركت ثورات العالم .. حين لا تُراعى ولا تُدارى ، وتكون قيمة الإنسان في المجتمع أقل من قيمة نعال العمرة ، وحين يجتمع من هؤلاء الأشخاص الآلاف الذين يعانون من جور الكفيل وضعف الراتب وترف المخدوم وسماجته اللزجة فيتسلط عليهم بقلب تجرد من الرحمة والإنسانية فضلاً عن الأخلاق والذوق ، عند كل ذلك ، أعرف لم كان وجود هؤلاء الآلاف في بلادنا خطراً على أمننا .

وحين أنظر إلى أولئك السامجين اللزجين الذين “يتسلون” بأذية مخلوقات الله، وأحاول أن أفكر في كمية السادية التي تغلف قلوبهم بحيث يطربهم بكاء إنسان وعواء حيوان، أدرك أنهم نفس الشباب الذين يكسرون صناديق البريد الجديدة في الأحياء ، ويشعلون النار في الإطارات في الحدائق العامة ليتمتعوا بكمية جيدة من الإثارة حين يرون سيارة الإطفاء تهرع لتطفئ الحريق  .. عندها أعرف منشأ زبانية السجون وشبيحة الأنظمة الجائرة .

الشباب في بلادنا مهمشين بالرغم من تصريحات المسؤولين بأنهم عماد الوطن وأنهم محل اهتمام الى آخر هذه الجعجعة التي لا نرى لها طحيناً ، وأبسط مثال على ذلك أن مدننا مدن عجائز .. لا ترى فيها ملاعب ولا مماشي ولا أماكن ترفيهية ، بل ولا دورات تدريبية . وأرجو ألا “ينبرش” عليّ أحد ويقول : موجود .

نعم هو موجود ولكن أين ، وبكم ، وكم منها تتوفر لكل ألفي شاب ؟

حينما زرت الولايات المتحدة قبل 28 عاماً تقريباً دُهشت لملاعب التنس العامة ( المجانية ) التي كانت (منتشرة) في المدينة التي كان يدرس أخي فيها، ومن يحب هذه اللعبة يعلم جيداً التكلفة العالية لإنشاء هذا الملعب.. ( تلميحة : الأرضية وحدها يكلف النوع الأدنى منها لملعب واحد : 45 ألف دولار ، بدون الكشافات والأسوار والشبكة ).

بلادنا تخلو من شواغل جيدة للشباب وتصريفات لطاقاتهم .. ويوم أن أرادوا أن يفعلوا لهم شيئاً ، سمحوا لهم بالدخول للمولات .

 أين ملاعب الكرة المجانية التي لا تكلف شيئاً كثيراً ، أين المماشي المنتشرة في الأحياء ؟ لماذا لا تُفعّل مراكز الأحياء بأنشطة جذابة ودورات مهمة مدروسة ؟ أعجب من بلد مثل السعودية مترامية الأطراف تلتصق مبانيها التصاقاً مشيناً فلا يفصل شباك داري عن شباك جيراننا إلا أربعة أمتار فقط لسعر أمتار الأراضي المبالغ فيها ، فيضطر صاحب كل أرض أن يستغل جميع المساحات الممكنة لينشئ في أرضه أكبر قدر ممكن من الغرف والشقق ، ولا عزاء للأطفال الذين يحتاجون للجري والانطلاق تحت نظر أهاليهم وأسماعهم .

ما دور المدرسة ؟ لماذا لا يستفاد من مباني المدارس في الفترة المسائية وملاعبها ( إن وجدت ) . لماذا لا يتم الاستفادة من فكرة ساعات خدمة المجتمع بحيث تحسب في رصيد المراهق الدراسي ( المتوسط والثانوي) أو تؤخذ مع الاعتبارات الأخرى لقبوله في الجامعات مثلاً ، أو تستخدم كعقوبات لمن كانت جناياتهم خفيفة ، فيُكلفون بإعادة دهان الجدران الملطخة بكتاباتهم وتنظيف الشواطئ والعمل مع المؤسسات الخيرية  والأربطة . بل أين المدرسون المعدون إعداداً طيباً ليغرسوا تقوى الله  وتعظيمه في نفوس الناشئة أثناء تدربسهم مقررات الفقه والتوحيد والتي لا تزال تتناقص في كل سنة ، فلا يقتصر عملهم على إعطاء الدرس بصورة سطحية وإنما يكافحون بشدة في سبيل توصيل المعلومة وربط قلوب اليافعين بالله تعالى .

أين الدورات التدريبية في تطوير الذات وتنمية المهارات المختلفة والتي تكون بأسعار رمزية أو حتى مجانية .. كل الناس صاروا مصورين محترفين ، ولاعبي كرة ، ومنشدين ، وأطباء ومهندسين ، ولكن كما تعلمون ، نحتاج إلى مهرة في أعمال السباكة والكهرباء وصيانة السيارات والحواسيب  والإسعافات الأولية والتعامل مع حالات الطوارئ .. ليس بالضرورة أن يمتهنوا هذه الحرف ، ولكن يكفي أن يعلموا أبجدياتها مثلما يُفرض على البنات تعلم الأعمال الفنية العقيمة بالرقائق المعدنية وحرق الخشب وألوان الاكريليك التي لا تخرج من الملابس إذا صبغتها خطأ . الطلاب بحاجة إلى تعلم الأساسيات في المنزل وفي السيارة ، وهذا لن يتم مع اعتقادهم بأن (برستيجهم) سيندمر تماماً مع هذه الوظائف الخاصة بفئة ( صديق ) ، فكان واجباً على الدولة تشجيعهم على الإقبال عليها بوضع حوافز مادية وتشجيعية و(تهديدية) ، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن ..

لماذا لا يُفتح باب التجنيد الإجباري ليكون شبابنا رجالاً ؟ التجنيد يعلم الشدة في العيش وقوة التحمل ومهارات أخرى يحتاجها الفرد في الطوارئ . لا أعرف لم يُفترض دائماً أن بلادنا لا أعداء لها وستبقى أبداً في رغد وهناءة .. أليس عدم وضع الاحتمالات الأسوأ من العَجز وسوء التدبير ؟

أين القوانين الصارمة والمفعلة التي تسري على الجميع بلا استثناء ، بل بالقوي قبل الضعيف ، وبالشريف قبل  الوضيع  ، فإن من أمن العقوبة أساء الأدب .. وأي إساءة أدب أكثر من أن تنشر المقاطع تلو المقاطع في تحدٍ سافر لجميع الأخلاق والمشاعر ، لعلمهم بأن ( ما عندك أحد) !

أليس إشغال الشباب بالنافع والمفيد هو تصريف طاقات مكبوتة تظهر آثارها المصغرة في تخريبات اليوم الوطني وقتلى التفحيط وحرق القط وضرب المستضعف الذي لا نُنصر إلا به .

وأرجو أن لا يُفهم أني أهوّن من شأن التربية المنزلية ، فالطفل المستهتر يبدأ استهتاره واحتقاره للضعفاء من بيته حين يرى الأم والأب والأخوة الكبار يحتقرون الخدم ، ويرمون المخلفات في الطريق ولا ينشطون لغرس القيم والأخلاق الحسنة في نفوس أبنائهم ، ولكن هل كل الناس يهتمون لذلك ؟ وإذا لم يهتم الآباء ، فأين دور المدرسة والمجتمع والدولة ؟

كما أني لا أحمّل الدولة مسؤولية توفير وبناء كل شيء – مع اعتقادي أنها قادرة على ذلك لو فعلت – ولكن أين دور الشركات والمؤسسات والبنوك التي تأخذ ولا تعطي إلا بثمن .. لِم لا نرى برامجهم ، كلٌ بقدرته ، في تطوير المجتمع والمساهمة في حل مشاكل الإسكان كتوفير بعض المساكن أو المساعدة في البناء بالقروض الحسنة اليسيرة والإسهام في البرامج الشبابية والعائلية التي تساهم في تحسين دخول العائلات رقيقة الحال .. أين دورهم في رعاية الشباب وإقامة النوادي والمكتبات العامة والنشاطات التدريبية والتطويرية ، ومن ثم تعيينهم في وظائف بدوام جزئي بعد الدوام المدرسي فيستفيدون من ذلك مادياً ونفسياً .

 تقولون أن كل ذلك موجود ؟ أقول : أين ، وما مدى استفادة الشعب منها ؟

الهموم كثيرة والحلول أكثر ، ولا ينقصنا الجهد ولا المال وإنما ينقصنا الهمة وحسن التخطيط . هناك شبيحة صغار ينمون بيننا إذا لم نتداركهم بحلول حكيمة ومنطقية ، والأمر إليكم فانظروا ماذا تفعلون .

حينما كنت مثقفة !

في ظهر الثلاثاء 28/5/1434 هـ  وصلت الدمام عاصمة الساحل الشرقي تلبية لدعوة مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني. توقعت أن أجد في استقبالي كما كنت أرى في الأفلام سابقاً : شخصاً يمسك بلوحة مكتوب عليها اسمي ، و الحمد لله أني لم أتفرس في وجه القوم وأنشغل عن رؤية اللوحة الكبيرة التي كتب عليها : اللقاء السادس للخطاب الثقافي السعودي . كان استقبالهم لنا حسناً ، أشعرني بالأهمية والفخامة ، ثم عُهد إلينا بأحد الموظفين ليوصلنا إلى الفندق . كان سعودياً ” مشخصاً لشماغه ” يرتدي نظارة شمسية ، وتبدو عليه سيما الخطورة والجدية . أحسست أنه سيتقدم إلي ماداً يده ويعرف بنفسه في صرامة : “بوند ، جيمس بوند ” ، لكنه قادنا إلى السيارة  بصمت ، وفي الطريق لم يتمالك ابني عبد الله نفسه – وأنا التي كنت أنتظر ردة فعله بشغف – فهتف ضاحكاً كاتماً الانبهار بكل هذه الطقوس : إيش هذا يا أمي ؟ يفشّل !!

وصلت فندق الشيراتون حيث استقبلتني الدمام بهزة أرضية خفيفة . حسناً لم أكن أعلم أنها هزة أرضية فقد كنت محبوسة في الحمام آنذاك أنتظر خروج العامل الذي استدعيناه ليصلح المكيف .. فشعرت بأن الحمام وكأنه حجرة خشبية تهتز ولها صرير .. تعجبت .. ماهذا الحمام الخشبي ؟ ماذا يصنع العامل بالحجرة ؟ أيحتاج لكل هذا الهز ليفك مسمار جهاز التحكم بالمكيف ؟ ولبثت برهة أفكر في الآلية التي اهتز بها الحمام دون باقي المبنى . ثم فكرت : لعلني أُصبت بدوخة من تعب السفر فتماسكت وركزت على نقطة ما في المرآة لأختبر ثباتي ، فوجدتُني ثابتة .. عند خروجي بعد انصراف العامل أخبرني عبد الله عن الهزة ووجدت منشناً في تويتر يخبرني أن أرض الشرقية اهتزت فرحاً بمقدمي ..

يالها من بداية مطمئنة .

حسناً يكفي مزاحاً وهذراً ولأدخل في المفيد .

دخلنا القاعة المخصصة للنساء عبر دهاليز طويلة مررنا فيها بالمطابخ وقاعة الطعام ، وبعد الكلمات الافتتاحية ابتدأت الجلسة الأولى ولما تكتمل أعداد المشاركين بعد . كانت الجلسات عبارة عن مداخلات ، مدة كل مداخلة 3 دقائق بحد أقصى . يطلب المشارك الإذن بالمداخلة فيدخل اسمه آلياً إلى قائمة الانتظار ، حتى إذا جاء دوره فُتح اللاقط تلقائياً وبدأ في الحديث .

لاحظت أن محاور اللقاء متداخلة ، وفي الحقيقة فإني قضيت وقتاً طويلاً قبل اللقاء أحاول فيه تمييز المحاور عن بعضها لئلا أنسب نقاطاً إلى غير محاورها ، ولوهلة شككت في ذهني العاجز عن استيعاب الفروق والمقاصد ، حتى سمعت أحد المداخلين يذكر هذا التداخل فاطمأن قلبي ..

كانت أبرز نقاط المداخلات ما يلي :

–       أهمية شبكات التواصل الاجتماعي في التعبير عن الآراء بحرية غير مكفولة في غيرها ، وانتشارها بين الشباب ، وطغيانها على الإعلام التقليدي .

–       ذكر التأثيرات السلبية و الإيجابية لشبكات التواصل وحاجة المجتمع للإفادة منها .

–       التركيز على قضايا الفساد وأهمية تجاوب المسؤولين مع تلك القضايا بدلاً من التفكير في إيقاف تويتر مثلا .

–       البعض طالب بسن قوانين تحكم الأخلاقيات في شبكات التواصل والبعض رأى عدم جدوى ذلك وأن الأمر كله يعود إلى إحساس الفرد نفسه بالمسؤولية .

–       ضرورة الاهتمام بالهاشتاقات التي شارك فيها آلاف المغردين لاستطلاعات الرأي .

والذي ظهر جلياً أن هذه النقاط كان يُعاد إثارتها والتنبيه عليها من قبل أكثر المشاركين ، مما يدل على أنها أضحت هماً مشتركاً بين المتحاورين ..

ملاحظات شخصية :

– نسبة الصراحة والكلام بلا قيود كانت مرتفعة بشكل ملحوظ .. كان بعض المشاركين ينهي مداخلته فأقول في نفسي بإعجاب ( دا كلام كِبير قوي ) ، ثم أرى في مؤخرة ذهني شمساً ( الشمس الحقيقية وليست ابنتي شمس ) تضحك باستهزاء ، ولا أعرف ماذا يعني ذلك !

–  لعل من المفيد التنبيه على أن لفظ ( الحوار والمتحاورين ) لفظة غير دقيقة هنا ، فالذي كان يحدث هو إدلاء بالآراء فقط . أحد المشاركين خالفني أثناء مداخلته في رأي لي وذكر اسمي صريحاً ، ولما أرادت الأستاذة مشاعل العيسى الرد على رأي أحد المشاركين واستأذنت مُنعت من الرد وطُلب منها الاكتفاء بالمداخلة فقط ، وعلل رئيس الجلسة ذلك بأن الهدف من الحوار لا ينبغي أن يكون شخصياً.. أثارني هذا الأمر وأحنقني جداً لسببين : الأول أن فيه هدم لثقافة الاستئذان واحترام القوانين ، ولعلها كان ينبغي عليها أن ترد عليه مباشرة كما فعل الأول بلا استئذان ، مع أن رده عليّ لم يسؤني لأنه كان بأدب واحترام ، وسنة الله في البشر الاختلاف ، ولو شاء لجعلهم أمة واحدة . والسبب الثاني : أن من سمات الحوار هو الرد والنقد وتبادل وجهات النظر في النقطة ذاتها وإلا فما الفائدة من ذكرهم لآداب الحوار في افتتاحية الجلسة الأولى إذا لم يتحقق الحوار بالفعل ؟ لعل الأجدر بهم أن يسموه : مداخلات المغردين الثقافية بدلاً من حوار المغردين الثقافي .

– لاحظت أن غالبية المشاركين كانوا يتكلمون بلا ورقة ، في حين أن غالبية المشاركات – وأنا منهن – كن يقرأن قراءة . ومن كانت تتكلم ارتجالاً فهي غالباً ما تكون أكاديمية . كذلك لفت نظري أن المداخلات النسائية أكثر من المداخلات الرجالية .. هذا عزز عندي النظرية الشائعة عن المرأة وقدرتها الكلامية الفذة .

– في  المداخلة الثانية للأستاذ عبد الله المديفر سأل رئيس الجلسة بطريقته الـ ( تراني كافِشْكُمية ) : هل صحيح أنكم منعتم القناة الثقافية من البث المباشر للقاء الثقافي قبل الجلسة بخمس دقائق ؟ وفي حين تعالت ضحكات الاستحسان في قاعة النساء على الأقل ، رانت لحظة صمت استمرت لنصف دقيقة وكأنها نصف يوم قبل أن يُطلب من المديفر إلقاء مداخلته والتي قوبلت بتصفيق في القاعتين .

– فيما بعد برر أ. فيصل المعمر أمين مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني ذلك لترك المجال للتغطية الصحفية ، حيث أن التغطية التلفازية سحبت البساط من التغطية الصحفية ، وقال أنها فرصة لاختبار قدرة شبكات التواصل في نقل المعلومات وتفوقها على الإعلام التقليدي .. ثم أنهى كلامه بما معناه : يعني لا تحسبوا أننا نخبئ شيئاً ، بالعكس هناك شفافية وصدق ووو .. صراحة كرهت الشفافية بعد هذا اللقاء لكثرة ما ذُكرت .. ولو أن ابنتي طلبت مني ورقاً شفافاً لمدرستها فستجني على نفسها حتماً .

– برأيي أن الحوار الوطني لن يكون حواراً بمعنى الكلمة إذا قام به سبعون شخصاً دفعة واحدة ، بل يجب القيام بورش عمل من أجل حوار حقيقي مع التأكيد على أهمية تفعيل التوصيات .

– توقعت أن يكون لرئيس الجلسة دوراً أكبر من مجرد تقديم المداخلين وإيقافهم عند انتهاء الوقت .. توقعت أن يعلق مثلاً .. وكم كان مؤسفاً أن يتم إيقاف بعض المداخلات القيمة لانتهاء الوقت ، ومع أن هذا – تنظيمياً- أمر جيد ، ولكن بعض المداخلات لا تود من صاحبها أن يتوقف ، وبعضها قلت بعد انتهائها : ليته سكت .

– أكد أ. فيصل بن معمر  أن المركز ليس جهة تنفيذية أو تشريعية ، وإنما مجرد جهة تقدم الرأي للمسؤول وتوصل إليه أصوات المتحاورين . وأهاب بالمشاركين التعريف عن مركز الحوار الوطني في حساباتهم في شبكات التواصل ، ولو اتاح لي الفرصة في المداخلة الرابعة لرددت عليه وقلت : أني شخصياً لا أعرف الحوار الوطني فضلاً عن أعرّف به .. كل ما أعرفه عنهم أنهم قوم يجتمعون في قاعات فخمة شديدة التنظيم ويتكلمون بكلام فخم ومثقف ، ثم ينصرفون إلى بيوتهم .. أردت أن أخبره أن إنجازاتكم تحدّث عن أنفسكم .. ضعوا أيدينا على نتائج هذه اللقاءات وأخبرونا أنها من صنع أيديكم وسننطلق لنخبر العالم أجمع ، فنحن كالأطفال ، ينبهرون دائماً بإنجازات آبائهم البسيطة ويحبون أن يتحدثوا عنها ، فقط أخبرونا أين هي .

– المغرد خالد الهاجري @alhajiri_k  رئيس وحدة حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في هيئة حقوق الإنسان بالمنطقة الشرقية ظل أياماً قبل اللقاء يعترض في تويتر على تهميش فئة ذوي الاحتياجات الخاصة ويؤكد على عدم دعوته في المؤتمر ، فلم يفجأنا إلا وقد حضر بلا دعوة وداخل بعتب على المؤتمر.. هو أوصل صوته ولا يضيع حق وراؤه مطالبون .

– وفر المركز معرضاً  صغيراً للكتاب يأخذ منه المشاركون ما شاؤوا ، ولاحظت أن بعض المشاركات حملت معها كمية كبيرة جدا من هذه الكتب ولسان حالها يقول : “كثِّر من البلاش ” .

– إحدى المغردات ظلت تتهكم وتتندر على هذا اللقاء بشكل ممل ، بل وأطلقت إشاعة أن المتحاورين سيأخذون مكافأة 10 آلاف ريال .. حسنأ ، أقول لكم : لم نأخذ من المركز ولا غيره إلا تذاكر درجة أولى ، وضيافة في فندق الشيراتون حيث كان اللقاء ، وذلك لمن كان خارج الدمام .. أعتقد أن مشاركي المنطقة الشرقية – وهم كثيرون -لم يأخذوا شيئاً .

– بعض المداخلات التي لفتت نظري :

– فهد السنيدي : لا للقمع الفكري للحراك الثقافي في الشبكات وإلا ستحدث ردة فعل سيئة .

– محمد الغنيم : هناك 6000 حساب سعودي  وهمي في تويتر ، قد يكون وراءها خطر كبير .

– إبراهيم اليامي : المشاهدات السعودية لليوتيوب نبلغ 120 مليون مشاهدة ، تحتمل الفخر وتحتمل الحذر وهو خطير جدا لأنه يخاطب جميع الحواس .

-هالة القحطاني : كان في المجتمع فترة صمت طويلة ثم جاءت هجمة التقنية ، وشبكات التواصل في الأجهزة الذكية ففتحت مجالات كبيرة للتعبير عن الرأي .

– محمد الشيخ : يجب تفعيل نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية وإلا ستنحو الأمور منحنى خطير .

– صالح السلطان : إنشاء هيئة للفساد هو دليل واعتراف بوجود الفساد بالفعل .

– فهد السعوي : شبكات التواصل صعدت الحراك على السطح بعدما كان في الأقبية ، لكن الحراك هو الحراك .

– محمد الغنيم : تويتر لم يغير شيئاً في بلدنا ، ولم يسقط وزيراً ولم يوظف عاطلاً ، وإنما هو فضفضة فقط .

– مشاعل العيسى : نريد في تويتر ربيعاً عقدياً .

– أماني العوامي : إنهم يخافون من الكلمات ، فمابالهم لا يخافون من الصمت الطويل ؟

– هالة القحطاني : يقولون أن أبواب الحوار مفتوحة ، ولكن في الحقيقة الآذان مغلقة .

أما عن مداخلاتي الثلاث فإليك بعضاً من نقاطها :

–       أظهرت شبكات التواصل ميول الشعب السعودي بشكل عام وتدينه ، وفي المقابل هناك فئة لا تفتأ تهاجم الرموز الدينية والأحكام الشرعية التي تخالف أهواءهم ويكون ذلك علامة التثقف والتنور .

–       كبار السن تمكنوا من التجاوب مع شبكات التواصل بطريقة مذهلة وعلينا تشجيعهم على إبداء آرائهم والإفادة منها .

–       من اللهجات السلبية في لغة خطاب شبكات التواصل : التخوين والعنصرية والبذاءة والشخصنة والتعميم بل والقذف و التكفير .

–       من السلبيات شيوع تكلم الناس في ما لا يتقنونه من أمور الدين وهذا يؤدي إلى تخوين العلماء والتساهل في أمور الدين، وإن عز أي مجتمع منوط يإقامته لهذا الدين وإلا فبإقامة العدل ، فأيهما ترك سقط ولو بعد حين.

–       ضرورة وقوف الشعب في صف واحد ضد المغرضين  الذين يريدون إيغار الصدور عن طريق الهاشتاقات المبالغة أو المكذوبة ، وعدم الخوض فيها وإن غلب على الظن صحتها ، ومعاملتها معاملة النمام في الإعراض عن قوله وتكذيبه دحراً له .

–       أهمية وجود القدوات الجيدة والقريبة ليمكن للعامة الاقتداء بها وتلقي التوجيه منهم .

–       طالبتُ الشرعيين التقليديين تغيير بعضاً من قناعاتهم ومخالطة الناس في هذا المجتمع الافتراضي والصبر على أذاهم وألا تكون مشاركاتهم مقتصرة على الطريقة التقليدية في التذكير والوعظ وإنما التحاور والنقاش مع الاكتفاء أحياناً بالتلميح والإشارة .

مر اليومان بسرعة ، كعادة الأيام السعيدة .. سعدت بلقاء نخبة من المثقفات والأكاديميات والتحاور معهن . سعدت بوجودي في هذا الجو “المثقف” ، التقطت عدة صور لانستجرامي ، ووجدت مادة لتدوينة جديدة لمدونتي .

لا أعرف إن كان ما قلته وقاله غيري من المشاركين سينفع أحداً بالفعل ، إذ أننا لم نأت بأي جديد ، فكل ما قلناه واضح للعيان ، ولكن الكرة الآن – ودائماً-  في ملعب الدولة .. علِمَت ماذا يريد الشعب ، فما عساهم فاعلين ؟

هل تصبرون معي لقراءة ذكريات لن تهمكم ، لعلكم تجدون في بعضها بعضاً منكم ، فالذكريات كثيراً ما تتشابه ، وما ألذ حديث الذكريات السعيدة ، وهي لعمر الله من المتع المبهجات..

إن لم تطلع على الجزء الأول من  استجلاب الذكريات ، فلعلك تفعل الآن ..

في الإجازة الصغيرة منتصف الفصل الدراسي ذهبت في زيارة شائقة إلى الذكريات .. إلى مسقط رأسي .. إلى الخبر الجميلة على الساحل الشرقي .

كانت هذه المرة الأولى التي تجتمع فيها كل هذه العوامل معاً منذ 31 سنة : أذهب أنا وأمي أخي إلى الخبر لأرى جميع أهلي هناك .

هل لي أتحدث عن انطباعاتي عن تغير الدرجة الأولى في الخطوط السعودية عنها قبل ثلاثين سنة وتردي خدماتها ومقاعدها ووجباتها أم أجعل التدوينة خالصة لسرد الذكريات ؟

لا داعي لحرق الدم ، أليس كذلك ؟ حسناً , لننطلق إلى الساحل الشرقي .

حين هبطت في المطار الجديد – بالنسبة لي –  هالني حجمه ورقيه مقارنة بمطار جدة التعيس في جميع نواحيه ..

يكفي الخراطيم التي تنقل المسافرين من وإلى الطائرة  في حين لا يزال مطار جدة يعيش على الباصات والسلالم .

عذراً عذراً ، وعدتكم أن لن أتكلم بما يحرق الدم ..

تذكرت وأنا أمشي في مطار الملك فهد مطارَ الظهران القديم .. شعرت أن طعم الذكريات في حلقي .. أحسست بالروائح والمشاعر تتلبسني . هل تعرف هذا الشعور ، حينما تستغرق في تفاصيل ذكريات قديمة ، وتنفصل عن الواقع تدريجياً حتى لتكاد تشعر بحرارة الهواء آنذاك على جلدك ، تستنشق تلك الروائح وتسمع تلك الأصوات ..

كنت أمشي كالمغيبة ، منبهرة ومنتشية ، لا من هذا المطار الجديد ، وإنما من ذاك الذي برز في مخيلتي ، حين كان أبي رحمه الله يأخذني وأنا صغيرة لنقضي بعض الوقت نتفرج على الطائرات وهي تصعد وتهبط ريثما تقضي أمي زيارتها لصديقتها التي كانت تسكن في سكن المطار الفاخر . كان المدرج قريباً ومتاحاً ويحكي لي أخي أنه كثيراً ما أفلح حين كان طفلاً في الإفلات من بين قضبان السور ليمشي بحرية في مدرج المطار .. أخبرته أني لا زال أذكر في المطار وجود حديقة ما تنضح بعشب قوي الرائحة ، وفيها مراجيح معلقة ، فأطرق بذاكرته إلى خمسين سنة مضت ليقول بصوت حالم : كانت تلك حديقتي المفضلة حينما كنا نسكن في المطار قبل انتقالنا إلى الخبر ..

كلما شممت الآن رائحة العشب الأخضر تدرج ذاكرتي تلقائيا صورة تلك الحديقة التي كنت ألعب فيها وأنا ابنة الخامسة  ، أتمرجح عالياً مع أطفال آخرين لا أعرفهم ، لا يجمع بيننا إلا  صخب الطفولة ..

من قال أن أطفال الخامسة والسادسة تكون ذاكرتهم قصيرة ولا تسعفهم بتفاصيل تلك الحُقب حين يشيبون ..

لو قال بذلك قائل فأنا أؤكد له أنه مخطئ بجدراة .

كان اجتماعنا ليلة الوصول في بيت خالتي لتناول العشاء . دخلت البيت الجديد وتذكرت ذلك البيت القديم الذي كنا نقضي فيه أعيادنا بعد انتقال عائلتي للسكن في جدة قبل أربعين سنة .

كان العيد في جدة مؤلماً وكئيباً وموحشاً حيث لم يكن لدينا هناك إلا بيوت أخوالي فقط ، الذين لم ننشأ معهم ولم نألفهم بعد . كم حاولت أمي تزيين عيدي بفساتين جميلة وزينات مزركشة وأنوار ملونة ، وتأخذني في زيارة لملاهي لونا بارك عصر يوم العيد ، ولكن ما كان ذلك ليفلح في إسعادي وإبعاد ذكريات أعياد الخبر عن ذهني .

إلى أن قررت أن نذهب بعد ذلك لقضاء العيد مع الأهل ..

 الأهل .. يالها من كلمة جميلة عظيمة .. عندها شعرت أن العيد قد عاد له رونقه وبهاءه وجماله .

كنت أجمع من مصروفي الشهري طوال السنة لأشتري به هدايا العيد البسيطة لخالاتي وبنتي خالتيّ اللتين كانتا – ولا زالتا- أختين حين منعني الله الأخوات الحقيقيات .

كان  العيد في بيت خالتي من أجمل ما يمكن أن يحدث لي .. اجتماع العائلة الممتع ، إفطار اليوم الأخير من رمضان، إعداد الزينة من ورق الكريشة الملونة ، والإحساس بالأهمية وسط كل هؤلاء الكبار ، محاولات إخفاء الهدايا المغلفة سلفاً عن أعين الفضوليين من الصغار .. حتى غسل الصحون هائلة العدد كان ممتعاً ما دام مع القوم .

والان أنا أدخل الدار التي فيها نفس الأشخاص الذين كنت أقضي معهم أعيادي القديمة .. إلا أن الدار غير الدار .. هل أزعم أن قيساً كذب بعض الشيء ليضفي نوعاً من الرومانسية على قصته حين قال :

وما حب الديار شغفن قلبي                     ولكن حب من سكن الديارا

هذه دار جديدة ، أنيقة ولكن ليس فيها أياً من الذكريات . ليس فيها تلك المخابئ التي احتوتنا صغاراً ، ولا بقايا اللصاق الذي ثبتنا به زينة العيد ، ولا الجدران التي كانت تسترق السمع لأحاديثنا ليلاً بعد أن ينام الكبار .

كذب قيس – غفر الله له – فحب الديار له شغف ووجد ، خاصة لو حَوَت لحظات جميلة .

في اليوم التالي اصطحبني أخي في الصباح المبكر مع بناتنا لنبحث عن ذكرياتنا القديمة .. مررنا بشارع الأمير خالد ، شارع السوق الكبير في زمني .. رأيت هذا المحل الجميل الذي كان يجلب البضائع المستوردة ، ومنه كانت أمي تشتري ألعابي الفاخرة  . تذكرت للحال لعبة  طابور البطات الصغيرات اللاتي يمشين وراء البطة الأم ، والتلفزيون الصغير الذي يعرض صوراً متحركة بأناشيد الأطفال الانجليزية  المشهورة : ماري عندها حمل صغير ، وجسر لندن يسقط ويسقط  .. رأيت الشارع الضيق الذي كنت أراه كبيراً ، وما علمت إذ ذاك أن عيون الأطفال ترى كل شيء كبيراً .

مشينا قليلاً فإذا بي أمام مدرستي .. صارت الآن مأوى لعمالة ما ، مهدمة ومرقعة ، ولكني أبحرت في فصولها ودهاليزها بذاكرتي .. هنا كان فصلي .. وهنا مستودع الكتب الدراسية التي كانت تسحرني رائحتها .. وهذا المسرح الذي كنت أقف عليه لأنشد في الحفلات .. أما هنا فحجرة التدبير المنزلي .. أتذكر جيداً حين كان موقد حجرة التدبير يعطب فينادونني من فصلي لآخذ صينية البشاميل لبيتنا الذي لا يفصله عن المدرسة إلا شارع صغير ضيق ، فأعطيها لأمي مصحوبة بسلام المعلمة كي تضعها في فرننا حتى تنضج .. لا تسل عن اعتزازي وشعوري بالخطورة وأنا أخرج أمام صديقاتي شامخة الرأس ، فخورة للعبي دور المنقذة من هذا الموقف السخيف الذي سببه الفرن الكهل .

جلت ببصري أبحث عن بيتنا فارتد إلي بصري خاسئاً وهو حسير .. ما وجدت إلا دكاكين صغيرة تتثاءب استعداداً لبداية يوم جديد .. أحسست بشيء من القهر .. أين ذكرياتي ؟ هنا كان بيتنا .. أذكر في فنائه بيت أرانب صغير، وحجرة إخواني بالطابق العلوي ملأها أخي الماهر بالرسم رسوماً متقنة للشخصيات الكارتونية المعروفة آنذاك ، أذكر القطط التي كانت تجول ، ومن هناك نما شغفي بالقطط . أذكر شجرة الفل والتي كانت تهبني يومياً فلة ضخمة عبقة أهديها لمعلمتي في الصف الأول الابتدائي ..

شعرت بشيء من الإحباط وخيبة الأمل ، ولكني سرعان ما نفضته عن ذهني قائلة : أصلا عادي !

أما عن زيارتي لشواطئ الخبر فتلك حكاية أخرى .. شواطئهم غاية في الروعة والجمال .. شواطئ “متعوب عليها” ، والجميل أنها للشعب .. لكل الشعب .. كل الشعب يستطيعون أن ينزلوا في الشاطئ ويستمتعوا بالبحر والرمل ..

هنا ، في شاطئ العزيزية أو في شاطئ نصف القمر والذي لا نزال نسميه بتسميته القديمة جداً Half Moon Bay ، كنا نقضي أول يوم من أيام عيد الأضحى قبل أكثر من ثلاثين سنة .. نبحث عن بقعة فارغة ، غالباً خلف أحد الطعوس المجاورة للشاطئ ونخيم مع عائلة خالتي .. نسبح  ونشوي ونتسامر و ( نشب الضو ) ونقضي أجمل الأوقات دون أن يتطفل علينا أحد من الخارج .. كنا إذا وصلنا انطلق زوج خالتي في ممارسة هوايته في المشي ، فيمشي حتى يغيب عن أنظارنا .. قد ألحق يه إلى مسافة معينة ، أبثره بأسئلتي وثرثرتي ولكنه كان دائماً يجيب بابتسامة عذبة وصدر رحيب .. كم تمنيت أن أراه هذه المرة .. ولكن الزهايمر ثم الموت غيّباه عنا ، فتوفي قبل أن ألقاه لأذكّره بكل ما مضى.

حديث أيام الطفولة عذب .. ذكراها لذيذة ، ونشواها تفرح القلب الحزين .. وعلى آثارها نعيش لحظات جميلة .

 غادرت الخبر آسفة .. كم تمنيت لو جلست هناك أسابيع ..

يومها قلت لإحداهن  : لولا أني في المدينة ، ولا أرضى لها بدلاً لرجعت أعيش في الخبر ..

أطلت عليكم ، سامحوني ، ولكن يخفف عني أني أعلم يقيناً أن بعضكم كان له ذكريات تشبه ذكرياتي . وسأحب حتماً لو شاركتموني بهذه المتعة :  استجلاب الذكريات .

حضرت محاضرة للأستاذة أناهيد السميري في المدينة بتاريخ 4/5/1434 هـ ، بالعنوان أعلاه . حضرت وكلي شغف لأتعلم عن أفضل الوسائل لهذا الفعل ، ليقين اعتقادي بأن كل ما يجري في الساحة من انتهاك الحرمات و التطاول على المقدسات إنما نشأ من قلة أو انعدام تعظيم وتوقير الله تعالى في قلوب الفاعلين ، فإن المرء إذا خلا قلبه عن معبوده الذي فُطر على تعظيمه ومحبته كان بدناً بلا قلب ، ومن ثم أتى بالعجائب و الطوام .

كانت المرة الأولى التي أحضر فيها للأستاذة أناهيد أي درس . إذا رأيتَها لم تعنَ بها أو تبالِ : فهي امرأة بسيطة الهندام للغاية ، وأبعد ما تكون عن البهرجة  ، ولكنها إذا تكلمت علمت أنها جبل حوى علماً.

بدأت الأستاذة كلامها بالناشئة ، وقالت أن أعظم ما يمتلكه هذا النشء هو الفطرة السوية التي خلقه الله عليها ،  ومن مزايا هذه الفطرة :

–        لها استعداد تام لقبول التعاليم الإلهية والأخبار عن الله تعالى .

–       فيها نداءات أساسية تحتاج إلى تلبية : أنا ضعيف يحتاج إلى قوي ، أنا عاجز يحتاج إلى قادر ، أنا فقير يحتاج لغني ، أنا جاهل يحتاج إلى عالم ، وهذه النداءات جوابها في قصار السور بشكل عام حيث يلفت القرآن النظر إلى الإله القوي ، العليم ، الحكيم ، القدير ، الغني ، وهذه من فضائل تلك السور حيث أنها هي التي يُبدأ بتحفيظها للناشئة ويُقرأ بها في الصلوات فتنغرس تلك القيم في وجدانه غرساً  .. ولعل أعظم هذه السور: سورة الإخلاص التي فيها : ( قل هو الله أحد ، الله الصمد ) فمن هو الصمد ؟ هو الذي تصمدُ إليه الخلائق ، ترجوه وتسأله وتضرع إليه حاجاتها سبحانه، وهو الصمد لا جوف له (فلا يحتاج لشيء) ، وهو الصمد ترفع إليه الحاجات : السيد الذي كَمُل في سؤدده وقدرته وعلمه . ( قلت : أرأيت لو غرسنا في نفوس أطفالنا هذه المعاني في كل مناسبة ، أكان يصدر منهم سوء أدب أو شك أو كفر بالله ؟ )

–       تحب الكمال والإحسان ، لذا نجد الله تعالى يصف نفسه دائماً بالإحسان : ( هو الذي خلق لكم ما في الأض جميعاً منه ) ( أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة ) ( وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها ) (الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار ، وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل و النهار ) .. وإن شئت فضع في محرك البحث في تطبيق القرآن الكريم كلمة ( لكم ) وتأمل في إحسان الله .

ومع هذه الفطرة السوية التي تستوي لدى النشء ( قبل أن يطرأ عليها تدخّل البيئة كما في حديث فأبواه يهودانه وينصرانه ) فعندهم أيضاً جانب الطباع ، الطيبة منها والسيئة ، وكثيراً ما تغشي الطباع أعين الوالدين والمربين عن الفطر السوية ، ويتم التعامل مع النشء على أساس الطباع فيقع الظلم عليهم .

فإذا أدركنا هذه الأمور علمنا أي بيئة خصبة ومواتية نملكها ، وسلاحنا الوحيد الذي نحمله هو : الكلام . لكن المشكلة تكمن في أن الكلام إذا خرج بلا مشاعر حقيقية فإنه يصل إلى الطرف الآخر ميتاً مهما كانت حياة الجهة المستقبلة ، فإذا كنا نشتكي أن الناشئ لا يتقبل ( وهو مَن عَلِمنا أن فطرته السوية المتقبلة للتعاليم الإلهية ) لعلمنا أن الخلل من كلامنا نحن الذي يخرج ميتاً بلا مشاعر لأننا لا نستشعر أنفسنا عظمة الله فلن نستطيع أن نوصلها إلى أصحاب الفطر النقية  ، ومعلوم أن تصرفاتنا تعكس تصوراتنا وعقائدنا.

فإذن وصلت بنا الأستاذة أناهيد السميري أن الخلل فينا نحن المربين والآباء ، فكان لزاماً علينا أن نربي أنفسنا على تعظيم الله أولاً لنتمكن من إيصال هذه المفاهيم للناشئة ، وعلى قدر علمنا بالله تكون قدرتنا على غرس تعظيم الله في قلوبهم ، وقد ذكر الله تعالى ذلك في سورة الرعد ( أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبداً رابياً ) فهذا الزبد ، الغثاء ، الذي لا نفع فيه بل قد يكون مضراً ، لا سبيل لدفعه إلا بسيل من العلم ، أما القطرة والقطرتان ( الكلمة و الكلمتان في تعظيم الله ) فلن تصنع شيئاً ، إذ الانشغال بتفاصيل المعرفة بالله هي التي تؤثر على المشاعر وبالتالي العمل .. واقرأ آيات القرآن تجد تفاصيل المعرفة في كل مكان : أسماء الله وصفاته وأفعاله تفصيلاً دقيقاً عجيباً ، والملائكة وتفاصيل اليوم الآخر .. ما أتى الله تعالى به عبثاً وإنما لتقر هذه المعاني في القلوب إذا تدبرتها .

ثم ضربت مثلاً جميلاً كلنا نعرفه في سورة النور ( الله نور السموات والأرض ، مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ، المصباح في زجاجة ، الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ، نور على نور يهدي لنوره من يشاء ) .

فالمشكاة ، التي هي الكوة في الجدار ، فيها مصباح (فتيل) ، والفتيل في زجاجة ( السراج) وهذه الزجاجة كأنها كوكب دري من شدة صفائها ( فالزجاجة وحدها تلمع لمعاناً شديداً إذا سقط عليها النور ) . هذا الفتيل يوقد من زيت شجرة مباركة زيتونة ، هو في غاية اللمعان والصفاء حتى إنه يكاد أن يضيء ولو لم تمسسه نار . فقلب الناشئ هو الزجاجة اللامعة بفطرته السوية ، والعلم عن الله الذي يجب أن يتلقاه هو الزيت الذي يمد الفتيل ، والذي يكاد أن يضيء وحده ، فإذا اجتمعت مع الفطرة السوية والزيت المضيء وجودها في محضن طيب (المشكاة ) لكان هذا المصباح من أقوى ما يكون إضاءة وإنارة ، لهذا لما تلقى الصحابة سيول العلم عن الله ، صادفت فطراً ناصعة ومشاعر قوية من المتكلم فكانوا مَن نعرف ؛ ترسخت المعلومات عن الله في القلوب فأصبحت عقائد ، ثم تفاعلت هذه العقائد مع الطباع فأخرجت شخصيات مختلفة كلها تسد ثغرات لتخدم هذا الدين.

عودة مرة ثانية وثالثة وعاشرة إلى من سيلقي بسيول العلم على أسماع الناشئة ..

عودة إليك أنت أيها الأم أو الأب أو المعلم .. تعاهد نفسك أولاً بالتربية والتعلم عن الله تعالى لتستطيع أن توصل هذه السيول من المعلومات التي تدفع الزبد عن القلب ، وهذا لن تتوصل إليه مالم تقرأ القرآن قراءة تدبر تنتبه فيها إلى خمسة أمور مهمة :

1-              ملاحظة أسمائه تعالى وصفاته وأفعاله .

2-              صفات أولياء الله .

3-              صفات أعداء الله .

4-              معاملته تعالى لأوليائه .

5-              معاملته تعالى لأعدائه .

انتهى اللقاء مع الأستاذة ، وكأنما هبطنا من حالق .. ساعة ونصف قضيتها في رحاب غير الرحاب ، وفي عالم غير العالم .. فتحت لنا فيه آفاق جديدة في إصلاح أنفسنا أولاً ثم تمهيد الطريق لإصلاح النشء .

للحديث بقية ، ولعلي أكمله في تدوينة أخرى يوماً ما .

ومن الفضول ما يُحمد !

عندي عادة ، لا أعرف هل أعتبرها حسنة أو سيئة ..

أحب أن أعرف ما الذي يدور في داخل البيوت والصدور ..

لا ، لست فضولية على الإطلاق ..

حسناً .. لعلي أكون فضولية بعض الشيء ، ولكني كذلك طالما لم أتدخل بالفعل في شؤون الغير .

أعتقد في كثير من الأحيان أن روح الكاتبة بين جنبيّ هي سبب هذه ( اللقافة ) . أحب أن أتخيل ، أن أعرف سبب هذه المشاعر وتلك الأحاسيس ، أن أعيشها وأكتب عنها  ، لعلي أستقي منها بعض الحِكم  .

أخبركم ما الذي أقصده .. أحب عندما أكون في سيارتي – خاصة في الليل – أن أستغل وقت المشوار في تأمل نوافذ البيوت .. رؤية النوافذ المضاءة والستور المسدلة ، أو الأنوار المعلقة ، أو أطراف الجبس في الأسقف تجعلني أتمنى لو استطعت أن أحلق بروحي إلى الداخل لأرى كيف هي حياتهم .. ماذا يفعلون .. كيف يعيشون ؟

ترى ماذا تخبئ هذه النوافذ ؟ ترى ماذا تخفي تلك الستائر ؟

أكاد أسمع أصوات أطفال تلك النافذة وهم يتضاحكون ويتشاجرون محدثين جلبة قوية وقد انهارت والدتهم بجانبهم من التعب والانزعاج ، تدعو الله ربها أن ينزل عليهم النعاس وعليها الصبر ، فأضحك وأقول : أين رأيت هذا المنظر من قبل ؟ أين أين ؟

 أما تلك النافذة فقد عُلق عليها شرشف الصلاة منعاً لضوء الشمس من التسلل صباحاً ، ولنظرات الفضوليين أمثالي من رؤية المشادات التي تحدث بشكل شبه يومي بين الزوجين : هو يشكو إهمالها له ابتداء من عدم سكب كلمات الوله والعشق في أذنيه مع أذكار الصباح و المساء ، وانتهاء بانشغالها عنه بكل شيء في العالم ؛ أطفالها وأهلها ودراستها  .. وهي تشكو إهماله لها ابتداء من تخصيص كل عطلة الأسبوع للسهر مع أصحابه بدلاً من قضاء بعضه معها ومروراً  بإهماله للإصلاحات المنزلية  التي لا ينبغي أن يتولاها إلا الرجال كمفتاح النور الذي ( يكهرب) من يلمسه والعتبة المكسورة التي تخدش قدم كل مار وانتهاء بالستائر التي لا يرى لها داعٍ ، وما باله شرشف الصلاة لا يغني ؟

هؤلاء قوم يحتاجون بشدة إلى تعلم معنى (الخيرية ) في قول النبي صلى الله عليه وسلم (خيركم خيركم لأهله ) ، وإلى الكثير من التضحية براحة الذات والتغافل عن بعض الأخطاء إذكاء لشعلة الحب أن تخبو .

ماذا عن تلكم النافذة ؟

نافذة فاخرة لمكتب باذخ تشغله سيدة أعمال تحسب أن الصلافة والجفاء من لزوميات النجاح . امرأة ( أو قد يكون رجلاً ) فيها جاهلية ، تتعامل بفوقية وتعالي مع خدمها ونساء أبنائها ومن قصدها طلباً لمساعدة أو شفاعة جاه ، مع أنها تحاول كثيراً أن تخفف من غلواء ذلك الطبع في نفسها لكثرة ما سمعت من انتقادات .. ولكنها إذا غضبت فإنها تصرخ وتشتم ولاتراعي أحداً .. يذكرها زوجها أن الناس سيكرهونها ، فتجيب بقرف : ليكرهوني .. هم يكرهون كل ناجح مثابر .. يكرهون كل نظامي .. يريدونها ( شوربة ) ..

لم تعجبني تلك النافذة .. أكاد أرى خاتمة صاحبتها السيئة .. مريضة , عاجزة بعدما تقدم بها السن كثيراً وانفض عنها زخرف العمل والجاه .. لم يعد لها إلا خدمها ونساء أبنائها .. أكره أن أراها تعتقد أن الناس لا زالت تهابها ، وإنما هم في الحقيقة يشفقون عليها ويرحمونها لحسن أخلاقهم وجودة معادنهم . ا

نظروا إلى هذه النافذة العجيبة . . نافذة مستشفى في هذه المرة ..  فيها أربع مريضات يتممن إجراءات ما قبل النوم بعد انصراف الزوار .. هذه إحداهن ، أجريت لها عملية استئصال الثدي قبل يومين .. تقوم وتدور بين جاراتها بعلبة ( براونيز ) فاخرة جاءتها هدية من أمريكا . تمشي محدودبة الظهر وببطء ، فلازال جسدها يرضخ لقوانين العمليات الجراحية الكبرى .. كانت تحسب أنها في كرب وبلاء لهذا الاستئصال الذي هز كيانها النفسي وكاد أن يقوض أركانه ، فلما رأت أمراض رفيقاتها هان عليها ما تجد ، وعلمت أن بلاءها قد يعد نعيماً في معايير البعض يجب أن تحمد الله عليه  ، وأن إظهار الجَلَد والقوة بعد ( تحصين النفس بالأذكار ) هو من التحدث بالنعمة والتأدب مع الله بإظهار ما من الله به عليها ..

هذه نافذة أخرى .. نافذة بائسة لحجرة سائق بنغالي .. الحجرة ذاتها مساحتها 4 أمتار أو أقل .. سيئة الإنارة والتهوية ، وبالطبع سيئة التشطيب ، فقد استأجرها قبله العشرات .. تفوح من جدرها المقشرة رائحة السجائر والوحدة والشوق .. يتمدد فوق سريره الحديدي الصدئ ليطير بخياله إلى أولاده الثمانية الذين يناشدونه بصمت أن يتحمل الغربة والكربة وجور الكفيل ووطأة العمل ليبعث إليهم بأموال ليكملوا دراستهم ويحتلوا مقاعد جيدة في قطار مجتمعهم. لا يدري ، هل سيفخرون بهذا الأب العصامي المثابر أم أنهم سيخجلون حين يُسألون عن عمله فيجيبون كاذبين : ممرض في مستشفى كبيرة .

قبل أن ننتقل إلى تلك النافذة التي تنبعث منها الأصوات المزعجة ، أريدكم فقط أن تلقوا بنظرة إلى الكوة الصغيرة للحجرة الملاصقة لحجرة السائق البنغالي .. هل رأيتم ذاك العامل الذي دخل لتوه إلى حجرته وبادر – حتى قبل أن يخلع حذاءه ليغتسل – إلى ثلاجته الصغيرة ليخرج علبة عصير باردة .. يفتحها ، يسمي الله ، ثم يجرعها دفعة واحدة.. ما شاء الله .. بالعافية يعني !!  ولكني أكاد أشعر ببرودة العصير وحلاوته تنساب في حلقي في هذا الجو الخانق.. يتهلل وجهه تلذذاً وانتشاءً ، يمسح شفتيه بظهر كفه ، ويحمد الله في سعادة .. أعجبني !! أحب شعور الامتنان لله وحمده بإخلاص .. أشعر أن لي رباً  يرعاني ويحب أن يُفرحني وأنا أحب أن أشكره ..

طيب ، هل تسمعون تلك الأصوات المزعجة الصادرة من تلك النافذة ؟ اكتشفت أن هذا فتى قد راهق .. صوته لا تعرف كيف تصنفه .. ويشعر بالكثير من الأهمية .. كيف لا وهو يعيش في مجتمع لا تكاد النسوة يستطعن فعل أي شيء فيه مالم يكن ذلك بقيادة ذكر . أي ذكر .. مواطن أو وافد ، صغير أو كبير .. المهم أن يكون ذكراً . هذا الفتى بالذات أحد (ذكرين ) في الدار .. الأب ( رجل ) كبير في السن .. والذكران الآخران يتناوبان على قضاء حاجيات نساء الدار الأربعة .. طلبات المدارس لا نهائية ولسان حال كل معلمة ( مافي البلد غير ها الولد) فتدلل نفسها بالطلبات الأسبوعية وكأن مكتبة الحي تقبع في أسفل العمارة ، مقاضي البقالة يومية ، المشاوير التي تحتاج منهم إلى توصيل شبه يومية ، وبين هذا وذاك صراخ متواصل من الذكرين وتأفف وتضجر وإذلال للبنات دون أن ينتبها إلى أن الوجبات الثلاث تقدم لهما في مواعيدها بلا طلب ، وأن الثياب تكون جاهزة على الدوام  ، وأن حجرتهما تنظف وتخرج منها الفتيات كيسي قمامة يومياً . فإذا طلبت إحداهن شيئاً ، نظر الذكر إلى جدول مهامه في ذلك اليوم ثم رمى لها “باللا” المعهودة ، وخرج مباشرة بلباس الرياضة ليلحق المباراة .. ويتعالى القهر في نفوس البنات : ما ذنبنا أن كنا في مجتمع موغل في الذكورية ؟  ولكن لا حياة لمن يسمع !

هؤلاء قوم آخرون يحتاجون لمعرفة جيدة يما يعنيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ( خيركم خيركم لأهله ) .

لنختم جولتنا في عالم النوافذ بهذه النافذة .. أكاد لا أرى شيئاً .. الضوء خافت للغاية وعلى السرير رجل يحتضر .. عاش سنين طويلة يكابد فيها عناء الوظيفة ، ونكد الزوجة ، وعقوق الأولاد . كم من دموع سكب ، وإن أشد الدموع ما سكبه رجل مقهور .. تؤذيه زوجته فلا يستطيع أن يطلقها رحمة بعياله .. يكبر أولاده فينهلون من أخلاق أمهم النكدة ، المدير الطاغية ينافر طبيعته اللينة الودودة ، ولكن حتى اللين الودود قد يتصدع قلبه ، فكان يكابر ليقف شامخاً .. إلى أن حان اليوم الذي سقط فيه الفارس مثخناً بعدما علاه السن والمرض .. هاهو الآن يحتضر .. لا يكاد يسمع لغط من حوله .. يتنفس بصعوبة وبصره حديد .. سمع كلمة عابرة من حفيده : تعب كثيراً ، يارب يرتاح !! يفكر فيما تبقى له من ذهن : هل سيرتاح فعلاً لو مات ؟ نفحة قوية من رجاء رفعت أصبعه السبابة ، وتمتم..

لم  أسمع ما قاله .. ولكن لنرجُ له الخير .

والآن .. ما رأيكم بهوايتي ؟ هل تعتقدون أني فضولية بالفعل ؟

زيارتي لمهرجان أيتامنا

في يوم الأربعاء 25 ربيع الأول لعام 1434 أقيم مهرجان أيتامنا الخيري الترفيهي العاشر في ملاعب الكعكي بمدينة جدة ، واستمر حتى الجمعة 27 ربيع الأول .

كانت المرة الأولى التي أسمع فيها عن هذا المهرجان حينما ذهبت في زيارة إلى فرع جدة لمؤسسة أيتام محافظة الطائف وقابلت مديرة الفرع الأستاذة حنان النويصر والتي كانت زميلة دراسة في مدرستي الجميلة دار الحنان .

أخذتني في جولة سريعة لأرى استعداداتهم للمهرجان ، وشد انتباهي الترتيب وتنوع الفعاليات وحمستني جداً لزيارة المهرجان مع ابنتيّ . ما أكد لي هذه الرغبة دعوة الأستاذة حنان الكريمة لإلقاء كلمة عن قصتي مع سرطان الثدي ثم توقيع كتابي .

وصلت يوم الأربعاء قادمة من المدينة مباشرة , فراعني الزحام الشديد قريباً من البوابة .. الشارع ضيق ولا يوجد من ينظم حركة المرور الخانقة إلا رجلي أمن مغلوب على أمرهما ، وما عدا ذلك فلسان حال كل سائق : أنا ومن بعدي الطوفان.

أكرمنا الله في تلك اليومين بطقس بديع لم أشهد مثله في جدة منذ زمن بعيد ، وكان ذلك من حسن حظي إذ لم يسبق لي من قبل إلقاء أي محاضرة إلا في الأماكن المغلقة حسنة التهوية .

قدمتني حنان بمقدمة أعجبتني وأعادت لي ذكريات سعيدة حينما عرّفت بي بأنني زميلتها القديمة في الدراسة والحائزة على الترتيب الأول ولقب الطالبة الثالية ، ولأني أحب هذه المدرسة فأود أن تطلعوا على   شيء من دار الحنان على عجالة . سريعاً هب علي عبق الذكريات السعيدة إلى أنى قمت لألقي كلمتي أمام جمهور من الناس لم يعيرونني انتباها كثيرا ، إذ أني تطفلت عليهم في جلساتهم عند قسم الطبق الخيري ثم طالبتهم بأن يستمعوا إليّ وأنا أحدثهم عن حقائق عن مرض السرطان ..

لابد أني أخطأت في ذلك .. فكرت أني إذا كنت أريد أن ألفت انتباه جمهور فلابد أن أراعي حالته النفسية  .هم لم يحضروا إلى هنا للاستماع إلى موضوع علمي عن مرض يصوَّر دائماً بأنه مميت ، وإنما للوناسة وسعة الصدر ، فقررت أن أغير أسلوبي في اليوم التالي .

يوم الخميس ذهبت مبكرة نوعاً ما لأتفرج على أركان المهرجان .. الزحام كان أخف وحركة السير كانت أكثر تنظيما ، ولعلهم تداركوا الأمر بطريقة ما . قضيت الوقت ما بين المغرب والعشاء في تفقد الأركان .

دعوني أصف لكم المكان .. هو ملعب كرة مكسو بالعشب الطبيعي ، يغريك بكشافاته المتوهجة أن تذرعه جرياً ذهاباً وإياباً ..

في الركن الأيمن منه يقع قسم “مواكب الأجر” للبضائع المستعملة ، وهي فكرة جديدة وجديرة بالنجاح في مجتمعنا ، وتقوم على تبرع الناس بأي شيء عندهم حيث يتم تضبيطه وعرضه للبيع بأسعار زهيدة ، فتجد الكتب القديمة والتحف والفضيات والملابس والأثاث والألعاب والالكترونيات بأسعار مناسبة جدا ويذهب ريع المبيعات كباقي عائدات المهرجان إلى وقف الإحسان للأيتام والأرامل بجمعية أيتام الطائف .

وبعد مواكب الأجر اصطفت طاولات المبيعات التي استأجرها عدد من الأشخاص لبيع بضائعهم الخاصة . مشيت بينها  أتفرج على المعروضات وقلبي مع قلاع القفز المنصوبة في صدر الملعب ، تستهويني ألوانها  وتراودني الطفلة الشقية في داخلي أن أخلع حذائي وانضم إلى جوقة القافزين والقافزات الصغار .

ثم كان ركن التطبيقات الفيزيائية بإشراف الدكتورة ريم الطويرقي الفيزيائية السعودية الخلوقة والتي أحببتها لأول نظرة –وآخرها إذ أنني لم أرها إلا مرة واحدة فقط – استمتعت ابنتي لطيفة في هذا الركن حيث قامت مجموعة من طالبات الدكتورة ريم بإجراء بعض التجارب أمام الحضور وشرحها بطريقة سهلة ومحببة . أسعدني كثيراً هذا الركن إذ أنه عزز مفهوم التعليم بالترفيه لدى الزائرات الصغيرات ، كما أنه أضفى قيمة ثقافية كبيرة للمهرجان.

بعد ذلك زرت الأركان الفنية المتنوعة ما بين تلوين الحجارة والأكواب والجبس ، وصنع أباجورة شخصية وتلوين الطائرات الورقية وصناعة فواصل الكتب ، وتلوين الوجوه وتزيين الكب كيك والمزارع الصغير وغيرها من الأشياء المثيرة .

في ذاك الركن القصي كان بيت الأشباح .. حسناً لن أستطيع أن أخبركم عما كان بداخله فأنا جبانة فيما يختص بهذه الأمور، ولكن دعوني أؤكد لكم أن البيت كان عملاً فنياً ، وقد تم بناؤه خصيصاً لهذا المهرجان ..

في الجهة اليسرى من الملعب كان ركن الطبق الخيري ، وجلسات متفرقة للاستمتاع بالوجبة أو المشروبات المتنوعة ، أو مجرد الجلوس والتحدث إلى الأصدقاء في هذا الجو البديع . وإلى جواره كان ركن الأطفال الصغار حتى سن السادسة وفعاليات خاصة بهم ، وهناك قابلت الكاتبة هديل العباسي والتي كانت تقص قصصها للأطفال بطريقة مشوقة ثم توقع كتبها الثلاثة .. كتباً جميلة بلغة سهلة ، حتى شمس ذات الصف الأول الابتدائي تقرؤها ببساطة.. لم أشعر بالغربة .. هناك من يحكي حكاية ويوقع كتابه غيري !

في الركن البعيد كانت حديقة حيوان مصغرة فيها بضع خراف وديكة رومية وطاووس وثلاث أرانب ، تحلق حولها الأطفال وكأنهم ينظرون إلى مخلوقات فضائية ، ولكني عذرتهم ، فأنا نفسي أحب هذه الحيوانات اللطيفة .

وأخيراً كانت ثمة سينما ضخمة تعرض أفلاماً كرتونية للأطفال . اعذروني على الصور الرديئة ، ولكني لم أفكر أثناء تصويري أني سأحتاجها في تدوينة ، ناهيك عن أنني كنت أصور ليلاً .

المكان رائع والفعاليات أكثر روعة ، وكم تمنيت لو رجعت صغيرة لأستمتع بكل ركن في هذا المهرجان . الفتيات المتطوعات والبالغ عددهن 376 فتاة كن كالفراشات ، يعملن بنشاط وسرور والابتسامة لا تفارق محياهن على الرغم من الجهد الواضح الذي يبذلنه .. أعرف هذا الشعور ، فقد كنت أشعر به أيام الأسواق الخيرية ومعارض الكتاب التي كانت تقيمها دار الحنان في صغري .. شعور بالإثارة والبهجة والحماس المتوقد ..

إلا أن ما ضايقني هو لامبالاة الحضور بنظافة المكان على الرغم من انتشار سلال القمامة بشكل كبير حتى إنك لتخال أنك يكفيك أن تمد يدك لترمي فضلاتك حيثما كنت ، ومع ذلك فكنت أرى قوارير المياه والأطباق البلاستيكية والمناديل الورقية ملقاة بإهمال على الأرض معتمدين تماماً على عاملات النظافة المنتشرات في أرجاء الملعب . كما ضايقني اعتماد المشرفات على الأناشيد المصاحبة للموسيقى والتي يسميها الناس “إيقاعاً” بغير اسمها. أدرك تماماً أنهم سألوا شخصاً ما في حكمها فأفتاهم بالجواز على أساس أنها “إيقاع” وليست موسيقى ، ولكني تضايقت كثيراً ووددت لو أنهم تلافوا ذلك في المهرجانات التالية ويكتفوا بجو المرح العام والطاغي والذي لا يلزم معه أي مؤثرات خارجية تزيد الجو مرحاً وفرحاً مراعاة لمن لا يسمع الموسيقى والإيقاعات مثلي . والحق أني عندما كلمتهم بخفض الصوت وشرحت لهم وجهة نظري أجابوني لذلك مشكورين.

في الثامنة قدمتني حنان مرة أخرى للجمهور .. هذه المرة أثنت عليّ بما ليس فيّ وهذا من كرم أخلاقها ونبلها.

صعدت على المسرح وبدأت أحكي لهم قصتي مع سرطان الثدي . أربعين دقيقة مرت وأنا أتكلم . أحسست بتناغم مع هذا الجمهور الذي بدأ بالتجمع حولي .. حتى بعض الأطفال جلسوا في الكراسي الملونة يستمعون إلى قصتي . تفاعل الحضور واهتمامهم أثلج صدري ، ووجدت في هذه الكلمة أفضل فرصة لإيصال رسالتي إلى أكبر كمية من النساء يمكن تواجدها في مكان واحد .. رسالتي عن أهمية الكشف المبكر ، وعن ملاحظة اللطف الذي ينزله الله تعالى مع البلاء ، وعن إدراك نعم الله التي تحيط بنا وشكره عليها ، وهي أمور أكثر الحديث عنها في تدويناتي كما تعلمون .

أنهيت كلمتي ، وكم امتلأ قلبي فرحاً حين صفق الناس .. أحسست أن كلامي وصل إلى قلوبهم ، ودعوت الله أن ينفع بما قلت ..

توقيع الكتاب كان ممتعاً ، أشعرني بشيء من الزهو والأهمية .. وإجابة استفسارات الناس كانت متعة أخرى .

أشكر القائمين على المهرجان : متبرعين ومتطوعين ومسؤولين على إقامة هذا الحدث الترفيهي الجميل والذي نحتاج لمثله حتماً في بلادنا ، وكم نتمنى أن يُحذى حذو مؤسسة أيتام الطائف في هذا العمل لتكون أكثر من فعالية في العام فتغطي النقص الشديد في الترفيه المثمر والنافع . كما أشكر الأخت الحنونة حنان النويصر على استضافتي في هذا المهرجان وعلى جميع المتع التي عايشتها في تلك السويعات ..