Feeds:
المقالات
التعليقات

لو طلبت منكم أن تذكروا لي ثلاثة أسباب للقشعريرة ، فماذا ستكون إجاباتكم ؟

الأول : الشعور بالبرد.

الثاني : ارتفاع درجة الحرارة .

الثالث : صوت احتكاك الظفر بالسبورة !

حسن .. سأذكر أنا لكم الآن عدة أسباب أخرى تسبب لي القشعريرة وما يسميه الغربيون : جلد الأوزة goosebumps !

هناك مثلاً القصص العجيبة التي أسمعها في تعويض الله المتصدقين .

هل تتخيل أن يؤدي شخص ما صدقة قد يكون أخرجها من نفيس ماله ( الذي قل واحتاج إليه ) ويعطيها لشخص لا يعرفه ليفك عنه كربة أو يفرج عنه هماً .. فلا يلبث أن يرزقه الله أضعاف ما قدم؟

أليس حدوث مثل هذا الأمر يعزز في نفسك وجود الله تعالى وعلمه وإحاطته بمخلوقيه ، وكرمه وجوده فلا يقبل أن يكون أحداً أكرم منه .

من معارفي امرأة تصدقت كثيراً في شبابها.. كثيراً جداً بالنسبة لمالها الأصلي .

ثم أنها طُلقت حينما أسنّت ، وبدأت تشعر بالحاجة إلى أهلها وإلى الناس ، عندها أراها الله تعالى أنه لا ينسى المعروف ، ورأت بعينيها مصداق قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب، ولا يصعد إلى الله إلا الطيب، فإن الله يتقبَّلها بيمينه، ثم يربِّيها لصاحبها كما يربِّي أحدكم فَلُوَّهُ، حتى تكون مثل الجبل ) رواه البخاري ، فصارت تُرزق من حيث لا تحتسب فعلاً ، وما زادها ذاك إلا صدقة ، شكراً لله على رزقه وامتناناً لجوده.

من الأسباب التي تبعث على القشعريرة في نفسي رؤية المصلين في الحرم المكي وهم يؤدون صلاة التراويح .

كنت قد كتبت في الفيس بوك قبل أيام : ( أنظر إلى صلاة العشاء في المسجد الحرام ، المسجد يغص بالمصلين حتى السطح ، قرابة المليونين مصلي يتحركون معاً : يركعون معاً ، ويسجدون معاً في تناغم وامتثال عجيب ، وأفكر : مليونين يؤدون نفس الحركة بأمر رجل واحد .. حتى أمريكا لا تستطيع أن تجند أشخاصاً يفعلون هذا الفعل بهذه الدقة إلا بتدريبات شاقة ، في حين يمكن لأي طفل عندنا في السادسة أن يمتثل.. إنه لدين لو كان له رجال !! )

وبقدر القشعريرة التي تنتابني لرؤية هذا المشهد المهيب ، ينتابني الألم لرؤية تخاذل أبناء هذا الدين عن نصرته . وحين أقول نصرته ، فإني أعني بذلك إقامة حدوده والاعتزاز بتكاليفه وأدائها على خير وجه ، لا محاولة تمييع أحكامه والتملص من أوامره وتهوين شأنه في نفوس المسلمين تحت مظلة (الدين يسر) أو (بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا) … الخ .

تنتابني القشعريرة كذلك حين يستجيب الله دعائي .

حينما أحتاج ( ودائماً أنا لله محتاجة ) فإني أختلي بنفسي ، وأغلق الأنوار لئلا يلهيني رؤية ما في الحجرة، ثم أغمض عيني زيادة في التركيز ، وأبدأ بالثناء على الله تعالى .

تعجبني كلمة : أهل الثناء والمجد .. نعم .. ربي أهل الثناء والمجد .

أسبحه ، وأثني عليه ، وأبدأ في سرد نعمه عليّ وحمدها .. تلك  النعم الصغيرة التي لا نفكر فيها كثيراً .

أذكر لكم بعضها ؟

هناك نعمة الذهاب إلى الحمام .

هل تستهين بهذه النعمة ؟

من يعاني من الإمساك  المزمن، أو كان يتلقى العلاج الكيماوي الذي يسبب الإمساك ، يعرف كم هي عظيمة هذه النعمة .

ليس خروج الفضلات هو النعمة الوحيدة في هذا الأمر .

ولكن من النعم أن تكون لك القدرة على أن تمشي بنفسك ، لا تنتظر مساعدة إلى الحمام وقتما احتجت ، وتغلق عليك الباب وتقضي حاجتك دون أن يسمع منك أحد أو يشم ما تكره .

كم مرة تمارس هذه النعم يومياً .. هل تحمد الله عليها بالذات ؟

حينما تعد لنفسك طعاماً هل تحمد الله على مجموعة النعم التي تركبت منها هذه النعمة العظمى ؟

أنك تجد طعاماً طيباً تأكله ، كما أنك تتلذذ بمذاقه ، ثم أنت تملك ترف الاختيار بين أنواع شتى من المأكولات والحلويات ، في حين حُرم هذه النعم أجمعين أهل الصومال الآن . هل فكرت في نعمة أنك لا تعد طعامك  في زمن أسماء ؟ ( فضلا مراجعة التدوينة السابقة )

هل فكرت أنك تجد طعم البيتزا بيتزا وليس شراب ابنتك القديم ؟ ( فضلا مراجعة التدوينة التي تحمل هذا الاسم )

كم مرة تمارس هذه النعم يومياً ، هل تحمد الله عليها بالذات ؟

أستطيع أن أسرد لك مئات من النعم المركبة : نعمة شرب الماء النظيف البارد ، نعمة الملابس الجديدة ، نعمة التعليم ، نعمة الوالدين ، نعمة الإخوان والأخوات ..

أجلس في الظلام ، وأثني على الله بكل المحامد التي تخطر ببالي ، وأحمده على نعمه تلك نعمة نعمة ، حتى إذا أخذت النفس حظها من الاسترواح بذكر جمال الله ومحامده وامتلأ القلب حباً للباري أذكر حاجتي وأعلم يقيناً أن الله تعالى الذي صفاته ما ذكرت وما علمت سيجيب دعائي ..

فإذا ما استجاب الله فهذه قشعريرة أخرى .. أن الله موجود ، سميع ، حكيم ، عليم ، لطيف ودود ..

قشعريرة أنه كان ربي ، ولم يكن ربي بقرة أو ناراً حارقة ، أو صنماً أجوف .

تأخذني القشعريرةكذلك حينما أقرأ في القرآن ( وكان ذهني حاضراً ) آيات البطش بالظالمين ، ثم أنظر حولي فأرى التاريخ يعيد نفسه ( ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون ) .

أستحضر في ذهني مئات بل آلاف الصرخات للمستضعفين يجأرون إلى الله خالقهم أن ينجيهم ، ونداءات تلو النداءات أن رب ” إني مغلوب فانتصر” !

والظالم يزداد عتواً وتكبراً ويتعرض لوعيد الله بسوء أدبه .. ويحه ، ” أفبعذابنا يستعجلون “؟

ويمهله الله حتى يميز الخبيث من الطيب ، ” فاصبر ، إن العاقبة للمتقين ” .

ولا يزال الظالم يسيء الأدب حتى يستحق أن يأخذه الله ” فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين ” .

هنا تنتابني القشعريرة ، حين أعلم أن الله جبار السماوت والأرض ، يقصم من ينازع الله كبرياءه وعزه ، ويرفع من صبر واتقى فتكون له العاقبة الحسنة .

أخبروني أنتم .. ما الذي يجعل جلودكم  كجلد الأوزة ؟

منذ أن كتبت التدوينة السابقة ، لا زال قلبي مبحراً في آلاء الله .

وزاد شعوري بالامتنان لله واهب النعم مشاهدة حلقة من برنامج آلاء والذي يعرض في عدة قنوات محافظة .

صرت أبحث بعقلي وعيني عن مظاهر نعم الله على عباده .

وأود في تدوينة اليوم أن أشارككم بعض النتائج .

قد تكون الفكرة مكررة ، ولكن ( معليش )  .

اصبروا عليّ واعتبروها مجاملة عابرة من تلك المجاملات التي تقدمونها لي بين الحين والآخر عندما أفرض عليكم قراءة ذكريات امرأة عجوز أو أحداثها اليومية .

دخلت المطبخ قبل قليل للبدء بإعداد طعام الفطور .

هنا هالني كمية النعم الموجودة في المطبخ .

أتعلمون كم من الوقت والجهد اختُزل بهذا التطور الحضاري الذي أصابنا ؟

هذه أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها تقول : ” تَزَوّجَني الزّبَير وما لـه في الأرضِ مِنْ مالٍ ولا مَمْلوكٍ ولا شيءٍ غيرَ ناضحٍ وغير فَرَسِهِ ، فكنتُ أعلِفُ فرسَه ، وأستقي الماء ، وأخرِزُ غَربَهُ وأعجِن ، ولم أكن أُحسِنُ أخبز ! وكان يَخبزُ جاراتٌ لي من الأنصار ، وكـنّ نِسـوَةَ صـِدق ، وكنتُ أنقل النّوَى من أرض الزّبير التي أقطَعَهُ رسولُ صلى الله عليه وسلم على رأسي ، وهي مِنِّي على ثُلثَي فَرسَخ … “

كلما قرأت أثر أسماء أضيع يدي على رأسي لهول فعلها وأتخيل نفسي مكانها في حر المدينة الشديد التي من صبر على لأوائها وجهدها كان النبي صلى الله عليه وسلم له شفيعاً وشاهداً يوم القيامة .

اليوم جلست أفكر في طريقة إعداد مائدة الإفطار والتي ستتكون اليوم من شوربة الحب ، والسمبوسك باللحم المفروم ودوارق الماء البارد وعصير الفيمتو والتانج  فقط.

فكرت أني لو كنت أعيش في زمن أسماء رضي الله عنها فلا بد من  الاستيقاظ من الفجر أو قبله بقليل لأعد هذه المائدة البسيطة ، فضلاً عن الأصناف الأخرى والسحور .

دعونا نلعب هذه اللعبة ونتخيل كيف سنصنع لو كنا في ذاك الزمان وأردنا إعداد هذه المائدة .

أولاً لابد أن نذهب للبئر للحصول على الماء ..

الله يعلم أين تقع البئر .. لا أظنك ستجد بئراً في حديقة كل بيت .

كم دلواً سنحتاج ؟

نحتاج ماء للشوربة ولعجين السمبوسك والفيمتو والتانج ..وللماء نفسه .

أوه ، نسيت أني يجب أن أغسل المكونات .. هذا ماء إضافي .

والآن عليّ أن أذهب إلى الحظيرة ، أجمع بعض البيض لأضعه بعد سلقه في حشوة السمبوسك ، ثم أمر على الأغنام ، أنتقي خروفاً حسناً فأذبحه ..

يا إله الكون ، ذبحه وسلخه وتقطيعه وتوزيعه سيستغرق النهار بأكمله ..

لا تنسوا أني لا أملك ثلاجة في هذا العصر ، والخادم ستكون مشغولة بتوصيل قطع اللحم إلى جيراننا.

والآن أضع اللحم بعد غسله في القدر لينضج ، ولابد أن أعجن مبكراً ليرتاح قليلاً قبل فرده .

أخرج مرة أخرى إلى الجرين ( المخزن ) لأستخرج منه حبات القمح التي حصدها أولادي قبل فترة ..

أضعه في الرحى ( الطاحونة ) وأطحنها ..

يا إلهي ، هذا أمر متعب ..

أوتش .. أنظر إلى يدي فأجدهما شديدتا الإحمرار وبعض الندوب هنا وهناك من هذه الرحى الثقيلة .

أخيراً صار عندي بعض الدقيق ، أصب عليه شيئاً من الماء في الدلو وأعجن عجيني، وأتركه ليرتاح في (الطست) .

أنظر إلى الشمس ، انتصف النهار وأنا في عمل مستمر .

أين بناتي الكسلانات ؟ أين تلك الخادم المراوغة ؟

تركنني جميعاً لأعمل وحدي في إعداد هذه السفرة المتواضعة .

عليّ ملء هذه الجرار الفخارية ووضعها عند النافذة لتبرد قليلاً قبل تناولها عند أذان المغرب .

أووووف . هذا الدلو ثقيل .

لا أعلم كيف تحمل الحمار المسكين وزنه طيلة هذه المسافة من البئر ( التي لا أعلم حتى الآن موقعها ) إلى بيتي .

هذه الجرة للماء ، وهذه للتانج والثالثة للفيمتو .

وهنا أستميحكم عذراً على تجاوز هذه النقطة وأرجو أن لا يسألني أحد من أين حصلت على الفيمتو والتانج في ذلك الزمان ، ولكن لابد لقصتي من بعض الحبكة غير المنطقية ، فقط لتكونوا في الصورة .

أووووووه ، نسيت أن أفرم اللحم .

أتطلع إلى الشمس بقلق فقد بدأت بالاصفرار ، ولم يتبق للمغرب إلا ساعتين ونصف فقط .

منذ أن استيقظت فجراً لم أتوقف عن العمل إلا لأداء الصلاة .

حلقي يكاد يتشقق ، وقواي بدأت تخور .

لا ، لست هنا مريضة بالسرطان لحسن الحظ .. يكفيني هذا العمل .

وضعت اللحم في هاون معدني كبير وصرت أضرب به قطع اللحم ، وهنا تقافز حولي صغاري يطالبون بحصتهم في هذه اللعبة ، كلٌ يريد أن يضرب قليلاً .

أعطيتهم ذلك لأتمكن من فعل شيء آخر ..

خرجت إلى الحقل .. يا ربي .. الحر شديد ..

قطفت بعض أعواد البقدونس وأتيت ببعض حبات البصل وقفلت راجعة مسرعة قبل أن تناديني جارتي المرفهة التي تعيش في أزمنتكم  لتتحدث معي ، وقد أنهت من إعداد مائدتها من العصر، وهاهي الآن تقرأ القرآن وتنتظر فقط قلي السمبوسك ..

رجعت وأعددت البقدونس وسلقت البيض بحمد الله ، ولما انتهيت وجدت أن صغاري أنهوا عملهم بنجاح …. تقريباً ..

لولا نصف اللحم المتناثر من الهاون لكان عملهم متقناً .

أعددت الحشوة وناديت على الخادم لتساعدني في إعداد السمبوسك .

فرد العجينة متعب ، وأهل المدينة معروفون بعجينة البف ، ولازالت قواي تضعف بعد كل هذا الجهد الشاق .

صرخت بصوت واهن على صغاري الذين فضلوا البقاء في أزمنتهم وقطع الوقت بلعب الكمبيوتر بدلاً من ركوب الأحصنة الخشبية واللعب بعرائس العهن ، وطلبت منهم إعداد المائدة .

أخشى ألا أكمل التدوينة لشدة ما أصابني من وهن .

يبدو أن عليّ الرضوخ للواقع  وأعود لزمني ..

فالوقت أدركني ولا زال أمامي خرف التمر من النخلة ، وجلب الحطب لاستخدامه في القلي فقد استنفذ سلق اللحم ما عندي من حطب .

أوووه ، هناك إعداد الشوربة نفسها وكنت قد تمنيت لو بقي لي متسع من الوقت لإعداد بعض اللقيمات .

ولكن الوقت .. الوقت  ..

إضافة إلى أن جهدي لباقي اليوم قد استنفذ ولا أعرف كيف سأقرأ وردي ، أو أصلي التراويح ..

حسناً حسناً .سأعود مضطرة (وفرحة) إلى زماني في الخامسة عصراً .

أفتح مكيف المطبخ سريعاً ، أضع الحب على الشوربة وأدعها تغلي على الموقد الكهربائي ، وأضع دوارق الماء والعصيرات في الفريزر الكبير .

أسخن الزيت وابدأ بقلي السمبوسك ، وفي أثناء ذلك تقوم الخادم سعيدة ( هذا ليس اسمها ، وإنما هو “حال” من الخادم ) بغسل الأطباق بالماء النظيف النازل من الحنفية ، أرادته حاراً أو بارداً حصلت عليه كما أرادته .

وهكذا أنهيت إعداد مائدتي المتواضعة في يوم كامل .

أوف ..  تعبت من مجرد السرد، فكيف بالعمل الفعلي ؟

طبعا تعلمون هوايتي في ( التنكيد ) ، وأني لا أحب إضاعة فرصة الوعظ كلما سنحت .

الآن قس كل ما يمكنك قياسه من هذه النعم على يومي الرمضاني المتعب في زمان أسماء رضي الله عنها .

كم من الوقت أمكنك اختصاره بالتمتع بكل هذه النعم التي وهبك الله ؟

لا أريد أن أكرر النعم ، ولكني أريدك أن تفتح باباً واسعاً لخيالك وتفكر .

والآن …

ماذا فعلت في هذا الوقت الزائد ؟

ماذا فعلت في هذا الجهد الفائض ؟

هل أمضيته في طاعة أو أضعته في كلام فارغ لا يأتي عليك بنفع ، أو الأسوأ من ذلك : في معصية تحارب فيها الله ، الكريم الذي وهبك كل شيء ؟

هل تقاصرت همتك عن ختم جزء من القرآن ، أو عن أن يلهج لسانك بتسبيح الله بعض مئات المرات ( وللمعلومية فكل مئة تسبيحة تستغرق 3 دقائق فقط ) .

هل ألغيت قيام نصف التراويح لأنها متعبة  وتستغرق وقتاً طويلاً ، ثم هي سنة بعد كل شيء وليست فرضاً؟

تعتقد أن أسئلتي صعبة ؟

ماذا لو سألتك عن حفظ القرآن ، أو طلب العلم ، أو خدمة الفقراء في بيوتهم ، وغيرها من الأعمال الكبيرة فعلاً ؟

هل تشعر أنك مكبل عن الذكر والطاعة ؟

لا بأس لا بأس ..

لا أريد إحراجك ..

أنا فقط أسأل نفسي المقصرة عن طريقك .

عذراً !

لابد لي من القيام لإعداد الشوربة والسمبوسك ، بالطريقة الحديثة هذه المرة ، فلم أقرأ القرآن اليوم بعد .

ذهب الظمأ !

لا زال رمضان مقترناً في ذهني بالمسرات ..

فعلا كالضيف الحبيب الذي ( يتغلى ) ..

يطبق حقاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : زر غباً تزدد حباً .

بدأ رمضان البارحة .
البارحة بالذات كان يوماً مغبراً في مدينة جدة .

تنظر إلى الأجواء عبر النافذة في حجرتك المكيفة فلا ترى للشمس سطوعاً ، فيخيل لك أن الجو مغيماً.

القلوب تتأهب لاستقبال رمضان ..

الشوارع مليئة بمن يشتري ( مقاضي رمضان ) في آخر لحظة .

وفي فمي طعم غريب ..

تذكرت مثل هذا الوقت في العام الماضي .

حين كنت أتلقى العلاج في جدة، بعيدة عن أولادي .

لم يزل جسدي يئن تحت آثار التاكسوتير المزعج ، لا شعر ، لا رموش ولا حواجب .. فقط ظهر محدودب قصمه الوهن والوحدة ، وملامح متعبة منهكة ، وقلب ينبض رضا بالله وعن الله ..

كان لساني يجد طعوماً مضحكة لأشياء أستطيع أن أقسم أن طعمها لم يكن كذلك في يوم من الأيام.

ودعوني أؤكد لكم أن الطعوم كانت سيئة !

حركتي بطيئة ، ومشيي مثقل مهموم ، ولا عجب ..

فمهما كنت أتمتع بنفسية متفائلة إلا أني لابد أن أضعف أحياناً بين الحين والآخر .

لا تنسوا أني كنت مصابة بالسرطان .

أرجوكم لا تطالبوني بأن أكون المرأة الحديدية .

حتى الحديد يضعف مع كثرة الطرق أحياناً .

كنت أنظر إلى نفسي في المرآة وأتحسس رأسي الذي يبدو كالبيضة  .

فيه شعر خفيف جداً  ، أخف من زغب الطير .

أكاد لا أرى حواجبي ، وربما أقلت أجفاني ستاً أو سبعاً من الشعيرات .

أتحسس وجهي وأتنهد .

لم أبدو وكأني في السبعين ؟

والله لا أبكي يومياً ، بل ولا أسبوعياً ، فلم هذه الملامح ؟

هل يغير الكيماوي الملامح ؟

أمشي وتلتقط عيناي صورتي في المرآة ، فأرى جسداً محنياً يمشي مشية ( بطريقية ) ، ويصيبني الذعر ..

لكني لست في السبعين ..

أنا في الخامسة والأربعين فقط  ، ولياقتي لا بأس بها ..

أقصد ، لياقتي (كانت ) لا بأس بها .

فلم هذا الوهن والضعف ؟

وفي مؤخرة عقلي أسمع صوتاً مرحاً يقول : مرحباً بك في نادي السرطانيات نياهاهاهاهاهاها .

فأهز رأسي وأقول : يا لك من خفيف الظل !

حين دخل شهر رمضان في العام الماضي لا أعرف كيف استطعت أن أصوم.

بل لعل الصيام كان أسهل علي بسبب قلة شهيتي لتناول الطعام .

لم يكن لشوربة الحب التي تعدها أمي ذات المذاق اللذيذ ، ولا للسمبوسك ( البف ) الشهير .

أما العصيرات فحدث ولا حرج .

هذا عصير فيمتو ؟ لابد أنك تمزح .. هذا دواء ( الكحة ) !

هل هذه بيتزا ، أم شراب ابنتي القديم  ! ( وراجع إن شئت التدوينة التي تحمل هذا الاسم )

كان الصيف شديد الوطأة  في تلك السنة  ، وجسمي يتصبب عرقاً في حر جدة الرطب .

العلاج الهرموني يسبب الكثير من اختلال الهرمونات وأعراض كأعراض انقطاع الطمث .

كنب أمي الجلدي يزيد الأمر صعوبة .

كنت أجلس أمام المكيف فتصرخ رجلاي ألماً .

أغطي رجليّ بغطاء سميك فقط لأبدو كجدة عجوز :

نظارة ، ملامح متعبة ، ظهر محدودب ، طاقةخائرة وغطاء على الرجلين ..

ينقصني كرسي هزاز حتماً .

يا الله  ..

متى تنقضي هذه الأيام ؟

متى أستعيد عافيتي لأستمتع بالمشي السريع دون حاجة إلى الاعتماد على ظهر الكنبة أو طرف الطاولة؟

لأستمتع بالبيتزا والتبولة وماء الزمزم ؟

لأستمتع برؤية ملامح واضحة لوجهي دون الحاجة إلى تحديدها بالقلم : هنا حاجب وهذه رموش  .

لأستمتع بالمشي بلا بندانا في هذا الجو القائظ تزيد من ارتفاع حرارتي.

ولمن يسأل : نعم ، لم أكن لأخرج حاسرة الرأس أبداً .

لم أرد أن يصاب الناظر إليّ بصدمة وهو يرى رأس بيضية ( نسبة إلى البيض ) لامرأة !

قلت من قبل أن الناس يألفون رؤية رجل أصلع ، ولكن امرأة صلعاء ….. لا أعدكم بذلك كثيراً .

متى أستعيد عافيتي لأستعيد حياتي ؟

والآن ..

 وبعد سنة كاملة ..

أنظر إلى الوراء وأبتسم .

ها أنا اليوم أقضي أول رمضان مع أمي في جدة وأولادي كلهم .

حسناً .. كلهم تقريباً فخالد لا يزال في المدينة .

أمسح على شعري المصفف بعناية وقد صار يبدو كشعر امرأة أخيراً .

أستمتع بجو المكيف دون أن تعترض علي رجليّ .

ويسيل لعابي كلما اقترب وقت المغرب فلساني في شوق إلى الأكلات الرمضانية التي حُرم منها العام الماضي .

أفكر مبتهجة أني بحمد الله لم أسخط ولا ثانية واحدة على قضاء الله علي بالسرطان .

كنت دائماً راضية عنه ، لأني اعتبرتها فرصة لتكفير جبال سيئاتي .

كنت دائماً أفكر أنه منّ عليّ بهذا المرض ليرفع درجاتي عنده وأحمد الله  أنه كان بلاء محتملاً .

متعباً جداً نعم .. ولكنه يظل محتملاً .

كنت أدعو الله فأبدأ بالثناء عليه ( لأدخل في جو الدعاء ) فيقودني الثناء إلى التفكر بالنعم الهائلة التي وجدت نفسي محاطة بها لسنين ، والآن ، مع السرطان فقط انتبهت .

لِم يحتاج الإنسان أن يُبتلى ليعرف عظمة ربه وسعة رحمته وعظيم كرمه ؟

(ناس ما تقيش إلا بالشخيط ؟)

الآن ، وقد عافى الله جسدي من المرض ( مبدئياً ) وعرفني نعمه وألطافه ، وغدت تلك الأيام ذكريات ..

أحمد الله أنهاذكريات حسنة ، رأى مني الله صبراً ورضاً ، بل وشكراً .. أجلس لأكتب لكم وقد امتلأ قلبي بهجة ..

 أبتسم وأقول : ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله .

شموس في حياتي

عندي قناعة شبه أكيدة أن التدوينات التي تكتب عن الأطفال هي من أجملها على الإطلاق ، على الأقل في نفس كاتبها .

أولئك مخلوقات طاهرة بريئة (مهما بلغ خبث أحدهم ومكره ) ، ماهرة في انتزاع البسمات والضحكات من قلوب (الطبيعيين ) من الناس .

تذكرون تدوينتي بعنوان : ” حكاية ما قبل النوم ، بطولة شمس !” ؟

كانت هذه من أنجح التدوينات التي نالت استحسان القراء الأعزاء .

الأطفال نعمة من الله .

وأحدد الأطفال ممن لم يتجاوزوا السادسة من  العمر ..

فإذا كبروا  فإنهم قد يتحولون تدريجياً ( بقصد أو بدون قصد ) إلى أدوات تعذيب لآبائهم .

أما قبل ذلك فذاك عالم باهر من الروعة والبهاء .

كلما أردت استجلاب شيء من السعادة أتذكر شيئاً من أولادي حينما كانوا صغاراً ..

أحاول أن أتذكر ما لا يستدر دمعي في الحقيقة، فأنا بعد سفر سهل زادت شهيتي نحو البكاء !

كم أتوق للأيام التي كنت فيها ( كل ) عالمهم  .

يكفي الرضيع فيهم أن يغرق في عينيّ فيشعر أنه في الجنة ذاتها .

وصغيرهم كان يعتقد أني أعلم من في الأرض .

لمساتهم حنان دفاق .

ونظراتهم وله وعشق .

حسن .. أحاول أن لا أخرج عن الخط المعتدل إلى خط الحزن والدراما بهذه التدوينة .. يكفي تدوينة سهل أليس كذلك؟

في الواقع أشعر أني بتدوينة ” رحلة إلى عالم النسيان ” قد قدمت جرعات مأساوية تكفي لعدةأشهر قادمة .

لكن ما أثار هذا الموضوع قبل قليل أن شمساً كانت تمشط شعري..

قررت أن تلعب دور مصففة الشعر ( أبلة ميرفت ) فأخذت تمشط شعري وتفرقه يمنة ويسرة ، ثم تنظر إلي وتقول :

 يا ناااااس ..

وتكرر العمل ، وتغير ( التسريحة ) وفي كل مرة تختم ذلك بأن تنظر إلى وجهي وتقول : يا نااااس .

اقتربت لطيفة منا بفضول ، وظلت تنظر إلى ما تفعله شمس ، ثم أعطتها بعض التوجيهات لتخرج منها بنتيجة مفادها أني أشبه ( دانة ) .

قالت شمس : ( ايوة صح ، زي دانة ) !

ثم سكتت برهة وقالت : مين دانة ؟

ضحكت عالياً .. ولبثت أفكر .. كم من الجمال يراه الأطفال في أمهاتهم وآبائهم .

كم من الحب يغمرون أهليهم به بكل أريحية  ، في لمساتهم ، في كلماتهم ، في نظراتهم ..

حينما سقط شعر رأسي بعد الجرعة الأولى من العلاج الكيماوي كان شكلي غريباً بالتأكيد .

مهما حاول مَن حولي إقناعي بأن شكلي ( عادي ) إلا أن لي عينين في رأسي أبصر بهما شكلي وأستطيع التفريق جيداً بين ما كان يبدو ( عادياً ) وما لم يكن كذلك .

أتخيل وجود رجل أصلع .. فهذا عادي فعلاً بسبب العمرة والحج .

أما امرأة صلعاء ، فهي غريبة بغرابة لفظ الكلمة : ( امرأة صلعاء ) !

كانت شمسي رفيقتي في فترة المرض والعلاج ..

وكانت تحب دائماً أن تحتضن رأسي من خلفي وتمسح عليه بيديها معاً .

لم تكن تخاف من شكلي ولاتنفر منه ..

بل كان يستهويها جداً أن تضم رأسي إلى صدرها وتقبله ..

كنت أشعر أن هذه الحركة نعمة من الله ، تعيد إلى قلبي بعضا ً من الحياة .

حينما كان عبد الله في الابتدائية كان يستلم مكافأة التحفيظ ويلفها بورقة كتب فيها رسالة حب وشكر على ( تعبي في تربيتهم ) ويضعها بجانب سريري .

وحين كان الثلاثة الكبار صغاراً كانوا يحبون أن يفاجئوني بترتيب البيت ترتيباً متقناً نظيفاً ، أو يأتي أحدهم ليلعب بشعري وهي حركة نسميها ( حَبّو ) فتسترخي أعصابي .

الأطفال تظل أعينهم على آبائهم ، يرصدون حركاتهم وأقوالهم ويتعلمون منهم .

قبل الاختبارات كنت في جدة لمدة أسبوع بسبب موعدي مع طبيب الأورام .

خرجت في إحدى الليالي ورجعت متأخرة ولما تنم شمسي بعد .

وضعتها في فراشي وأنا متيقنة أنها ستنام خلال خمس دقائق ، ولكنها تأخرت عن ذلك كثيراً .

أصابني الملل وأدركت أني طالما كنت معها في الحجرة فلن تنام ، لذا أخبرتها أني سأذهب إلى دورة المياه كي أتوضأ وأغسل أسناني ، وأن عليها ألا تقوم من فراشها حتى أعود .

خرجت وكلي أمل أن تنام خلال هذه الفترة ..

وبعد خمس دقائق مررت بالحجرة فسمعتها تغني فقررت أن أتأخر عن الدخول إليها قليلاً ريثما تنام .

وذهبت إلى الصالة وفتحت كمبيوتري لأتفقد أحوال المنتدى .

وجدت مواضيع تحتاج إلى رد فاستغرقت في الكتابة لأفاجأ بعد قليل بصوت من ورائي يقول : الكذب حرام !

كاد قلبي يتوقف ..

ففي هدأة الليل ، والسكون المزعج خرجت شمس من الحجرة لما انتبهت إلى تأخري عنها ، ومشت بخطوات صغيرة رقيقة على الأرض المكسوة بالبساط في بيت أمي لتكتشفني جالسة أطقطق على الكمبيوتر وأنا التي وعدتها أن أرجع إليها بعد انتهائي من طقوس ما قبل النوم .

اقشعر جلدي ، وبردت أطرافي ، وأكاد أجزم أن الأدرينالين قارب على أن ( يخبط ) السقف برأسه .

التفت إليها سريعاً ، وقبل أن أتكلم ، دخلت بهدوء وهي تنظر إلي نظرة جانبية ، وقد ارتسمت الجدية الصارمة على وجهها ، وكررت بصوت حازم : الكذب حرام ..

هنا تداعت إلى ذعني كل مقاطع الرعب التي شاهدتها حين كنت أمثل ( الكوالة ) في مراهقتي .

لوهلة خاطفة تخيلت أني سأسمع صوتاً عميقاً يخرج من جوفها ليقول : الكذب حرام .

أنتم لم تروا النظرة ..

ولم تسمعوا النبرة  ..

كانت خطيرة بالفعل ..

وللمعلومية .. شمسي ممثلة بارعة ، وتتقن جداً تمثيل هذه النظرات لتشعرك بالذنب أو الخوف أو الاحتقار ، أو ما شاءته وكان مناسباً للظرف .

كانت ترتدي قميص نوم طويل ، وظلام البيت من خلفها ، فبدت بالفعل وكأنها خارجة من أحد أفلام الرعب التقليدية.

انتبهت من فزعي وقلت : بسم الله ، فجعتيني ..

فقالت وقد لانت نظرتها بعض الشيء : الكذب حرام .. ما قلتي حترجعي ؟ كيف قاعدة ع الكمبيوتر ؟

قمت إليها وأمسكت يدها الصغيرة وقدتها إلى الحجرة وعقلي يفكر : أوه الحمد لله . تتكلم بطريقة عادية .. لم تخرج إذن من أفلام الرعب .

شرحت لها أني قصدت فعلاً الرجوع إليها بعد انتهائي من الوضوء ، ولكني أتيت إلى الصالة لأرى شيئاً سريعاً فانتهى بي المقام إلى التطويل ، وأخبرتها أن : أمي لا تكذب ..

أعترف أني اخطأت نواعترف أني لم أقصد خداعها ، وإنما كان قصدي ألا أتواجد معها لتتمكن من النوم سريعاً .

وأعترف أنها منذ ذلك اليوم صارت تفسر كل ما لا يحدث (حرفياً ) مما أخبرها به أنه كذب ، ولو كان في الحقيقة سوء فهم أو خطأ غير مقصود . وصارت تكرر لي : الكذب حرام يا أمي.

ماكان موضوع هذه التدوينة بالضبط ؟

لا أعرف .. لا شيئ محدد هناك .

فقط أحببت ان أشارككم خواطري بشأن هؤلاء الأحبة ..

لا أعني بها شمس فقط .. وإنما شموس حياتي أجمعين .

حينما شخص الطبيب مرضي لأول مرة ، كان أول سؤال سألته : هل سأموت خلال سنة؟

ضحك وقال: يا شيخة ، اذكري الله  .

لم أستطع أبداً استيعاب أني مريضة بالسرطان ..

أتمزح ؟ سرطان ؟ ذاك بعبع قاتل ..

كيف أصاب أنا به ؟

لم يكن رفضاً بقدر ما كان عدم تصديق .

حتى بعد أن تناولت 4 جلسات من الكيماوي وسقط شعري ، وصرت أملك صلعة لامعة تضاهي (أقدع ) صلعة (لأقدع ) حاج أو معتمر ، كنت أشعر أن هذا حلم .

ثم تم استئصال العلامة الفارقة الكبرى بين النساء والرجال ، ولا زلت بين تصديق وتكذيب ..

والآن بعد مرور أكثر من سنة ونصف على تشخيص الحلم ، أقصد المرض أفكر :كل هذه ( المصائب ) ولا زلت أكاد لا أصدق ؟

فماذا عن الآلام التي عانيت منها في الكيماوي، ماذا عن الآلام النفسية الناجمة عن تساقط الشعر ؟ ماذا عن الحروق التي عانيت منها بعد الإشعاعي ؟ ماذا عن الخوف من رجوع المرض ؟

ماذا عن هاجس  الموت بالمرض .

ثم يأتيني الجواب :

وماذا عن النعم الهائلة التي اكتشفت وجودها بعد المرض ؟

ماذا عن الحب الذي أحاطك به أهلك  وأصدقاؤك ؟ ماذا عن ألطاف الله التي اكتشفت أنك محاطة بها طيلة حياتك ولم تعلمي إلا بعد إصابتك ؟

ماذا عن قناعتك التامة بأن أقدار الله كلها خير ، وأن الله حكيم عليم لطيف ، وأنه إن ابتلاك فقد عافاك من قبل كثيراً، وإن أخذ منك ثدياً فقد أعطاك أشياء أخرى من قبل كثيراً ..

ماذا عن مقولة : أنه ما ابتلاك ليعذبك ، ولكن ابتلاك ليصطفيك ويهذبك .

ماذا عن أن أكبر سبب للوفيات هو أمراض القلب وحوادث الطرق وليس السرطان  ، ومع ذلك فإننا لا نخاف من تناول الأطباق المدججة بالدهون ، ولا ركوب السيارات والإسراع بها فوق 140 كم .

الخلاصة: لا يموت الإنسان بالمرض ، وإنما يموت بانقضاء الأجل ..

باستطاعتي أن أقبع في زاوية الحجرة ليل نهار ، أتأمل ما فاتني من شبابي وأبكي على الأطلال ،ولكني بهذه الطريقة أكون قد استعجلت تعاستي فلا أنا بالتي شفيت من مرضي ، ولا أنا بالتي استمتعت بالنعم  الأخرى التي لا أزال أمتلكها .

باستطاعتي أن أرتدي نظاراتي السوداء وأنظر إلى الكأس نصف الفارغة ، إلى الجانب المظلم الكئيب الموحش من القمر ، إلى حموضة الليمون المزعجة ..

ولكن ألا تحمي نظراتي السوداء عيناي من أشعة الشمس الباهرة ( خاصة لو كانت من عدسات جيدة الصنع ، غالية الثمن ) ، والكأس نصف الفارغة أستطيع أن أملأ فراغها ثلجاً لأستمتع بمشروب منعش ومثلج في قيظ المدينة الفاخر ، والجانب المظلم من القمر يخبرنا عن عمر الهلال الذي ننتظره في رمضان والأعياد , وقطرات الليمون ضرورية عندي لأستمتع بأطباق الحساء والملوخية والسلطة .

أدركت أنه من العبث أن أضيع حياتي كلها لأن فكرة واحدة لم تتحقق ، وهي : الصحة الكاملة .

من كل شيء سألنا ربنا أعطانا،  إلا أنه أمسك عني بعضاَ من الصحة ابتلاء وتهذيباً وتكفيراً للسيئات ، ورفعاً للدرجات، أفيجمل بي أن أندب حظي أبد الدهر ؟

لا يموت المرء بالمرض وإنما يموت بانقضاء أجله .

ومادام أن لي وقتاً محدداً سأموت فيه فلأستمتع بأيامي الباقية – طالت أو قصرت – مع أهلي وصديقاتي وأحبائي وما تبقى من صحتي ..

حتماً لا أملك أن أغير في موعد انقضاء أجلي ، ولكن بإمكاني تغيير نوعية حياتي إلى الأجود بالرضا ، وبإيجاد متع تجعل حياتي حدائق نور ..

ماذا عنك أنت ..

هل نظارتك الشمسية ماركة أبو ألف ، أو أنها ماركة أبو ….

صغائر كبيرة !

قبل أيام طلبت من أخي الكبير أن يتصل على إحدى مؤسسات السرطان العلاجية في الولايات المتحدة ليحصل على إذنهم بترجمة الفيديوهات التعليمية التي حشدوا بها موقعهم لأقوم بالتعاون مع ابنة أخي بترجمة بعضها لمنتدى طهر لمريضات السرطان .

قام أخي بالاتصال على الرقم الذي زودونا به وشرح لهم مبتغانا فقاموا بتحويله إلى إدارة أخرى ، ليشرح لهم ثانية ، وهكذا تم تحويله عدة مرات ، وفي كل مرة كان يشرح الطلب ويقابل بالاعتذار والتعاون إلى أن وصل إلى من طلبت منه الاتصال في اليوم التالي على القسم المختص ( بالبزنس ) لأن اليوم عطلة رسمية والعاملين الآن من المتطوعين في قسم المرضى فقط ..

تذكرت أن اليوم كان الرابع من يوليو وهو يوم الاستقلال الأمريكي ..

إلا أن ما لفت انتباهي بشدة أن يقوم كم لا بأس به من الموظفين بالعمل في يوم عطلة رسمية تطوعاً لخدمة المرضى .

ثمة أمر آخر ، وهو كمية الأدب والاحترام الذي تلقاه أخي أثناء اتصاله ، وفي كل مرة كانت تقدم له الاعتذرات والتأسفات على التأخير ريثما يتم البحث عن طلبه .

ومباشرة تمت مقارنة هذا الأمر بما يجري عندنا !!

وفي ذهني دار التساؤل : ما الذي يدفع هؤلاء الناس لحسن التعامل مع الغير ؟

وتذكرت حينما كنت في الولايات المتحدة ونقوم بشراء أغراض البقالة ، تنهي ( الكاشييرة) معاملتها مع الزبون بقولها : have a nice day ..

وإنما استدللت بالبقالة لأنها أدنى الأسواق منزلة ومكانة ، إذ بإمكانك أن تشتري منهم بما يساوي 5 ريالات فقط وتتلقى نفس المعاملة الحسنة .

ومن هنا كانت فكرة هذه التدوينة..

كثير من الأشياء نفتقدها في حياتنا وتعاملاتنا اليومية مع بعضنا البعض ..

وإذا نظرنا فيها وجدناها أموراً صغيرة ولكنها كبيرة في الحقيقة ..

إنها صغائر كبيرة ..

هل كان العنوان موهماً ؟

هل حسبت الموضوع أمراً آخر غير ما تقرؤه الآن ؟

ربما كنت تعتقد أني سأتحدث عن موضوع ديني ..

 هو موضوع ديني بالفعل ولكن من زاوية أخرى .

نحتاج أن نثقف أنفسنا بثقافة التحلي بالصغائر الكبيرة لتحلو الحياة.

ألا يأمرنا ديننا بإحسان الخلق ، والتبسم في وجه أخيك ، وأن تعين الرجل أو تحمله على دابته فهو لك صدقة ؟

لن أعمم وأقول أننا نفتقد هذه الآداب في التعامل في دوائرنا ومؤسساتنا ومع بعضنا البعض ، فمن قال: هلك الناس فهو أهلكهم ، فقط أقول أننا نحتاج إلى المزيد.

كما أننا نحتاج أن نشجع من تحلى بهذه الفضائل ونشد على يديه .

أثناء زيارتي الأسبوع الماضي لموعدي في مستشفى الحرس  الوطني بجدة، طلب مني الطبيب إجراء تصوير للقلب ، وكانت موظفة الاستقبال في ذاك القسم مدهشة بحق في تعاملها .

أزعم أني لم أر بدماثتها وحسن أخلاقها إلا رقماً صغيراً أقل من أصابع اليدين طيلة حياتي .

عندما أتممت التصوير المطلوب اتجهت إليها وشكرتها بحرارة ، فقط لتعلم أن حسن أخلاقها لا ينبغي أن يمر دون تقدير في الوقت الذي كان بإمكانها أن تستغل وظيفتها في إرضاء عنجهيتها التي يتقنها الكثيرون.

ثقافة التحلي بالصغائر الكبيرة تمتد لتشمل أنواع من الصدقات ..

هي غير صدقات المال ، والتي يتهرب منها الكثيرون للمناسبة ..

إنها صدقات الجاه ، وبذل النفس في غير القتال .

ما الذي يكلفك أن تصحب شخصاً في حاجته عند كبير أو وجيه يقدرك فتشفع له أو تطلب أن يساعده فيفعل ؟

ما الذي يكلفك أن ترسل عدة رسائل إلى الميسورين تطلب منهم صدقات لأناس أنت تعرف حاجتهم جيداً فتفك أسرهم وتفرج كربهم ؟

ما الذي يمنع أن تتطوع بما تتقنه لنشر دعوة الإسلام أو تعليم الجاليات آيات من القرآن أو تكون واسطة بين الميسورين والمعوزين في توصيل صدقاتهم ؟

في درس السند الماضي ، كان عند شيختي خمس طالبات ينتظرن دورهن للقراءة عليها .

كل طالبة كانت تقرأ ما لا يقل عن ست صفحات من القرآن قراءة متقنة مجودة ومرتلة ، وهذا أمر يستغرق ما يقارب الساعة على الأقل لكل طالبة ..

كانت إحدى الزميلات تقرأ فرفعت بصري فجأة إلى شيختي وصديقتي الأستاذة أمال كمال فوجدتها تستمع بإنصات إلى القراءة .. توجه وتصحح .

هذه امرأة تبذل نفسها وتقتطع من وقتها الساعات الطوال لتقرئ طالبات لا تأخذ منهن ريالاً واحداً .

ما الذي تستفيده هي ؟

كنت إذا ( سمّعت ) لأولادي قبل أن ينضموا إلى حلقة التحفيظ يصيبني النعاس بعد ثلث ساعة فقط، وأبدأ بالتثاؤب وأغلق عيناي قليلاً ( لأريحهما ) ويخطئ الولد وأنا في أحلامي السعيدة .

حتى إذا ما انتبهت رددت إليه المصحف وقلت له : (راجع كويس وتعال لي بعد المغرب !) ..

عذر فقط لأغفو قليلاً .

يومها نظرت إلى أمال وفكرت : لا يبدو عليها أثر النعاس .. يبدو أنها نامت جيداً البارحة. لكني لو كانت مكانها لخفق رأسي مراراً في هذه الساعات الخمس ولربما رددتهم جميعاً إلى بيوتهم لأتمتع بغفوة هانئة.

لو فكر كل الناس بثقافة البذل والعطاء ، كلٌ في مجاله وما يتقنه فكيف يكون حالنا ؟

انظر إلى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : ” بلغوا عني ولو آية ” البخاري .

لا ينبغي علينا أن نحتقر الأعمال الصغيرة فلا يدري أحدنا بأي عمل يدخل الجنة .

ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله ،

وأدناها إماطة الأذى عن الطريق ” ؟

ألم يخبرنا أن الله غفر لبغي سقت كلباً ماء ؟

ألم يأمرنا أن نكثر ماء المرق إذا طبخناه ونتعاهد جيراننا ؟

لا أريد أن أقضي نهاري في سرد الأشياء الصغيرة التي نفتقدها في حياتنا وتعاملاتنا مع بعضنا البعض ، مما تضفي البهجة والمحبة في حياتنا .

ولكن علينا أن نكون أكثر انتباهاً وبصيرة بها ، فلا يدري أحدنا متى يحتاج إلى المساعدة التي بخل بها عن غيره .

بعد عملية الاستئصال كان علي التوجه إلى المستشفى عدة مرات في عشرة أيام لمراقبة السوائل في أنبوب التصريف المثبت في الجرح ، ولفحص الجرح نفسه وتغيير اللصقات والشاش .

كانت الممرضة التي تولت ذلك فليبنية مسلمة ، أدت عملاً متقناً وبارعاً ينم عن إخلاص وتفان .

وعندما نزع الطبيب أنبوب التصريف في الزيارة الأخيرة ونظفت الممرضة مكان الجرح علمت أني أرغب في الاغتسال حالما أعود إلى البيت ، فقامت برش مادة عازلة على مكان الجرح وأعطتني المزيد من الشاش المعقم اللاصق ، من النوع الذي لا أجد مثله في الصيدليات الخاصة ، ثم ساعدتني على النهوض من السرير , فلم أتمالك نفسي أن هتفت لها : ( إنت مرة كويسة) ! سأدعو لك .

كنت أشعر أني أسيرة إحسان هذه الممرضة ..

نعم .. هي أحسنت لي بإتقان عملها وحسن تعاملها معي في ضعفي ومرضي .

فكنت أدعو لها بالفعل دائماً في صلاتي أن يسخر لها  زوجها ويهدي أولادها – لو كانت ذات زوج وأولاد –

المثير في الأمر أن الممرضة تذكرتني في زيارتي التالية بعد خمسة أشهر أثناء أخذ بيانات الوزن والضغط وتعجبت من تذكرها لي وأنا منتقبة ولا يبدو مني إلا نظارتي ..

وبصراحة ، أنا نسيتها ، فكيف تذكرتني هي ؟

لم أجد لذلك تفسيراً إلا أن تكون قد تذكرتني بسبب شكري لها على حسن تعاملها في وقت كانت الممرضات يتحدثن من ( طرف خشومهن ) ، والمرضى ينهرون الممرضات ويشتموهن أحياناً .

لم يكلفها إتقانها شيئاً ، ولم يكلفني شكرها شيئاً ..

لكن ألم يثمر كلا عملينا ثمراً جيداً ؟

والآن ، وقد اقترب شهر رمضان ، شهر الصدقات ..

بادر بالتصدق بمالك وجاهك وحسن أخلاقك.

عود نفسك وأولادك على ثقافة الصغائر الكبيرة .

ولا تحقرن من المعروف شيئاً ، فما كان عندك قليلاً قد يعني لغيرك الكثير .

أطعم الطعام ولو لغير فقير ، فكل الناس يحبون أن يُهدوا شيئاً من الطعام .

أعر أذنك لاستشارة أو فضفضة أو نصيحة .

إذا رأيت ما يعجبك فبرِّك وأخبر صاحبه بما أعجبك وأدخل السرور في قلبه بثنائك .

لا تنس أنت تشكر كل من أسدى إليك خدمة أو معروفاً خاصة ضعاف الناس كالخدم والسائقين والباعة.

أطلق لخيالك العنان في هذه الثقافة .

اخرج عن صمتك وتجاوز كسلك وبادر بالعطاء ، لعل كلمة منك أو فعلاً لا تلقي له بالاً يرفع أناساً لقمة السعادة !

متع مبهجات : رمضان زمان (2)

كنت قد عزمت على أن أخصص لرمضان تدوينة واحدة لأني لا أعرف ما الذي يمكنني أن أكتب فيه أكثر من ذلك ، وعندما قرأت تعليق فاطم على التدوينة السابقة ، ذكرتني برمضاناتي الفريدة مع أولادي حينما كانوا صغاراً .

كان الثلاثة الكبار يساعدونني دائماً في المطبخ – في رمضان وغيره – حينما كنت أكثر شباباً وأطول نفساً في توجيههم و الصبر على أخطائهم ..

كانوا يساعدونني في تقشير البصل ودق الثوم ، وطقطقة المفرومة ، وتنقية الرز ( في العصور التي كان الرز يأتينا مسوساً أحياناً أو به حبات سمر لا تزال بأغلفتها ) وإحضار ما يلزمني من الثلاجة أو الدولاب ، ولما كان أحدهم يعترض بأن ذلك ليس هو نوع المساعدة التي كان يتخيلها ويأملها كنت أجيب بحكمة أن الطاهي المحترف ( الشيف) لا يصبح طاهياً محترفاً في يوم وليلة ، وإنما يبدأ من الصفر : من غسل الصحون وتقشير البطاطس ويظل يترقى حتى يبدأ في الطهي الفعلي وينتهي به المطاف ليصبح ( شيفاً ) ذا خمسة نجوم ..

لا أدري من أين أتيت بهذه المعلومات ومدى صحتها ..

ربما أكون قرأتها في إحدى قصص ميكي وبطوط ..

المهم أنك يا بني تحتاج للمرور بكل هذه المراحل لتصير (شيفاً ) ممتازاً .

وأكاد أقرأ أفكارهم وهم يتسائلون بحيرة : ومن قال أني أريد أن أصبح شيفاً ؟!

قبل رمضان بعشرة أيام تقريباً أقوم في كثير من الأحيان بإعداد كميات من السمبوسك وكنزها في الفريزر تحسباً للأيام التي أكون فيها متعبة ولا أتمكن من إعدادها .

كما أني أنتهز فرصة رخص البقدونس قبل رمضان والذي يقفز سعره 300% في أول يوم من رمضان .. فالحزمة التي تباع عادة بريال ، نشتريها في رمضان بثلاثة ريالات !

فإذا كانت الليلة الثلاثين من شعبان تسمرنا أمام التلفزيون ( هذا في أيام قنوات المجد والفلك ، أما قبل ذلك فكنا نتسمر أمام المذياع ) ونضطر للاستماع إلى كل البرامج حتى يخرج لنا المذيع الذي يعلن نبأ دخول رمضان ، فيتقافز صغاري فرحين ..

سبحان الله .. حتى الصغار يحبون هذا الشهر العجيب ، ولا أظنه بسبب الشوربة و السمبوسك ، فهذه أطعمة صرنا نعدها في غير رمضان .

لابد أن لرمضان سحراً خاصاً يفتن البشر .

حينها أعد السحور التقليدي والذي عودتنا عليه أمي مذ كنا صغاراً : الاسباجيتي وصلصة البولونيز. والسر في اختيار هذه الأكلة هو سهولة إعداد الصلصة من وقت مبكر ، فلو أعلن عن رمضان فلا نحتاج إلا إلى إعداد الاسباجيتي وتسخين الصلصة للسحور ، وأما لو أكملنا شعبان ثلاثين فبإمكاننا حفظ الصلصة في الثلاجة لغد .

وفي يوم رمضان فإنا نستيقظ جميعاً عند صلاة الظهر لأداء الصلاة ثم نقرأ شيئاً من القرآن قبل العصر ..

يمكنني بمزيد من الدقة أن أقول ( أقرأ ) شيئاً من القرآن ، وذلك لأن أولادي يتجهون مباشرة إلى محاريبهم الخاصة : أجهزة الكمبيوتر والتي تنوعت في بيتنا : ابتداء بكمبيوتر ( صخر ) ومروراً بالأحدث تقنية كالننتيندو بأنواعه وانتهاء بالإكس بوكس ، في حين أظل أذكرهم بفضل قراءة القرآن في رمضان وأجره ، وأحياناً إذا ما ثارت ثائرتي أمنعهم من اللعب حتى يقرؤوا جزءاً واحداً على الأقل .

ولايزال سهل مثار تندرنا جميعاً عليه حينما اعترف لنا أنه قرأ ما بين العصر والمغرب في أحد الأيام من سورة آل عمران إلى سورة يوسف !

أفهم أن يكون المرء سريع القراءة ، لكن يقرأ في ساعتين عشرة أجزاء ، فهذا ما يسمى بالقراءة النووية .. لو كان ثمة قراءة بالفعل .

طبعاً كل ذلك في الأيام التي كنا ننعم فيها بالإجازة الصيفية ، أما إذا وافق رمضان الدوام المدرسي فيكون عذاباً بحق ، إذ كنت أستيقظ مرة قبل الفجر لأدس في أفواه أولادي التمر وأجرعهم الماء وهم يبتلعون كل ذلك آلياً وأعينهم مغمضة بشدة في محاولة يائسة للإبقاء على الأحلام التي انتزعتهم منها .

ثم أوقظهم مرة ثانية ليقوموا فعلياً للذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر ، ثم أوقظهم مرة ثالثة في الثامنة و النصف للذهاب إلى المدرسة ، ثم أستيقظ للمرة الأخيرة في الثانية عشر لبدء اليوم .

(وعلى طاري ) إيقاظ الأطفال ، فكم أضحك من أفعال بعض من أوقظهم لأداء الصلاة ، أو للذهاب إلى الحمام قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه..

أحدهم حينما أوقظته نظر إلي بعينين فارغتين ثم مد يده وهمهم بكلمات سريعة : أديني أديني ، وكأنه يأخذ كتاباً من شخص مجهول ثم يقلب صفحات الكتاب ، فأنبهه مرة أخرى فينظر إلي ثانية ، ليعود إلى الوسادة من جديد .

وآخر أوقظه لصلاة الفجر فيقوم ويتجه على الحمام فيجده مغلقاً فيحتار قليلاً ، ثم لا يلبث – تحت وطأة النوم – أن ييمم وجهه شطر باب الحمام ويكبر ويصلي ركعة واحدة ويقفل راجعاً إلى فراشه !

قبل صلاة العصر يبدأ الإعداد لطعام الإفطار ..

وكل يوم تقريباً أفكر بنفس السؤال : أمكث في المطبخ كل هذا الوقت لإعداد إفطارنا والذي لا يتجاوز غالباً الشوربة والسمبوسك والفول ( أو سلطة التونة ) وما يماثل وجبة غداء عادية ( رز وإيدام) لزوجي الذي تربى على هذه النوعية من الإفطار الدسم وصنف واحد فقط من الحلويات أحياناً ، فكم تقضي النساء اللاتي يقمن بإعداد نوعين أو ثلاثة من المعجنات وأنواع الحلويات ونوعين من الشوربة للإفطار ، ثم طعاماً آخر للعشاء ، ثم السحور ؟

ماذا يمكننا تسمية هذا الإهدار للوقت في رمضان ؟

أشعر أن رمضان له عند الناس جاذبية خاصة في ما يتعلق بأنواع المأكولات ، والبرامج التلفزيونية .

كل يوم رمضاني أفتح إذاعة القرآن عصراً أثناء إعداد الإفطار لأستمتع بقراءة الشيخ محمد أيوب ، والذي صار بالنسبة لي علماً على رمضان ، حتى إذا ما سمعت قراءته في أي وقت آخر تلتقي نظراتي بنظرات فاطم ويبتسم قلبانا ثم تتداعى على ذهني فوراً بقية المكونات لأصنع في خيالي يوماً رمضانياً مجيداً : رائحة الشوربة على النار ، والبقدونس المقطع ، واللحم المفروم ( وهو يتطقطق ) ، وماء الزهر في طبق الحلوى ، وهدير المكيف ، والحلق الناشف ، و الطاقة التي بدأت تخور في نهاية اليوم .

وهنا يأتي دور الذكور في المساعدة : أناديهم لتعبئة دوارق المياه ، وشيء خاص بزمزم بعد تبخيره بالمستكة ، وثالث لمشروب الفيمتو الرمضاني الشهير ، ورابع حديث أضفناه مؤخراً لتانج البرتقال كل ذلك نرصه بحرص في الفريزر الكبير ليكون مثلجاً عند الإفطار ..

وبعد ذلك يأتي دور تعبئة التمر .. أنا أحب الصقعي أو سكري عنيزة الضخم لو توفر ، وأولادي يحبون السكري ( المرقد ) فنعبئ من النوعين لإرضاء كافة الأذواق .

وبين هذا وذاك يهربون لإكمال لعبة الكمبيوتر التي ( حطوها على ستارت ) دون إتمام عملهم فأناديهم مرة ثا*نية لإعطائهم محاضرة في إتقان العمل وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه..

في العصر الرمضاني يأتيني كل يوم الابن الصغير الذي بدأ للتو في التعود على الصيام مخبراً أنه بدأ منذ اللحظة في الصوم !!

ومنذ أن يخبرني هذا الولد بذلك إلى أن يؤذن المغرب ، يكون قد طلب مني ما لا يقل عن خمس مرات أن ( يكنسل ) صيام اليوم ويبدأ من غد ، فقط ليشرب فنجاناً من الفيمتو البارد ، أو تتناول ملعقة من مفرومة السمبوسك ، أو لأنه عطشان ، أو لأنها نسيت أن ( تتسحر ) قبل العصر !

وأظل في أخذ ورد مع هذا الصغير إلى أن يؤذن المغرب فأتنفس الصعداء أن : هذا يوم آخر انقضى.

في المساء يكون الجو الرمضاني الرهيب بسماع أصوات الأئمة في المساجد المجاورة تختلط في قراءات مختلفة في صلاة التراويح ، كثيرمنه اقراءات سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة حتى يبدؤوا بدعاء القنوت ، ويتخلل ذلك كله أصوات الألعاب النارية ( الطراطيع ) التي يبدأ موسمها في أواخر شهر شعبان ، وأصوات الأطفال وهم يتجمعون في الشارع أمام لعبة ( الفرفيرة ) التي نصبها أحدهم ليلعب أطفال الحي ومراهقوه ( وربما بعض الزائرين من الأحياء المجاورة ) مقابل مبلغ مالي بسيط ، أو أمام عربية لبيع البليلة والذرة .

رمضان هو الشهر الوحيد الذي لا أجد فيه غضاضة من إرسال ولدي الصغير الذي يبلغ العاشرة إلى البقالات المجاورة في الثانية عشر ليلاً ، إذ جميع الدكاكين مفتوحة ، وحركة الشارع مستمرة ، وكأن الوقت لا يزال الثامنة مساء .

كم من أشياء لا نجد لذتها ولا فرحتها إلا في رمضان .

يكفيني الشعور بالسلام النفسي ..

أتراه من إحساسي الشخصي بتصفيد الشياطين ؟

أم أن هناك سكينة فعلاً في رمضان ، تجعلنا نتمنى لو كانت أيامنا كلها رمضان ؟

رمضان اقترب ..

فاللهم سلمنا إلى رمضان وتسلمه منا ..

متع مبهجات : رمضان زمان

بدأ العد التنازلي لوصول شهر رمضان ..

الحبيب المرتقب ، الذي يحل علينا ونحن في أوج حاجتنا إليه ، ويرحل عنا ونحن لا نزال نتمسك به ونريده ، وهذا من أسرار مكانته العظمى في قلوبنا : التغلي !!

شوفوا ..

لن أتكلم عن روحانيات رمضان لأن ليس من منهجي إلقاء محاضرات في مدونتي ، وإنما هي خواطر وبعض الهراءات التي أجد فيها نوع من المتعة لتذكرها واستطعام طعومها في حلقي ، ولعل كثيراً منكم يشاركني هذه المتع .

اقترب شهر رمضان ، وبدأت الذكريات والخيالات  بالتزاحم عل عقلي..

هناك أشياء معينة مرتبطة برمضان لا تكاد تجدها إلا فيه .

في ذهني أنا هناك ومضات رمضانية تنتمي إلى زمن الطفولة لا أزال أذكرها بحذافيرها رغم تقادم الزمان.

تبدو في عقلي كصور بالأبيض والأسود ..

ولكن من يخالفني في أن صور الأبيض والأسود هي الأجمل على الإطلاق ، خاصة ولو كانت مقضومة الأطراف وتحمل في أركانها عبق الماضي وعبيره ، حينما كنا صغاراً .

أحب أن أقوم بعملية تنشيط الذاكرة في استجلاب مثل هذه الذكريات ، فبعد الكيماوي يُعد ذلك عملية هامة جداً .

في رمضان الطفولة كنا نستيقظ بعد الظهر بقليل لنصلي ونقرأ شيئاً من القرآن ثم نمضي فترة العصر في مشاهدة برامج الأطفال الرمضانية : جراندايزر و الدوق فليت ، شركان شركون ( الي له أربع عيون ، لخزّك ، وتقول له : ممنون ممنون ) ، و( أقشر أقيشر يبي مصباحه ، راح وتعنى لقى تفاحة ) في حين تتعالى رائحة شوربة الكويكر والتي كانت أمي قلما تصنعها إلا في رمضان ، فأصبحت معروفة عندنا باسم : شوربة رمضان .

في رمضان الطفولة كانت رائحة السمبوسك واللقيمات تطيش عقولنا قرب المغرب حين يبلغ منا الجوع والعطش مبلغه ، فنصبح بالفعل مثل ( توم القط ) حين يسيل لعابه على صدره إذا ما رأى طعاماً شهياً ..

كانت أمي تعد السمبوسك عصراً ( وللعلم فإن هناك أكلة هندية تماثلها تدعى samosa وتحشى بالخضار المفلفلة ، ولا أعلم أهي أصل السمبوسك التي نعرفها أم أنها شبيهتها فقط ) وكنت أساعدها بطريقتي الخاصة : أرص حبات السمبوسك في الصينية ، وأناولها ما تحتاجه من الأدوات ،  وآكل اللحم المفروم كلما غفلت عيناها عني !!

 وكانت أمي تحب الاستماع إلى الإذاعة أثناء إعداد وجبة الإفطار ، وكان يبث فيها في ذلك الوقت من اليوم البرنامج الاجتماعي الفكاهي ” عباس وعباسية ” فأظل أستمع له بشغف وأغفل عما تطلبه مني أمي .

وأحياناً كان أبي رحمه الله يفاجئني برحلة إلى ( البلد ) لشراء الفول ..

حسناً .. لا أريد أن أبدو مبالِغة للضرورة النثرية ، وفي الحقيقة أن هذا الأمر حدث فيما تعترف به ذاكرتي مرة واحدة فقط .

ذهبت إلى ( البلد ) وهناك كان الانبهار التام ..

روائح اللقيمات والسمبوسك تختلط مع رائحة عوادم السيارات ، الحلاوة اللوزية والحمصية الملونة معروضة بشكل يغري قلوب الأطفال الصغار على شاكلتي ، البسطات التي تبيع المأكولات الشعبية  المختلفة ، جرار الفول الساخن بالسمن البري  ، ودكاكين الشريك ..

في رمضان الطفولةكانت تعرض الفوازير التي كنت أشترك فيها سنوياً ولم أفز فيها قط ، ولا أدري هل هذا لأن حظي كان يخونني ، أو لأني لم أكن أرسل الإجابات أصلاً .

فوازير رمضان الطاهرة البريئة ، البعيدة عن الإسفاف والمجون الذي نراه في الفوازير الحديثة ..

فوازير رمضان التي تكاد تكون قمة في السذاجة إذا ما قورنت بما يُعرض الآن في ( شهر الخير ).

هل من قرائي من هو من جيل : ( شي مدور فيه حب أحمر يطلع إيه ؟ رمانة رمانة ) ؟

جيل الفساتين المنفوشة زاهية الألوان وحركات اليد التي لا تكاد تختلف في جميع الأناشيد : الأصبع الذي ينزلق طولياً على الخد ( دلالة على جمال الشيء ) ، واليد التي تنفتح يمنة أو يسرة ( دلالة على : هنا وهناك ) ، واليدان اللتان تنفتحان معاً ( للدلالة على اتساع العالم ) !!

في بيتنا كان نظام الإفطار كالتالي : تناول الماء المبخر بالمستكة و التمر فقط قبل أداء صلاة المغرب جماعة مع أبي رحمة الله عليه ، ثم مشاهدة برنامج محمد علي الطنطاوي ..

وعلى الرغم من حبي لهذا البرنامج لعفوية الشيخ المحببة إلا أن الأصوات التي كانت تصدر من بطني الصغيرة تمنع ذهني في كثير من الأحيان من متابعة ما يقول ..

وأظل أتململ وأقطع الوقت ذهاباً وإياباً إلى المطبخ للتأكد من عدد حبات السمبوسك ومقدار الشوربة وعصير قمر الدين وسلامة كؤوس الكسترد والجيلي في الثلاجة .

وفي المساء كانت أصوات الأئمة في قراءة التراويح تتعالى في الأجواء لتبث الرهبة في القلوب ، ويالها من روحانية .

لكن يغفر الله لنا ، كنا نمضي هذه الأوقات أمام جهاز الكمبيوتر ( الأتاري وقتئذ ) أو العروض السخية من البرامج الرمضانية ( المخصوصة لشهر الخير ) ..

فإذا ما حل الليل الموغل في ( الليلية والوقت المتأخر ) أصدرت أمي أوامرها بالخلود للنوم ..

طبعا كان ذلك في السن الذي كنا لا نزال ننصاع فيه للأوامر ، وأما حين راهقنا ، فقد نفضت أمي يدها عنا وصارت تتركنا لتنام هي مع الوعيد الشديد ألا نصدر أصواتاً تزعجها في نومها الخفيف ، فقط لنمضي الوقت في أشياء أكثر إثارة : المزيد من اللعب بالأتاري ، ومشاهدة المزيد من البرامج الرمضانية والتي اقتصرت في بيتنا على برامج القناة السعودية الأولى نظراً للطف الله بنا وعدم قدرتنا على استقبال القنوات المصرية التي كان يستقبلها عامة أهل جدة في ذلك الوقت بواسطة المستقبلات المقوية .

وقبل الفجر بساعة كانت أمي توقظنا لتناول طعام السحور ، والذي كان يعد بمثابة الغداء في الأيام العادية : رز وإيدام وسلطة وما إلى ذلك ..

حتى اليوم لا أعرف كيف كنا نستطيع تناول طعاماً دسماً فور الاستيقاظ من النوم .

ولكني أعتقد أن سن الطفولة والشباب يفعل الكثير من الأعاجيب .

يكفي أنه يفلح في تحسين أي ذكرى أو أكلة أو أو مناسبة .

هل لي أن أطمع في أن تكتبوا لي تعليقاتكم عن رمضان زمان بالنسبة لكم ؟

رحلة إلى عالم النسيان .

قبل قرابة الخمس سنوات خرج خالد من بيتي يوم زواجه وكأن قطعة من قلبي انتزعت انتزاعاً .

واليوم ، وبعد سويعات قليلة سيغادر سهل بيتي إلى جدة ليعمل في مكتب المحاماة الخاص بجده في فترة الإجازة الصيفية ، ولا أدري لعلها إرهاصات بقرب مغادرته البيت تماماً للسفر في بعثة أو زواج أو شيء من هذا القبيل .

حمداً لله أنه لا يقرأ تدويناتي .

تدوينة اليوم قد يكون فيها الكثير من المأساوية ، وعليكم أن تحتملوني وتواسوني لأن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم .

ألم أذكر من قبل أن بعض الناس يحبون أن يظلوا في وضعية الحزن ( مود الحزن ) وأنهم يجدون في ذلك نوعاً من الرومانسية ؟

حسناً .. لعلي سخرت منهم فابتلاني الله اليوم بأن أكون مثلهم ..

منذ أن علمت بالخبر البارحة وأنا في كآبة ودموع .

حياتي مرتبطة جداً بأولادي الثلاثة الكبار : خالد وسهل وفاطم .

قضيت معهم شبابي ، وجربت فيهم وسائل التربية وحماس المربين .

على الرغم من أني كنت أعاقبهم عقوبات لا هوادة فيها إذا هم أخطؤوا إلا أني كنت أشعر بحبهم لي وهم صغار ..

كانت الفروقات العمرية بينهم طفيفة : سنتان بين خالد وسهل ، وأكثر من السنة بقليل بين سهل وفاطم  ، وثلاث وعشرين سنة بينها وبيني .

كنت أجد الكثير من المتعة في تعليمهم وتوجيههم ، وكنت أفرح بتعليقاتهم اللماحة الذكية على القصص التي أحكيها لهم ، والتي اكتسبوها – التعليقات لا القصص – بفضل الله من كثرة القراءة حيث لم نسمح بوجود التلفزيون والذي كان أبوهم يسميه : المفسديون .

كانوا يلعبون سوياً ، وإذا ما أزعجوني كنت أوجههم لترتيب ألعابهم التي بعثروها ، فيذهب ثلاثتهم لترتيبها ، فقط لينتهي الأمر باندماجهم في لعبة جديدة تمنحني ساعة أخرى من الهدوء .

كان هؤلاء الثلاثة يصنعون عالمي ..

كانوا كالألوان الزاهية التي تضفي إلى حياتي رونقاً وجمالاً .

اليوم .. خروج سهل يدمي فؤادي .

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ مدونتي .

أظل أذكر نفسي بأنه لابد أن يخرج في يوم من الأيام ..

كلهم لابد أن يخرج ، منهم من سيبحث عن رزقه ، ومنهم من ستتزوج ، وهذه هي الحياة ..

لم تربهم يا هناء ليظلوا في بيتك أبد الدهر ..

ولكنه شعور قتّال ..

اعذروني لارتباك حروفي وتبعثر كلماتي ، ولكني مشوشة الذهن بالفعل .

تتجاذبني مشاعر جياشة من الحزن والخوف من المستقبل ، والأسى لسفره .. وبعض من فقدان الرغبة في الحياة ..

أشعر بأن الهموم تكاثرت علي ، وخروج سهل الذي يساعدني في تربية أخوانه يقصم ظهري ..

حينما كان سهل في الثانوية ، وكان متفرغاً لي تقريباً ، يبرني ويؤنسني مع فاطم – بعد زواج خالد –  ويكون لي الدرع الذي أحمي به نفسي من قرف الصغار الذين راهقوا فيصرخ عليهم لو آذوني ، ويوجههم لمساعدتي ، كنت أمازحه دائماً وأقول له : لا تتزوج وتتركني لهؤلاء الأوباش ، فيضحك ويطمئنني بأنه لن يحدث ..

وأضحك وأمني نفسي بحياة طويلة في هدوء وراحة .

ولكن من قال أن الحياة تستقر على نمط واحد ؟

ها هي الأيام تمر ، ويكبر سهل ، ويتخرج من الجامعة ، ويصبح عمله أو إكمال دراسته لازماً ..

وما أفضل من مكتب جده للمحاماة ليتدرب على العمل فيه إن كان ينوي أن يعمل مستشاراً قانونياً ؟

حينما أخبرني بذلك البارحة ظللت أستمع إليه وعلى فمي ابتسامة بلهاء ، وقلبي يحرك رأسه بشدة في غير تصديق : لا .. وتتركني وحدي مع هؤلاء الأوباش ؟

لم أعد كالسابق ..

السرطان التهم نصف طاقتي ، وتربية المراهقين الجدد في هذا الزمن المتعب تلتهم النصف الآخر .

سهل كان يدي اليمنى بالفعل ، ويدي اليمنى اليوم تنفصل عني .

إذا خرب الدي إس إل ننادي : يا سهل .

إذا أزعجني المراهقون الجدد بتمردهم وسوء أدبهم ناديت : يا سهل .

إذا لم أجد من يوصلني لصديقتي أو لدرسي بحثت عن سهل ..

إذا احتجت لعمل متقن في ابتياع شيء ما يوافق رغباتي فما لذلك إلا سهل .

سهل دائماً يملأ الفراغات ..

واليوم سهل سيترك فراغاً كبيراً في قلبي ..

حمداً لله أنه لا يقرأ مدونتي .

وفي الركن الخلفي من عقلي يرتفع صوت حكيم رصين : وإلى متى ستضعينه تحت جناحك ؟

لابد أن يذهب ويبحث عن مستقبله ..

لابد أنه سيتزوج في يوم من الأيام أو يسافر لإكمال دراسته ويتركك ..

لاتكوني مبالغة في (مود الحزن ) وانظري كما تعودت في نعم الله وألطاف الله .

هو لن يتركك نهائياً ..

هو لم يمت للمزيد من الدقة ..

فقط سيغادر المنزل ليبني حياة جديدة  خاصة به.

وهل أنجبته ليكون امتداداً لحياتك ؟ ليكون كتاباً في مكتبتك أو قطة تتسلين بها ؟

أليس ذلك هودورك كأم ؟

أهز رأسي ، وأقول : كلام صحيح وجميل ..

ولكن الفراق مؤلم ومر كالعلقم .

سبحان الله .. في الحين الذي يتقلب الوالد على جمر الغضا من ألم الفراق والانفصال ، يكون الولد في غاية الحماس والنشاط والرغبة في خوض التجربة لحد الثمالة ..

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ تدويناتي .

لاحظت أن الكتابة في وسط الأحداث تكون مأساوية للغاية وباكية ، أما بعد انقضائها فتكون متفائلة ومرحة وفيها الكثير من الرضا بقضاء الله ..

هذا طبيعي .. كالعجين ، يدخل الفرن ليخرج حلوى لذيذة شهية مبهجة ..

أنا الآن أكتب لكم من وسط الفرن !

منذ البارحة أمشي وقد أثقل كاهلي الخبر ..

أمشي وكأني عجوز في السبعين ففي ساعات الأسى أشعر بأني عجوز عجوز .

في  الحقيقة أني لا أتخيل أن تخلو داري من سهل ، وربما في القريب تذهب فاطم كذلك ..

وأبدأ حياة جديدة متعبة مع المراهقين الجدد بلا معين ، ولا صحة قوية تساعدني ..

” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ” ..

 ” يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد”. كان يأوي إلى الله تعالى ..

هناء ..

من أعانك على تربية المراهقين القدامى سيعينك حتماً على المراهقين الجدد ، بل وربما سيكون ذلك أسهل لو أحسنت الظن بالله ..

لا شك أن أقدار الله كلها خير ، وأن هناك الكثير من الحسنات التي سينطوي عليها مغادرة سهل .

ماهي ؟ لن نعرف الآن ..

ولكن لابد من وجود الثقة بقضاء الله وحكمته وعلمه ..

لابد من إحسان الظن به تعالى  .

صحيح ..

لكنني حالياً لا أرى إلا الأسى ..

ربما يتحسن وضعي مساء ..

أحتاج إلى السفر في رحلة إلى عالم النسيان حتماً ..

أحتاج للمزيد من التركيز .

أعتذر إليكم ، أعلم أني قد تأخرت عليكم ولكن تعلمون ظروف الإجازة ، والأعذار المتكررة في مثل هذه الظروف .

كما أعلم أني ربما أكون قد ( غثيتكم) بالحديث عن نفسي وذكرياتي التي قد لا تهم أحداً ، ولكنا اتفقنا من قبل أن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم ، فبعضها قد لا يهمكم ألبتة ( مثل الحديث عن نفسي وذكرياتي ) إلا أنها تدخل على نفسي بعض المتعة ، وقد أتحدث عن أشياء لا تهمني كثيراً ولا تروقني ولكني أفعله لأجلكم – صدقوني J –

يكفي هذا الهراء الذي لابد منه لصنع مقدمة لا بأس بها حين تفتقر إلى مقدمات مناسبة .

هذه الحلقة الأخيرة من استجلاب الذكريات السعيدة عن مدرستي دار الحنان .

سنوات الثانوي كانت حافلة بالعديد من النشاطات التي كانت لا تكاد توجد إلا في دار الحنان في تلك الفترة من الزمان .

لا أعرف في الحقيقة عم أتحدث وماذا أدع .. لا أكاد أذكر شيئاً سيئاً في تلك الفترة ..

قد يكون هناك شيئاً سيئاً وأسقطه عقلي من الذاكرة ، لكن فيما أراه ماثلاً في ذهني فلا أكاد أذكر أي مرارة أو أسى .

وإنما أذكر أشياء كثيرة أنظر إليها الآن ، وأحللها فقط لأكتشف نعم الله عليّ .

فمثلاً ، كانت من أنشطة دار الحنان رعاية المواهب الموسيقية ، وكانت لدينا مدرسة موسيقى تجيد العزف على البيانو ( الذي كنت أعشقه ) وتجيد قراءة النوتة الموسيقية ، وحين قررت مع بعض صديقاتي إنشاد أغنية وداعية استقيناها من إحدى الأفلام الأمريكية  على أن تعزف مقطوعتها هذه المدرّسة إلا أن الفريق الغنائي الذي كان معي لم يكن متقناً جداً فألغت الإدارة هذه الفقرة لعدم الإتقان . والآن أفكر في لطف الله بي إذ صرف عني الغناء والموسيقى في وقت كنت أحبهما وأجيدهما جداً ، والله وحده يعلم لو لم يصرف عني ذلك ماكان حالي الآن ؟

هل أخبرتكم من قبل عن مكتبة المدرسة ؟

كانت لدى المدرسة مكتبة كبيرة مرتبة ومنظمة ، ومنيرة بشكل مريح ، باردة ، واسعة ، وباختصار: مبهجة . وكان يعجبني منذ سني الابتدائية أن أزورها باستمرار لاستعارة الكتب ..

كنت أجد نهمتي البالغة للقراءة في قصص الأطفال المتينة نوعاًما ..

 كنت أستعير الكتاب في الفسحة وأشرع في قراءته بين الحصص ، وفي الباص ، وبعد تناول الغداء لأعيده في اليوم الثاني مع تعجب أمينة المكتبة ، فقط لأستعير كتاباً آخر .

 أين قرأت قصة بنوكيو وروبنسون كروزو و جزيرة الكنز وكتب نجيب الكيلاني إلا في مكتبة مدرستي؟

في علية المكتبة كانت غرفة السينما ، حيث تقبع آلة عرض الأفلام وكمية من الأفلام التعليمية والوثائقية التي كنا نتفرج عليها في بعض حصص الفراغ ..

نحن نتحدث عن أحداث تمت منذ قرابة الثلاثين سنة .. في تلك الفترة كان التفرج على الأفلام في المدرسة يعد ضرباً من الترف والرفاهية ، خاصة لو كان المكان نظيفاً وبارداً ..

حتماً كان ينقصنا بعض الفيشار والمرطبات .

في السنة الأولى الثانوي كان الذهاب إلى معامل الكيمياء والفيزياء من المتع كذلك ..

الخروج من الفصل الروتيني في طابور منظم لمعمل الكيمياء حيث تحاول غالبيتنا الجلوس في المقاعد الخلفية والعلوية من مدرج المعمل ، أو بجانب النافذة حيث تقتنص نظرات الجالسة هناك الرائحات والغاديات في الفناء ، وقد تكون إحداهن صديقتها فتظل ترسم وجوهاً مضحكة لتضحكها بها فتوقعها في شراك المدرّسة .

لا أنسى التجارب المعملية التي كانت تكلفنا بها المدرّسة أحياناً ، والتفاعلات الكيميائية ، والأدخنة المتطايرة ، والتعامل مع المجاهر ( الميكروسكوب ) . حقاً كانت متع لا تنسى .

كانت سنوات الثانوي حافلة بالمسابقات ، وكنت دائماً في الفرق المشاركة ..كانت هناك المسابقات الثقافية بين الفصول والتي كانت بمثابة اختبارات لمعرفة جودة الدراسة ، إذ أنها مراجعة على جميع المناهج الدراسية ، إضافة إلى سرعة البديهة في كثير من الأسئلة .

كما كانت تقام المساجلات الشعرية ، فكنا نحفظ مئات من أبيات الشعر والتي كنت أستخرجها من الدواوين الشعرية التي اكتظت بها مكتبة والدي رحمه الله ، نكتبها في أوراق كثيرة ، ونحفظها في عدة أسابيع لتعقد المساجلات بين الفرق : حيث يأتي كل فريق ببيت يبدأ بالحرف الأخير من البيت الذي ذكره الفريق الذي قبلنا .

أستغفر الله ، كنا نقوم أحياناً بعملية غش صغيرة إذا ما ( تورطنا ) ببيت نحتاج أن يبدأ بحرف الواو أو الفاء أحياناً ، فكنا نأتي بالبيت الذي يبدأ بأي حرف ، ونضيف إليه واواً زائدة أو فاء زائدة ، (ولا من شاف ولا من دري ) .

طبعاً لم نكن نستطيع أن نقوم بهذه الحركة مع كل الأبيات ، فمثلاً لو قلت :

“و” على قدر أهل العزم تأتي العزائم    وتأتي على قدر الكرام المكارم

لانكشفت حيلتك مباشرة..لعل شمسي تحفظ هذا البيت ، فلا يمكنك بحال تغيير أي شيء فيه .

لكن لو قلت :

“و”ما جال بعدكِ لحظي في سنا القمر          إلا ذكرتكِ ذكر العين بالأثر

فمن بربك يحفظ ديوان ابن زيدون ليكتشف غشنا ؟؟

من ابن زيدون أصلاً ؟؟

في السنةالأولى ثانوي انتقلنا إلى مبنى المطار القديم نظراً لوجود ترميمات في مبنى المدرسة الذي بلغ من العمر قريباً من العشرين سنة أو يزيد وبالتأكيد كانت سنة متميزة ..

أقيمت الفواصل في إحدى مباني المطار لتكون فصولاً دراسية ، وكانت مدرسة الأحياء تشرح درساً في الفصل المجاور فيطغى صوتها على صوت مدرسة اللغة العربية في فصلنا ، فتقع النوادر والقفشات.

كنت نصطحب معنا الزلاجات إذ لا يمكن أن تجد مكاناً أنسب من أرض  مبنى المطار الناعمة والانسيابية للتهادى بالزلاجات عليها ، وكانت بعض الفتيات يستعرضن مهاراتهن في التزلج والتي اكتسبنها من سفرهن للخارج .

قاربت السنة على الانتهاء .. واقترب التخرج .

أقامت المدرسة يوما مفتوحاً ، مفاده أن تقوم من أحبت من طالبات الصف الثالث الثانوي بتقمص أدوار من تشاء من ا لمدرسات و الإداريات بعد استئذانهن .

انطلقت جرياً إلى وكيلة المدرسة الأثيرة لدي : أبلة فايزة كيال ، والتي كانت معروفة عندنا بأناقتها وقربها من قلوب الطالبات واستأذنتها في أداء دورها فوافقت .

وفي صباح ذلك اليوم ، دخلت في أول الدوام المدرسي مكتب أبلة فايزة .. وجلست على مكتبها..

جاءتني وعلمتني كيفية استخدام الهاتف ( السنترال ) وسمحت لي بفتح أدراجها والاطلاع على الأوراق الموجودة واشترطت ألا أفشي سراً وخرجت .

كان من أمتع الأيام إلى قلبي . استمتعت فعلاً بقراءة الملفات الموجودة ، والاتصال على بعض صديقاتي ممن آثرن أن يتقمصن دور المديرة أو الناظرة ..

كنت أؤدي دور أبلة أحبها وهذا يكفيني .

وكنت أحياناً أتصل على ( غرفة الخالات ) لتحضر لي إحداهن كوباً من الماء أو فنجاناً من القهوة.

للأسف لم تستمر هذه المتعة لأكثر من أربع حصص ، ورجعنا بعدها طالبات مرة أخرى .

في إحدى الأيام مررت ببعض الأبلات وهن يتحدثن ، كان منهن أبلة فايزة ، وأبلة ميسر رحمها الله ولما اقتربت سمعت إحداهن تقول بصوت منخفض : شش جاءت جاءت .

تحدثت معهن لبرهة ثم انصرفت وفي قلبي نما أمل ما ، حاولت طرده لئلا أنساق في الأحلام السعيدة .

وأخيراً حان يوم حفل التخرج . في ذلك اليوم ذهبت إلى مصففة الشعر وارتديت فستاناً أبيض أشبه ما يكون بفساتين الزفاف ، وعليها العباءة العودية والشريط والوشاح الورديين ، وكانت المسيرة على أنغام أغنية وطنية : بلادي بلادي منار الهدى .

اصطففنا على المسرح الذي أقيم في ساحة المدرسة وأدينا السلام الملكي ونشيد المدرسة ..

كنت أودع المدرسة التي قضيت فيها أجمل سنوات عمري ، والتي تعلمت فيها مهارات أجني ثمارها ونتائجها الآن :حيث تعلمت اللغة العربية السليمة ، وإلقاء الكلمات أمام الجماهير ، والتحدث باللغة الانجليزية بطلاقة ، وقراءة القرآن بأحكام التجويد الأساسية ، باختصار ، كنت أفعل كل شيء بثقة تامة ، وكلها أمور تفيدني الآن في المحاضرات الدعوية العربية والانجليزية على حد سواء ، وفي درس القرآن الأسبوعي الذي أنال به السند ..

ماذا ؟ لم أخبركم أني آخذ السند ؟

في تدوينة أخرى إن شاء الله ، ولكن دعوني أنهي هذه الآن .. أشعر أني قد أطلت فيها كثيراً .

غنينا معاً وبحزن نشيد المدرسة ، حتى وصلنا إلى مقطع مؤثر :

هنا في الحنان مشينا سوى         وسرنا معاً في رحاب الوفا
لنرفع أوطانــــــــــــــــــــنا للسما           ونسمو بها نحو فجر جديد

شعرت بالغصة  تخنقني ، ودمعت عيناي ، ولم أستطع إكمال النشيد ..

شعرت بشعور العروس السعيدة بزفافها ، ولكن مغادرة مرابع صباها حيث أجمل الذكريات لابد أنه
كان يكدر عليها شيئاً من فرحها ..

انتهت المسيرة وابتدأ الحفل الفعلي ، كلمة الخريجات التي ألقتها إحدى صديقاتي ، ثم التكريم ..

كانت ثمة فعاليات كثيرة طوال السنة الدراسية ، والآن حان وقت الحصاد .

حصدت في تلك الليلة ست شهادات تقدير ، لمشاركتي في جمعية الصحافة والإذاعة والمكتبة ..

مهلاً ، المكتبة ؟ كيف ؟

منذ أن دخلت الثانوية قلّت استعارتي للكتب من مكتبة المدرسة جداً لاعتمادي على شراء الكتب التي أود قراءتها ، لكن أمينة المكتبة أبلة مشيرة أشارت لهم بوضع اسمي ضمن المتفوقات في استعارة الكتب بناء على ما سبق .

ست مرات صعدت على خشبة المسرح لأستلم شهادات التقدير من الأميرة لولوة الفيصل .. وفي المرة الثالثة بدأت تهمس : ما شاء الله كلما رأتني .. وفي قلبي يتضخم الزهو والفرح ويتحرك لساني “ما شاء الله ” وبالحمد ..

بعد أن تم توزيع شهادات التقدير  ، استلمت درع التفوق الذهبي مكتوب عليه اسمي بمناسبة حصولي على المركز الأول على فصول الأدبي .

ولا يزال الفرح ينمو ويزهو ، حتى حُبست الأنفاس للإعلان عن الطالبة المثالية لذلك العام .

فلما تردد اسمي هاجت الساحة تصفيقاً وتصفيراً وصياحاً باسمي وأنا كالمذهولة ..

حقاً اختاروني الطالبة المثالية ؟

وهنا تداعت إلى ذهني الأحداث التي لم افهم مغزاها في وقتها : لم كانت الأبلات يسكتن إذا قدمت عليهن في اجتماعهن مع أبلة فايزة أو الناظرة أبلة هيام ، لم خبأت أبلة فايزة الكأس المكتوب عليه اسم الطالبة المثالية لما دخلت عليها أسألها عن شيء ما . لم كانت أبلة فايزة تضحك بمكر كلما سألتها أن تغششني وتخبرني عن الفائزة بلقب الطالبة المثالية .

قمت وسط صياح الجمهور واعتليت خشبة ا لمسرح ، وهنا سمعت الأميرة تقول بصوت واضح : ما شاء الله ، مبروك !!

استلمت الكأس واستدرت إلى صديقاتي والجمهور ورفعت الكأس عالياً فوق رأسي وسط الصياح والتصفير لأنال نفس فرحة رئيس الفريق الفائز بكأس الدوري .

وفي اليوم الأخير الاختبارات ، كان الأسى مخيماً على المدرسة ..

نعم ، كان هناك بعض الفرح بمناسبة التخرج والانتقال من مرحلة المدرسة على مرحلة الجامعة ، ولكن كانت هناك الغصة في الحلوق .

بعض البنات قذفن بالكتب عالياً في صراخ فرح لتسقط وتتشقق في حركة غير حضارية ألبتة .

وبعضهن طفقن يكتبن على قمصان بعضهن البعض العبارات الوداعية التذكارية ، في حين التقطت الكثير والكثير من الصور التذكارية .

مشيت مع صديقتي لنودع المدرسة ..

أقبل ذا الجدار وذا الجدار ..

تعانق عيني الفناء الواسع .. صالة الألعاب .. فصلي الذي درست فيه الثاني والثالث الثانوي .. المعامل العلمية ، غرفة الممرضة والتي كنا ننام فيها إذا ما باغتت إحدانا الدورة الشهرية ، النخلة العجوز التي تستقبلنا في مدخل المدرسة ، غرف الإداريات ..

مشيت أنظر وأتذكر ، وكأني أسمع الأصوات ، وأشم الروائح ..

خرجت من المدرسة ، ولكن المدرسة لم تخرج من قلبي ، ولا زلت أحتفظ عنها بأحلى الذكريات ، ولا زلت أكتب فيها أجمل السطور .

قد أكون أخفقت في توصيل مشاعري حرفياً إليكم ، ولكن فقط أقول : كلما شممتم رائحة  عطر جميلة ، أو اصطبحت أعينكم بمنظر طبيعي فريد ، أو غمرتكم السعادة في أوقات ما ، فاعلموا أن هذه المشاعر العذبة التي تجدونها هي ما يملأ قلبي كلما تذكرت مدرستي ..

إنها قصة حب ، سطرتها بقلبي قبل أصابعي ..

أشكركم كثيراً على صبركم عليّ وتحملكم قراءة كلمات قد لا يعنيكم شأنها في شيء .. ولكن حسبكم أنكم أتحتم لي سعادة غامرة وأنا أسطر هذه الأحرف .

أشكركم ..