تحكي كتب التواريخ قصة عجيبة لعمر بن الخطاب وقعت حينما كان يخطب ذات يوم على المنبر ، فصاح فجأة : يا سارية ، الجبل الجبل ..
وعلم المسلمون فيما بعد من سارية بن زنيم أنه كان على رأس سرية بنهاوند وأنهم قدحوصروا من قبل العدو فسمعوا صائحاً يصيح فيهم : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل ، فاعتصموا بالجبل وجعلوه خلفهم حتى انتصروا .
وردت هذه القصة في التفاسير و بعض كتب العقائد على أنها كرامة لعمر بن الخطاب رضي الله عنها، ولا أجد لها تفسيراً إلا ذلك .
وإذا نظرنا إلى عالمنا الآن نجد كثيراً من الحوادث الغريبة التي تحدث ولانجد لها تفسيراً .
هناك مفهوم في العلم الحديث يسمى بالتخاطر telepathy يندرج تحت خوارق الطبيعة ، حيث يستطيع شخصان منفصلان مكانياً أن يتخاطرا بذهنيهما رغم بعد المسافات .
وأمور مشابهة مما يمكن إدراجها في قائمة الخوارق ، ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام لما فصلت العير التي تحمل قميص يوسف من مصر :” إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ” .
وفي تويتر وضعت سؤالاً أحببت أن أتعرف على آراء المغردين عن رأيهم بفكرة التخاطر عن بعد .
وكالعادة : ( ما عندك أحد ) إلا من مغردتين فقط : فسرتها إحداهما بالحدس ، والأخرى بالترابط العاطفي القوي بين المتخاطرين .
وقد تلقفت الفكرة الروايات العلمية وأفلام الخيال العلمي لتجني منها كنوزاً تداعب خيالات الجمهور .
حسناً ..
أنا محظوظة لأن عندي من هذه القصص ولكنها مجانية ولا أحتاج أن أدفع فيها ريالاً واحداً .
في الحقيقة ..
أمي هي التي تدفع !
أخبرتكم من قبل أني الابنة الصغرى والوحيدة لأمي ، وقد توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة .
كان تعلق أمي بي شديداً ( أراه الآن في تعلقي بشمس ) ، وكنت لا أكاد أفارقها .
حتى إذا ما تزوجت انتقلت مع زوجي إلى بلد أخرى وتركتها .
أعتقد أن المشكلة بدأت من هنا .
سنين طويلة مضت حتى عرفت بوجود مشكلة أصلاً .
اكتشفت أن أمي كانت تعاني آلام الطلق أثناء ولادتي لخالد ( تباً .. وأنا التي كنت أصر على بقائها معي في غرفة الولادة ) .
وفي السنتين الماضيتين ، بعد تشخيص مرض السرطان ظهر الأمر جلياً لكل ذي عينين .
أمي تشعر بما أشعر به ، ولو كنت في بلد آخر ، ولو لم أشتك .
لا أكاد أحصي عدد المرات التي اكتشفت أنها تعاني جزءاً من أي شيء أعانيه : نفسياً كان أو جسدياً .
بعدما أجريت عملية استئصال الثدي بأسبوع ، بدأت أشعر بآلام قوية في منطقة الإبط الأيسر وأعلى ذراعي حيث استؤصلت الغدد الليمفاوية كذلك .
كانت الآلام أشبه ما تكون بألم ( السلخة ) الحارقة .
كنت لا أطيق شيئاً على ذراعي ، ولو كان كم قميصي القطني الفضفاض .
كنت أشعر به وكأنه كم من شوك .
ولكني لم أنبس ببنت شفة .. فيكفي أمي ما تعانيه من رؤيتها لابنتها الوحيدة تصارع مرض السرطان ( القاتل ، الخبيث ، المخيف ) ، وما كان يبدو عليّ من تعب لم أتمكن من إخفائه جراء العملية .
عدة أيام مرت ، وشعرت أمي بألم ( سلخة ) قوي تحت ثديها ” الأيسر “!!
كان يزعجها جداً ويؤلمها .
تقول : تعالي يا هناء ، انظري هل ثمة ( سلخة ) ؟
ولكن يا أمي .. المكان أبيض كاللبن ، و الجلد ناعم ونظيف .
ماهذا الألم إذاً ؟
تناولت بعض العلاجات ولكن لا فائدة ..
استمر معها الألم حتى بعد أن تعافيت منه ، بعد شهر تقريباً .
من أجل ذلك اضطررت إلى قضاء أيام النقاهة من جرعات الكيماوي الثانية بعد العملية بعيداً عنها، إما في ينبع أو المدينة .
أمي تصاب بما أصاب به ..
وكانت جلسات التاكسوتير أشدها وطأة وأعظمها ألماً بسبب حقن رفع المناعة .
كنت أحاول أن أفتعل المرح وأرفع صوتي إذا ما حادثتني يومياً بالهاتف ، ولكن أنفاسي كانت تتقطع من الألم في أول ستة أيام من تناول الجرعة ، وكانت هي تشعر ( بكتمة ) لا تعرف لها سبباً.
وفي رمضان ، كنت أمر بظروف عائلية صعبة ، وكعادتي لا أظهر لها إلا الضحك والقوة ، لكن قلبها ما كان ليخطئها ..
فزادت عليها ( الكتمة ) حتى ذهبنا بها إلى الطوارئ بعد العيد .
أقول لأخواني : أمي ليس بها إلا العافية ..
أو إن شئتم : أمي ليس بها إلا حب ابنتها الزائد الذي يدفعها إلى الإحساس بكل ما تحسه .
كانوا يلومونني : لا تخبريها إذن بآلامك ..
فكانوا يزيدون آلامي ..
وهل يعقل أن أخبر بآلامي لتتألم هي ؟
كنت أبذل جهداً فائقاً لأمثل ..
كنت أعاني من آلام السرطان وعلاجاته ، ومن خوف من الألم لو مت ، ومن مشاكلي العائلية ولكني كنت على الرغم من ذلك لا أبدي لها إلا كل تجلد وشجاعة .
ما ذنبي أنا إن كانت هي فائقة الإحساس بي وبما يخبؤه قلبي ؟
تكرر الأمر بعد انتهائي من العلاج الإشعاعي حيث أصبت بحروق كحروق الشمس في المنطقة المعالَجة ، وعادت لها ( السلخة ) مرة ثانية .
هذه المرة كنت أعرف السبب .
وعرفته هي ..
سألتني دون أن أوحي لها بأي شيء : هناء ، هل تشعرين ( بالسلخة ) الحارقة ؟
تمعر قلبي – دون وجهي – وسألت : لماذا يا أمي ؟
فقالت : أشعر بذلك في الجهة اليسرى ..
لقد عاد الألم القديم .
ضحكت رغماً عني وقلت : يا ماما .. ألم تحفظي الدرس بعد ؟ كل ما يصيبني فإنه يصيبك .
المشكلة أني أتعافى من الألم سريعاً ، في حين تظل هي تعاني منها فترة طويلة بعد ذلك .
آخر مغامراتي مع أمي كانت أثناء اختباراتي الفصل الماضي ، فكما تعلمون الطالبة في سن جدتي تدرس في الجامعة عن طريق التعليم عن بعد .
و(محسوبتكم ) إنسانة مولعة بال أ+ فكنت أذاكر كثيراً يومياً .
حتى كان ذلك اليوم الذي أرهقت فيه جداً فأصبت بهبوط شديد ودوخة قوية وخفقان في القلب يكاد يكون مؤلماً .
كان الأمر مزعجاً لدرجة أني أحسست أني سأعاين ملائكة الموت في أي لحظة ..
تركت ما بيدي ، وصرت أتلو الشهادتين ( حتى لو فجأني الموت فإنه يكون آخر ما أ تكلم به هو الشهادتين ) !!
ثم أني لما رأيت ان الأمر طال ولم أمت بعد ، فكرت أنه ربما لن يكون موتاً وإنما تعباً طارئاً بسبب الإرهاق ، فقمت للراحة وقلبي يحدثني أن أمي سيصيبها ما أصابني ..
ونذرت أني سأكتب في ذلك تدوينة لو ثبت عندي تأثرها بما ألمّ بي .
بعد أربعة أيام حين ذهبت إلى جدة لزيارة أمي إذا بها تشتكي أنها في يوم الأحد (!!) شعرت بنغزات مؤلمة في قلبها في العاشرة مساء (!!) وأنها إلى الآن تشتكي من الخفقان .
ضحكت – وإن شر البلية ما يضحك -وأخبرتها بما حدث ، ثم قلت : لكني يا ماما كويسة الآن..
يعني بإمكانك أن تتعافي ..
ولكن ماما لم تكن لتتعافى مباشرة مما قد يصيبني ..
وهاهي تدوينة اليوم بين أيديكم ..
وفاءً للنذر الذي عقدته ..
أحكي لكم عن قصة من غرائب القصص ..
وأشكو إليكم خوفي على أمي ..
يعني الواحد ما يقدر يمرض بسلام ؟







