Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘الأبناء’

( هذا الكتاب مخصص للفئة العمرية بين 2-12 سنة )

قد يتبرم البعض من هذه المقدمات الطويلة التي تسبق التربية السحرية الفعلية ، ولكني أذكرهم هنا بأهمية هذه المقدمات لأنها تسلط ضوءاً ساطعاً حول حقائق يغفل عنها الآباء ويترتب عليها نجاح أو فشل تقنيات التربية السحرية ، لذا وجب وضعها بعين الاعتبار والاهتمام بها .

نظرية الأطفال البالغين :

هناك فكرة ملحة ومقلقة يحملها الآباء و المدرسون في عقولهم عن الأطفال تسمى ” نظرية الأطفال البالغين “.

 هذه الفكرة الساذجة لا تؤدي فقط إلى فشل التربية وإنما أيضاً إلى حدوث المشاهد العاصفة والتي قد تتضمن أذية الطفل child abuse  ( قلت : وهي جريمة يعاقب عليها القانون الأمريكي بصرامة ) .

فكرة نظرية الأطفال البالغين تتلخص في الاعتقاد بأن الطفل يمتلك قلباً من ذهب وأنه مخلوق عاقل وغير أناني ، باختصار هو نسخة مصغرة عن البالغين ، وعلى هذا فكلما يخطئ الطفل فإن سبب ذلك أنه لا يمتلك المعلومات الكافية في رأسه والتي تجعله يتخذ التصرفات الصحيحة ، والحل ببساطة هو إعطاؤه الحقائق الكافية .

مثال لهذه النظرية :  تخيل أنه في الساعة الثانية ظهراً قامت سندس 7سنوات بضرب أحمد 4سنوات  للمرة العشرين منذ أن رجعا من المدرسة فماذا ستفعل ؟

لو كنت تفترض أن طفلتك هي بالغة صغيرة فإنك ستجلسها وتنظر في عينيها وتحدثها عن الأسباب الذهبية الثلاثة التي لا ينبغي لأجلها أن تضرب أخاها ؛ أولاً : أن هذا يؤلمه ، ثانياً : أن هذا يجعلك غاضب منها ، وثالثاً- وهو الأهم – ماذا ستشعر لو أن أخاها سامي 10 سنوات فعل معها الشيء ذاته ؟

الآن تخيل بعد كل هذا الشرح ، ستنظر إليك طفلتك ويستنير وجهها وتقول : “أوه ، لم أفكر بهذه الطريقة من قبل ” ثم تكف عن أذية أخيها حتى نهاية حياتها .

المشكلة في اتباع هذه النظرية ، أن الآباء الذين يريدون التصديق بأن الأطفال هم بالغون صغار يعتمدون بقوة على الكلمات والأسباب حين التعامل معهم ، وهذه الكلمات والأسباب بذاتها ستكونان سبباً لفشل التربية في أغلب الأوقات وستؤدي إلى حدوث المتلازمة : تكلم- أقنع- جادل- اصرخ- اضرب.

كم مرة قرأت في كتب التربية أن على الأب أن يشرح لطفله الأسباب مهما طال الوقت ، فتقوم أنت بالشرح لطفلك ذي الخمس سنوات لماذا عليه أن يكون مؤدباً فلا يتجاوب ، فتحاول أن تقنعه لكي يرى الأمور بمنظارك ، فإذا فشل الإقناع فإنك ستشرع بالمجادلة والتي تقود بدورها إلى الصراخ ، فإذا فشل كل ذلك فلعلك ستشعر أن كل  الوسائل قد استنفذت ولم يبق إلا الضرب لشعورك بأنك تفقد زمام الأمور وأن نظريتك المفضلة قد خابت .

لعل نظرية الأطفال البالغين هي السبب الرئيسي وراء أذية الأطفال واضطهادهم . الحديث والشرح لاشك أنه مهم في تربية الأطفال، ولكن الأطفال يظلون أطفالاً وليسوا بالغين . وقد كتب أحدهم مرة أن الأطفال مولودون وهم متصفون بالأنانية وعدم العقلانية  ، ويحصلون على ما يريدون في الوقت الذي يريدونه ، وبإمكانهم أن يتسببوا في إحداث قلاقل في مقابل الحصول على ما يريدون .

إن وظيفة الأب ( والمعلم ) هي مساعدة الأطفال ليتغلبوا تدريجياً على نوبات الغضب ، وفي سبيل تحقيق ذلك عليهم أن يتحلوا بالرقة والمثابرة والحزم والهدوء .

ابدأ أولاً بتغيير اقتناعك بنظرية الأطفال البالغين ، فبدلاً من أن تعتقد أن الطفل هو نسخة مصغرة علن البالغين ، فكر فيه كأنه حيوان شرس عليك أن تروضه ( قلت : ومع تحفظي على هذا الأسلوب الأمريكي المتناهي في الصراحة المؤلمة إلا أني أوافقه في هذا التفكير ) . لا أعني بالطبع استخدام السوط والمسدسات والكراسي في ترويضه ، ولكن لاحظ أن مروض الحيوانات يعتمد بشكل كبير على طريقة التكرار حتى يتعلم ( المتدرب ) ماذا يريد منه مدربه ، لذا كان من الضروري أن يتحلى المدرب بالصبر والرقة والإصرار .

لحسن الحظ لا تحتاج مع الطفل أن تكرر الأمر لفترة طويلة إلى أن يستجيب وعندها يمكنك إضافة بعض الحديث والإقناع كلما تقدم الطفل في العمر ، لكن تذكر : يمكنك أن تلجأ إلى إعطاء تبرير واحد إذا احتاج الأمر ، أما مبدأ إعطاء التبريرات والتسويغات المستمرة هو الذي يوقع في المشاكل .

 

دكتاتورية أم ديمقراطية :

حينما يكون طفلك صغيراً ، لابد أن يكون بيتك أقرب ما يكون بحكم دكتاتوري حيث تكون أنت القاضي وهيئة الإدعاء. لا يمكن لابنك البالغ 7 سنوات مثلاً أن يقرر في صباح الأحد عدم الذهاب للمدرسة لأنه يريد أن يجلس في البيت ويتفرج على أفلام الكرتون .

لكن إذا ما كبر الأطفال وصاروا في بداية مرحلة المراهقة وأوسطها عندها لابد أن يتحول الحكم قريباً إلى الديمقراطية . وحتى إذا صاروا في مراهقتهم فإنه في وقت الضرورة لابد أن تكون أنت الحاكم . من الذي يدفع الإيجار ؟ أنت . ومن يعرف مصلحة الأطفال أكثر ؟ أنت . فعند الضرورة فإن لك الحق – وعليك الواجب- أن تضع حدوداً للأطفال ولو لم يعجبهم ذلك .( قلت : لاحظوا أن القائل هو هذا الشخص لأمريكي وليس أنا ) .

كثير من الآباء في هذه الأيام ترعبهم فكرة أن أطفالهم لن يحبوهم ، لذا كردة فعل يظلون يبررون ويبررون ويبررون آملين أن يأتي إليهم طفلهم ويقول : أوه ، لم أفكر في هذا الأمر بهذه الطريقة من قبل ، وحتماً سيغضبهم أنه لن يفعل.

 

الخطآن التربويان العظيمان :

يقع الآباء في خطئين تربويين عظيمين عند القيام بتربية الأطفال :

1-              الكثير من الكلام .

2-              الكثير من المشاعر .

إن التفكير بنظرية البالغ الصغير ومن ثم الثرثرة حول الأمر  سيؤدي حتماً إلى متلازمة : تكلم – أقنع- جادل- اصرخ- اضرب .

ماذا عن المشاعر الفياضة .. لم لا ؟ نسمع ناس كثيرون يقولون : أطلق ما بداخلك ، تكلم وعبر عن نفسك ولا تدخر شيئاً في نفسك ، حتى بدا ذلك كما لو أنها الرسالة الكونية الجديدة .

هل تعتقد أن هذا اقتراح جيد لك كأب ؟

في الحقيقة هناك جزء منطقي في هذا الاقتراح ، وجزء غير ذلك .

لو كان ما في داخلك مشاعر إيجابية تجاه الطفل فأطلقها بلا تردد . عبر عن حبك أو انثر بعض الثناء ، حتماً لن يؤدي ذلك إلى أي ضرر ، بل كل خير .

أما الجزء السيء في الأمر فهي المشاعر السلبية من الغضب أو الضيق من الطفل فإن إطلاقها سيؤدي إلى الكثير من المشاكل ولا شك ، لأن الأب حينما يكون غاضباً فإنه يفعل التصرف الخاطئ دائماً . بإمكان البالغ الغاضب أن يصرخ أو يحقّر أو يضايق الطفل ، وبعضهم قد يكون خطيراً أيضاً .

التربية السحرية تعلم الأب كيف يتحكم بغضبه إذ أن ذلك مفتاح لسلوك الطفل .

سبب آخر مهم للتحكم بغضبك أن الطفل يتسلى بذلك كثيراً .

 يشعر الأطفال أنهم عاجزون : يرون أنفسهم أقل ذكاء ، أقل مهارة ، أقل تميزاً ، أقل تحملاً للمسؤولية وأقل في كل شيء من آبائهم أو أخوتهم الكبار . هذا الشعور بالدونية يضايقهم كثيراً ولا يحبونه  . هم يودون لو كانوا أكثر قوة وقدرة على وضع بصمة في هذا العالم .

 راقب طفل السنتين كيف يحاول تقليد طفل الخامسة الذي يمكنه فعل الكثير من الأشياء الجميلة .

وفي المقابل فإن طفل الخامسة يحب تقليد طفل العاشرة الذي يسعى بدوره إلى تقليدك حتى في استعمال السيارة والجوال والبطاقة الائتمانية .

هم يريدون صنع التغيير والأحداث في العالم . هل راقبت قط طفلاً يظل يرمي في البحيرة الحجر تلو الحجر ، وقد يظل في هذه الوضعية الأوقات الطويلة . هذا الأمر يحدث لهم متعة فائقة ربما – إلى حد كبير- بسبب رؤيتهم لما أحدثته أيديهم من تناثر الماء وصنع الدوائر التي تكبر . غضبك يشبه تماماً تلك الدوائر وتمثل للطفل المتعة نفسها .

اندلاع غضبك سيؤدي عرضاً إلى إحساس الطفل بقوته ، وهذا شعور  طبيعي للغاية يرضي إحساس الطفل بالعجز .

وعلى هذا فهناك قاعدة مهمة : إذا فعل طفلك شيئاً لا يعجبك وأظهرت غضبك البالغ بشكل متكرر فإنه سيكرر فعلته تلك مراراً وتكراراً .

عند التربية عليك أن تكون صبوراً وهادئاً ومثابراً ، لذا فمن الضروري اتباع قاعدتين مهمتين  : لا كلام ، لا انفعالات ، وهذا يعني القليل جداً من الكلام والقليل جداً من الانفعالات ، وهو أسلوب بسيط جداً إلا أنه فعال لو طُبق بعناية.

هناك أساليب أخرى في التربية السحرية ، ولكنها ستغدو عديمة الفعالية لو أنك صرت تتكلم كثيراً وتنثر انفعالاتك بسخاء ، لأن عدم التقيد بذلك هو “الغضب ” في الحقيقة .

بإمكان بعض الآباء كبح جماح أنفسهم في  التمادي في الكلام والانفعال كما لو كان زراً يضغطونه ،في حين أن البعض الآخر يحتاجون إلى عض شفاههم في عصبية لمنع أنفسهم من التفوه بأي كلمة أو إظهار أي انفعال قد يدمر المسيرة التربوية .

قد يكون الأمر صعباً في البداية : أن تذكر نفسك بالتزام الصمت والهدوء مراراً وتكراراً أمام كل سلوك خاطئ ، ولكنك ستتعود عليه سريعاً إذا ما ثابرت . أما إذا انقضى شهر إلى 6 أسابيع في تطبيقك للتربية السحرية ولم يحدث أي تغيير في عاداتك فعليك عندها مواجهة الحقيقة : لابد من استشارة مختصة في هذا الصدد .. الاستشارة لك وليست للطفل !

لاحظ أن الكلام عن الانفعالات يدور حول الانفعالات السلبية لا الإيجابية . الأب الجيد بعبر لطفله بدفء عن حبه وشغفه ، وينصت جيداً لشكواه .. ليس هذا المقصود بالرفض ..

المقصود أن ينتبه الأب جيداً في حال حدثت المصادمة بين الأب و الطفل .

 

في التدوينة القادمة سنناقش :

أسلوب العد : طريقته ، مزاياه ، استخداماته .

Read Full Post »

ملحوظة : تجنباً للتطويل فإني عمدت إلى استخدام كلمة ( الأب ) اختصاراً لتدل على أحد الأبوين ، وكذلك ( الأبوة ) .

ينبغي أن يتصف الوالدان الفعالان بصفتين مهمتين :

1-              الدفء والصداقة .

2-               الحزم والتطلب .

الدفء و الصداقة يعني أنك تعتني بمتطلبات الطفل العاطفية والجسدية : تهتم بطعامه وسلامته ودفئه وتتأكد أنه يتلقى ملبساً جيداً ونوماً كافياً . كما يجب أن تكون دافئ المشاعر مع الطفل ؛ فتشاركه سعادته عند الحصول على أصدقاء جدد ، تهدئه إذا ما سقط الأيسكريم على الأرض ، تصغي باهتمام إذا كان غاضباً من الأستاذ وتستمتع بصحبته .

الصفة المهمة الأخرى : الحزم والتطلب . الوالد الجيد يتوقع شيئاً من طفله ؛ السلوك الحسن في المدرسة ، احترام الكبار ، التحصيل الدراسي الجيد ، الاهتمام بالرياضة الشخصية ، والعلاقة الطيبة مع الأصدقاء والتي تتضمن اللطف والتعاون .

يتوقع أن يلتزم الطفل بالقوانين، ويعمل من أجل الغير ويتعامل أحياناً مع الأمور الصعبة أو المخيفة .

بكلمات أخرى : يتوقع الأب أن ينشأ الطفل ليتمكن من مواجهة تحديات الحياة .

قد تبدو هاتان الصفتان متناقضتين ، والحقيقة أنهما ليسا كذلك . أحياناً تستدعي الظروف الصفة الأولى ، وتستدعي ظروف أخرى الصفة الثانية .

مثلاً : ضرب سامي أخته سندس ، هذا وقت ظهور صفة الحزم والتطلب .

قام سامي باللعب مع أحمد الصغير أثناء انشغال الأم ، هذا وقت ظهور صفة الدفء والصداقة .

إن التحلي بهاتين الصفتين يرسل رسالتين مهمتين للطفل :

1-              الدفء والصداقة : أنا أحبك وسأعتني بك .

2-              الحزم والتطلب : أنا أتوقع منك بعض الأشياء .

إن التحلي بهاتين الصفتين لا يعني أن يظل الأب يحوم حول ولده يراقبه في جميع تحركاته ، ولا أن يحميه من نسمة الهواء ، ولكنها تعني أن يعطي الطفل الفرص لعمل المزيد من الأشياء بمفرده كلما تقدم في العمر .

التلقائية مقابل الأناة :

هناك نوعان من النشاطات الأبوية : أحدهما تلقائي والآخر متأن ومدروس . النشاط الأبوي التلقائي يشمل الأمور التي يفعلها الأب يومياً وبغير تفكير ( تلقائياً ) كحمل الرضيع ، أو تهدئة الطفل الباكي الذي سقط للتو ، وهذه أمور إيجابية. لكن أحياناً يكون التصرف التلقائي غير سليم ، كما لو صرخ الأب على الطفل ذي السابعة الذي يقوم من سريره كل دقيقتين لأنه يسمع صوتاً في الخزانة .

مع التربية السحرية عليك أن تلتزم أولاً بالتصرفات التلقائية الإيجابية كالإنصات الجيد والثناء على عمل طفلك الحسن .

بعد ذلك ، قم بتمييز تصرفاتك التلقائية السلبية المؤذية ، أو المحبطة أو التي لا فائدة منها ، ثم قم بتبديل التصرفات السلبية بأخرى إيجابية متأنية ومدروسة .

قد تود مثلاً أن تستبدل الصراخ على الطفل بأسلوب العد .

وأخيراً : تمرن ، تمرن، تمرن ! اعمل جاداً حتى تتمكن من ترسيخ هذه التصرفات التلقائية الإيجابية .

لا تنس أن التلقائية الأبوية تشمل نوعاً مهماً من النشاط وهو القدوة . الأطفال مقلدون جيدون ويتعلمون الكثير من مجرد المشاهدة ، فلو كنت محترِماً للغير ، سينزع الأطفال لفعل المثل ، ولو كنت تميل لشتم السائق الذي ( سقط ) عليك فـ .. حسناً ، فهمت مرادي !

الوظائف الأبوية الثلاثة :

هناك 3 وظائف أبوية مهمة وتستدعي كل وظيفة استراتيجية معينة في التعامل . كلٌ من هذه الوظائف الثلاثة تعتمد على بعضها البعض إلى حد ما. تجاهل أحدها وتحمل أنت النتيجة ، أو اتصف بها معاً وستكون أباً جيداً .

الوظيفتين الأوليين تتعلق بسلوك الطفل ، والوظيفة الثالثة تركز على العلاقة بين الأب والطفل .

الوظيفة #1 : تشمل التحكم في السلوك الذميم : لن يمكنك أبداً أن تعاملك طفلك معاملة حسنة إذا كان يقلقك على الدوام بسلوكيات مزعجة كالنواح والمجادلة وأذيتك أو إخوانه ، والصياح والمضاربة . مع التربية السحرية ستتعلم كيف ( تعد) للسلوك السيء ، وستدهش حتماً لمدى فعالية هذه التقنية السهلة .

الوظيفة #2 : تشمل تحفيز السلوكيات الجيدة كترتيب الفوضى التي أحدثها ، الذهاب إلى الفراش ، أن يكون مهذباً ويؤدي واجباته الدراسية ، وهذه السلوكيات ولا شك تتطلب جهداً من الأب و الطفل أكبر من التحكم في السلوكيات الذميمة ، وذلك في سبع تقنيات مفيدة .

الوظيفة #3 : تقوية العلاقة بين الأب والطفل . بعض الآباء لا يكادون يحتاجون التذكير بهذه الوظيفة ، والبعض الآخر يحتاج ليبذل جهداً خارقاً في ذلك . إن الاهتمام بنوعية العلاقة مع الطفل سيساعدك حتماً في الوظيفتين الأوليين .

الوظيفة #1 و #2 : ” توقف ” مقابل ” ابدأ ” :

تواجه الآباء مشكلتان أساسيتان أثناء تربية الأطفال وتستدعيان الوظيفتين الأوليين من وظائف الأبوين . الطفل إما أن يفعل سلوكاً سلبياً نريده أن ” يوقفه ” ( كالنواح ) وسنطلق عليه اسم : سلوك التوقف ،أو أنه لا يفعل السلوك الإيجابي المطلوب منه ( كارتداء ثيابه ) وسنطلق عليه سلوك ” ابدأ “.

وفي خضم الصخب والضجيج اليومي قد لا يتنبه الأب إلى أهمية التفريق بين السلوك المراد توقفه والسلوك المراد بدئه ، هذا التفريق ضروري في التعامل تجاهه ، كما أنه ضروري ليجعل حياتك أكثر سهولة .

سلوك ” توقف ” يشمل المشاكل الصغيرة اليومية المتكررة كالنواح ، عدم الإحترام ، نوبات الغضب ، الجدال ، المضاربة ، المناكفة ، العبوس ، الصياح وهكذا . سلوك التوقف يتراوح عادة بين الإزعاج الخفيف والإزعاج المطبق . قد يكون كل واحد من هذه السلوكيات غير مزعج بحد ذاته ، ولكن اجمع اثنين أو ثلاثة منها في وقت الغداء بعد رجوعك من الدوام وستشعر أنك على وشك أن تهاجر إلى سيبيريا .

سلوك البدء يشمل السلوكيات الإيجابية كترتيب الحجرة ، أداء الواجبات الدراسية ، النهوض سريعاً من الفراش صباحاً ، والخلود إلى الفراش في وقت النوم ، تناول طعام الغداء والتصرف بتهذيب مع الغير .

إن السبب الذي يدعو إلى التفريق بين السلوكين هو أنك ستحتاج إلى استعمال استراتيجيات مختلفة لكل سلوك ومشكلة.

لسلوك التوقف ستستخدم أسلوب العد ، وهو أسلوب سهل ولطيف كما أنه مباشر . أما سلوك البدء فسيكون لك الخيار في اختيار أحد سبعة أساليب إما أن يستخدم كلُ بمفرده أو بخلط أسلوبين أو أكثر معاً .

سلوك البدء يحتاج تفكيراً وجهداً أكثر من أسلوب العد .

لماذا هذا التراوح في الأساليب :

إن هذا التراوح في الأساليب يرجع إلى الحافز وراء اختيار الطفل لأي سلوك .  إذا كان الحافز جيداً فكم يستغرق من الطفل  ليتوقف عن سلوك سيء كالنواح أو الجدال أو المناكفة ؟ الجواب هو : ثانية واحدة تقريباً ، اعتماداً على درجة غضب الطفل ، لكن بشكل عام فإن إنهاء سلوك ذميم لا يحتاج إلى جهود مضنية .

أما سلوك البدء فانظر كم يحتاج الطفل من الوقت لينهي عملاً بناءً ومفيداً كتناول الطعام مثلاً ؟ ربما 25-35 دقيقة.

ليرتب حجرته ؟ ربما 15 دقيقة  ،  ليتجهز للفراش ؟ 20 دقيقة  ، ليتجهز للمدرسة ؟ 30 دقيقة .

عليه أن يبدأ بالعمل ويستمر فيه إلى أن ينهيه ، وفي الغالب يكون  العمل مملاً ومضجراً لطفل صغير أن يفعله .

عند التعامل مع الطفل في أمر ما فإن عليك أن تحدد أولاً ما إذا كان السلوك المطلوب منه هو سلوك التوقف أو سلوك البدء : هل هو أمر تريد من  طفلك أن يتوقف عن أدائه ، أو أنه أمر تريد منه أن يشرع فيه حتى ينهيه ؟

وبما أن أسلوب العد سهل جداً ، فإن كثيراً من الآباء يخطئون أحياناً عند استخدامه للسلوكيات المراد بدءها كأداء الواجبات المدرسية مثلاً ، وستلحظ فيما بعد أن أسلوب العد ينتج حافزاً للأطفال يستمر لفترة قصيرة جداً ، تتراوح بين بضعة ثوان إلى دقيقتين فقط .

لو قمت بخلط الأساليب بهذه  الطريقة فإنك لن تحصل على نتيجة مرضية . ولكن لا تقلق ، فالإجراء برمته سهل جداً وستصير محترفاً في فترة وجيزة . التربية الفعالة ستؤتي أكلها ، وصدق أو لا تصدق : سيبدأ طفلك في طاعتك !

الوظيفة #3 :

وتتعلق بنوعية العلاقة بين الأب والطفل ، وهذا يعني ألا تحتل الشاشات الأوقات التي يفترض أن يقضيها الطفل مع أبيه ، والأهم من ذلك فإن تقوية العلاقة بين الأب والطفل تعني أن كلاً منهما يثمّن قيمة الاستمتاع بوقته مع الطرف الآخر.

في التدوينة القادمة سنناقش :

–       افتراضية الأطفال البالغين .

–       الدكتاتورية مقابل الديمقراطية .

–       الخطئين التربويين العظيمين .

Read Full Post »

ما رأيكم في الاستماع لبعض الهذيان اليوم ؟

تدوينة اليوم فيها بعض من مرح ، ومموهة بشيء من الكآبة الهنائية المعتادة ؟

فيها قبس من خواطر وذكريات وتأملات ( حكيمة ) ، فقط من باب التغيير في قراءة ما لا ينفع .

رجعت قبل قليل من ( بلاد اليماني ) .

لمن لا يعرف ، بلاد اليماني ليس كقولنا بلاد الواقواق ، أو بلاد عربستان ، وإنما لفظة بلاد تطلق في المدينة المنورة على المزارع الخاصة .

كانت أمسية جميلة وباردة قضيتها في بلاد اليماني مع مجموعة من الصديقات العزيزات ، تحيط بنا الشجيرات على شكل سور يحجزنا عن أعين الفضوليين بالخارج ..

 رائحة العشب تملأ المكان ، صوت أزيز الحشرات هنا وهناك ، والقمر المكتمل يطل علينا بحنان .

صورة رومانسية حالمة ، لولا القطط التي كانت تدفع بعض الفتيات الجالسات بوداعة إلى الصراخ المفاجئ ، فتلتفت إليهن الأمهات بانزعاج ، لأقول لهن بلا مبالاة :عادي عادي ، يا دبور ، يا بسة.

والدبور عادة يأتي في المدارس صباحاً ، إذاً سبب جلبة اليوم : بسة !

دعوني أقول لكم شيئاً عن نفسي .

أحب صديقاتي جداً ، وآنس بجلوسي معهن ، ولكني بعد تقدمي في السن وإصابتي بالسرطان صرت أمْيَل إلى أن أكون ذات طباع عجائزية نوعاً ما ..

صرت ( أنْدوِش ) إذا ما كان المكان مزدحماً بالناس!

فتراني صامتة لفترات طويلة ، لا أتكلم إلا إذا وُجه إليّ الحديث ، وأكتفي بالسماع .

أحياناً يأخذني خيالي بعيداً لرؤية مشهد أمامي أو سماع كلمة ، فأكون حاضرة بجسدي وعيناي تتابعان الحدث، لكن ذهني يبدأ بالسرحان .

الجلسة اليوم كانت على شرف صديقتنا أم عبد الله التي قدمت من كندا مؤخراً في إجازة مع ابنتها التي تدرس الماجستير هناك .

عند التلاقي كان ثم الكثير من الأحضان والقبلات ، وربما بعض الدموع .

هذه مجموعة من الصديقات اللاتي حصلن معاً على السند من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم السابقين .

أنظر إليهن وهن يتعانقن بود ومحبة: كم من الذكريات جمعتهن ، وكم من المواقف أضحكتهن معاً وأبكتهن؟

الذكريات السعيدة ..

أحياناً في جو كهذا الجو الرومانسي تشعر أن الذكريات السعيدة تكون عبئاً عليك لأنها لا تعود .

بعد ولادتي لابنتي لطيفة ، كنت أقضي فترة النقاهة عند أمي ، وكانت تستضيف خالتيّ القادمتين من المنطقة الشرقية .

في يوم زارنا خالي الأكبر – رحمه الله – وقد ناهز الثمانين ليزورني ويسلم على أخواته الثلاث .

لا أنسى نظرته وهو يدير بصره في وجوههن ، ووجهه يتهلل بفرح .

لم يتكلم .. ولكنه ترك العنان لفيض مشاعر في التعبير .

ثم نظر إليّ وقال : أذكر هؤلاء حين كنّ صغاراً ، ذوات ضفائر .

ترى هل رأى الذكريات في قسماتهن ؟

هل استعاد رائحة عطف الأم وشموخ الأب ؟

هل تناهت إلى أسماعه الضحكات وصوت السواني وخرير المياه ؟

وهاهو الآن ينظر إلى نسوة ثلاث ، غطى الشعر الأبيض رؤوسهن ، وعلت التجاعيد وجوههن المتعبة .

سبحان الله .. كن صغاراً ذات يوم !

والآن ، تفعل أمي معي ذات الشيء .

تتأملني طويلاً .. وكثيراً ما تصطدم نظراتي بها فأجدها تنظر إلي .

وأفكر ، لعلها تحب أن تملأ عينيها من ناظري كما أفعل بشمسي .

نعم ، لا شك .. فأنا الصغرى  عند أمي ، كشمس عندي .

وبعد إصابتي بالسرطان ، زاد هذا الأمر جداً .

وكأنها تقلب في ذهنها ذكريات مضت حينما كنت صغيرة ، لا أزال أختبئ تحت جناحها .

حين كنت دلوعة الدار ، أجري هنا وهناك وطلباتي أوامر لا ترد ، ولا عجب فأنا البنت الوحيدة والصغرى .

كأني أسمعها تقول في ذهنها : بنتي ، حبة قلبي عندها سرطان ؟

لا يحتاج أن أصف لكم كم هو مرعب مرض السرطان .

يخيل إلي أن من أصيب به فإنه يشعر أنه بمثابة حكم عليه بالإعدام .

إذا قلت : فلان عنده سرطان فإنك تنتج شعوراً يقارب الشعور الناتج عن قولك : فلان يحتضر !

لا ، لن تستدرجوني لأتكلم بعض الشيء عن سرطاني ، فدونكم التدوينات السابقة والتي يمكنكم أن تجدوها تحت تصنيف ( ذكريات بطعم السرطان ) .

ولكن الذكريات في كثير من الأحيان تكون عبئاً ثقيلاً .

حين تفتقدها بشدة ولا تملك لها رجوعاً .

تشعر بها كيد حديدية تعتصر قلبك .

أوف ، ما هذا الحزن اليوم ؟

هل لاحظتم أن تدويناتي الأخيرة قد علتها صبغة كآبية ؟

لا أعرف ما السبب .

وهذا أمر مناف لشخصيتي الحقيقية تماماً .

ولكن يبدو أن الأمر كما أقول دائماً : أن النفس البشرية غالباً تميل إلى الحزن وهذا ما يفسر سر النجاحات الهائلة للقصص التراجيدية ، وتفوقها على القصص الكوميدية .

ولكني لعلي أفرحكم بشيء .

عندما نظرت إلى وجه القمر ، ورأيت استدارته وجماله وتمام نوره ، تذكرت الجنة .

وتذكرت الجملة التي لا أسأم من ترديدها ، خاصة إذا تكالبت عليّ الغموم : في الجنة تتحقق كل الأمنيات .. كل الأمنيات !

نعم هناك تستعاد الذكريات السعيدة ، وتشعر بنشوتها ، حقيقية هذه المرة .

هناك أجمع أفراد عائلتي لأتذاكر معهم المواقف والقفشات .

هناك أستمتع بقد مياس ، وأستعيد ما فقدته من أعضاء في عملية استئصال السرطان .

هناك أتيه خيلاء بشعر كثيف أسود وحواجب مرسومة بإتقان .

أتمدد على السرر المرفوعة وأتجاذب مع صديقاتي الحديث ، هذه المرة دون أن ( أندوش ) ولا يصيبني النعاس .

كل ذلك في الجنة ، حيث تتحقق الأمنيات .

استيقظت من خيالاتي على صراخ جديد وقطة أخرى تجري فزعة لا تلوي على شيء ..

فهززت كتفي بلا مبالاة وقلت  : عادي عادي ، يا دبور ، يا بسة !

Read Full Post »

 

قرأت كلماتها في مدونتها الجميلة .

كلمات مشرقة عن الأم ، بعيداً عن  القيود المدرسية السخيفة التي تتحكم في كيفية كتابة عواطفك في مواضيع التعبير .

http://maryambantan.wordpress.com/2011/11/13/%D9%85%D9%88%D8%B6%D9%88%D8%B9-%D8%AA%D8%B9%D8%A8%D9%8A%D8%B1/

اثارت في نفسي أشجان الأم ، إذ كانت تتحدث بلسان الابنة .

وعدتها أن أعارض رسالتها لأمها برسالة إلى ولدي .

أجزم أن رسالتي ستكون بلسان كل الأمهات .

” ولدي حبيبي ، أياً كان اسمك ..

اقترب مني .. لأشمك ، لأضمك إلى صدري . لتعانق مخيلتي ذكريات أيام سعيدة مضت .

اقترب أكثر ..

لتلثم يدي يدك .. وتسافر عيناي إلى الوراء أزمنة ما ، فأراك كما أنت عندي : طفلاً صغيراً .

كأني أسمع ضحكاتك ترن بصخب في أرجاء المنزل .

كأني أشعر بدفء حضنك وأنا أريح رأسي عليه لتلعب بشعري كما علمتك منذ صغرك .. تذكر طبعاً كم أحب ذلك .

كأني بك وقد ملأت صدري زهواً وفخراً لاعتقادك أني أعلم من في الأرض ، وأن ليس ثمة أم تماثل أمك في الجمال و الثقافة والعلم والأناقة .

تذكر حين كنت أنظر إليك بشغف حتى تستحي ، وأقول لك : أحبك ، فتجيبني بصوتك الرقيق : وأنا كمان ؟

أنا أذكر ، لأني أفعل الشيء ذاته مع أختك الصغيرة فتكرر عين الكلمات والأفعال .

تذكر رسائل الشكر التي كنت تكتبها بخطك المبعثر وتغلف بها العيديات التي استلمتها  وتهديني إياها ؟

أنا أذكرها ، بل لا زلت أحتفظ بها إلى الآن في درج مكتبي ، فقط لأن خطك الطفولي يذكرني براءتك القديمة .

تذكر كيف كان فرحي بك يوم أن أتممت حفظ القرآن الكريم ؟

أنا أذكره .. إذ لا يتاح للمرء لبس تاج الوقار كل يوم ، وأنت يا حبيبي ألبستني ذاك التاج .

تذكر كيف كنا نتناقش الساعات الطويلة في أيام مراهقتك ؟

أنا أذكر .. كان نقاشنا ينتهي بعد ثلاث أو أربع ساعات وقد بح صوتي من كثرة الكلام وأرهقني النعاس .

هل اعترفت لك من قبل أننا بعد مشاجراتنا مؤخراً كنت أغلق على نفسي الباب – أي باب متاح – وأبكي ، ثم لا ألبث أن أكفكف دمعي إذ أتذكر أني هكذا فعلت بأمي ذات يوم .

أعلم أني جرحتك كثيراً .

أعلم أني أسأت إليك كثيراً بصراخ أو كلام عنيف .

أعلم أنه لا يشفع لي القول بأني فعلت ذلك خوفاً عليك .

هكذا يقولون في كتب التربية .

ولكني للحق .. فعلت ذلك خوفاً عليك !

كلما رأيتك تخطئ تتجلى أمام ناظري الساعات الطويلة التي أمضيتها في تعليمك الصواب والخطأ .

هذا كان يثير حنقي بالتأكيد ، فأنا أريدك أكمل أهل الأرض .

لعلي غفلت أنك كنت مراهقاً تحتاج إلى مساحة أرحب لتجول فيها بحرية .

لعلي كنت ساذجة إلى درجة ظننت معها أني سأظل حبيبتك مهما فعلتُ …. كما كنتُ في صغرك .

فإذا بطفلي الصغير ، الذي كان لا يفتأ يتحين الفرص ليلتصق بي ، أو ينام إلى جانبي على سريري ، أو يأخذ كفي ليضعها على خده ، أو يتكئ على فخذي وهو يتناول طعامه أو أو أو ، هاهو يكبر ، ويأخذ
بالابتعاد .

صرت تكثر الجلوس في حجرتك وحيداً مع جوالك أو كتابك أو خيالاتك ..

كم تمنيت لو كنت تستمتع بالجلوس معي ، أحادثك وتحادثني ، وتهديني متعة الشعور بأن لي ابناً قد كبر .

صرت تصرح بأن البيت ممل ومقرف .. وما في البيت إلا أوامري وتوجيهاتي ؟

صبراً بني صبراً .

إن هي إلا أيام وتمضي .. تسافر للدراسة ، أو تُعين في بلد ما للعمل ، أو تتزوج .

المهم سيأتي اليوم الذي تفارقني فيه .

ستكون أنت في قمة السعادة والشعور بالانعتاق ، وسأكون أنا كالشجرة التي بدأت تذبل .

أتقدم في السن ، ويضعف جسمي .. ( تذكر ذلك الجسم الذي كان يلعب معك ويحملك إذا مرضت )؟

ولعل بصري وسمعي يضعفان أيضاً ، فتتحدث ولا أسمعك ، وأطلب منك أن تعيد ، فتعيد بتبرم ، وتلتقط أذناي هذه النبرة البائسة .

أعلم أنك في السن الوقادة المتوثبة ، وأني أعيق انطلاقك .

أعلم أن عليّ أن أصبر كثيراً ..

أعلم أني أسدد الدين الذي عليّ لأمي .

وأعلم أن الله تعالى لطيف ودود .

سأصبر حتى تكبر ، وتغدو رجلاً حكيماً .

ستعرف حينها فضلي وترجع إلي .

ستعود لتستشيرني ، ولتلعب بشعري الأبيض ، ولتريح رأسك على فخذي المنهك وأداعب شعرك بيدي المعروقة .

ستمسك بيدي لتعبر بي الشارع ، وستفتح لي باب سيارتك ، وستقدمني على زوجتك وأولادك كما قدمتك من قبل على أمي ونفسي .

أنا أعلم أن كل ذلك سيتحقق ..

فقط أرجو أن أكون حية في ذلك الوقت . “

أمك المحبة

Read Full Post »

كثير منا تقابله مواقف في حياته قد تكون سارة أو غير ذلك ، ويريد أن يهرب من مواجهتها .

لماذا يهرب من المواقف السارة ؟

لأي سبب .. قديكون الخجل أو الرهبة أو شدة الإثارة ويخشى أن تنفلت انفعالاته بما لا يحمدعقباه .

أسباب كثيرة .

وباعتقادي أن لكل إنسان طريقته في الهرب .

هناك من يهرب بالنوم ، أو باللجوء إلى الكتابة ، أو طرق أخرى ملتوية !

صغارنا حين ننظر إليهم بصرامة إذا ما أخطئوا كانوا يغمضون أعينهم يحسبون أنا لا نراهم كما أنهم لا يروننا .

والبدين يهرب من تأثره بالبدانة بأن يسخر من نفسه على الدوام ، من باب ( أنا أتتريق على نفسي لا أحد يتتريق علي ) ، وقل مثل ذلك في الطويل والقصير .

حين كنت صغيرة كان أبي رحمه الله يجمعنا لصلاة المغرب جماعة .

أذكر جيداً أني كنت في العاشرة  تقريباً وكنت أقرأ قصة عن بلال بن رباح رضي الله عنه حين أمرتني أمي بالتجهز للصلاة .

طيب .. في الحقيقة لم أكن أحب صلاة الجماعة كثيراً ، ولعل سبب ذلك واضح .

لماذا تحرص بنت العاشرة على صلاة الجماعة في حين أن بإمكانها أن تؤديها منفردة في نصف دقيقة ؟

لذا كان لابد لي من الهروب ..

قلت لأمي بجدية : لا أستطيع الآن .. أنا أقرأ عن بلال بن رباح !!

قالي لي بحزم أكبر : قومي الآن .

قمت وأنا متعجبة و( مستصيبة ) ..

أستغفر الله .. أقول لكم أقرأ عن بلال بن رباح وتقولون لي : قومي صلي ؟

يعني ( إيش أفود ) ؟ التعرف على الصحابي والا الصلاة  مثلاً ؟

انتم عجيبون !!

وفي القاهرة  كان لي موقف آخر مشابه مع ابنة خالتي التي كنا في زيارة لهم .

طلبت مني أن أذرع الردهة جيئة وذهاباً بابنها الصغير أدفعه في عربيته لتنويمه .

ما هذا العمل الممل ؟

كان يصرخ ( كالكفتيرة ) .

عندها ( تذكرت ) أن أمي طلبت مني أن أصلي العصر ..

أخبرتها أني وددت لو استطعت مساعدتها ، ولكن أمي طلبت مني أن أصلي ، وتعلمين أن الصلاة يجب أداءها على الفور !!

طبعاً ذهبت وشعرت ( بحاجتي الروحية ) لتجديد وضوئي ، ثم بحثت لبرهة عن ( الشرشف ) الملقى فعلياً فوق السرير أمامي ، ثم صليت أربع ركعات خاشعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن !!

هذه السن عجيبة بالفعل .

أقصد بين 8-10 سنوات .

فقط لإضحاككم أذكر هذه القصة .

أذكر أني في إحدى  الأيام حين كنت في هذه المرحلة العمرية العجيبة غضبت من والديّ غضباً شديداً .

لاأذكر السبب .

ولكني قررت الانتحار !

دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح .

وانتظرت لينتهي الأكسجين فأموت ، وعندها سيكسر أبويّ الباب ويجدانني قد فارقت الحياة وقد ازرق وجهي اختناقاً ، فيموتان كمداً ..

وبذلك أكون قد انتقمت منهم !

تصبب العرق مني .. وبدأت أشعر بالدوار .

وفجأة غبت عن الوعي ..

للأسف أنه لم يكن إغماء .

وبعد ساعتين دقت أمي الباب بشدة وأيقظتني من نومي وأمرتني أن أفتح الباب حالاً ، وضيعت علي فرصة الانتحار الذهبية !

طبعا أستفيد من هذه القصص الآن حينما أرى ما الذي تفعله بي لطيفة وشمس .

فقط علي أن أتحلى بالمزيد من الصبر وأضع نفسي مكانهما وأتذكر الأيام الخوالي التي كنت آتي فيها لأمي بالعجائب .

تناولت لطيفة يوماً  الغداء ثم قامت وغسلت يديها  .

ولما انتبهت إلى أنها لم تستغرق في غسل يديها وقتاً طويلاً علمت أنها غسلتهما بالماء فقط ، فناديتها وسألتها : هل غسلت يديك ؟

قالت بثقة : نعم .

قلت : شميها !

فشمتها وقالت : الله ( ومدت بها صوتها ) .

في الحقيقة أني شككت في فراستي لوهلة .

هاهنا ثقة مفرطة بنظافة اليدين حتى أنها تقول ( الله ) بإعجاب .

ولكني صمدت فجأة وطلبت منها أن أشمها ..

طبعاً النتيجة معروفة ..

رائحة دجاج ورز ولبن وسلطة مجتمعة :/

والآن بعد أن كبرت كلما ضاقت بي الحال أو شعرت بالملل ، أو بالضغوط النفسية فإني لازلت أهرب.

ولكن لا للأسف ..

ليس إلى الصلاة والذكر ، ولكن إلى الطعام .

وهذا ما يسمى بالأكل العاطفي emotional eating

ولهذا فقد زاد وزني في الفصل الماضي ثمانية كيلوات ..

لن أقول أنها كلها بسبب  الضغوط النفسية المصاحبة للاختبارات ، ولكن هناك العلاج الهرموني أيضاً والذي يسبب زيادة الوزن .

مالم أفلح في إتقان الهروب  فيه هو حين يثني علي أحد ما .

لا يخلو المرء من أن يفعل شيئاً يستحق أن يثنى عليه ..

هي عندي طامة .

نعم .. أحب الثناء والمديح ، وكاذب من يقول أنه لا يحبه .

ولكني ( أحوس ) فيه بشدة .

أكرمني الله ببعض الصديقات اللواتي ( أخذن مقلباً جامداً ) فيّ .

أشعر  أحياناً أنهم لا يدخرون جهداً في الثناء عليّ و (قطع رقبتي ) .

بعضهن كن يعتقدن أني عبد الله بن المبارك !

ووالله أني ليدخلني من الهم الكثير إذ لا أعرف كيف أتصرف ، وأظل أتمتم : الله المستعان ، الله المستعان ، أستغفر الله أستغفر الله .

فإن كان الثناء مواجهة ومشافهة فإنها الليلة الليلاء  والبلية الدهماء .

ماذا أفعل بيدي ؟ هل أعقدهما ، أو أرسلهما ؟

هل أنظر في المتكلم أو المستمع أو في الأرض ؟

هل أبتسم ببلاهة أو أحرك رأسي كالحكماء وأقول برصانة : الحمد لله .

وتنقضي دقيقة الثناء كالدهر ،  قبل أن أتنفس الصعداء ..

ثم حين تهدأ نفسي أجتر الكلمات التي قيلت ليستمتع قلبي بمذاقها الجميل .

هممم .

أكاد أقرأ ما يدور في أذهانكم ؟

تستجلب المدح بهذا الكلام ؟

طيب عادي ..

إذا أردتم أن تثنوا في المدونة فأهلا بكم ..

على الأقل لن أراكم وجهاً لوجه .

وإن فكرتم : كم هي صفيقة ، فعادي كذلك ..

لابد لمريضة السرطان أن تثني على نفسها أو تستجلب الثناء لتفرح ..

فمرضنا فيه الكثير من الأحزان ، ودوركم إدخال السرور على قلب المرضى .

وعلى هذا ..

فهل لكم ان تكتبوا لي عن هروبكم كيف يكون لتدخلوا بعض السرورعلى قلبي الكهل ؟

اكون لكم من الشاكرات  : )

Read Full Post »

هممم ..

كم من  الأمور يمكنك أن تتخيلها عند قراءتك للعنوان ؟

لذا لن أدع لك مجالاً للتخيل حتى ( لا تجيب العيد ) ، وسأشرح مرادي فوراً .

بدأ العام الدراسي ، وانتهت الإجازة ( بحمد الله ) وتنفست الأمهات الصعداء ، وعاد القطار إلى مجراه ..

هذه دورة جديدة من دورات الحياة ، تشبه دورات البرامح التلفزيونية او الإذاعية .

انتهت حقبة الإجازة الغثيثة التي قلبت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وقلبت الإنسان من كائن ( يفترض أن يكون ) منتجاً إلى كائن هلامي لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا رائحة .

أنا شخصياً متحمسة جداً للدورة الجديدة .

أنا الآن في المستوى الثاني من الجامعة ( ولا أحد يقول خالة بعد كدة !!)

كتابي في دور النشر ينتظر الطباعة وأفكر جدياً في البدء بالكتاب الثاني والذي سيكون تثقيفياً أو جمعاً لقصص السرطانيات ، أو ربما كتاب طهي يخص السرطانيين ، لا أعرف فلم أقرر بعد .

كذلك أعد لدورة جديدة في المدونة ..

ربما تعلو همتي فأخترع لكم استبياناً أطلب منكم حله وأضفي به على نفسي بعض الأهمية .

وربما أرضخ لواقعي الأليم الذي ينص على أن قرائي لا يتفاعلون معي ( إلا قليل منهم ) لا في كتابة تعليقات ولا في طلبي منهم ذكر اقتراحات .

ولكن قبل أن ننتقل إلى الدورة الجديدة أود أن أذكر بعض وقفات طرأت لي خلال الإجازة .

هي وقفات متعددة ، وبالتأكيد لن تكفيها تدوينة واحدة ( خاصة مع  العمل على محاولة تقليص عدد الصفحات منعاً للملل والإطالة ) ، لذا قد أذكر في كل تدوينة وقفتين أو ثلاث إلى أن تفرغ جعبتي من حصيلة الإجازة .

وقفة:

الفراغ القاتل .

الفراغ يحيط بي من جميع الجهات .

بعد أن كنت أدرس ما يقارب الاثني عشرة ساعة يومياً ، انتهت الاختبارات ووجدت نفسي كالطير الذي كف جناحاه عن الحركة في كبد السماء فبدأ يهوي من حالق .

بدأت أهوي فعلاً حتى تلقفتني عناية الله تعالى بعد يومين من محاولة التكيف مع الوضع ، وعدت أحلق من جديد لكن على ارتفاعات منخفضة .

ما زاد في توتري انتهاء أولادي من  الإجازة ثم انطلاقهم في عالم الفراغ الرحيب .

سهر طوال الليل ، نوم بعد صلاة الفجر ، لعب بالكمبيوتر ، يليه لعب بالكمبيوتر ، ثم يختمون باللعب بالكمبيوتر .. جدولهم كان منوعاً كما ترون !

تمنيت لو عُززت ثقافة المخيمات  الصيفية عندنا .

لكن لابد أن بعض الناس قد يربط المخيمات بالخوف من الإرهابيين ، وهذه مشكلة أخرى .

هنا أضيق ذرعاً بالفهم المتخلف للإرهابيين الحقيقيين الذين أدت حماقاتهم إلى منع الكثير من  الأعمال التطوعية وجمع التبرعات ومنع إقامة المخيمات الصيفية والتي تعلم الفتيان على الاعتماد على النفس وتَعلُم مهارات جديدة تنفعهم في حياتهم المستقبلية اليومية .

وأتساءل ، كم من فهم سقيم أدى إلى شر عميم ؟

وقفة:

جمعتني نقاشات عديدة مع بعض شباب العائلة .

هناك فكر جديد يا ( قدعان ) .

هناك تمييع للدين ورد للنصوص أو تأويلها والهجوم على منهج السلف .

ماذا حصل في السنة الماضية ؟

لم اكتشف الجميع فجأة أن هناك خلافات وأفهام متنوعة لنصوص كشف وجه المرأة ، والاختلاط والسفر بغير محرم وصلاة الجماعة  ؟

لم هذا الرد العنيف للدين ( القديم ) الذي نشأنا عليه بحجة أنه كان مهيمناً طوال القرن الماضي ساداً  الطريق أمام الأنظار للأقوال الأخرى في الدين ، وأن الدين يسر وأن وأن ، وجملة من الشبهات التي لا أود إيرادها هنا .

وانتبهت في أثناء نقاشاتي معهم أن عندنا ( أجمعين ) قصوراً شديداً في قراءة كتب السنة الأساسية,  ولا نكاد نجد من قرأ الصحيحين فقط ( فضلاً عن باقي كتب السنة ) من غير طلبة العلم ، ومع ذلك فالاجتراء على الفتيا ورد النصوص بحجة ( أن فيه غيرها ) وتخوين العلماء بات سائغاً ومقبولاً في أوساط الكثير من الناس ، وأكثرهم من فئة الشباب ، ولا أعرف ، أهم يبحثون عن الحقيقة فعلاً أم أنها الأهواء ؟

ما مفهوم الدين في أذهان هؤلاء القوم ؟

بطرق تفكيرهم الجديدة هل يبقى الدين قواماً متماسكاً وبنياناً قوياً ، أم أنه يضحى ثوباً مهلهلاً مخرقاً ومرقعاً ، كلٌ يدعي في كل مسألة أن ثمة خلاف فيها ويتبع الأسهل بحجة أن الدين يسر .

يا جماعة.. كدة لم يبق دين ..

وفي هذه الأيام ظهر أحد النكرات ليكتب مقالاً ينتقص فيه مقام الألوهية في إحدى الجرائد المحلية.

نعم .. لم تخطؤوا الفهم .. مقام الألوهية.

انتهى الناس من السخرية بأهل الدين ، ثم الأنبياء والنبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء الدور على مقام الألوهية ؟

هل انتهت المواضيع ؟

سبحان ربي ما أحلمه .

أفكر كثيراً : هل يعي هؤلاء المنتقصون لمقام الألوهية ، أو الساخرون بالدين وأهله ، أو المحتقرون أهل العلم لأن الله تعالى ينظر إليهم ويسمع قولهم ؟

فليحذروه إذاً  .

ترون تدوينتي اليوم كوكتيلاً ؟

هذا خطؤكم، فلعلكم تذكرون أني طلبت منكم في التدوينة السابقة بعض الاقتراحات ولم أستلم اقتراحاً واحداً .

اقنعوا إذن بما تقرؤون ، ولن تعدموا فيه بعض فوائد بإذن الله .

Read Full Post »

كنت قد عزمت على أن أخصص لرمضان تدوينة واحدة لأني لا أعرف ما الذي يمكنني أن أكتب فيه أكثر من ذلك ، وعندما قرأت تعليق فاطم على التدوينة السابقة ، ذكرتني برمضاناتي الفريدة مع أولادي حينما كانوا صغاراً .

كان الثلاثة الكبار يساعدونني دائماً في المطبخ – في رمضان وغيره – حينما كنت أكثر شباباً وأطول نفساً في توجيههم و الصبر على أخطائهم ..

كانوا يساعدونني في تقشير البصل ودق الثوم ، وطقطقة المفرومة ، وتنقية الرز ( في العصور التي كان الرز يأتينا مسوساً أحياناً أو به حبات سمر لا تزال بأغلفتها ) وإحضار ما يلزمني من الثلاجة أو الدولاب ، ولما كان أحدهم يعترض بأن ذلك ليس هو نوع المساعدة التي كان يتخيلها ويأملها كنت أجيب بحكمة أن الطاهي المحترف ( الشيف) لا يصبح طاهياً محترفاً في يوم وليلة ، وإنما يبدأ من الصفر : من غسل الصحون وتقشير البطاطس ويظل يترقى حتى يبدأ في الطهي الفعلي وينتهي به المطاف ليصبح ( شيفاً ) ذا خمسة نجوم ..

لا أدري من أين أتيت بهذه المعلومات ومدى صحتها ..

ربما أكون قرأتها في إحدى قصص ميكي وبطوط ..

المهم أنك يا بني تحتاج للمرور بكل هذه المراحل لتصير (شيفاً ) ممتازاً .

وأكاد أقرأ أفكارهم وهم يتسائلون بحيرة : ومن قال أني أريد أن أصبح شيفاً ؟!

قبل رمضان بعشرة أيام تقريباً أقوم في كثير من الأحيان بإعداد كميات من السمبوسك وكنزها في الفريزر تحسباً للأيام التي أكون فيها متعبة ولا أتمكن من إعدادها .

كما أني أنتهز فرصة رخص البقدونس قبل رمضان والذي يقفز سعره 300% في أول يوم من رمضان .. فالحزمة التي تباع عادة بريال ، نشتريها في رمضان بثلاثة ريالات !

فإذا كانت الليلة الثلاثين من شعبان تسمرنا أمام التلفزيون ( هذا في أيام قنوات المجد والفلك ، أما قبل ذلك فكنا نتسمر أمام المذياع ) ونضطر للاستماع إلى كل البرامج حتى يخرج لنا المذيع الذي يعلن نبأ دخول رمضان ، فيتقافز صغاري فرحين ..

سبحان الله .. حتى الصغار يحبون هذا الشهر العجيب ، ولا أظنه بسبب الشوربة و السمبوسك ، فهذه أطعمة صرنا نعدها في غير رمضان .

لابد أن لرمضان سحراً خاصاً يفتن البشر .

حينها أعد السحور التقليدي والذي عودتنا عليه أمي مذ كنا صغاراً : الاسباجيتي وصلصة البولونيز. والسر في اختيار هذه الأكلة هو سهولة إعداد الصلصة من وقت مبكر ، فلو أعلن عن رمضان فلا نحتاج إلا إلى إعداد الاسباجيتي وتسخين الصلصة للسحور ، وأما لو أكملنا شعبان ثلاثين فبإمكاننا حفظ الصلصة في الثلاجة لغد .

وفي يوم رمضان فإنا نستيقظ جميعاً عند صلاة الظهر لأداء الصلاة ثم نقرأ شيئاً من القرآن قبل العصر ..

يمكنني بمزيد من الدقة أن أقول ( أقرأ ) شيئاً من القرآن ، وذلك لأن أولادي يتجهون مباشرة إلى محاريبهم الخاصة : أجهزة الكمبيوتر والتي تنوعت في بيتنا : ابتداء بكمبيوتر ( صخر ) ومروراً بالأحدث تقنية كالننتيندو بأنواعه وانتهاء بالإكس بوكس ، في حين أظل أذكرهم بفضل قراءة القرآن في رمضان وأجره ، وأحياناً إذا ما ثارت ثائرتي أمنعهم من اللعب حتى يقرؤوا جزءاً واحداً على الأقل .

ولايزال سهل مثار تندرنا جميعاً عليه حينما اعترف لنا أنه قرأ ما بين العصر والمغرب في أحد الأيام من سورة آل عمران إلى سورة يوسف !

أفهم أن يكون المرء سريع القراءة ، لكن يقرأ في ساعتين عشرة أجزاء ، فهذا ما يسمى بالقراءة النووية .. لو كان ثمة قراءة بالفعل .

طبعاً كل ذلك في الأيام التي كنا ننعم فيها بالإجازة الصيفية ، أما إذا وافق رمضان الدوام المدرسي فيكون عذاباً بحق ، إذ كنت أستيقظ مرة قبل الفجر لأدس في أفواه أولادي التمر وأجرعهم الماء وهم يبتلعون كل ذلك آلياً وأعينهم مغمضة بشدة في محاولة يائسة للإبقاء على الأحلام التي انتزعتهم منها .

ثم أوقظهم مرة ثانية ليقوموا فعلياً للذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر ، ثم أوقظهم مرة ثالثة في الثامنة و النصف للذهاب إلى المدرسة ، ثم أستيقظ للمرة الأخيرة في الثانية عشر لبدء اليوم .

(وعلى طاري ) إيقاظ الأطفال ، فكم أضحك من أفعال بعض من أوقظهم لأداء الصلاة ، أو للذهاب إلى الحمام قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه..

أحدهم حينما أوقظته نظر إلي بعينين فارغتين ثم مد يده وهمهم بكلمات سريعة : أديني أديني ، وكأنه يأخذ كتاباً من شخص مجهول ثم يقلب صفحات الكتاب ، فأنبهه مرة أخرى فينظر إلي ثانية ، ليعود إلى الوسادة من جديد .

وآخر أوقظه لصلاة الفجر فيقوم ويتجه على الحمام فيجده مغلقاً فيحتار قليلاً ، ثم لا يلبث – تحت وطأة النوم – أن ييمم وجهه شطر باب الحمام ويكبر ويصلي ركعة واحدة ويقفل راجعاً إلى فراشه !

قبل صلاة العصر يبدأ الإعداد لطعام الإفطار ..

وكل يوم تقريباً أفكر بنفس السؤال : أمكث في المطبخ كل هذا الوقت لإعداد إفطارنا والذي لا يتجاوز غالباً الشوربة والسمبوسك والفول ( أو سلطة التونة ) وما يماثل وجبة غداء عادية ( رز وإيدام) لزوجي الذي تربى على هذه النوعية من الإفطار الدسم وصنف واحد فقط من الحلويات أحياناً ، فكم تقضي النساء اللاتي يقمن بإعداد نوعين أو ثلاثة من المعجنات وأنواع الحلويات ونوعين من الشوربة للإفطار ، ثم طعاماً آخر للعشاء ، ثم السحور ؟

ماذا يمكننا تسمية هذا الإهدار للوقت في رمضان ؟

أشعر أن رمضان له عند الناس جاذبية خاصة في ما يتعلق بأنواع المأكولات ، والبرامج التلفزيونية .

كل يوم رمضاني أفتح إذاعة القرآن عصراً أثناء إعداد الإفطار لأستمتع بقراءة الشيخ محمد أيوب ، والذي صار بالنسبة لي علماً على رمضان ، حتى إذا ما سمعت قراءته في أي وقت آخر تلتقي نظراتي بنظرات فاطم ويبتسم قلبانا ثم تتداعى على ذهني فوراً بقية المكونات لأصنع في خيالي يوماً رمضانياً مجيداً : رائحة الشوربة على النار ، والبقدونس المقطع ، واللحم المفروم ( وهو يتطقطق ) ، وماء الزهر في طبق الحلوى ، وهدير المكيف ، والحلق الناشف ، و الطاقة التي بدأت تخور في نهاية اليوم .

وهنا يأتي دور الذكور في المساعدة : أناديهم لتعبئة دوارق المياه ، وشيء خاص بزمزم بعد تبخيره بالمستكة ، وثالث لمشروب الفيمتو الرمضاني الشهير ، ورابع حديث أضفناه مؤخراً لتانج البرتقال كل ذلك نرصه بحرص في الفريزر الكبير ليكون مثلجاً عند الإفطار ..

وبعد ذلك يأتي دور تعبئة التمر .. أنا أحب الصقعي أو سكري عنيزة الضخم لو توفر ، وأولادي يحبون السكري ( المرقد ) فنعبئ من النوعين لإرضاء كافة الأذواق .

وبين هذا وذاك يهربون لإكمال لعبة الكمبيوتر التي ( حطوها على ستارت ) دون إتمام عملهم فأناديهم مرة ثا*نية لإعطائهم محاضرة في إتقان العمل وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه..

في العصر الرمضاني يأتيني كل يوم الابن الصغير الذي بدأ للتو في التعود على الصيام مخبراً أنه بدأ منذ اللحظة في الصوم !!

ومنذ أن يخبرني هذا الولد بذلك إلى أن يؤذن المغرب ، يكون قد طلب مني ما لا يقل عن خمس مرات أن ( يكنسل ) صيام اليوم ويبدأ من غد ، فقط ليشرب فنجاناً من الفيمتو البارد ، أو تتناول ملعقة من مفرومة السمبوسك ، أو لأنه عطشان ، أو لأنها نسيت أن ( تتسحر ) قبل العصر !

وأظل في أخذ ورد مع هذا الصغير إلى أن يؤذن المغرب فأتنفس الصعداء أن : هذا يوم آخر انقضى.

في المساء يكون الجو الرمضاني الرهيب بسماع أصوات الأئمة في المساجد المجاورة تختلط في قراءات مختلفة في صلاة التراويح ، كثيرمنه اقراءات سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة حتى يبدؤوا بدعاء القنوت ، ويتخلل ذلك كله أصوات الألعاب النارية ( الطراطيع ) التي يبدأ موسمها في أواخر شهر شعبان ، وأصوات الأطفال وهم يتجمعون في الشارع أمام لعبة ( الفرفيرة ) التي نصبها أحدهم ليلعب أطفال الحي ومراهقوه ( وربما بعض الزائرين من الأحياء المجاورة ) مقابل مبلغ مالي بسيط ، أو أمام عربية لبيع البليلة والذرة .

رمضان هو الشهر الوحيد الذي لا أجد فيه غضاضة من إرسال ولدي الصغير الذي يبلغ العاشرة إلى البقالات المجاورة في الثانية عشر ليلاً ، إذ جميع الدكاكين مفتوحة ، وحركة الشارع مستمرة ، وكأن الوقت لا يزال الثامنة مساء .

كم من أشياء لا نجد لذتها ولا فرحتها إلا في رمضان .

يكفيني الشعور بالسلام النفسي ..

أتراه من إحساسي الشخصي بتصفيد الشياطين ؟

أم أن هناك سكينة فعلاً في رمضان ، تجعلنا نتمنى لو كانت أيامنا كلها رمضان ؟

رمضان اقترب ..

فاللهم سلمنا إلى رمضان وتسلمه منا ..

Read Full Post »

قبل قرابة الخمس سنوات خرج خالد من بيتي يوم زواجه وكأن قطعة من قلبي انتزعت انتزاعاً .

واليوم ، وبعد سويعات قليلة سيغادر سهل بيتي إلى جدة ليعمل في مكتب المحاماة الخاص بجده في فترة الإجازة الصيفية ، ولا أدري لعلها إرهاصات بقرب مغادرته البيت تماماً للسفر في بعثة أو زواج أو شيء من هذا القبيل .

حمداً لله أنه لا يقرأ تدويناتي .

تدوينة اليوم قد يكون فيها الكثير من المأساوية ، وعليكم أن تحتملوني وتواسوني لأن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم .

ألم أذكر من قبل أن بعض الناس يحبون أن يظلوا في وضعية الحزن ( مود الحزن ) وأنهم يجدون في ذلك نوعاً من الرومانسية ؟

حسناً .. لعلي سخرت منهم فابتلاني الله اليوم بأن أكون مثلهم ..

منذ أن علمت بالخبر البارحة وأنا في كآبة ودموع .

حياتي مرتبطة جداً بأولادي الثلاثة الكبار : خالد وسهل وفاطم .

قضيت معهم شبابي ، وجربت فيهم وسائل التربية وحماس المربين .

على الرغم من أني كنت أعاقبهم عقوبات لا هوادة فيها إذا هم أخطؤوا إلا أني كنت أشعر بحبهم لي وهم صغار ..

كانت الفروقات العمرية بينهم طفيفة : سنتان بين خالد وسهل ، وأكثر من السنة بقليل بين سهل وفاطم  ، وثلاث وعشرين سنة بينها وبيني .

كنت أجد الكثير من المتعة في تعليمهم وتوجيههم ، وكنت أفرح بتعليقاتهم اللماحة الذكية على القصص التي أحكيها لهم ، والتي اكتسبوها – التعليقات لا القصص – بفضل الله من كثرة القراءة حيث لم نسمح بوجود التلفزيون والذي كان أبوهم يسميه : المفسديون .

كانوا يلعبون سوياً ، وإذا ما أزعجوني كنت أوجههم لترتيب ألعابهم التي بعثروها ، فيذهب ثلاثتهم لترتيبها ، فقط لينتهي الأمر باندماجهم في لعبة جديدة تمنحني ساعة أخرى من الهدوء .

كان هؤلاء الثلاثة يصنعون عالمي ..

كانوا كالألوان الزاهية التي تضفي إلى حياتي رونقاً وجمالاً .

اليوم .. خروج سهل يدمي فؤادي .

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ مدونتي .

أظل أذكر نفسي بأنه لابد أن يخرج في يوم من الأيام ..

كلهم لابد أن يخرج ، منهم من سيبحث عن رزقه ، ومنهم من ستتزوج ، وهذه هي الحياة ..

لم تربهم يا هناء ليظلوا في بيتك أبد الدهر ..

ولكنه شعور قتّال ..

اعذروني لارتباك حروفي وتبعثر كلماتي ، ولكني مشوشة الذهن بالفعل .

تتجاذبني مشاعر جياشة من الحزن والخوف من المستقبل ، والأسى لسفره .. وبعض من فقدان الرغبة في الحياة ..

أشعر بأن الهموم تكاثرت علي ، وخروج سهل الذي يساعدني في تربية أخوانه يقصم ظهري ..

حينما كان سهل في الثانوية ، وكان متفرغاً لي تقريباً ، يبرني ويؤنسني مع فاطم – بعد زواج خالد –  ويكون لي الدرع الذي أحمي به نفسي من قرف الصغار الذين راهقوا فيصرخ عليهم لو آذوني ، ويوجههم لمساعدتي ، كنت أمازحه دائماً وأقول له : لا تتزوج وتتركني لهؤلاء الأوباش ، فيضحك ويطمئنني بأنه لن يحدث ..

وأضحك وأمني نفسي بحياة طويلة في هدوء وراحة .

ولكن من قال أن الحياة تستقر على نمط واحد ؟

ها هي الأيام تمر ، ويكبر سهل ، ويتخرج من الجامعة ، ويصبح عمله أو إكمال دراسته لازماً ..

وما أفضل من مكتب جده للمحاماة ليتدرب على العمل فيه إن كان ينوي أن يعمل مستشاراً قانونياً ؟

حينما أخبرني بذلك البارحة ظللت أستمع إليه وعلى فمي ابتسامة بلهاء ، وقلبي يحرك رأسه بشدة في غير تصديق : لا .. وتتركني وحدي مع هؤلاء الأوباش ؟

لم أعد كالسابق ..

السرطان التهم نصف طاقتي ، وتربية المراهقين الجدد في هذا الزمن المتعب تلتهم النصف الآخر .

سهل كان يدي اليمنى بالفعل ، ويدي اليمنى اليوم تنفصل عني .

إذا خرب الدي إس إل ننادي : يا سهل .

إذا أزعجني المراهقون الجدد بتمردهم وسوء أدبهم ناديت : يا سهل .

إذا لم أجد من يوصلني لصديقتي أو لدرسي بحثت عن سهل ..

إذا احتجت لعمل متقن في ابتياع شيء ما يوافق رغباتي فما لذلك إلا سهل .

سهل دائماً يملأ الفراغات ..

واليوم سهل سيترك فراغاً كبيراً في قلبي ..

حمداً لله أنه لا يقرأ مدونتي .

وفي الركن الخلفي من عقلي يرتفع صوت حكيم رصين : وإلى متى ستضعينه تحت جناحك ؟

لابد أن يذهب ويبحث عن مستقبله ..

لابد أنه سيتزوج في يوم من الأيام أو يسافر لإكمال دراسته ويتركك ..

لاتكوني مبالغة في (مود الحزن ) وانظري كما تعودت في نعم الله وألطاف الله .

هو لن يتركك نهائياً ..

هو لم يمت للمزيد من الدقة ..

فقط سيغادر المنزل ليبني حياة جديدة  خاصة به.

وهل أنجبته ليكون امتداداً لحياتك ؟ ليكون كتاباً في مكتبتك أو قطة تتسلين بها ؟

أليس ذلك هودورك كأم ؟

أهز رأسي ، وأقول : كلام صحيح وجميل ..

ولكن الفراق مؤلم ومر كالعلقم .

سبحان الله .. في الحين الذي يتقلب الوالد على جمر الغضا من ألم الفراق والانفصال ، يكون الولد في غاية الحماس والنشاط والرغبة في خوض التجربة لحد الثمالة ..

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ تدويناتي .

لاحظت أن الكتابة في وسط الأحداث تكون مأساوية للغاية وباكية ، أما بعد انقضائها فتكون متفائلة ومرحة وفيها الكثير من الرضا بقضاء الله ..

هذا طبيعي .. كالعجين ، يدخل الفرن ليخرج حلوى لذيذة شهية مبهجة ..

أنا الآن أكتب لكم من وسط الفرن !

منذ البارحة أمشي وقد أثقل كاهلي الخبر ..

أمشي وكأني عجوز في السبعين ففي ساعات الأسى أشعر بأني عجوز عجوز .

في  الحقيقة أني لا أتخيل أن تخلو داري من سهل ، وربما في القريب تذهب فاطم كذلك ..

وأبدأ حياة جديدة متعبة مع المراهقين الجدد بلا معين ، ولا صحة قوية تساعدني ..

” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ” ..

 ” يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد”. كان يأوي إلى الله تعالى ..

هناء ..

من أعانك على تربية المراهقين القدامى سيعينك حتماً على المراهقين الجدد ، بل وربما سيكون ذلك أسهل لو أحسنت الظن بالله ..

لا شك أن أقدار الله كلها خير ، وأن هناك الكثير من الحسنات التي سينطوي عليها مغادرة سهل .

ماهي ؟ لن نعرف الآن ..

ولكن لابد من وجود الثقة بقضاء الله وحكمته وعلمه ..

لابد من إحسان الظن به تعالى  .

صحيح ..

لكنني حالياً لا أرى إلا الأسى ..

ربما يتحسن وضعي مساء ..

أحتاج إلى السفر في رحلة إلى عالم النسيان حتماً ..

أحتاج للمزيد من التركيز .

Read Full Post »

« Newer Posts