Feeds:
المقالات
التعليقات

…جار تطبيق الهروب …

تحدثت في التدوينة الماضية عن صور شتى للهروب .

واليوم أود ممارسة هذا الهروب فعلياً .

الموضوع وما فيه ، أني بدأت في قراءة مذكرة أصول الفقه ، ومنهجنا في هذا الفصل عن المنطق .

قاتل الله المسرحيات .

كلما ذكرت كلمة المنطق أتذكر هذا الحوار في إحدى المسرحيات التي كان التلفزيون السعودي يتحفنا بها في كل عيد :

المعلمة : تعرف إيه عن المنطق ؟

الطالب الخائب : أعرف أن الواحد لما يضرب واحد على دماغه يوأع ما يحطش منطق !!

من الفصل الماضي وأنا ألحظ أن المناطقة صعبوا علينا الأمور جداً في أصول الفقه والعقيدة ، اللذين – لو لم يدس المناطقة فيهما أنوفهم العريضة لاستقامت كتبهما لنا –

أشبه المنطق بمنهج الرياضات المطورة في هذه السنة : فين إذنك يا جحا ، ومن عنده في البيت طالب يدرس هذه الرياضيات فسيدرك ما أرمي إليه .

من ساعتين تقريباً وأنا ( أقرأ ) مذكرة أصول الفقه وأرسم تفريعات وأشجاراً للتقسيمات .

تقسيمات تقسيمات ، ذكرتني بالحديث الموضوع : من قال كذا وكذا خلق الله من كل كذا مئة ألف طائر ، لكل طائر مئة ألف لسان ، كل لسان يقول بمئة ألف لغة ، وهكذا ..

كلما قلبت الصفحات وجدت المزيد من التقسيمات ، وضاقت الورقة بهذه التشجيرات ، وضاق صدري كذلك .

آااااه ، إني أختنق ..

أحتاج لتنفس بعض الهواء النقي .

أحتاج للهروب لبعض الوقت من هذا المنهج الغثيث .

أين المفر ؟

وهنا تدوي اللمبة الوهمية فوق الرأس : إلى المدونة .

أبثكم أشجاني وأستقي بعضاً من الراحة النفسية في الكتابة .

أحياناً ، أشتهي الإجازة وأنتظرها بفارغ الصبر لكثرة المشاريع التي أقمتها في خيالي وأريد إقامتها على أرض الواقع.

فإذا جاءت الإجازة ، مرت الأيام بجنون وانقلب النظام الليلي والنهاري في بيتنا حتى أعود فأتمنى رجوع الدراسة لتنتظم الأوقات .

الآن ، أنا في المزاج الأول .

أنظر إلى طاولتي الصغيرة بجانب سريري فأرى كتباً مكدسة ، بعضها ينتظر دوره في القراءة ، وبعضها ينتظر  أن أنهيه .

والله لا وقت لدي .

كل يوم أمسك أحد كتبي بشغف ، وأقلب صفحاته وأهمس بحب : سأنهيك قريباً إن شاء الله ، صدقني..

أعتقد أني بدأت هذه الممارسة منذ بداية الفصل الماضي ، يعني من 8 أشهر تقريباً .

المشكلة أني أبدأ أحياناً في قراءة كتاب جديد ولما أُنهِ ما قبله بعد .

سؤال عارض  من تأثير ماذة النحو : ما إعراب ( أُنهِ ) هنا ؟

لو فتحت صفحتي في موقع Good Reads لوجدت أن عندي 10 كتب يجري قراءتها الآن .

عشرة كتب ؟

الصراحة أنها أكثر ، ولكني استحيت أن أسجل الأشياء الجديدة التي بدأت في قراءتها خشية أن يتفلسف علي الموقع ويقول : ( خلصي الّي عندك أول ) !!

عندي مثلاً كتاب اشتريته مؤخراً من أمازون ( الموقع طبعاً وليس النهر ) واسمه  123Magic، وهو كتاب جيد ومثير في تربية الأطفال بين 2-12 سنة .

حتى الآن قرأت ثلث الكتاب ، ولكن أشغالي الكثيرة تحول بيني وبين إتمامه ، وصدقوني أني متشوقة لمعرفة نهايته لسببين : لأتبع  الأنظمة التربوية الجدية التي ذكرها المؤلف مع لطيفة وشمس ، ولأضع مقتطفات منه في المدونة علها تفيد أحداً .

في انتظاري أيضاً كتاب ” طفولة قلب ” للدكتور سلمان العودة ، قرأت ثلثه كذلك .

كتاب زاخر بالأسلوب الأدبي الرفيع المعروف عن الدكتور .

أسلوب يشبه قراءته تناول لوح من شوكولاتة الجالكسي الذائبة بالبندق .

هناك كتاب : ” عشت سعيداً ، من الدراجة إلى الطائرة ” للكاتب عبد الله السعدون ، وهو سيرة ذاتية كذلك .

أحب السير الذاتية .

على الأقل هي تحكي قصص ناس واقعيين مثلي ومثلك .

ناس باستطاعتك أن تقلدهم لو أعجبوك ..

مروا بظروف ومواقف ، قرأت كلامهم ورأيت تصرفاتهم واستفدت منهم ، وليست وليدة خيال مؤلف واسع الخيال ، وقد يكون ضيق الأفق فيضيق عليك حياتك .

بانتظاري أيضاً أحد كتب سلسلة Chicken Soup المعروفة ، وهو بعنوان Think Positive.

كتاب ماتع فعلاً ( توني أربط بين ممتع وماتع وأرجو أن يكون استعمالي لماتع صحيح هنا )  ومليء بالتفكير الإيجابي الذي تحتاجه مريضة السرطان خاصة ، والناس بشكل عام .

أنا أعتبر حسن الظن بالله من أقوى صور الإيجابية .

إنها محاولة دؤوبة لتغيير التفكير والنظرة للأمور المختلفة إلى هيئات إيجابية .

ألم أقل من قبل أن السبب في عدم تحقق الكثير من الأمور هو سوء الظن ؟

عندما يفكر المرء أنه لن ينجح لأنه لم  يذاكر جيداً بسبب انشغاله مع والدته ، أو لن يدرك الوظيفة الفلانية لأنه فضل مساعدة والده ، أو لن يصير غنياً لأنه مشغول بقضاء حوائج الناس ولا يعمل بشكل كاف  ، فعندها لن يتحقق ذلك فعلاً .

لماذا ؟ لأن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : ” أنا عند ظن ( وليس حسن ظن ) عبدي بي ، فليظن بي ما شاء ” .

وهذا الشخص أساء الظن ولم يحسنه ، فكان الله عند ظنه به .

بما أن هذه التدوينة هروباً ، فلعلي أختم بذكر آخر إحسان ظني بالله .

كنت أبني فيلا في الخيال ..

ألا يستخدمون تعبير ( بناء قصور في الخيال ؟) حسناً ، أنا لست طماعة ، تكفيني الفيلا .

حلمت ( في يقظتي ) أني استلمت ( لا أعرف من أين ، ولا دخل لي بذلك فهذا من تدبير الله تعالى ) مليوني ريال ،  اشتريت بأحدهما المبنى الذي أسكن فيه حالياً ، وبالآخر رممت وجددت وغيرت .

هل كان حلماً ؟

نعم .. هو حلم يقظة ، ولكنه من النوع القابل للتحقيق وليس مخالفاً للسنن الكونية ..

من أين سآتي بمليوني ريال ؟

لا أعرف ..

قالت فاطم : ربما ستشتري هولي وود كتابك وتحوله إلى فيلم .

ضحكت كثيراً ، وقلت : ما شاء الله ، ستشتريه هولي وود بعد أن تسلم .. كتابي مليء بالإيمانيات وإحسان الظن بالله .

لست مسؤولة من أين سآتي بالمليونين ، ولكني أعلم أن الله سميع قريب مجيب .

وأكثر من ذلك ، أعلم أنها لن تكون مليونين  فقط ، فإني سألت الكريم ولا يكتفي الكريم أبداً بإعطاء مقدار ما سئل  وحسب.

أختم ( هذه المرة حقيقة ، فقد جاوزت الأربع صفحات ) بهذه القصة الغريبة التي تعلمكم فعلاً لماذا أحسن الظن بالله لهذه الدرجة ..

قبل أسبوع تقريباً سألت خالداً عن نسخة كتابي التي فيها الفسح الإعلامي وترقيم مكتبة الملك فهد ، والذي استصدره من بضعة أشهر .

قال لي بثقة : أعطيتك إياه .

استرجعت فوراً ، فهو لم يعطني شيئاً لأنه رجع من الرياض إلى جدة عن طريق الطائف ولم يمر بالمدينة ، فعلمت أنه ضاع .

اتصلت على أمي وطلبت منها أن تبحث في بيتها ، واتصلت على كل من قد يكون له صلة بالأمر ، لكنهم نفوا رؤيته أو وجوده عندهم .

عدت للمذاكرة ، إلا أن خيالي كان يسبح بعيداً في محاولة يائسة للبحث عن الكتاب ، أسترجع الذكريات لعلي أجد في تفاصيلها ما يدلني على كتابي الحبيب .

أمضيت نصف ساعة عجزت فيها عن التركيز ، والوقت يمضي وعندي أطنان من المذاكرة .

عندها دعوت الله بصدق : رب أسألك أنت لا غيرك أن تأتي لي بكتابي .كيف ؟ لا أعلم فأنت ربي ومدبر أمري .. توكلت عليك وحدك وفوضت أمري إليك وحدك .

ثم رميت الأمر خلف ظهري وعدت للمذاكرة ونسيت الموضوع .

عشر دقائق فقط ، وتجيئني فاطم  في حجرتي وتسألني : ماذا تعطين من يجد كتابك ؟

أصدقكم القول أني لوهلة شعرت بالخوف الشديد .

أحول أن أفسر سر خوفي ولكني أعجز ..

هل هو خشوع  ، هل هو رهبة من الموقف ، هل هو خوف حقيقة ؟

أخبرتني فاطم أنه قبل عشر دقائق طلب خالد من أروى أن تبحث له عن الهارديسك ، فبحثت ولم تجد ثم تذكرت حقيبة اللاب توب القديمة المغبرة ، فبحثت فيها فوجدت الكتاب !

يا الله . اقشعر جلدي ..

لماذا طلب الهادريسك في هذه اللحظة بالذات ؟

ما الذي دفعها للبحث عنه في هذه الحقيبة القديمة المغبرة ، في حين يكون فرصة وجوده فيها أقرب ما يكون ل2% ؟

كم نضيّع على أنفسنا بسوء ظننا بالله .

لماذا يكون حسن الظن بالله علينا عسير ؟ هل جربنا عليه مساءة أو جوراً أو سوء تعامل ؟

أنا بالنسبة لي لم أر منه إلا كل جميل ، حتى في مرضي ..

نعم ابتلاني ، ولكنه أنزل من أنوار الألطاف والرحمات ما أعشى عين البلاء ، فما عدت أرى إلا هذا اللطف وتلك النعم ..

أفتراني يجمل بي أن أسيء الظن به ؟

لازلتم تضحكون من المليونين كيف ستأتيني ؟

اضحكوا ، فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله .

لكن لا يأتيني عندها أحد منكم يطلب مني أن أدعو له .

والآن ، وبعد أن ضربت رقماً قياسياً في الثرثرة اليوم ، لابد لي من العودة إلى الواقع المرير .

إلى أحضان المنطق والفلسفة ( اللغوية) .

إلى أقسام المفرد و المركب ، ما تعدد معناه وما اتحد معناه ، التقييدي منه وغير التقييدي ، ما كان قاطعاً وما كان ممكناً ، والمتواطئ والمشترك والمنقول ( ويتلاشى الصوت شيئاً فشيئاً ) .

سباق الهروب

كثير منا تقابله مواقف في حياته قد تكون سارة أو غير ذلك ، ويريد أن يهرب من مواجهتها .

لماذا يهرب من المواقف السارة ؟

لأي سبب .. قديكون الخجل أو الرهبة أو شدة الإثارة ويخشى أن تنفلت انفعالاته بما لا يحمدعقباه .

أسباب كثيرة .

وباعتقادي أن لكل إنسان طريقته في الهرب .

هناك من يهرب بالنوم ، أو باللجوء إلى الكتابة ، أو طرق أخرى ملتوية !

صغارنا حين ننظر إليهم بصرامة إذا ما أخطئوا كانوا يغمضون أعينهم يحسبون أنا لا نراهم كما أنهم لا يروننا .

والبدين يهرب من تأثره بالبدانة بأن يسخر من نفسه على الدوام ، من باب ( أنا أتتريق على نفسي لا أحد يتتريق علي ) ، وقل مثل ذلك في الطويل والقصير .

حين كنت صغيرة كان أبي رحمه الله يجمعنا لصلاة المغرب جماعة .

أذكر جيداً أني كنت في العاشرة  تقريباً وكنت أقرأ قصة عن بلال بن رباح رضي الله عنه حين أمرتني أمي بالتجهز للصلاة .

طيب .. في الحقيقة لم أكن أحب صلاة الجماعة كثيراً ، ولعل سبب ذلك واضح .

لماذا تحرص بنت العاشرة على صلاة الجماعة في حين أن بإمكانها أن تؤديها منفردة في نصف دقيقة ؟

لذا كان لابد لي من الهروب ..

قلت لأمي بجدية : لا أستطيع الآن .. أنا أقرأ عن بلال بن رباح !!

قالي لي بحزم أكبر : قومي الآن .

قمت وأنا متعجبة و( مستصيبة ) ..

أستغفر الله .. أقول لكم أقرأ عن بلال بن رباح وتقولون لي : قومي صلي ؟

يعني ( إيش أفود ) ؟ التعرف على الصحابي والا الصلاة  مثلاً ؟

انتم عجيبون !!

وفي القاهرة  كان لي موقف آخر مشابه مع ابنة خالتي التي كنا في زيارة لهم .

طلبت مني أن أذرع الردهة جيئة وذهاباً بابنها الصغير أدفعه في عربيته لتنويمه .

ما هذا العمل الممل ؟

كان يصرخ ( كالكفتيرة ) .

عندها ( تذكرت ) أن أمي طلبت مني أن أصلي العصر ..

أخبرتها أني وددت لو استطعت مساعدتها ، ولكن أمي طلبت مني أن أصلي ، وتعلمين أن الصلاة يجب أداءها على الفور !!

طبعاً ذهبت وشعرت ( بحاجتي الروحية ) لتجديد وضوئي ، ثم بحثت لبرهة عن ( الشرشف ) الملقى فعلياً فوق السرير أمامي ، ثم صليت أربع ركعات خاشعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن !!

هذه السن عجيبة بالفعل .

أقصد بين 8-10 سنوات .

فقط لإضحاككم أذكر هذه القصة .

أذكر أني في إحدى  الأيام حين كنت في هذه المرحلة العمرية العجيبة غضبت من والديّ غضباً شديداً .

لاأذكر السبب .

ولكني قررت الانتحار !

دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح .

وانتظرت لينتهي الأكسجين فأموت ، وعندها سيكسر أبويّ الباب ويجدانني قد فارقت الحياة وقد ازرق وجهي اختناقاً ، فيموتان كمداً ..

وبذلك أكون قد انتقمت منهم !

تصبب العرق مني .. وبدأت أشعر بالدوار .

وفجأة غبت عن الوعي ..

للأسف أنه لم يكن إغماء .

وبعد ساعتين دقت أمي الباب بشدة وأيقظتني من نومي وأمرتني أن أفتح الباب حالاً ، وضيعت علي فرصة الانتحار الذهبية !

طبعا أستفيد من هذه القصص الآن حينما أرى ما الذي تفعله بي لطيفة وشمس .

فقط علي أن أتحلى بالمزيد من الصبر وأضع نفسي مكانهما وأتذكر الأيام الخوالي التي كنت آتي فيها لأمي بالعجائب .

تناولت لطيفة يوماً  الغداء ثم قامت وغسلت يديها  .

ولما انتبهت إلى أنها لم تستغرق في غسل يديها وقتاً طويلاً علمت أنها غسلتهما بالماء فقط ، فناديتها وسألتها : هل غسلت يديك ؟

قالت بثقة : نعم .

قلت : شميها !

فشمتها وقالت : الله ( ومدت بها صوتها ) .

في الحقيقة أني شككت في فراستي لوهلة .

هاهنا ثقة مفرطة بنظافة اليدين حتى أنها تقول ( الله ) بإعجاب .

ولكني صمدت فجأة وطلبت منها أن أشمها ..

طبعاً النتيجة معروفة ..

رائحة دجاج ورز ولبن وسلطة مجتمعة :/

والآن بعد أن كبرت كلما ضاقت بي الحال أو شعرت بالملل ، أو بالضغوط النفسية فإني لازلت أهرب.

ولكن لا للأسف ..

ليس إلى الصلاة والذكر ، ولكن إلى الطعام .

وهذا ما يسمى بالأكل العاطفي emotional eating

ولهذا فقد زاد وزني في الفصل الماضي ثمانية كيلوات ..

لن أقول أنها كلها بسبب  الضغوط النفسية المصاحبة للاختبارات ، ولكن هناك العلاج الهرموني أيضاً والذي يسبب زيادة الوزن .

مالم أفلح في إتقان الهروب  فيه هو حين يثني علي أحد ما .

لا يخلو المرء من أن يفعل شيئاً يستحق أن يثنى عليه ..

هي عندي طامة .

نعم .. أحب الثناء والمديح ، وكاذب من يقول أنه لا يحبه .

ولكني ( أحوس ) فيه بشدة .

أكرمني الله ببعض الصديقات اللواتي ( أخذن مقلباً جامداً ) فيّ .

أشعر  أحياناً أنهم لا يدخرون جهداً في الثناء عليّ و (قطع رقبتي ) .

بعضهن كن يعتقدن أني عبد الله بن المبارك !

ووالله أني ليدخلني من الهم الكثير إذ لا أعرف كيف أتصرف ، وأظل أتمتم : الله المستعان ، الله المستعان ، أستغفر الله أستغفر الله .

فإن كان الثناء مواجهة ومشافهة فإنها الليلة الليلاء  والبلية الدهماء .

ماذا أفعل بيدي ؟ هل أعقدهما ، أو أرسلهما ؟

هل أنظر في المتكلم أو المستمع أو في الأرض ؟

هل أبتسم ببلاهة أو أحرك رأسي كالحكماء وأقول برصانة : الحمد لله .

وتنقضي دقيقة الثناء كالدهر ،  قبل أن أتنفس الصعداء ..

ثم حين تهدأ نفسي أجتر الكلمات التي قيلت ليستمتع قلبي بمذاقها الجميل .

هممم .

أكاد أقرأ ما يدور في أذهانكم ؟

تستجلب المدح بهذا الكلام ؟

طيب عادي ..

إذا أردتم أن تثنوا في المدونة فأهلا بكم ..

على الأقل لن أراكم وجهاً لوجه .

وإن فكرتم : كم هي صفيقة ، فعادي كذلك ..

لابد لمريضة السرطان أن تثني على نفسها أو تستجلب الثناء لتفرح ..

فمرضنا فيه الكثير من الأحزان ، ودوركم إدخال السرور على قلب المرضى .

وعلى هذا ..

فهل لكم ان تكتبوا لي عن هروبكم كيف يكون لتدخلوا بعض السرورعلى قلبي الكهل ؟

اكون لكم من الشاكرات  : )

القحط !

بوادر القحط والجفاف ظهرت في عقلي .

أعتصر مخي أريد أن أستخرج شيئاً من أفكار لأنظمها في مدونتي ، ولكن لا فائدة .

أغبط الأذكياء من المدونين وكتاب الصحف الذين يمكنهم كتابة مقالات يومية أو أسبوعية بشكل منتظم ..

لا أعرف حقيقة أين عثروا على منجم أفكارهم الذي لا ينضب .

أود تقليدهم في قصر تدويناتهم ومقالاتهم فلا أكاد أفلح .

المشكلة أني – كما قيل لي من قبل – أكتب كما أتكلم .

وأنا – للحق – ثرثارة بعض الشيء ، لذا فإن صفحتين أو أقل لا تملآن عيني ألبتة .

ولكن يبدو أن علي تغيير عاداتي السيئة خاصة لو كانت ستؤدي إلى انقطاعي عن الكتابة .

همممم ، لنرى الآن ..

عن ماذا يحسن بي أن أكتب ؟

لا أريد أن أعيد أفكاري ..

أحياناً أشعر أني أكرر نفسي .

ما ههنا إلا الحديث عن ذكريات السرطان ، والتفاؤل وحسن الظن بالله .

وهي أمور جيدة لا شك عندي في ذلك ، ولكن ألا يكون الإكثار منها مملاً ؟

أريد أفكاراً جديدة ..

في بعض المرات تتكون عندي مجموعة من الأفكار لا يكفي أحدها في تكوين تدوينة كاملة ، فهل تعتقدونها فكرة جيدة أن أكتب أحياناً تدوينات تحتوي على مجموعة من
هذه الأفكار ؟

خذوا مثلاً هذه النقطة :

كنت أذاكر في مكتبي الأسبوع الماضي حين جاءتني لطيفة وجلست بجواري وأخذت تلعب بالأيباد ، في حين ظلت شمس ترمقها بفضول ، فإذا بالأيباد ينزلق ويكاد يسقط من يد
لطيفة .

هتفت : انتبهي ، لا يسقط الأيباد .

فقالت شمس بصوتها ( البطاوي ) في حماس : أحسن ، خليه يطيح عشان ( تنكب ) الألعاب الي فيه ونلعب بها !!

انتهت الفكرة .

فكرة أخرى :

تعلمت شمس أنشودة جديدة في الروضة : الرياضة الرياضة ، تنشط دمي وتزيل همي ، حبها كبير ، حبها كأمي :/ .

انتهت الفكرة ..

الآن هل يكفي ذلك في تكوين تدوينة ؟ حتى لو أضفت إليهما اثنتين أو ثلاث بنفس الطول ؟

كأنها خواطر أو يوميات  ، أو ما أشبه ما تكون بتغريدات تويتر .

 و المشكلة أني أشعر أن ذكرها بهذه الطريقة سيسبب مللاً ، وأن القارئ بعد أن يقرأ مثل هذه القصة سيقول في نفسه : طيب ؟ خير ؟ إيش يعني لما شمس تقول كذا وكذا .

أشعر أني لا أفلح إلا في التدوينات الطويلة ، لأن مَثَل هذه الأفكار مَثَل الوجبات الخفيفة ( سناك ) ، وأنا في الحقيقة لا أحب السناكات ، لأنه ينطبق عليها قول الأول : بص وفتح عينيك ، وجبة واتحسبت عليك .

أنا لا أقتنع إلا بالمفطحات أو على أقل تقدير : ما يملأ البطن ويزيد الوزن ويستغرق زمناً في التناول .

في الحقيقة ، ولأجل الأمانة : فإني ما كتبت هذه التدوينة إلا لأني وجدت أن عدد القراء يتناقصون يومياً ، واليوم وجدت أن قارئاً واحداً اطلع على مدونتي خلال الأربعة وعشرين ساعة الماضية عن طريق تويتر ،
ولا أستبعد أن يكون أنا! فأردت أن أسرع في إصدار هذه التدوينة قبل أن ينفض عني قرائي لكسلي ، في حين يكون السبب الحقيقي هو القحط .

لذا قيموا تجربتي القصيرة لهذا اليوم ،
وامنحوني بعض آرائكم في المواضيع التي بإمكاني أن أكتب فيها دون أن أتعرض للنقد اللاذع بسبب اختلاف وجهات النظر << خوافة .

وكما يقول المثل : ( أحلق رمشي لو عشرة عبّروني ) .

 ملحوظة : هذه التجرية القصيرة استغرقت صفحتي A4 ..

سبحان الله لا أحب المكسرات ولا الشبسات !! من أخذ طبق المكرونة الذي كان هنا ؟

النذر !

تحكي كتب التواريخ  قصة عجيبة لعمر بن الخطاب وقعت حينما كان يخطب ذات يوم على المنبر ، فصاح فجأة : يا سارية ، الجبل الجبل ..

وعلم المسلمون فيما بعد من سارية بن زنيم أنه كان على رأس سرية بنهاوند وأنهم قدحوصروا من قبل العدو فسمعوا صائحاً يصيح فيهم : يا سارية الجبل ، يا سارية الجبل ، فاعتصموا بالجبل وجعلوه خلفهم حتى انتصروا .

وردت هذه القصة في التفاسير و بعض كتب العقائد على أنها كرامة لعمر بن الخطاب رضي الله عنها، ولا أجد لها تفسيراً إلا ذلك .

وإذا نظرنا إلى عالمنا الآن نجد كثيراً من الحوادث الغريبة التي تحدث ولانجد لها تفسيراً .

هناك مفهوم في العلم الحديث يسمى بالتخاطر telepathy يندرج تحت خوارق الطبيعة ، حيث يستطيع شخصان منفصلان مكانياً أن يتخاطرا بذهنيهما رغم بعد المسافات .

وأمور مشابهة مما يمكن إدراجها في قائمة الخوارق ، ومن ذلك قول يعقوب عليه السلام لما فصلت العير التي تحمل قميص يوسف من مصر :” إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ” .

وفي تويتر وضعت سؤالاً أحببت أن أتعرف على آراء المغردين عن رأيهم بفكرة التخاطر عن بعد .

وكالعادة : ( ما عندك أحد ) إلا من مغردتين فقط : فسرتها إحداهما بالحدس ، والأخرى بالترابط العاطفي القوي بين المتخاطرين .

وقد تلقفت الفكرة الروايات العلمية وأفلام الخيال العلمي لتجني منها كنوزاً تداعب خيالات الجمهور .

حسناً ..

أنا محظوظة لأن عندي من هذه القصص ولكنها مجانية ولا أحتاج أن أدفع فيها ريالاً واحداً .

في الحقيقة ..

أمي هي التي تدفع !

أخبرتكم من قبل أني الابنة الصغرى والوحيدة لأمي ، وقد توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة .

كان تعلق أمي بي شديداً ( أراه الآن في تعلقي بشمس ) ، وكنت لا أكاد أفارقها .

حتى إذا ما تزوجت انتقلت مع زوجي إلى بلد أخرى وتركتها .

أعتقد أن المشكلة بدأت من هنا .

سنين طويلة مضت حتى عرفت بوجود مشكلة أصلاً .

اكتشفت أن أمي كانت تعاني آلام الطلق أثناء ولادتي لخالد ( تباً .. وأنا التي كنت أصر على بقائها معي في غرفة الولادة ) .

وفي السنتين الماضيتين ، بعد تشخيص مرض السرطان ظهر الأمر جلياً لكل ذي عينين .

أمي تشعر بما أشعر به ، ولو كنت في بلد آخر ، ولو لم أشتك .

لا أكاد أحصي عدد المرات التي اكتشفت أنها تعاني جزءاً من أي شيء أعانيه : نفسياً كان أو جسدياً .

بعدما أجريت عملية استئصال الثدي بأسبوع ، بدأت أشعر بآلام قوية في منطقة الإبط الأيسر وأعلى ذراعي حيث استؤصلت الغدد الليمفاوية كذلك .

كانت الآلام أشبه ما تكون بألم ( السلخة ) الحارقة .

كنت لا أطيق شيئاً على ذراعي ، ولو كان كم قميصي القطني الفضفاض .

كنت أشعر به وكأنه كم من شوك .

ولكني لم أنبس ببنت شفة .. فيكفي أمي ما تعانيه من رؤيتها لابنتها الوحيدة تصارع مرض السرطان ( القاتل ، الخبيث ، المخيف )  ، وما كان يبدو عليّ من تعب لم أتمكن من إخفائه جراء العملية .

عدة أيام مرت ، وشعرت أمي بألم ( سلخة ) قوي تحت ثديها ” الأيسر “!!

كان يزعجها جداً ويؤلمها .

تقول : تعالي يا هناء ، انظري هل ثمة ( سلخة ) ؟

ولكن يا أمي .. المكان أبيض كاللبن ، و الجلد ناعم ونظيف .

ماهذا الألم إذاً ؟

تناولت بعض العلاجات ولكن لا فائدة ..

استمر معها الألم حتى بعد أن تعافيت منه ، بعد شهر تقريباً .

من أجل ذلك اضطررت إلى قضاء أيام النقاهة من جرعات الكيماوي الثانية بعد العملية بعيداً عنها، إما في ينبع أو المدينة .

أمي تصاب بما أصاب به ..

وكانت جلسات التاكسوتير أشدها وطأة وأعظمها ألماً بسبب حقن رفع المناعة .

كنت أحاول أن أفتعل المرح وأرفع صوتي إذا ما حادثتني يومياً بالهاتف ، ولكن أنفاسي كانت تتقطع من الألم في أول ستة أيام من تناول الجرعة ، وكانت هي تشعر ( بكتمة ) لا تعرف لها سبباً.

وفي رمضان ، كنت أمر بظروف عائلية صعبة ، وكعادتي لا أظهر لها إلا الضحك والقوة ، لكن قلبها ما كان ليخطئها ..

فزادت عليها ( الكتمة ) حتى ذهبنا بها إلى الطوارئ بعد العيد .

أقول لأخواني : أمي ليس بها إلا العافية ..

أو إن شئتم : أمي ليس بها إلا حب ابنتها الزائد الذي يدفعها إلى الإحساس بكل ما تحسه .

كانوا يلومونني : لا تخبريها إذن بآلامك ..

فكانوا يزيدون آلامي ..

وهل يعقل أن أخبر بآلامي لتتألم هي ؟

كنت أبذل جهداً فائقاً لأمثل ..

كنت أعاني من آلام السرطان وعلاجاته ، ومن خوف من الألم لو مت  ، ومن مشاكلي العائلية  ولكني كنت على الرغم من ذلك لا أبدي لها إلا كل تجلد وشجاعة .

ما ذنبي أنا إن كانت هي فائقة الإحساس بي وبما يخبؤه قلبي ؟

تكرر الأمر بعد انتهائي من العلاج الإشعاعي حيث أصبت بحروق كحروق الشمس في المنطقة المعالَجة ، وعادت لها ( السلخة ) مرة ثانية .

هذه المرة كنت أعرف السبب .

وعرفته هي ..

سألتني دون أن أوحي لها بأي شيء : هناء ، هل تشعرين ( بالسلخة ) الحارقة ؟

تمعر قلبي – دون وجهي – وسألت : لماذا يا أمي ؟

فقالت : أشعر بذلك في الجهة  اليسرى ..

لقد عاد الألم القديم .

ضحكت رغماً عني وقلت : يا ماما .. ألم تحفظي الدرس بعد ؟ كل ما يصيبني فإنه يصيبك .

المشكلة أني أتعافى من الألم سريعاً ، في حين تظل هي تعاني منها فترة طويلة بعد ذلك .

آخر مغامراتي مع أمي كانت أثناء اختباراتي الفصل الماضي ، فكما تعلمون الطالبة في سن جدتي تدرس في الجامعة عن طريق التعليم عن بعد .

و(محسوبتكم ) إنسانة مولعة بال أ+ فكنت أذاكر كثيراً  يومياً .

حتى كان ذلك اليوم الذي أرهقت فيه جداً فأصبت بهبوط شديد ودوخة قوية وخفقان في القلب يكاد يكون مؤلماً .

كان الأمر مزعجاً لدرجة أني أحسست أني سأعاين ملائكة الموت في أي لحظة ..

تركت ما بيدي ، وصرت أتلو الشهادتين ( حتى لو فجأني الموت فإنه يكون آخر ما أ تكلم به هو الشهادتين ) !!

ثم أني لما رأيت ان الأمر طال ولم أمت بعد ، فكرت أنه ربما لن يكون موتاً وإنما تعباً طارئاً بسبب الإرهاق ، فقمت للراحة وقلبي يحدثني أن أمي سيصيبها ما أصابني ..

ونذرت أني سأكتب في ذلك تدوينة لو ثبت عندي تأثرها بما ألمّ بي .

 بعد أربعة أيام حين ذهبت إلى جدة لزيارة أمي إذا بها تشتكي أنها في يوم الأحد (!!) شعرت بنغزات مؤلمة في قلبها في العاشرة مساء (!!) وأنها إلى الآن تشتكي من الخفقان .

ضحكت – وإن شر البلية ما يضحك -وأخبرتها بما حدث ، ثم قلت : لكني يا ماما كويسة الآن..

يعني بإمكانك أن تتعافي ..

ولكن ماما لم تكن لتتعافى مباشرة مما قد يصيبني ..

وهاهي تدوينة اليوم بين أيديكم ..

وفاءً للنذر الذي عقدته ..

أحكي لكم عن قصة من غرائب القصص ..

وأشكو إليكم خوفي على أمي ..

يعني الواحد ما يقدر يمرض بسلام ؟

الاعتراف !!

 كنت قد وعدتكم في التدوينة الماضية باعتراف خطير .

حسناً ، ليس الأمر مثيراً لهذه الدرجة ، ( فلا تتحمسوا ) ، بل قد تكون هذه التدوينة مقلباً .

لا بأس .. مقلب لكم ومقلب عليكم ..

سأحكي لكم شيئاً ما أولاً ، ثم أعترف .

في الفترة الماضية ، ومع زيادة الوزن التي طرأت عليّ بعد اختباراتي الأخيرة ، لاحظت أني  أمشي محنية الظهر بعض الشيء ..

كيف لحظت ذلك ؟

مررت أمام المرآة بالطبع ،  وكعادة الإناث ، لم تكن المرآة لتفلت مني دون أن تحظى بنظرة سريعة لشكلي العام .

هذه الانحناءة التي لازمتني بعد الكيماوي .

كلما ألمح هذه الانحناءة ، أعود لأنصب ظهري و( أشفط ) بطني لأخفف بعض الثقل عن عضلات ظهري المسكين .

في رحلتي الأخيرة من جدة إلى المدينة ، تأخرت كعادتي في النزول من الطائرة أملاً في باص جديد أجد فيه مقعداً ، ولكن ( مو كل مرة تسلم الجرة ) .

نزلت فإذا الباص ممتلئ ، والمقاعد قد شُغلت .

فاضطررت للوقوف ، أمسك شمسي بيد ، وأحضن العمود بيدي الأخرى أحاذر السقوط .

هنا امرأة أجلست ابنها الصغير في المقعد المجاور ، ولا أدري لماذا لم تجلسه في حجرها الفارغ لتتيح لغيرها من النساء فرصة الجلوس .

 وهناك رجل ليس بالشاب ، ولكنه ليس مسناً ، قد تبوأ مقعداً ، جواله بيده يتحدث ، وجريدته تحت إبطه و( ماخذ راحته بالمرة ) .

تحرك الباص ببطء ، وقَوِيَ تمسكي بالعمود وبشمس وتشبثي بحقيبتي الشخصية وحقيبة كمبيوتري المحمول ، وكدت أفقد التوازن لولا أن قامت إحدى النساء الشابات من مقعدها وقالت لي : تفضلي يا خالة !

(……………)

( بررررررررر )

طبعاً ، شكرتها وجلست بجوار أمها ، في حين وقفت هي  برشاقة كالغزال دون أن تتمسك بأي شيء إلا بالبلاك بيري في انهماك .

وعلى الفور هتف في خاطري صوت ما ( بتعيجز): خالة خالة ، أهم شيء أجلس ..

(  شهقة قوية ) : هنااااااء .. انظري ماذا تقولين ؟

أرخي طرفي كسيرة الخاطر ، وأومئ برأسي بأسف وأقول : نعم ..

أريد أن أعترف ..

أنا خالة !!!!!

بعد هذا الموقف ، فإن من الشجاعة الأدبية أن أعترف ( بخلخلتي ) .

ويا هناء : ( حتاخدي زمانك وزمان غيرك) ؟

انظري إلى انحناءة ظهرك ، وإلى ضعف بصرك ، وإلى عرجتك الخفيفة بعد جلوس طويل .

أرجوك لا تلبّسي على الناس بقولك أن ذلك كله بتأثير الكيماوي أوزيادة الوزن ، فالمصداقية ضرورية في هذه المدونة .

أوووووف .. لن أقول ..

ألم أقل أني سأعترف ..

بل ألم أعترف فعلا ؟ لا داعي لكثرة الكلام .

لذا يا جماعة ..

تراني خالة ..

خلاص ؟

( ارتحتوا ) ؟

طبعا لا ينبغي أن يمر كلام محطِّم كهذا دون أن أدلل نفسي ببعض الثناء .

صحيح أني “خالة” لكني خالة عصرية ، و لا تغرنكم العباءة التي على الرأس ومرض السرطان .

لقد حزت المجد من أطرافه : فأنا طالبة في سن جدتي في المستوى الثاني ( يعني أصغر من بنتي وصديقاتها ) ، وأهوى التدوين ( وإلا لما كنتم تقرءون هراءاتي هذه ) وجزاكم الله خيراً على صبركم عليّ اليوم .

كتابي الأول تحت النشر ، وأحب التصوير جداً لكني لا أريد أن أتوغل فيه لأني لا أصور ذوات أرواح ، فلا داعي ( للنحنسنة ) ، وكل الصور التي تجدونها في مدونتي من تصويري  مالم أذكر شيئاً خلافه ، إما بكاميرا ابنتي الاحترافية ( الكاميرا هي الاحترافية لا ابنتي ) أو بكاميرا الجوال .

عندي  حساب في  الفيسبوك وتويتر والانستاغرام .

وأعشق قيادة السيارات (………… )

ما رأيكم بهذه الطامة ؟

ولكن مهلاً مهلاً ..

لست من الداعيات إلى قيادة المرأة للسيارة ، ولكن إذا كنت في البر فإن أول ما أفعله بعد تلاوة أذكار الخلاء : تناول مفتاح سيارة أي رجل متاح في مجموعتنا و( اللفلفة ) بالسيارة في الجوار ، وبإمكاني إعطاء دروس مجانية في القيادة لفتيات العائلة .

أعرف أني غثثتكم بكلام لا نفع فيه ولا طائل ، ولكن للحق ، فإني ( طفشانة ) ونفسيتي متعبة بعض الشيء وأريد أن أفرّح نفسي ببعض التفاهات ، واتفقنا من قبل أن هذه المدونة بيني وبينكم .

فصبراً صبراً .

وأخيراً ..

للتأكيد على ( الخلخلة ) ، وختمها بختم رسمي ، فقد أقام أولادي لي في بيت جدهم حفلاً بمناسبة ( سلامتي ) الجمعة الماضية ، وأشدد هنا على وضع كلمة سلامتي بين قوسين ، ذلك لأني لم أجر أي فحوصات قريبة لتتضح سلامتي ، ناهيك عن أنهم أقاموا لي حفلاً بالفعل بعد مرور سنة على إجراء العملية .

وسبحان الله ، قبل ذلك بيومين فقط كان يوم ميلادي الخامس والأربعين بالميلادي ، وأنا لا أحتفل بأعياد الميلاد .

( إيش الصدف دي ) ؟

وللمرة الثانية والثالثة والعاشرة وما لا يحصى من المرات أتخيل نفسي تلك الطفلة ، ثم الفتاة ، ثم الشابة ….
وها أنا الآن : مسنة ، ( وأرجو أن لا يتميلح أحدكم ويقول : ” مسنة والا جذعة هاهاااااي “، فالموقف ينبغي أن يكون دراماتيكياً بعض الشيء ) .

لا تخافوا ، لن أعطيكم مواعظ هذه المرة ..

تكفي جرعة الغثا المهولة في هذه التدوينة .

فأنا نفسي ( منغثة ) وأحببت أن أغثكم معي لأشعر بالتكافل الوجداني .

أشكركم لإتاحة الفرصة لي في ممارسة سوداويتي في تعذيب الآخرين بسماجاتي ، ونرجسيتي في مدح نفسي .

لكن صدقوني ..

أنا محتاجة لذلك بشدة اليوم .

وقفات إجازية !!

في إحدى التعليقات التي تلقيتها مشكورة ، ذكرت ريم أنها تفضل وجود بعض الصور بين الحين والآخر .

حسناً .. لست مصورة ماهرة ، ولكن ( يجي مني أحياناً ) .

أحب التصوير جداً ، إلا أني لا أرغب في تعلم أساسياته ومهاراته ، ربما بسبب السن ، وصراحة (ماعاد ليّ خلق ) .

أهاا ..

( على طاري السن ) عندي موضوعان الآن يمكنني أن أتحدث فيهما وأرجو أن تكفيني المساحة لذلك ( وأشك في أن تكفي 3 صفحات لذلك ، فأنا ثرثارة كما تعهدونني ) .

ختمت إجازتي الصيفية برحلة إلى مكة ..

بدأ الأمر حينما فتحت التلفاز وشاهدت الحرم ( الفاضي نسبياً ) .

هاج في قلبي الحنين إليه وتاقت نفسي لزيارته .

صحيح أني لن أتمكن من القيام بعمرة لأن الحر يتفاعل مع جسمي تفاعلاً غير محمود العواقب خاصة تحت تأثير العلاج الهرموني الذي يعطيني – أنا على الأقل – نتائج تماثل ( الحرمة القاطعة ) فيغلي جسمي أحياناً بسبب الحر ، وأشعر بقرصات في مختلف أنحائه ، فأي خشوع سأخشع في العمرة والحال ما ذكرت  .

لذا فقد تفتق الذهن عن قضاء ليلة بجوار الحرم وأستمتع بالصلاة فيه على الأقل ، وشجعني على ذلك محفظتي المتخمة بالعيديات ..

اتفقت مع مجموعة الدعم الحبيبة ( بنات إخواني ) على قضاء ليلة في فندق فيرمونت برج الساعة .

هل أقوم الآن بعمل دعاية له ؟

طيب ، لنتفق مبدئياً أنني لا أقوم بعمل أي دعاية ، ولا أتقاضى أي أجر ( ووددت لو أني فعلت)، ولكني شُجعت على الككتلة ( من كوكتيل ) في الموضوع السابق وتنويع المواضيع ، كما طُلب مني وضع صور ، لذا كانت هذه الوقفة .

انطلقنا في يوم الأحد الأخير من الإجازة إلى مكة ..

لم نحتج أن نحجز مسبقاً فموسم العمرة والحج مغلق الآن والأسعار تعتبر ( لقطة) بتسكين القاف ، وليس بفتحها !

اقتربنا من الموقع نوعاً ما فكانت هذه الصورة ، واعذروني أن كانت صوري كلها غير احترافية ، وإنما بالآيفون ، إذ لا زلت أجد حرجاً في الإمساك بآلة التصوير في وسط الشارع والتقاط الصور .

الفندق حسب ما أعتقد يتكون من 14 طابقاً في برج الساعة ..

نعم ، برج الساعة ( ما غيره ) ، الذي يضيء هلاله أثناء الأذان مذكراً إياك بالعيد ، أو قاعات الأفراح .

هذه الأدوار الأربعة عشر تعلو ستة عشر دوراً  لا أعرف ماذا تحتوي  .

فحين كانت حجرتي في الدور الرابع عشر من الفندق ، فإنها في الحقيقة كانت في الدور الثلاثين من المبنى .

الردهة ( اللوبي ) فاخرة ..

أظنها فاخرة ، لعلي لم أزر فنادق فاخرة في المملكة إلا هذا الفندق فلن أتمكن من المقارنة ، وأرجو ألا أُتهم ( بالهياط ) لأجل هذه الجملة ..

صدقوني ، أنا أتكلم معكم على طبيعتي !!

اختار لي خالد حجرة ثنائية تطل اطلالة مباشرة على الكعبة .

الحجرة لا بأس بها على الإطلاق .. السرير واسع  ووثير فعلاً .

هنا مرآة ذات إطار جميل ، وهذه السماعات تنقل لك  الأذان والصلاة من الحرم  مباشرة .

غرفة فاخرة بالفعل ، لكني لا أعرف لماذا يرون أن وضع علب المناديل في الغرفة لا يعد من ” الكوالة ” .

كلما أردت منديلاً ذهبت إلى الحمام !!

والآن .. إليكم هذا الجمال و الروعة ..

الإطلالة  !!

هذه كلفتني قرابة الخمسمئة ريال زيادة على ثمن غرف رفيقاتي ..

محفظتي تئن بلا شك .. لكن لا بأس .. في سبيل هذه الإطلالة  قد يفيدك بعض البنادول يا محفظتي الغالية .

اعذروني على عدم دقة هذه الصورة بالذات ، لكن الزجاج من الخارج كان مغبراً ..

أعتقد أنهم يجدون بعض الصعوبة في تنظيف الزجاج في الدور الثلاثين .

جلست على الأريكة أتناول قهوة مجانية صنعتها ، وأخذت أراقب الحركة في الحرم .

تخيلت نبي الله إبراهيم عليه السلام يمضي منفطر قلبه على ابنه إسماعيل الرضيع وزوجه هاجر تتشبث به وتقول : يا إبراهيم ، أين تتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء ، فيمضي في طريقه ولا يلتفت إليها .

حتى إذا خرج عن مكة التفت إليها ودعا :” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقميوا الصلاة ، فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم “.

أنظر إلى الصحن الممتلىء بالطائفين والركع السجود .

في هذه الساعة من العصر ، الجو لا يزال حاراً ، والناس لا يزالون يملؤون الحرم دون اكتراث .

 قد هوت أفئدتهم إلى بيت الله الحرام قبل أبصارهم وتعلقت قلوبهم بهذا البنيان البسيط العظيم دون أن يتنبه أكثرهم أنهم يحققون دعاء إبراهيم عليه السلام .

انتقل ناظري إلى الجالسين على البسط ينتظرون الصلاة .

هززت رأسي متعجبة من فشل كثير منا في التجارة ..

رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول كما في المسند من حديث جابر : ” صلاة في المسجد الحرام أفضل من مئة ألف صلاة فيما سواه ” .

ويقول كما في البخاري من حديث أبي هريرة : ” ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ” .

كم من الحسنات نضيع بحسنا التجاري الخائب ؟

نعد بعضها ؟

صلاة الضحى التي تعدل صدقة عن كل مفاصل الجسم والبالغ عددها 360 .

السحور الذي يصلي الله وملائكته على فاعله .

قيام رمضان إيمانا و احتساباً ( وهذه أهديها لأبنائنا الذين قتلهم الكسل والصوارف ) .

ركعتا الفجر اللتان هما خير من الدنيا وما فيها ، والتي يقصد بهما راتبة الفجر لا الفرض ، ( وهدية أخرى لأبنائنا ) .

قول “سبحان الله وبحمده ” مئة مرة ، لا تستغرق أكثر من ثلاث دقائق ولكنها تحط الخطايا وإن كانت مثل زبد البحر ..

كفاية ؟؟

هذا أفضل ..

انتهت مساحتي ..

نكمل معكم في مساحة قادمة بإذن الله لأخبركم عن إعتراف خطير ..

ابقوا معنا !

الدورة الجديدة

هممم ..

كم من  الأمور يمكنك أن تتخيلها عند قراءتك للعنوان ؟

لذا لن أدع لك مجالاً للتخيل حتى ( لا تجيب العيد ) ، وسأشرح مرادي فوراً .

بدأ العام الدراسي ، وانتهت الإجازة ( بحمد الله ) وتنفست الأمهات الصعداء ، وعاد القطار إلى مجراه ..

هذه دورة جديدة من دورات الحياة ، تشبه دورات البرامح التلفزيونية او الإذاعية .

انتهت حقبة الإجازة الغثيثة التي قلبت الليل نهاراً والنهار ليلاً ، وقلبت الإنسان من كائن ( يفترض أن يكون ) منتجاً إلى كائن هلامي لا شكل له ولا لون ولا طعم ولا رائحة .

أنا شخصياً متحمسة جداً للدورة الجديدة .

أنا الآن في المستوى الثاني من الجامعة ( ولا أحد يقول خالة بعد كدة !!)

كتابي في دور النشر ينتظر الطباعة وأفكر جدياً في البدء بالكتاب الثاني والذي سيكون تثقيفياً أو جمعاً لقصص السرطانيات ، أو ربما كتاب طهي يخص السرطانيين ، لا أعرف فلم أقرر بعد .

كذلك أعد لدورة جديدة في المدونة ..

ربما تعلو همتي فأخترع لكم استبياناً أطلب منكم حله وأضفي به على نفسي بعض الأهمية .

وربما أرضخ لواقعي الأليم الذي ينص على أن قرائي لا يتفاعلون معي ( إلا قليل منهم ) لا في كتابة تعليقات ولا في طلبي منهم ذكر اقتراحات .

ولكن قبل أن ننتقل إلى الدورة الجديدة أود أن أذكر بعض وقفات طرأت لي خلال الإجازة .

هي وقفات متعددة ، وبالتأكيد لن تكفيها تدوينة واحدة ( خاصة مع  العمل على محاولة تقليص عدد الصفحات منعاً للملل والإطالة ) ، لذا قد أذكر في كل تدوينة وقفتين أو ثلاث إلى أن تفرغ جعبتي من حصيلة الإجازة .

وقفة:

الفراغ القاتل .

الفراغ يحيط بي من جميع الجهات .

بعد أن كنت أدرس ما يقارب الاثني عشرة ساعة يومياً ، انتهت الاختبارات ووجدت نفسي كالطير الذي كف جناحاه عن الحركة في كبد السماء فبدأ يهوي من حالق .

بدأت أهوي فعلاً حتى تلقفتني عناية الله تعالى بعد يومين من محاولة التكيف مع الوضع ، وعدت أحلق من جديد لكن على ارتفاعات منخفضة .

ما زاد في توتري انتهاء أولادي من  الإجازة ثم انطلاقهم في عالم الفراغ الرحيب .

سهر طوال الليل ، نوم بعد صلاة الفجر ، لعب بالكمبيوتر ، يليه لعب بالكمبيوتر ، ثم يختمون باللعب بالكمبيوتر .. جدولهم كان منوعاً كما ترون !

تمنيت لو عُززت ثقافة المخيمات  الصيفية عندنا .

لكن لابد أن بعض الناس قد يربط المخيمات بالخوف من الإرهابيين ، وهذه مشكلة أخرى .

هنا أضيق ذرعاً بالفهم المتخلف للإرهابيين الحقيقيين الذين أدت حماقاتهم إلى منع الكثير من  الأعمال التطوعية وجمع التبرعات ومنع إقامة المخيمات الصيفية والتي تعلم الفتيان على الاعتماد على النفس وتَعلُم مهارات جديدة تنفعهم في حياتهم المستقبلية اليومية .

وأتساءل ، كم من فهم سقيم أدى إلى شر عميم ؟

وقفة:

جمعتني نقاشات عديدة مع بعض شباب العائلة .

هناك فكر جديد يا ( قدعان ) .

هناك تمييع للدين ورد للنصوص أو تأويلها والهجوم على منهج السلف .

ماذا حصل في السنة الماضية ؟

لم اكتشف الجميع فجأة أن هناك خلافات وأفهام متنوعة لنصوص كشف وجه المرأة ، والاختلاط والسفر بغير محرم وصلاة الجماعة  ؟

لم هذا الرد العنيف للدين ( القديم ) الذي نشأنا عليه بحجة أنه كان مهيمناً طوال القرن الماضي ساداً  الطريق أمام الأنظار للأقوال الأخرى في الدين ، وأن الدين يسر وأن وأن ، وجملة من الشبهات التي لا أود إيرادها هنا .

وانتبهت في أثناء نقاشاتي معهم أن عندنا ( أجمعين ) قصوراً شديداً في قراءة كتب السنة الأساسية,  ولا نكاد نجد من قرأ الصحيحين فقط ( فضلاً عن باقي كتب السنة ) من غير طلبة العلم ، ومع ذلك فالاجتراء على الفتيا ورد النصوص بحجة ( أن فيه غيرها ) وتخوين العلماء بات سائغاً ومقبولاً في أوساط الكثير من الناس ، وأكثرهم من فئة الشباب ، ولا أعرف ، أهم يبحثون عن الحقيقة فعلاً أم أنها الأهواء ؟

ما مفهوم الدين في أذهان هؤلاء القوم ؟

بطرق تفكيرهم الجديدة هل يبقى الدين قواماً متماسكاً وبنياناً قوياً ، أم أنه يضحى ثوباً مهلهلاً مخرقاً ومرقعاً ، كلٌ يدعي في كل مسألة أن ثمة خلاف فيها ويتبع الأسهل بحجة أن الدين يسر .

يا جماعة.. كدة لم يبق دين ..

وفي هذه الأيام ظهر أحد النكرات ليكتب مقالاً ينتقص فيه مقام الألوهية في إحدى الجرائد المحلية.

نعم .. لم تخطؤوا الفهم .. مقام الألوهية.

انتهى الناس من السخرية بأهل الدين ، ثم الأنبياء والنبي صلى الله عليه وسلم ، وجاء الدور على مقام الألوهية ؟

هل انتهت المواضيع ؟

سبحان ربي ما أحلمه .

أفكر كثيراً : هل يعي هؤلاء المنتقصون لمقام الألوهية ، أو الساخرون بالدين وأهله ، أو المحتقرون أهل العلم لأن الله تعالى ينظر إليهم ويسمع قولهم ؟

فليحذروه إذاً  .

ترون تدوينتي اليوم كوكتيلاً ؟

هذا خطؤكم، فلعلكم تذكرون أني طلبت منكم في التدوينة السابقة بعض الاقتراحات ولم أستلم اقتراحاً واحداً .

اقنعوا إذن بما تقرؤون ، ولن تعدموا فيه بعض فوائد بإذن الله .

البحث عن الكنز !

أوووف ..

 هنا بعض الغبار ..

متى تقابلنا آخر مرة ؟

أعرف أعرف . ليلة الثالث والعشرين وفي تدوينة معادة ..

سأفترض متغابية أنكم اشتقتم لتدويناتي ( لأني اشتقت لتعليقاتكم بصراحة ) .

وأهنئكم بالعيد متأخرة ، ولكن أن تصل متأخراً خير من أن لا تصل مطلقاً .

والآن ، ماذا عساي أن أتكلم عنه ؟

هل أفضفض قليلاً ؟

هل أكتب مذكراتي وما مر معي ؟

هل أكتب بعض الحكم والخواطر ؟

ليتكم تساعدوني (مرة واحدة في حياتكم فقط ) وتخبروني كيف تحبون أن تكون تدويناتي .

هل تفضلونها كمذكرات يومية أحياناً ؟

هل يزعجكم إذا ما قلبتها دروساً وعظية بعض المرات ؟

اكتبوا لي تعليقاتكم – لو كنتم تهتمون بقراءة تدويناتي – هنا أو في تويتر أو في الفيسبوك ، أو عن طريق الإيميل ، وربما الواتس أب وأخبروني عن تفضيلاتكم .

وحتى ذلك الحين فعليكم أن تقنعوا بما أكتب .

البارحة كان موعدي في مستشفى الحرس الوطني للفحص الدوري .

ليست هذه المرة الأولى التي أذهب فيها للفحص الدوري بعد انتهاء العلاجات ، ولكني لا أعرف لم كانت المشاعر طاغية هذه المرة .

انتقلت مشياً بداخل المستشفى من قسم الأورام إلى قسم مختبر القلب لإجراء بعض الفحوصات .

كنت أمشي متمهلة على غير عادتي في المشي السريع .

ربما كنت أسترجع بعض الذكريات القديمة ؟

أمر بالمقاهي الصغيرة المنتشرة التي تفوح منها رائحة القهوة والكراسون فيداعب الغثيان مؤخرة حلقي مبتسماً ويقول : فاكرة ؟

هنا غرف الكيماوي ، وهنا قسم العلاج الإشعاعي .

أما هذا القسم فقسم الأشعات : المقطعية ، والمسح النووي ،والماموجرام .. يالها من أسماء فخمة مهيبة ..

أمشي في الردهات الطويلة إلى مختبر القلب ، وأرى أفواج الأطباء والموظفين يتبادلون التهاني .

أمر بالعيادات الخارجية حيث كانت مراجعاتي للطبيب الجراح ..

يا الله .. هنا كنت أغير ضمادات جرحي بعد العملية .

أتذكر كيف كنت أقف متهالكة في غرفة الانتظار ذات المقاعد المحدودة ، ما بين تعب الكيماوي وضعف العملية أنتظر أن ترحمني إحدى الجالسات فتتنازل لي عن مقعدها أو تفسح لي مكاناً جانبها .

لم تداعت علي الذكريات بهذه الطريقة ؟

لا أعرف في الحقيقة .

لكن الغريب أني شعرت بحنين لتلك الأيام .

أبحث جاهدة في عقلي عن تفسير فلا أكاد أجد .

حنين ؟ أيكون حنيناً حقيقة ؟

من يحن للكيماوي وآلام التاكسوتير وغثيان ac ؟

من يحن للحزن الدفين الملبس بسكر المرح واللا مبالاة عند تساقط الشعر كاملاً مرتين واستئصال الثدي لأبدو بأعجب منظر يمكن أن أرى نفسي فيه !

من يحن للتعري المزعج الذي كنت أعانيه يومياً في جلسات العلاج الإشعاعي لمدة 25 يوماً ؟

من يحن لتغيير الروتين المقلق ( التغيير هو المقلق لا الروتين ) : ترك الأولاد لأسابيع طويلة في المدينة، والسفر المستمر ، والابتعاد عن بيتي : عن سريري وحمامي وكنبتي الأثيرة وبرامجي التليفزيونية المفضلة؟

لماذا أفترض أن يكون هذا الشعور حنيناً ؟

لماذا لا يكون شعوراً بالانعتاق والتخلص والفرح ؟

حسناً حسناً .

 أخبرتكم منذ البداية أني لا أعرف كنه هذا الشعور .

قد يكون فيه بعض ما ذكرت ولكن قد يكون حنيناً فعلاً ..

ليس إلى التعب والنصب ولكن إلى المشاعر القلبية التي انتابتني .

كنت أجلس في غرف الانتظار وأفكر : كم من حكايا وقصص وصور ودموع شهدتها غرف الانتظار ؟

كم من العَبرات تسكب ، ومن العِبر تحصّل هناك .. وبين هذا وذاك تشهد نعم الله الجليلة عليك ، لو أفلحت أن تنظر بعين الرضا .

هذه امرأة انتفخت ذراعها بشكل ملحوظ جداً ومؤلم بعد إجراء عملية الاستئصال ، ولا حل لذلك للأسف ، على الأقل هنا في السعودية  ، إلا الصبر ..

وتلك امرأة كبيرة في السن عاودها السرطان في نفس المكان بعد الاستئصال مرتين ، وهاهي عودة إلى الكيماوي والإشعاعي من جديد .

وأخرة فتاة صغيرة لم تجاوز العشرين أصابها السرطان وتعافت ثم عاد .. تتمدد بضعف على المقاعد متوسدة فخذ أمها ، وبنظرة واحدة إلى وجهها الخالي من الرموش والحواجب أعرف أنها تلقت العلاج الكيماوي ، وأتأوه بألم فقط لذكراه .

وأقلب عيناي لأجد أطفالاً في التاسعة والخامسة ، بل ودون السنتين قد عريت رؤوسهم عن الشعر بسبب العلاج الكيماوي يجلسون بوهن إلى جوار أمهاتهم فأحمد الله أني من أصابها السرطان وليس أحداً من أولادي .

كنت أشعر بفرح خفي أن الله اختارني ليلقي إليّ بهذا البلاء واعتبرته حظاً سعيداً .

أعلم أن منكم من سيرفع حاجبه ويرخي زاوية فمه اليمنى ويحرك رأسه ويفكر : هيا !! إيش هذا الاستعراض ؟

وأعذركم ..
وربما لو قرأت لشخص غيري ما أكتبه الآن لفعلت ذات الشيء .

ولكنه – والله – ليس استعراضاً ، وإنما هو دعوة معي للتأمل .

كيف أشعر بفرح ، وهو على ما يبدو من ظاهره ليس أمراً مفرحاً ألبتة ؟

ولكني لا أجد لذلك تفسيراً إلا أن يكون لطف الله ..

منذ أن أصبت بالمرض ورأيت في نفسي قوة لتقبله في ذات الوقت الذي شهدت فيه بعيني رأسي جزع من حولي
من أهلي وصديقاتي لإصابتي ، بل كنت أواسيهم وأصبرهم في مصابي ، علمت يقيناً أن الله تعالى ما ينزل من بلاء إلا وينزل معه لطفاً يساوي ذلك البلاء أو يفوقه ..

 ألم يقل تعالى ” إن مع العسر يسراً ، إن مع العسر يسراً ” ؟

 فهذا عسر السرطان غلبه في قلبي يسر ألطاف الله وشهود نعمه الوافرة وحب أهلي وصديقاتي الغامر .

من يقول أن السرطان دائماً تجربة سيئة ؟

حين يمكنني الله تعالى من ملاحظة نعم صغيرة متنكرة في حياتي اليومية ، ويوفقني لشكرها بلساني ، ثم يغمر قلبي حب الله ورضاي عنه ، ويلهج لساني بالثناء عليه وحمده هل تسمى هذه تجربة سيئة ؟

أرجو أن لا يفكر أحد ” يا الله ، كم هي شجاعة ومؤمنة وصابرة “..

لست كذلك (بشطارتي ) ، ولكنها رحمة الله التي وفقني لها ، وكم حُرمها كثير !

لا أدعي أني سأفرح لو قدر الله لي أن أصاب بالسرطان ثانية ، ولكن لو استمرت نعمة الله علي ولم يحرمنيها بسوء فعالي فلن أموت كمداً ..

فمن ابتلاني جدير بأن يساعدني في بلواي خاصة لو استشعرت أني أدعوه في اليوم والليلة سبع عشرة مرة: ” إياك نعبد وإياك نستعين ” .

نداء إلى كل مصاب ، وكل منا مصاب بشكل أو بآخر :

تبن معي عقيدتي بأن البلاء ينزل محفوفاً باللطف .

صدقني هو موجود .. ولكن يحتاج أن تنقب عنه قليلاً ، كالكنز ذي الخريطة  المخبأ في باطن الأرض ،  حتى إذا ما وضعت يدك على طرفه فسترى عون الله في تحصيل البقية .

ابحث عن الخريطة أولاً ، ثم ابحث عن الكنز !!

تدوينة معادة !

هناك ثمة احتمال شبه قوي في أن أذهب لتناول إفطاري في الحرم ..

تداعت علي ذكريات العام الماضي .. في مثل هذا اليوم ، ليلة الثالث والعشرين حدثت معي قصة جميلة ، لم أكن لأنساها ،وكتبت عنها فصلاً في كتابي المرتقب أ، وأسميته ( الفصل لا الكتاب ) : صديقتي الفاتنة سارة !

اعذروني لإعادتها هنا ، ولكنها تبهجني حقاً ، ولعلها تبهجكم .

اليوم الأربعاء وقد دخلت العشر الأواخر ..

 وأولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟

 كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، يأكل منه مع الدقة  بتلذذ ، و تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً ..

لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة ..

كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة..

حادثت صديقتي سارة ، وأخبرتها برغبتي ، فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً ..

 لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله r ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً ..

 فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها علي بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أقرب ما أستطيعه ) ..

 بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  ..

 نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم .

 نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة ..

ورأيت الجمال والجلال .. رأيت الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم ..

كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية ..

الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان ..

رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟

اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..

كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل ..

 صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث ..

 تعبت من المشي ..

وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..

  نطأ على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..

فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار ..

يا الله .. كم أحب هذا المنظر ..

 المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب ..

 لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة ..

كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها ..

 فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك ..

 لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج ، في الساحة مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة .

يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” ..

 وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن منزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” ..

وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها ..

 مثل سارة يُخدم ، فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات،  وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن ..

كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم ..

 وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها ، لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي..

فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) ..

 

دورة في الطهي !

تلقت آسفة خبر كونها عقيماً لن تنجب !

ينظر بأسى إلى قدمه المبتورة ويبتلع غصصاً وغصصاً محاولاً إظهار التجلد !

أقف أمام المرآة مكشوفة الجذع وأنظر إلى موضع الثدي المستأصل وأهز رأسي بمرارة !

تنتفض في مكانها وهي تقسم أنها سمعت صوت ابنها يلقي السلام .. ابنها الذي مات في حادث سيارة قبل أسبوع !

كم من الأمور المؤسفة مرت عليك أو على بعض ممن تعرف ؟

أمور من النوع الذي تستطيع أن تعبر عنه فعلاً بقولك : إنه خسارة .

هي أمور لا تستطيع أن تسترجعها إذا ما فقدتها .

هي أمور لا تعود .

بعد مرور سنة ونصف من استئصال ثديي للسرطان الذي أصابه ، لا زلت أتضايق من رؤية (شكلي).

هذا المكان المبتور يعطيني انطباعاً بالعَوَر !

سنة ونصف مرت ، تغلبت فيها بفضل الله على فكرة إصابتي بالسرطان .

واجهت ضغوطاً كثيرة من نفسي تطالب نفسي أن ترضخ لفكرة المرض ، وتسلم ، وتتقبل .

جربت أنواعاً مختلفة من التركيز ومحاولة التعايش فوفقني الله إلى ذلك .

إلا هذا الشكل ..

حتى الآن لم أستطع تقبله بأريحية .

لا زال هذا الشكل يضايقني ..

طيب والحل ؟

أحاول أن أرمي ضيقي وراء ظهري ، وهي عادة جديدة اكتسبتها بعد إصابتي بالمرض ( ولابد أن هناك كومة من القمائم تختبئ وراء ظهري ) ثم أركز قليلاً وأخاطب نفسي .

ولم سميت “دنيا” إذا ؟

ألم تسم “دنيا” لتدني منزلتها عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما أكرم كافراً منها بشربة ماء .

اصبري يا هناء اصبري .. فهناك أشياء حلُّها في الجنة ..

عندما علمت بخبر عقم إحدى معارفي ،كأنما طعنت في قلبي .

لا أقوله اعتراضاً ، وأستغفر الله إن فُهم ذلك مني ، ولكني تخيلت موقفها .

هذه امرأة حُرمت الذرية للأبد .

ستخرج من هذه الحياة دون أن تحظى بشعور الأمومة الممتع .

وأخرى تخطت سن الزواج ولم تحظ بمتعة السكن والمودة الزوجية ، وثالثة فقدت ابنها أو ابنتها للأبد ، ورابع بتر عضو منه ، وخامس سقط الركن الذي كان يستند إليه لسنين طويلة : زوج أو زوجة.

وقس على ذلك كثيراً .

طيب ، ما العمل ؟

أقول : العمل عمل ربنا .

علينا أن نتسم ببعض الحنكة والحصافة لنعيش .

ليست الحياة متعة واحدة إذا فاتت فاتت عليك  الحياة .

إنما الحياة مزيج متناغم من المتع ، يكمل بعضها بعضاً ، فإذا فقدت بعضها فليس من الحكمة أبداً أن تنتهي حياتك في هذه النقطة .

اخرج وابحث عن متع أخرى تجبر ما فاتك.

وصدقني ، ستجد الكثير الكثير .

بعد تشخيص السرطان واستئصال ثديي كان يصيبني بعض الإحباط والكآبة أحياناً .

وكان ذلك شيء مزعج ، إذ عند تلك الأحايين أشعر بفقدان الرغبة في الحياة .

رأس صلعاء ، وثدي مبتور ، أستغفر الله ، ما هذا الشكل ؟

كان عليّ أن أعوض نفسي .. أن أجد أشياء أخرى تثير البهجة في نفسي لئلا تتحطم معنوياتي .

فتحت عيناي ، وأدهشتني الكمية الكبيرة من المتع التي بإمكاني – لو أردت – أن أصيب منها فتمتلئ حياتي ألواناً .

اكتشفت أن المشكلة ليست في البلاء ، وإنما في ولع المرء في امتلاك ما لا يملك .

نحسد الطيور على قدرتها على الطيران ، والأسماك على حياتها في الماء في حين نعاني من لهيب الصيف.

ذو العيال يغبط أخاه خالي الوفاض , وخالي الوفاض يتمنى بيتاً بصخب الطفولة مزدحم .

المبتعث يتمنى الرجوع إلى بلاده ( غالباً ) ، والقاعد يكاد يحسد المبتعث على حظه السعيد في الابتعاث، الخ …

هذه دعوة مني لإهداء نفسك السلام والطمأنينة بأن تعيش حياتك بما فيها من متع ودعك من ضيق الأفق .

وتذكر أن الطاهي الماهر هو من يفلح في أن يصنع مما عنده من المكونات طبقاً متميزاً .