أرسلت فى نظرات ثاقبة, ذكريات بطعم السرطان | مصنف الأمل, الإسلام, الثبات, الدين, السرطان, خواطر, سرطان الثدي | 20 تعليق »
قبل ثلاثة أسابيع حضرت حفل تخرج ابنتي فاطمة من الجامعة .. هل قلت حفل تخرج ؟ نعم هذا ما كان مكتوباً في البطاقة .. المشكلة أنني حينما وصلت حسبت أنني في حفل زفاف أو عقد قران . هل لي أن أخبركم ماذا كانت الطالبات وكثير من المدعوات يرتدين ؟ يرتدين الميني ، وهو -لغير العارفين بهذه الشؤون – الذي يصل لمنتصف الفخذ .. نعم الفخذ لا الساق .
عشرات من الطالبات يرتدين العاري والميني في حفل تخرج ، وما زادني اعتقاداً أني في حفل زفاف الأغاني والدفوف التي تلت مسيرة الخريجات !
صرنا نسمع ونرى كثيراً من الشباب يرتدون الـ(طيحني) مهما بلغت أجسامهم من الضخامة في مناظر مزرية ؛ المحترمون منهم لا يبدو من عوراتهم شيئ ، ولكن كثيراً منهم غير محترمين للأسف فتجد حدود العورة المغلظة تبين وتختفي على استحياء . التناقض الصارخ في الحجاب بين كثير من الأمهات والبنات في السوق ، بل أن المسألة لم تعد مقتصرة على الخلاف الشائع في كشف الوجه أو تغطيته ، وإنما تعدى ذلك إلى ما لا خلاف في تحريمه مثل كشف الشعر أو جزء منه والمكياج والعباءات الضيقة والتغنج في الكلام والضحك بصوت عال وكأنها في بيت أبيها والعطور الصارخة والتميلح بين الجنسين …الخ .
الموضوع يا سادة أشبه ما يكون بقنبلة جرثومية انفجرت والعدوى تتفشى يومياً .
ما الذي حدث ؟
أتساءل بألم : ما الذي حدث لشبابنا وفتياتنا ؟
أكاد أسمع البعض يقول : وماذا في ذلك ؟ شباب يعيشون حياتهم فلا تبالغي .
لا أخفيكم أني ترددت كثيراً عند كتابة هذه التدوينة ، ولعلها من التدوينات النادرة التي أقدم رجلاً وأؤخر أخرى في كتابتها نظراً لأهمية الموضوع وثقله ، ولعدم رغبتي في الحديث عنه بجدية تامة لأني إن فعلت فسيغضب مني الكثير .
لابد لي من الكثير من التلطف والسخرية والمداراة .
ما الذي حدث؟
لماذا صار الشباب وكأنما يساقون سوقاً إلى هذه النوعية من المظاهر ؟ أهو إعجاب بالغرب ، أم رغبة في لفت الانتباه ، أم تحدي لقيم المجتمع المحافظ ، أم رغبة التميز ، أم كل ذلك ؟
أثناء انتظاري في حفل التخرج أفرغت ضيقي وانفعالاتي في تويتر ، فكان نتيجة ذلك أن أثيرت نقاشات عن لباس المرأة وحدود عورتها أمام النساء وكان احتجاج بعض المتابعين بحديث ( عورة المرأة من السرة للركبة ) .
ولأني لا أرغب في اختراع أحكام فقهية من رأسي ، و رد أحاديث وإثبات أخرى خاصة بعد أن (شطف ) الكيماوي جزءاً لا بأس به من ذاكرتي فقد طلبت إمهالي لحين أبحث في المسألة جيداً وأكتب خلاصة رأيي في تدوينة .
مما لا شك فيه أنه لا يوجد حديث بهذه الصيغة أصلاً ” عورة المرأة أمام المرأة من السرة للركبة “، وغاية ما هنالك حديث: “إذا زوج أحدكم أمته عبده أو أجيره فلا ينظر إلى عورتها والعورة ما بين السرة والركبة “والسياق واضح في أن هذا خاص بعورة الأمة مع سيدها مع ما في الحديث من اضطراب وضعف ، فمن أين أتى المحتجون بحديثهم ؟
مما قرأته أن هذا “قول” لبعض المذاهب ولكنه ليس بحديث على الإطلاق ، وبهذا تنهار الحجة القوية التي لا يفتأ النساء بترديدها كلما أنكرت عليهن تعريهن. وأما قول الفقهاء هذا فلا يفهم منه أنهم يرون جواز جلوس المرأة كاشفة الصدر أمام مثيلاتها ، وإنما هم يفرقون بين عورة النظر وعورة اللباس , فيجعلون عورة النظر ما بين السرة و الركبة بحيث لو انكشف ما دون هذه المنطقة جاز للمرأة مثلها أن تنظر عرَضاً كما يحدث أثناء إرضاع الطفل مثلاً .
ولو كان ثمة مجال ( ولو بالغلط ) للاحتجاج بهذا النص ، فهل يقال بجواز جلوس المرأة عارية الصدر تماماً أمام النساء مثلها ؟ إن هذا لا يقوله ولا يفعله حتى نساء الكفار إلا الشواذ منهم في نواد خاصة بالعراة . ولو احتججنا بهذا النص فما بال بعض النساء يتعدين عليه ويضربن به عرض الحائط بارتدائهن للميني . إذن ليست المسألة في وجود حديث يبيح التعري ، وإنما المسألة : الهوى .
وما عرف المسلمون في عصورهم القديمة هذا التعري أبداً ، وإنما كان فعل نساء الروم ، ولا زال ديدن النساء المسلمات الاحتشام والستر والحياء ، حتى أن بعضهم غالى في ذلك فكانت بعض المجتمعات تلزم المرأة بوضع النقاب أمام مثيلاتها من النساء وتغطي شعرها .
تعري النساء أمر حادث في هذه العصور ، ولا زلت أذكر أمي وهي تحكيني قبل ثلاثين سنة عن إنكارها على إحدى بنات جيلها خرجت في حفل زفاف أمام العريس ( الذي ليس من محارمها ) بلباس عاري .. لم تقل أمي الكثير ، قالت فقط: كدة بنات المدينة صاروا يلبسوا ؟ الآن يا أمي صار ( كل ) الناس كدة يلبسوا . وهذا مما يؤلم القلب بالفعل .
إن الناظر لأحكام الشريعة يجد الكثير من النصوص التي تولي المظهر الخارجي عناية كبيرة ، وما الأمر بإطلاق اللحية وتحريم الإسبال و الحجاب والنهي عن لباس الشهرة وغيرها من الألبسة إلا من ذلك ، ولا يقولن أحد أن هذه قشور والمهم هو اللب ، فليس في دين الله قشور وإنما كله لب ، وقد وصف من تشبه بقوم أنه منهم ، لأن المشابهة في الهدي الظاهر تورث المشابهة في الهدي الباطن ، وهذا ظاهر خاصة في هذه الأيام التي كثر فيها السفه على الله تعالى ورسوله وشرعه . وإني لأحسب أن التهاون في اللباس وإظهار العورات سواء المغلظة أو غيرها من مظاهر ضعف الإيمان .
وأرجو أن لا ينبري إليّ منبرٍ ويقول لا تتهمي الإيمان والقلوب ، فأنا لا أتهم وما كان لي ذلك . ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل ، أما الاكتفاء بأصل الإيمان في القلب فهذا يجعلنا نحكم بالإيمان لإبليس .
إلا أن الأمر ليس كذلك . الأمر أكبر من ذلك .. هو توقير الله باتباع أوامره واجتناب نواهيه .. هو الحرص على الظهور بمظهر المسلم الصالح ( وإن كان للأسف يحاول الكثير من الشباب التنصل من هذا المظهر لما له من تبعات ) ، هو الرغبة في إرضاء المنعم العلي وعدم إسخاطه ، وكل ذلك آخذ بالتلاشي للأسف من القلوب .
إن هجمة الإعلام وتزيينه هذا اللباس في وسائله المتعددة ليحمل الوزر الأكبر . فالمتبرجة المتبعة لخطوط الموضة من ممثلات ومذيعات هن دائماً (كول) في حين أن المتسترات : ( خالات ) . تماماً مثلما كانت أمي تقول أنها كانت تُنعت في صغرها بأنها “ابنة الإمام” فقط لأنها كانت تبادر بالصلاة حالما يؤذن ، في حين يقوم أقرانها بتأخير الصلاة حتى يقارب أذان الصلاة التالية .
أشعر كأنها سبة ، من قبيل ( أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) . الملتزمون بشرع الله متخلفون عن ركب التحضر ، أما المتفلتون فهم من حاز المعالي .
ثم تأتي دور الأزياء لتعزز هذا المفهوم في النفوس ، ولا يقتصر ذلك على الدور الأوروبية وإنما جل المصممين العرب و السعوديين نحوا هذا المنحى في تبعية غريبة ومستهجنة ، ولن أدعي أن الجمهور عايز كدة ، إذ أن المصمم هو الذي يفرض رؤيته وغالب الجماهير كأنها غنم تساق !
وكانت ثالثة الأثافي أن دعمت دكاكين الملابس في بلدنا هذا التوجه ، فصار من الشائع والعادي أن ترى واجهات المحال تعرض ألبسة تحار معها ماذا تصنع ؟ ولولا جلوس أربعة رجال أمام أحد الدكاكين لصورت فستان سهرة عرضه أحد المحلات يشبه بدلة الرقص الشرقية .
صار الأصل هو العاري ، وعلى المحتشمات أن تبحث عن ما تستر به هذه الثياب دون أن تخل بالذوق العام .
العجيب أني وجدت أثناء بحثي في مواقع فساتين الزفاف الالكترونية أن الفساتين المحتشمة والتي تسمى Modest Dresses أغلى ثمناً من تلك العارية ، بشكل يبدو مبالغاً فيه أحياناً ، ولا أعرف ماذا يعني ذلك !
هذا التوجه من قبل محال الأزياء يجعل المرأة تتنازل عن كثير من قناعاتها ومبادئها إما لأن تستير الملابس أمر يحتاج لكثير فن وخيال ، أو لئلا توصم من قبل قريناتها أنها “متخلفة” أو “قديمة” أو “فقيرة ” أو كاهن أو مجنون !! تعددت النعوت والتهمة واحدة .
وما يثير التعجب حينما تبارك الأم – وخاصة لو كانت متدينة- لباس ابنتها ولا تجد فيه غضاضة ، وربما تجد ولكنها لا تقوى على ضغوط ابنتها . والأنكى من ذلك حين تسعى الأم بنفسها لشراء هذه الألبسة للابنة متغافلة عن الحكم الشرعي ودورها كراعية ومسؤولة عن رعيتها ، بل وناسية أمر العين والتحرشات الجنسية حتى من قبل النساء ( البويات ).
ولا شك أن دورها يبدأ من الصغر ، في تعويد الفتاة على لبس العاري أو المحتشم .. وكثيراً ما أسمع الاستنكارات المستهجنة لإصراري على عدم ارتداء ابنتي شمس ذات الخمس سنوات العاري ، أو القصير بلا (سترتش) متحججين بأني هتكت بذلك أصول الموضة .
إذن ما هي حدود عورة المرأة أمام المرأة ؟
عورة المرأة أمام المرأة هي كعورتها أمام محارمها من الرجال ، وهذا مذكور في القرآن في قوله تعالى : ( ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن ) . فالزينة نوعان : الزينة الظاهرة وهي التي لا يمكن إخفاؤها كالعباءة وأسفل الثوب فهذا يجوز إبداؤه حتى للأجانب من الرجال على أن لا يكون زينة في حد ذاته ، والزينة الباطنة وهي التي تستلزم إظهار جزء من البدن كالرأس وموضع الخلخال من الساق والقلادة من النحر والسوار من الذراع والمعضد من العضد ، وما عدا ذلك فلا يجوز إظهاره ، وقد لخص الفقهاء ذلك بقولهم : ما يبدو غالباً ..
وأؤكد على ذلك لأن عقول الناس تتفتق يومياً عن مواطن جديدة للزينة ، ليس آخرها حلية السرة و حلية البوكسر ( وهو الاسم الكول للباس الداخلي والذي يخفف بعض الشيء من غلواء ظهوره بسبب ارتداء الـ “طيحني”) .
أخيراً .. حين تدغدغ خيالاتنا صور الأمة الإسلامية المنصورة المهيمنة على العالم ، ونردد شعار : المستقبل لهذا الدين ، فلا نتخيل أن يتم ذلك دون الدخول في السلم كافة : أي الإسلام كله ، وهذا لا يقتصر على العبادات فقط وإنما يشمل الأخلاق والقيم الإسلامية و المظهر إذ لا قشور في الدين كما ذكرت . نحتاج لكثير من التركيز وضبط الأهواء والانفعالات ، نحتاج لكثير من الحكمة ومخافة الله .
أما من لم يهمه لا مستقبل الأمة ولا مخافة الله فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ” إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأول : إذا لم تستح فاصنع ما شئت ” .
أرسلت فى نظرات ثاقبة | مصنف الأخلاق, الإسلام, الدين, خواطر | 14 تعليق »
كنت في الخامسة والعشرين من عمري حينما قابلت مرة ابنة خالتي التي تعيش في مدينة ثانية . كانت تكبرني بست عشرة سنة ، وكانت قد اتبعت حمية غذائية ورياضة مستمرة ، صبغت شعرها وارتدت ثوباً جميلاً فهتفت بها : إيش الحلاوة دي يا أبلة ما شاء الله ؟ فقالت لي ضاحكة : الحياة تبدأ بعد الأربعين .
علقت جملتها هذه في ذاكرتي طويلاً ولا أدري ما السبب ، فأنا في ذلك الوقت كنت بعيدة جداً عن الأربعين .. أو على الأقل يُخيل إلي ذلك . وتمضي الأيام سريعة إلا أنها لم تكن بالسرعة الكافية التي تلهيني عن رؤية الخطوط الدقيقة التي بدأت بالظهور على جانبي عيني ، ولا غزو الشعيرات البيضاء لرأسي ، ولا ظل ظهري المحني قليلا على أرض الممشى ، ولا اضطراري لخلع النظارة كلما أردت أن أقرأ شيئاً قريباً. لم تفُتْني كل هذه المظاهر التي يؤكدها نداء حفيدتيّ ” يا جدة ” وكتابتي في خانة العمر في استمارة عبأتها قريباً : 46 سنة .
لسبب ما تذكرت جملة ابنة خالتي : الحياة تبدأ بعد الأربعين ، فهل بدأت حياتي أم أنها قاربت على الانتهاء ؟
تحرياً للدقة فإني أقول إن حياتي شارفت على الانتهاء قبل سنتين ونصف حينما أصبت بسرطان الثدي , إلا أنها بدأت من جديد بعد الشفاء . لا أخفيكم أني أدندن كثيراً على تقدمي في السن ، ولعل مرد ذلك اعتقادات مسبقة سببتها الرسوم الكاريكاتيرية والإعلام أن من تعدى الأربعين فقد بدأت رحلة نهايته .
في الأدب الانجليزي –وأعتقد في كل الآداب – نجدهم يمثلون الشباب بفصل الصيف وشمس الظهيرة ، والكهولة بفصل الخريف والشمس الآفلة .
حسناً ، قد يكون في تلك الاعتقادات بعض الصحة ، ولكن هذا لا ينبغي أن يحملنا على ترك الحياة ، بل العمل للآخرة مع عدم نسيان النصيب من الدنيا.. على الأقل هذا ما فهمته مؤخراً .
لماذا يسود هذا الظن عند الكثير من الناس ؟ لماذا يربط بعض الناس التقدم في السن بالعجز الجسدي والفكري ، فتجدهم تلقائياً يغلقون نوافذ التطور والتجديد في حياتهم بحجة السن ؛ النساء يرفضن ارتداء الألوان الزاهية ( عشان إيش يقولوا الناس ؟) والرجال لا يكادون يفلحون إلا في خوض غمار المراهقة المتأخرة واللحاق بما فاتهم من المتع . كلا الجنسين لا يحاولون تطوير أنفسهم في مجال العمل مكتفين بإنجازات الشباب ، عدم مواكبة العصر الحديث تقنياً وثقافياً، فقدان الرغبة في تغيير نمط الحياة مفضلين البقاء على روتينهم المعتاد ، عدم القدرة على التوافق مع شريك الحياة وكثرة الخلافات الزوجية بسبب عزوف المرأة عن الرغبة الجنسية إما زهداً فيها أو انصرافاً عنها إلى الأولاد والأحفاد ، وإقبال الرجل على ذلك في محاولة للتشبث بالشباب المتفلت ، العناد بدلاً من التفكير ، والسخرية من المخالف بدلاً من محاورته، والانغلاق على النفس أو على فئة معينة من الأصدقاء بدلاً من الانفتاح وتجربة مذاقات جديدة للحياة .
أليس من المفترض أن تكون الأربعين نقلة إلى حياة أفضل ، حيث تزداد الحكمة ويستقر الفكر ويستفاد من الخبرات والتجارب ؟
باعتقادي أن ما نراه من بعض النماذج السلبية يرجع سببها إلى الشخصية أولاً ، إذ أن الشخصية ؛ عيوبها ومحاسنها تتضخم بتقدم المرء في السن ، فإذا كان سلبياً فلن تزال سلبيته تتضاعف حتى تنسد السبل في وجهه وتضيق عليه الدنيا برحابتها ، ومثل هذا يكون عجوز القلب ولو كان في ربيع العمر ، أما لو كان إيجابياً فسيعيش في ظلال إيجابيته حياة معطاءة وسينعم بنجاحات متوالية تنسيه سنه الحقيقي فيبقى قلبه في شباب دائم .
إلا أن الشخصية ليست هي العامل الوحيد ، فهناك الثقافة التي تحدد توجهات الفرد ، و المجتمع الذي يثبط أو يشجع .
حين ننظر إلى كبار السن في الدول الأمريكية والأوروبية نجد أن حياتهم الحقيقية تبدأ بعد الأربعين ، حين يكبر الأولاد وتتحقق الإنجازات وتنضج الشخصية عندها يركن الفرد إلى الاستمتاع بالحياة ، إما عن طريق تجربة أشياء جديدة لم يجربها من قبل ؛ سفر ، طعام جديد ، مزاولة رياضات ، أو عن طريق إنجازات تعيد الحيوية إلى عروقه كالأعمال التطوعية وخدمة المجتمع ، وهو إن فعل ذلك فإنه يجد المجتمع الذي يشجع ويكافئ مادياً ومعنوياً على هذا التوجه فيستمر في العطاء حتى يصاب بالعجز أو الزهايمر !
أذكر أن والد امرأة أخي الهولندية كان يزاول رياضة التنس وهو في الثمانين من عمره ولم يتوقف عن ذلك إلا حين أصيب بمرض السرطان الذي توفي به ، بل كان يقود دراجته بعد أن أصيب بالزهايمر ويضيع أحياناً عن منزله ، ونحن نعد من يحافظ على رياضة المشي فينا وهو في الخمسين شخصاً “رياضياً” !
إلا أن الوضع ليس بهذا السوء عند الجميع ، إذ لا ينحى كل الأربعينيين والخمسينيين ومن فوقهم منحى ( كذب الكذبة وصدقها) ، وإنما كثير منهم بدأت حياته الحقيقية عندما أسن . هم أولئك الذين يعتقدون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ) رواه أحمد وصححه الألباني . هم أولئك الإيجابيون الذين يرون أنه طالما بقي في الصدر نفس يتردد ، وفي الجسد بقايا من قوة ، فلابد من العطاء . هم الأشجار التي تحب أن تموت و اقفة .
حدثتني صديقتي اليوم عن قريبة زوجها ، طبيبة تخصصت في الأشعة ، وبعد التقاعد من العمل الحكومي وتزويج الأبناء عملت لفترة في القطاع الخاص ، ثم انخرطت في العمل مع الجاليات ومكاتب الدعوة . هذه امرأة لم تدع سنها يقهرها ، وإنما هي من اتخذت المبادرة وجعلت فراغها من شغلها ومن مسؤولية الأطفال ميزة أحسنت استغلالها .
كل يوم أرى في الممشى نماذج جميلة لكبار في السن يمشون يومياً ، وبعضهم يمشي ( كالطلقة ) في سرعته ونشاطه مما يجعلني أتمتم بالتبريك عليه ، ولم يحملهم سنهم على الخلود في المنزل انتظاراً لهجمة الروماتويد .
ابنة خالتي إياها ، أنشأت مواقع على الشبكة العنكبوتية للتعريف بالمملكة العربية السعودية ودين الإسلام باللغة الانجليزية وموقعاً آخر لأشغالها الفنية . كما أنها ناشطة اجتماعياً في حيها السكني حيث تقوم بتعليم الانجليزية لفتيات الحي عن طريق المحادثة والمحاورة ، ولها حلقة تحفيظ قرآن في أحد المساجد .
أذكر جيداً كم كان يلفت نظري مشهداً كنت أراه أيام سكني في عنيزة في العقد الماضي .ففي الحين الذي كان يخرج (الشيّاب) من بعد صلاة العصر ليجتمعوا أمام أحد البيوت ( يتقهوون ويسولفون) حتى صلاة العشاء ، كان الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله –وهو في مثل سنهم- يجد الخطا على رجليه غالباً من بيته إلى الجامع الكبير حيث يقوم بتدريس طلبة العلم بعد صلاة العصر والمغرب والعشاء يومياً . كنت أرى هذه الفروق في النفسيات ، ففي حين كان الشيبان يبدون كما لو أنهم فرغوا من مهامهم في الكد لتحصيل لقمة العيش وتزويج الأولاد وأحيلوا إلى التقاعد وجلسوا ينتظرون الموت ، كان الشيخ رحمه الله كأنه يخطو في كل يوم خطوة إلى الجنة ، يعلم الناس ، ويصل رحمه ، ويشفع للمحتاج ، حتى بعد أن مرض كان يصر على التعليم كلما وجد في نفسه قوة على الكلام حتى كان آخر درس ألقاه في رمضان ليلة العيد وهو لا يكاد يتكلم من التعب ، وتوفي بعد ذلك بأسبوعين .
هل أذكر أمي الحبيبة التي كانت تستغل مواهبها الفنية فتشتري الصوف لتصنع منه قمصاناً وبناطيل ترسلها لنا لنوزعها على طلبة العلم المحتاجين في عنيزة ، وكانت تصنع بكلات الشعر وتبيعها ثم تضع ثمنها في صندوق جعلته قرب باب الدار لجمع التبرعات والصدقات . كانت تتسلى وتتصدق ولم تدع فرصة في يوم لأن يثنيها السن أو آلام الكهولة عن ممارسة الحياة . والآن حين وهن عظمها وثقلت عليها الأشغال الفنية أصبحت أكثر تطوراً وقامت بنقلة نوعية هائلة في التجديد ، إذ انضمت إلى فيس بوك وفتحت حساباً في انستاغرام وأخيراً في تويتر ، وأصبحت أمي الجدة الكول.
أعود إلى نفسي وأقول : نعم ، كنت عجوزاً قبل السرطان ، فلما مرضت أحسست أن هناك الكثير من جمال الحياة قد فاتني ، لعل أعظمها : الإحساس بالإنجاز .
ما ذلك الوهم الذي عشت فيه ؟ أني كبرت لمجرد أني تعديت الأربعين ؟ أني صرت جدة فعليّ أن أتصرف كما تتصرف الجدات : يسيطر عليهن الضعف والوهن والصوت المرتعش .. أني سأموت قريباً .. ومن يدري متى سيموت .
حين أصبت بالسرطان وشارفت على الموت فعلاً ثم ردني الله تعالى إلى الحياة قررت أن أعيش الحياة .
كان أول ما قمت به هو تأليف الكتاب الذي يحكي قصتي مع المرض : الحياة الجديدة .. نعم .. كانت بداية حياة جديدة . حياة مليئة بالتطلعات لإنجاز شيء جديد كل يوم . ألفت الكتاب أثناء المرض ، تعلمت مبادئ التصوير الاحترافي ( وأنا التي كان عقلي ينغلق تلقائياً لأي كلام في التقنية ) ، ساهمت في إنشاء مجتمع طهر لمرضى السرطان وقمت بترجمة العديد من المقالات التي تهتم بالسرطان من المواقع الأمريكية المعتمدة ، عدت إلى مقاعد الدراسة الجامعية بعد انقطاع دام 27 سنة وصرت طالبة في سن جدتي ! زاولت رياضة المشي يومياً ، استمتعت بركوب الدباب في البر ، والأدهى من ذلك أني ركبت القارب في ينبع أخيراً . أنا التي كنت أرفض رفضاً قاطعاً ركوب القارب لخوفي الشديد من البحر وعدم اتقاني السباحة ، وأؤكد لكم أن تلك الرحلة كانت من أمتع الرحلات في حياتي .. كادت أنفاسي تتقطع من الإثارة .. ها أنا الآن أتغلب بفضل الله على خوفي القديم . أواه كم من المتع ضيعت على نفسي .
والآن أشعر بفخر شديد وأنا أصف نفسي في تويتر بأني الجدة الكول . صدقوني ، كم هو جميل أن يكون المرء كبيراً و كول في الوقت ذاته !
أستطيع أن ألحظ بجانب عيني فخر أولادي بي .
أسعد كلما وصلني تعليق يثني على كتابي ، أو أقوم بتصوير صورة جميلة تلقى إعجاباً ، أو أنهي جزءاً متقناً من القرآن وتثني شيختي على أدائي في درس السند الذي بدأته العام الماضي ، أو أفقد كيلاً من وزني كل أسبوعين ، أو تشكرني إحدى المريضات على استشارة طبية سرطانية ..
بقي لي من المتع ما أسأل الله أن يقر عيني به قبل أن ألقاه : أن يسلم بسببي وعلى يدي بعض الأشخاص ، أسمع شهادتهم بأذني ، وأمسح دموع الفرح بيديّ ، هنا أكون قد عشت الحياة الحقيقية بعد الأربعين .
أرسلت فى من هنا وهناك, نظرات ثاقبة, خواطر ،, ذكريات بطعم السرطان | مصنف الأمل, السرطان, خواطر | 30 تعليق »
اعذروني على اختيار عنوان كهذا ، ولكني أعاني من متلازمة : اختيار-الموضوع-العنوان-المقدمة-الخاتمة .
قبل عدة أيام شاهدت في قناة ماسة المجد فيلماً أعده مكتب توعية الجاليات بالطائف ويسمى همة شبل يحكي باختصار عن الولد الذي يحاول أن يدعو سائقه الفليبيني إلى الإسلام ويهديه الكثير من الكتب الدعوية ولكن السائق يأبى أن يقرأ
خيل إلي وقتها أن تساؤلاً أثير في نفس الولد : لماذا لا يقرأ السائق الكتب التي أعطاها إياه ،وفي الوقت ذاته ثار في نفسي تساؤل مشابه : لماذا لا يقرأ الكثير من المسلمين عن دينهم ليتعلموه ؟ لماذا صار تعلم الدين أو معرفة أسماء الله وصفاته أو أي شيء يمت للإسلام بصلة قريبة أو بعيدة ثقيلاً على نفوس الكثير ( ولا أريد أن أقول أكثر أو أغلب ) من الشباب؟ كيف يمكن للشباب أن يعبدوا ربهم على بصيرة إن هم لم يقرؤوا ولم يتعلموا أو على الأقل يستمعوا لمن يعلمهم؟
باختصار : لماذا يهربون من الدين ؟
هل هم يهربون من التعلم هرباً من التطبيق ؟
هل هم يهربون لأنهم يودون أن يعيشوا في أهوائهم دون أن يشعروا بالذنب ؟
هل هناك تلبيس شيطاني أنك لن تحاسب على الأحكام التي لم تطبقها لجهلك بها ، ولكنك لو تعلمت ولم تطبق فستحاسب ؟
كالعادة توجهت إلى تويتر وطرحت هذا السؤال وتطايرت عليّ الإجابات .. بعضها كنت أعرفه مسبقاً ، والبعض الآخر فتح لي آفاقاً جديدة أنثرها كلها بين أيديكم ، فالموضوع مقلق ومزعج خاصة لو وضعنا في الحسبان دائماً قوله تعالى : (ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ، يوم يقوم الناس لرب العالمين ) وقوله ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم تُوفّى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون ) وأكاد أسمع تلك الأصوات المتذمرة في عقول البعض : يوووووه ، هذه تدوينة وعظية ، فأقول لكم : لا .. هي ليست وعظية ، ولا أفلح في الوعظ كثيرا على أية حال، وإنما هي محاولة لوضع اليد على أسباب ( بدء ) تخلي بعض الشباب عن دينهم وأعتقد أنه أمر خطير .
-قد تكون أهم الأسباب عن الكثير من الشباب هو عدم الحصول على التربية الصحيحة .. وقبل أن يثور عليّ الآباء محتجين بأنهم فعلوا كل ما بوسعهم لمنح أبناءهم هذه التربية ، أقول : مهلاً .. أنا في معسكركم . أعترف-وبكل أسف- أني لم أحسن تربية أولادي دينياً بشكل صحيح . لي خمساً من الأولاد البالغين ، ليس فيهم ملتزماً إلا ابنتي فاطمة . ربيتهم تربية ( كنت ) أراها مثالية : حفظتهم القرآن والمتون العلمية ، جاهدت على أن يتزيوا بالزي (الإسلامي) من شماغ بدون عقال وثياب قصيرة (جداً ) ، ونزهت أسماعهم عن سماع الأغاني وأبصارهم عن مشاهدة جميع أنواع البرامج المصورة .. باختصار: ربيتهم تربية طلاب علم .. طيب ما المشكلة ؟ المشكلة أني غفلت عن أهم سبب وهو : العناية بالقلب .
وأقول هذا لئلا يتفلسف عليّ أحد ويقول : إذن لا نفعل ، ولنتركهم يفعلون ما يحلو لهم ( لعل ) الله يهديهم يوماً من الدهر . لذلك ذكرت أني غفلت عن أهم سبب وهو العناية بالقلب : ربطه بالله تعالى ، تغذية حب الله في القلوب (أكثر من الخوف) ، مشاهدة ألطافه ونعمه ، إحسانه وكرمه ، السعي إلى مرضاته بكل وسيلة ولو صغرت ، لا بمجرد تقصير الثوب وارتداء الشماغ وعدم سماع الأغاني (مع أهميتها) . إذا فشل القلب في محبة الله تعالى كيف سيرضيه ؟
الطاعة سلوك ، وبإمكاني أن أحمل أولادي على نهج سلوك معين ، وسيفعلونه إرضاء لذاتي وغروري ولئلا يقال ابن فلانة الداعية أو ابنة فلان طالب العلم الشهير ( ماهم مطاوعة مثل آباءهم ) .
ولكن هل هذه أولوياتي كمربي ؟ إذا شبوا عن الطوق ، وخرجوا من بيتي هل سيكملون على نفس النهج إذا لم تمتلئ قلوبهم بحب الله وتعظيمه ؟ هل هذا ما أريده ؟ هل تغيير السلوك وحده كاف ، أم أن الأجدى هو تغيير الفكر الذي يحرك السلوك ؟
لماذا مكث النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في مكة يعلم أتباعه العقيدة ، وفيها نزلت سور المفصل التي تزخر بآيات اليوم الآخر والعقيدة ؟ لماذا تأخر نزول آيات الأحكام حتى نزلت في المدينة حيث فرض الصيام والحج والحجاب وباقي الأحكام .. ألا يدل ذلك على عظم أهمية ترسيخ العقيدة في القلوب ؟ هل فعلنا ذلك مع أبنائنا ؟
تغيير الفكر يبدأ بغرس تعظيم الله تعالى في نفوس الأطفال مع منعهم بحب ولطف وشيء من تغافل عن المعاصي المعروفة الواضحة، وكلما نما الطفل وتوسعت مداركه الفكرية والوجدانية زادت ملاحظته لعظمة الله وزاد تقديره له وإيمانه وأدى ذلك إلى العمل .. العمل الذي كنا نسعى له .
-التعليم الديني في المدارس – برأيي- ساعد على النفور من الدين . ففي الحين الذي تحظى به مقررات العلوم والرياضيات بالورق الصقيل والصور الجميلة والإخراج الفني الجيد للكتب المدرسية ، فإنا لا نجد ذات الأمر في المقررات الدينية ، وإنما ( دَش) متواصل ، يقطعه فاصل مزخرف هنا ، أو برواز ملون هناك .
ولو نظرنا إلى ذات المناهج تجد أن منهجي الحديث والتفسير لم يختلف كثيراً عما كنت آخذه قبل 30 سنة .. أين تطوير المناهج ؟ أين الدورات التدريبية التي تعطى لمدرسي اللغة العربية والدين ليحققوا الجودة التامة في أداء أعمالهم، أم تراها مقصورة –إن وجدت – على معلمي العلوم والرياضيات ؟ هل يحتاج طلاب المدارس لمعرفة تفاصيل زكاة الإبل والبقر والغنم والمعادن ، وأنواع البيوع المختلفة والمعاملات كالمساقاة والإجارة والمخابرة والحوالة ..الخ
ألا يحتاجون لزيادة ترسيخ أسماء الله وصفاته ( المهمشة مع شدة أهميتها وكونها القسم الثالث من أقسام التوحيد ) وترسيخ فقه الأخلاق والتعامل والذي تحاول مادة التربية الوطنية يائسة أن تدلي فيه بدلو .
حين يتشبع الطالب من حفظ أرقام وأحكام ومصطلحات شرعية يعلم جيداً أنه لن يحتاجها ( على الأقل الآن ) وأنه إذا احتاجها فبإمكانه أن يستخرجها من أقرب طالب علم أو من النت ، فإنه يُزرع في قلبه أنه (ليس محتاجاً ) لهذا الدين الذي فُرض عليه فرضاً ، وهنا تزداد الهوة اتساعاً .
– وفرة الفتاوى في وسائل الإعلام المختلفة والتي تلغي في نفس الشاب/الشابة أهمية البحث والقراءة وتعلم أحكام الدين، إذ سرعان ما يجد ما يريد من معلومات بضغطة زر .. زر ريموت أو زر كمبيوتر . ومع أني لا ألغي أهمية برامج الفتوى إلا أني أرى لها بعض السلبيات ، منها تضارب الأقوال في حكم واحد مما يدفع ببعض الناس إلى اختيار الأسهل . لا مشكلة عندي من اختيار الأسهل ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما مالم يكن إثما .. ولكن المشكلة : هل هذا الأسهل الذي اختاره السائل ليس إثماً ؟ هل يعضده دليل قوي من القرآن أو السنة أو فهم السلف الصالح ؟ ألا يخالفه ما هو أقوى من النصوص الصحيحة ؟ والأهم من ذلك : هل يحقق هذا الاختيار التقوى والعبودية التي هي المقصد الأعظم من خلق الكون ؟ هذا المقصد غفل عنه الكثير من الناس فصاروا لا يفتشون إلا عن من (يحلل) لهم الأحكام ( المعقدة ) ويغفلون عن تحقيق التقوى .
-لعل من أكثر الأسباب التي أشير إليها في استفتائي : الأسلوب ! كثيرون يعانون من أسلوب طرح الخطاب الديني (الممل) ( غير المفهوم) ( المتعالي ذي الوصاية ) . لنكن واقعيين .. هذا زمن الإعلام الجديد ، وعلى العلماء وطلاب العلم أن يعوا ذلك جيداً . شبابنا فيهم خير كثير ، وأنا أرى ذلك في تواصلي مع الكثير منهم في تويتر ، ولكن الأسلوب يتعبهم .. على المشايخ أن يخففوا من غلواء الإعلام القديم المتمثل في الشريط والكتاب والمحاضرة التقليدية ويجددوا أنفسهم طالما لم تكن في الأساليب الجديدة محاذير شرعية ، فالهدف ليس التمسك بطريقة طرح معينة ، وإنما الهدف هو الدعوة إلى الله ، ولذلك وسائل كثيرة بحمد الله .
لعل في خروج طلاب العلم الشباب في برامج اليوتيوب القصيرة نفع ، أو في التواصل مع الشباب عبر شبكات التواصل الاجتماعي كفيس بوك وتويتر ( وأقول تواصل أي من الطرفين وليس مجرد تغريدات وعظية ) أو في تصوير حلقات مع شباب يتناولون أطروحات شائعة بينهم بأريحية وهدوء ومرح ، ولو كانت هذه الأطروحات تتعلق بالتوحيد والإلحاد ، ولو كانت تتعلق برفض بعض تعاليم الدين ، فالهدف أولاً وأخيراً توجيه الشباب ، ولا يكون ذلك إلا بمعرفة ما يدور في رؤوسهم .. أو لعل بعض طلبة العلم يعمد إلى تأليف كتب شرعية بأسلوب مبسط ولا بأس من بعض الصور التوضيحية والكثير من الأمثلة الواقعية العصرية ، والبعد التام عن المصطلحات الغريبة والأمثلة النادرة .. باختصار مراعاة كونهم يخاطبون بكتبهم وبرامجهم هذه شباباً لا يعرفون الكثير عن دينهم ( ويودون أن يتعلموا ) وليسوا طلبة علم .
وبدي لو شاهدتم هذا المقطع للشيخ سامي الحمود لترون ما أقصد
-الصحبة .. الكلمة السحرية التي يحبها جميع الواعظين والدعاة .. ولكن علينا أن نكون منصفين ونعترف ( ولو في دخيلة أنفسنا ) أن للصحبة دور كبير في تحديد الاتجاه .. قد يتجه الشاب إلى الالتزام وتعلم أحكام الدين بعد (الدشرة)، وقد ينحرف عن المسار المستقيم الذي رسمه له أبواه في المنزل بسبب صاحب ساحب ، ولكلا الحالين رأينا أمثلة كثيرة.
ففي الحين الذي نرى فيه شباباً يتفقون على الالتقاء في مجمع تجاري (ليوسعوا صدورهم) ، نجد شباباً في مثل أعمارهم يتفقون على الاجتماع لحضور محاضرة أو دورة علمية .. نعم .. شباباً لا شيّاباً .. المسألة يحددها أولويات الشاب واهتماماته.
– المفاهيم التي اختلفت في تعريف الشخص الكول ، والذي يسعى لنيل هذه المكانة ( المشرفة ) الكثير .. ودعوني أؤكد لكم أنه ليس من مفردات هذه المكانة أن تكون قراءاتك شرعية للعلماء ( التقليديين ) والذين جرى ( شطبهم ) بالقلم الأحمر العريض .. قد يُتغاضى في المذهب الكولي عن قراءة بعض ( المشائخ التنويريين ) الذين قلبوا الموازين المعروفة بأفكارهم وآرائهم ( وتجديداتهم وتغييراتهم ) , وما عدا ذلك فلابد أن تنحصر القراءة في الثقافة الغربية وبعض من الأدب المعاصر.
-خلط بعض الناس بين الدين والمتدينين ، فيصدون عن كل ما له علاقة بالدين بسبب (الأخلاق) السيئة لبعض المتدينين . لهؤلاء أقول : ترى يا جماعة هما شيئان مختلفان وهذا التلازم الوهمي إنما هو كاسمه : وهم ..
نعم أعترف أن كثيراً من المتدينين قصروا الدين على العبادات والقالب الخارجي فقط وتغافلوا ( ولا أقول غفلوا ) عن موضوع الأخلاق والتعامل بينهم وبين ( الآخرين ) سواء كانوا من المخالفين ( العصاة ) أو الأهل والأقارب أحياناً كثيرة. وأقول تغافلوا لأن أمر تقويم الأخلاق أمر صعب ، فهذه طباع نشؤوا عليها ، وتغييرها يحتاج للكثير من التركيز والمجاهدة ، إضافة إلى أنها لا تظهر ( مباشرة ) في القالب الخارجي ( الملتزم ) ، كما أن البعض قد لا يتصور أثرها في الحصول على رضا الله كما تفعل النوافل والعبادات ، لذا جرى تحجيمها وتطنيشها ، وإني لأعجب أن يحدث ذلك بالفعل على الرغم من كل تلك النصوص التي تدل على أهمية الأخلاق . فكان نتيجة ذلك إعراض الكثير جداً من الناس عن الالتزام بالدين وتعلم أحكامه كردة فعل للمظاهر المؤسفة التي يرونهم ، ولهؤلاء أقول : ألا يسعك أن تلتزم بأحكام دينك وتتعلمه وتعامل الناس بخلق حسن ؟ هل يعجزك أن تتجنب الوقوع فيما وقعوا فيه ؟ أم أن حجة البليد ….!!
وأخيراً.. لا أقصد في هذه التدوينة التبرير لهؤلاء الشباب في عزوفهم عن الالتزام وتعلم أمور الدين ، ولكني فقط أحاول أن ألفت النظر لبعض الأخطاء التي ينبغي أن تصحح ، وإلا فعلى الشباب أنفسهم أن يعوا خطورة تجاهلهم للتعلم والتعرف على خالقهم وأحكام دينهم ، ومهما كانت أسبابهم ومبرراتهم مقنعة فإنها لن تنفعهم عند لقاء الله لأن العقل الذي حبانا الله به قادر على اتخاذ القرارات الصحيحة ، أو اختيار تلك الخاطئة الأكثر لمعاناً وبريقاً زائفاً( بل الإنسان على نفسه بصيرة ولو ألقى معاذيره).
أرسلت فى من هنا وهناك, خواطر ، | 17 تعليق »
أثار خطاب منال الشريف في مؤتمر الحرية بأوسلو جدلاً كبيراً وازداد انقسام الناس بسببه وتفرقهم . وما كنت لأسمع الخطاب لولا أن تلقيت عبر تويتر بعض الطلبات لبيان رأيي في خطابها ، فاضطررت للاستماع إليه مرتين وأنا أضع يدي على قلبي لأجل الوقت المهدر والذي كان بإمكاني الاستفادة منه في ( قراية كلمتين تنفعني ) من دراستي .
استمعت لخطاب منال وأنا أدعو الله العظيم أن تكون أنصفت في كثير من النقاط لأستطيع أن أدافع عنها فأمحو بذلك عن نفسي وصمة التشدد والانغلاق على الرأي ، وعنها بعض ما أسمعه من اتهام بالعمالة والخيانة ، ولكني في الحقيقة لم أتمكن من ذلك .
كنت قد بدأت في تدوين بعض الردود على كلامها ، ولكن لما اتسع الخرق على الراقع آثرت التوقف عن الكتابة والاكتفاء بمجرد الاستماع ، وفي النهاية كتبت تعليقي في بضع تغريدات .
إلا أن بعض المتابعين لم يكتف بذلك وإنما طالبني – محسنين ظنهم بي – بكتابة تدوينة مفصلة أعلق فيها على خطابها ، وللأمانة ليس عندي الكثير مما أقوله ولست بالعلم الذي يخولني بالرد على خطابها ، ولكني سأحاول ذكر بعض النقاط التي خرجت بها من استماعي للخطاب وقراءة الهاشتقات التي أنشئت من أجلها .
– أولاً شعرت باستياء شديد من اللهجة التي تكلم بها الكثير في الهاشتاقات حيث تجاوزوا الخطاب إلى الشخصنة وتناول شخص منال الشريف بالسب والشتم . أعتقد أن هذه طريقة غير ناجحة في الحوار ولا تؤدي إلا إلى طرق مسدودة ، وأن الأفضل هو اتخاذ خطوات عملية . فمن يرى ضرورة محاسبتها قانونياً فليسع إلى رفع قضية، ومن يرى أنها أخطأت فلينتقد كلامها ، ولكن كل ذلك بأدب ورقي في الحوار .
– عندما سمعت الخطاب انتابني شعور قوي بأن خطاب منال الشريف كان أشبه ما يكون بفضفضة ولم يتبين لي بالفعل مَن المصدر الحقيقي لمشاكلها : هل هم المتشددون ؟ هل هي الدولة ؟ هل هي أحكام الدين ؟ هل هي التقاليد ؟ أم كلهم جميعاً .
– لاحظت أن منال أكثرت الخلط بين الأوراق . فهي خلطت بين الدين والتقاليد السائدة التي تجرّم ذكر اسم المرأة، وخلطت بين المؤسسة الدينية وعمل المتطرفين الذين قاموا بالتفجيرات إما لتكفيرهم الناس(وهذا مبدأ الخوارج) أو افتئاتاً على ولي الأمر واستهانة به . ترى يا منال ، ليسوا كلهم سواء .
– قالت أن بعد حادثة جهيمان بدأت الدولة في التشديد على الشعب إرضاء لتلك الفئة فمُنع خروج المذيعات في التلفزيون ومنعت الموسيقى ، وتم الفصل الصارم بين الجنسين في المدارس والبنوك والمكاتب الحكومية ، وتناول الفصلُ البيوتَ ، فأصبح ( كل بيت ) له مدخلان ؛ أحدهما للرجال والآخر للنساء .
حسناً .. لن أقول أن منال كانت تكذب ، وإنما سأفترض أنها كانت تتوهم أو ليست لديها معلومات صحيحة خاصة وأنها وُلدت كما ذكرت في عام جهيمان ، وكنت أنا إذ ذاك في الثانية عشر من عمري وأذكر جيداً تلك الفترة .
لا أدري عن أي اختلاط في المكاتب الحكومية والمدارس تتحدث عنه ، فأنا في مدرسة خاصة منذ أن كنت في الروضة وحتى الجامعة ولم يحدث أبداً أن تم أي اختلاط بين الجنسين ، لا قبل جهيمان ولا بعده .
أما عن التلفزيون فلا زالت الأفلام تعرض الممثلات ، ولازالت أم كلثوم تغني على المسرح وفايزة أحمد ووردة وفيروز ( على الأقل عاود ظهورهن بعد الحادثة بسنة )، ولازال فيلم السهرة الأمريكي يعرض مساء الأربعاء ، والمسرحية تعرض عصر الجمعة ، والمسلسلات المصرية اليومية تعرض بعد نشرة التاسعة . صحيح أني رأيت قبل جهيمان مقطعاً لميرفت أمين ترقص على أغنية فريد الأطرش في أحد الأفلام وهي تلبس الميني جوب وأن الإعلام منع فيما بعد ظهور القصير ( جداً) وصار يخفي قول : والنبي و وحياتك ، ولكن أعتقد أن هذا جيد أليس كذلك ؟
السينما أُغلقت ؟ البيوت انفصلت مداخلها ؟ مهلاً مهلاً .. أين هذا ؟ في السعودية تقصد ؟ هي من الحجاز مثلي أليس كذلك ؟
– أموال الدولة صارت تُصب في حسابات المتشددين لنشر الكراهية والجهاد العالمي ضد الكفار ؟ هل مساندة الأفغان ضد الاحتلال الروسي تحت عِلم الدولة هو ما تقصده بنشر الكراهية؟ أتساءل :هل يندرج تحت هذه النقطة مساندتنا للفلسطينيين ضد اليهود ومن قبلهم للبوسنيين ضد الصرب ؟
حين ذكرت ما نصه : ” الحملات الوعظية التي كانت تدعو لنشر الكراهية ضد الكفار ، والجهاد العالمي لكل من (يخالف الأفكار ذاتها )!! ما هي (الأفكار ذاتها ) المقصودة ؟ بافتراض أنه كانت هناك دعوات للجهاد ( ولا أعرف أين كنت في تلك الأيام لأني لم أشهدها ) فهل كانت ضد من لا يحمل ذات الأفكار عن المرأة والتي أحالت إليها الضمير في ( الأفكار ذاتها) أم أنها لمن لا يوحد الله ؟ هل تريد أن تلغي الجهاد ؟
– هل كان جهيمان بالفعل هو (سبب رجوعنا إلى الخلف في بلادنا ) ؟ هل جهيمان هو السبب في عدم حصول المطلقات على حقوقهن ، وعضل النساء ، ومنعهن من إرثهن في بعض المناطق ، والعنف الأسري ، أم أنها التقاليد( العقيم منها ) والفساد الذي نال كل شيء آخر في بلادنا وليس قضايا المرأة فقط .
– ذكرت أن الدولة اضطرت إلى تغيير وفرض بعض القوانين إرضاء للفئة المتشددة .. باعتقادي أن الفئة المتشددة في تلك الفترة كانت تمثل نسبة كبيرة من الناس وعلى الدولة أن تسعى لإرضائها ، خاصة وأن الدولة تعلن دائماً في كل محفل أنها تحكم بشرع الله ، فكان لزاماً أن تثبت أنها تفعل ذلك بالفعل .
– ضربت منال الشريف بشدة على أوتار العاطفة حينما خاطبت جمهوراً كافراً لا يعلم شيئاً عن الدين الإسلامي مخبرة إياه أن دينها يأمرها أن تخرج بغطاء كامل ( وعرضت صورة سيئة لامرأة متحجبة تماماً ، وكان بإمكانها – لو أرادت – أن تعرض صورة أخرى لنفس المرأة تعطي انطباعاً حسناً عن الحجاب ) وأن دينها يعلمها أن الموسيقى ( بريد الزنا ومزمار الشيطان ) في حين أنها اكتشفت كم جميلة وطاهرة ( وملائكية ) هي الموسيقى، وأن دينها لا يسمح برسم ذوات الأرواح فاضطرت لعمل ( غير عادل ) وهو أن تقوم بحرق جميع ما رسمته !
استأت جداً من كلام منال بهذه الطريقة عن أحكام شرعية منصوص عليها من السنة وكلام الصحابة ، وأرجو أن لا يتفذلك عليّ أحد ويقول أنها مسائل خلافية ، إذ ليس كل خلاف يكون له حظ من الاعتبار ، وإذا كنا لا ننكر إلا فيما لا خلاف فيه فقد ألغينا شعيرة النهي عن المنكر .
وبرأيي أن ضربها على هذا الوتر قد بلغ أوجه حينما ذكرت كلمة ( الجهاد ) والتي يتزلزل لها كيان الكفار ، الذين يحب الكثير أن يسميهم ( الآخر ) هرباً من لفظة ” الكافر” ( القاسية ) !
أفهم أن تكون منال غيرت قناعاتها ، وهذا أمر يرجع إليها ولكن لا أعتقد أنه من المناسب أن تهاجم الرأي الآخر المنصوص عليه ، فضلاً عن أن تذكر ذلك أمام ملأ كافر ينتظر أي كلمة تقدح في الإسلام ليتلقفها فرحاً مسروراً أن شهد شاهد من أهله .. ألا يمكن ان نسمي ذلك تأليباً ؟
في تويتر قال لي أحدهم : إذا كنتم ترون أن هذا الإسلام الذي يهمش المرأة ويحرم الموسيقى ورسم ذوات الأرواح فلماذا يخجل البعض من تعريف الناس به ؟ هذا هو الإسلام ( الذي ترون ) وهذا هو الواقع الذي ذكرته منال ، والواجب الافتخار بهذا الإسلام بدلاً من الخوف من عرضه على الملأ .. هي لم تؤلب ولكنها عرضت الحقيقة التي تخجلون منها وتزعمون أنكم تفخرون بها . أهـ .
حينها قلت في نفسي : ألا قاتل الله الجهل . أتألم كثيراً حين يتكلم عن الدين أشخاص لم يكلفوا أنفسهم عناء تعلم الدين وإنما اكتفوا بحفظ بعض الكلمات ( الكبيرة ) من هنا وهناك مما يمكن حشره في أي رأي لإضفاء بعض الأهمية والجدية على الكلام . لو أن هذا السائل التويتري كان يملك شيئاً من العلم لعرف أننا لا نخجل من عرض ديننا على الملأ بحمد الله ولكننا نراعي الأولويات ، وهذا من فقه الدعوة .
حينما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال له : ” إنك تأتي قوماً من أهل الكتاب ، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، فإن هم أجابوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة ، فإن أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد علي فقرائهم ، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب” متفق عليه . فبدأ بأهم معلومة وهي التوحيد التي لأجلها خلق الله العالم، ولا زال يتدرج في أركان الإسلام الأهم فالمهم ، فما بال منال تعرض على الملأ الكافر أشياء في ديننا دقيقة لا نخاطب بها الكثير من المسلمين فضلاً عن الكافر الذي قد يعدها من سيئات الإسلام ، وقد يصده ذلك عن اعتناق الدين .. هل يمكن أن نحسن الظن بفعلها هذا ؟
هنا كان لزاماً على منال أن تكون صادقة مع نفسها ومع الناس وتبين لنا : هل كانت مشكلتها مع المتشددين أم مع أحكام الدين نفسه ؟
– قالت أنها كنت تخجل من كونها مَن هي : امرأة ، ولكنها بعد أن خرجت من الصندوق الذي عزلت نفسها فيه وعلمت كم هو كبير العالم خارج الصندوق ، فإنها تحررت . قلت : أما أنا فقد كنت متحررة وخارج الصندوق قبل 28 سنة ودخلته بكامل إرادتي وأصبحت ” صحوية ” ولم أشعر يوماً من الدهر أني خجلى من كوني امرأة ، ولم أشعر أبداً أني منعزلة .
ومع كوني على حد تعبيرها : بلا صوت ( لأن صوت المرأة عورة ) ، بلا وجه (لأني ألبس الحجاب ) ، بلا اسم ( لأن التقاليد تمنع من ذكر اسمي ) ، ومع أني امرأة مختفية إلا أني استطعت وغيري ممن هم مثلي ( مختفيات ) من تحقيق أشياء كثيرة في حياتنا .. استطعنا أن نقود حياتنا بأنفسنا مع أنه لم يسمح لنا بقيادة السيارة ، لأننا لم نضع العقدة في المنشار ولم نعتقد بوجود التلازم بين قيادة السيارة وقيادة الحياة ، ولا بالتلازم بين التفلت من أحكام الدين ( التي طالب بها المتشددون ) والحصول على الحرية .
– مطالب منال كانت كلمة واحدة : الحصول على حقوق المواطنة الكاملة ، وهذه لعمر الله كلمة فضفاضة تماماً مثل كلمة ( الضوابط الشرعية ) والتي يتم حشرها في كل فعل يُعتقد فيه أنه سيكون مخالفاً للشرع .
منال : ماذا تقصدين بكلمة المواطنة الكاملة ؟ لابد أن تحددي مرادك تماماً لئلا نختلف . أنت نصبت نفسك متحدثة عن نساء السعودية المسلمات وإن كنت لم تنصي على ذلك صراحة ، ولكن يكفي أنك تقولين : المرأة في بلادي .. والمرأة في جيلي ، فعليك أن تكوني واضحة في مصطلحاتك لنرى هل نتفق في أن هذه مطالبنا بالفعل ؟
نعم .. أنا أوافقها أن المرأة في السعودية لم تحصل على كثير من حقوقها الأساسية والتي ذكرت طرفاً منها في أول تدوينتي ، ولكني أخالفها في أن عرض هذه المشكلة أمام الشرق والغرب واستعداءهم ضد الدولة ( التي سمحت للمؤسسات الدينية المتشددة بفرض سيطرتها ) سيحل الموضوع .. لا ، لن يحله .. وإنما غاية ما هنالك هو ضرب الدولة والدين معاً . لن أقول أن نيتها في ذلك سيئة ، ولكن النوايا الحسنة لا تكفي .
كنت أتمنى لو أن منال الشريف لم تنشر غسيلنا القذر على سطوح الجيران ( وأعني به وضع المرأة لا ” التشدد” الديني )، أو أنها إذ اختارت نشره كانت أكثر شجاعة وإنصافاً وموضوعية في نسبة القذارة للفساد المستشري في البلاد أو للتقاليد أو لتخاذل المرأة عن المطالبة بحقوقها بشدة ، أو إرضاء للمجتمع الذكوري في بلادنا .
كنت أتمنى لو أن منال الشريف لم تستعدِ الناس على ديننا .. غفر الله لها .. أحملها مسؤولية عزوف السامعين أو المشاهدين لمقطعها عن التفكير في اعتناق الإسلام .
كنت أتمنى لو أن منال الشريف كانت أكثر وطنية بدلاً من أن تنص على أنه : “لا يوجد في السعودية الكثير لنتحدث عنه ” ، ولم أر في حياتي شخصاً محباً لوالده حقيقة يشتكيه للأغراب مهما كان ظالماً أو متعسفاً ، فما كل شيء يقال .
هذا رأيي في خطاب منال .. ولن أطالب أحداً بشيء ..
أدري أنه سيخالفني الكثير من الناس ، وهذا شأنهم .. لا أطالبهم بالتزام رأيي ، ولا أطالبهم أن يُعجبوا به ، فليس ذلك من حقي ، ولكن من حقي أن يحترموني ويحترموه.
فقط أقول : يا منال اتقي يوماً ترجعين فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .
غفر الله لك !
أرسلت فى من هنا وهناك | 101 تعليق »
هذه التدوينة يجدر بي أن أسميها : “مادة الهروب” المستوى الثالث ، أو : الهروب 301 ، إذ أنني أمارس فيها عادتي السيئة بالهروب من المذاكرة ، فالاختبارات كما قد لا تعلمون بعد ثلاثة أيام .
في الحقيقة أنا بحاجة إلى بعض الراحة ، إذ بدأ النعاس يداهمني وآلمني فكي لكثرة التثاؤب فآثرت ( تغيير الجو ) عبر كتابة تقرير لما حصل معي في رحلتي لحضور اليوم العالمي للمتعافين من السرطان ..
والآن ، هل تودون معرفة التفاصيل المملة للزيارة ، وكما يقولون : من طأطأ لسلامو عليكو ، أم تريدون تلميحات سريعة؟
بما أني لم أعرف ماذا اخترتم فسأكتب كيفما اتفق ونرى ماذا ستخرج يديّ الماهرتان .
سافرت للرياض يوم الأربعاء 11/6/1433 مع ابني خالد ، وكانت الرحلة طيبة بفضل الله إلا بقايا ذكريات أصابتني ببعض الحسرة حينما أجريت مقارنة سريعة بين مستوى الخطوط السعودية قبل ثلاثين عاماً ومستواها الآن .
هذه المقارنة تمت حين رأيت “علبة ” الإفطار والتي حوت ” عينات ” من الطعام ، وعلى الفور توافدت إلى ذهني صور قديمة لطعام الخطوط السعودية المشهور آنذاك . الصينية التي تحتوي على عصير وكوب للشاي/القهوة والأطباق الفاخرة التي تحوي على مقادير جيدة من الطعام المعد والمزين بعناية ، فتأكل عيناك قبل أن يتذوق لسانك . وتذكرت الكراسي التي كانت أكثر راحة وتعامل المضيفين الراقي ..
أقول لكم ؟ لا داعي لأن نفتح هذا الموضوع وإلا فسيتحول التقرير إلى : الخطوط السعودية وأثرها على الفرد والمجتمع !
حينما وصلنا للرياض كنت مبتهجة لأننا سندخل إلى المطار عن طريق الممرات المتحركة الموصلة بالطائرة والتي يسميها البعض ” خراطيم” .
كنت أشعر أني “متحضرة ” وأنا أمشي بزهو في هذه الخراطيم ذات الأرضية المنقشعة والتي يصنف لونها من درجات البني أو ربما الأحمر .. وقد يكون البرتقالي ، فهو لون كما تلحظون : دقيق للغاية !
العجيب أنه عُرضت في ذهني صور فلاشية لأرضيات الخراطيم في مطارات أوروبا وأمريكا كما رأيتها منذ 27 سنة .. ولا أعرف ما السبب !!
ودعوني أؤكد لكم .. كانت أرضيات مرتبة ، وقد لا أكون مخطئة لو قلت أنها مكسوة بالبساط .
المضحك في الأمر أننا بعد أن دخلنا المطار صعدنا ونزلنا وذهبنا يمنة ويسرة متتبعين الأسهم ثم وجدنا أنفسنا فجأة خارج المطار مرة أخرى لنركب باصاً ..
لا.. ( ورايا ورايا ) الباص ؟ في جدة ، والمدينة وحتى الرياض ؟
ركبنا الباص لننتقل من مبنى الرحلات الدولية ( والتي لا أعرف لم توقفنا في مواقفها ) إلى مبنى الرحلات الداخلية ، فشعرت فعلاً بما شعر به صاحب المثل الأشهر : فين إذنك يا جحا !
ما علينا .. لابد أن أقاوم بشدة الرغبة في حش الخطوط السعودية ومطاراتنا المهيبة لئلا أُتهم ( بالفقعنة ) و( البطرنة) وكل ما كان على وزن ( فعلنة ) ..
والسؤال هو : هل هناك وزن فعلنة أصلاً ؟
في الثانية عشر والربع بدأنا رحلة البحث عن مركز الملك فهد الثقافي والذي أقيمت فيه هذه الفعالية الرائعة .
بلا شك كانت الطرقات ممتلئة بالسيارات فهو وقت الذروة ، أضف إلى ذلك أنه الأربعاء الجميل .
وصلنا أخيراً .
من الداخل كان المركز راقياً ، مرتباً ، ومرة أخرى تداعت صور استاد الأمير عبد الله الفيصل بجدة إلى ذهني . فقبل 28 سنة أقامت مدرستي دار الحنان فيه يوماً رياضياً كان من أجمل أيام حياتي المدرسية ..
كان المركز خلية نحل ، يغص بالعاملين والمتطوعين والأطباء والمرضى في خليط متناغم ومرتب ويبعث البهجة في القلوب فعلاً ..
تستطيع للوهلة الأولى أن تدرك ضخامة الجهد المبذول ليبدو المكان بهذا التنظيم والأناقة .
البالونات الملونة في كل مكان .. الأركان المختلفة موزعة في نظام .
المكيفات تعمل بكفاءة ممتازة وضوء النهار البهيج يغمر المكان .
استلمت طاولتي وعليها لوحة تعرف بي ، ورصصت كتبي التي كنت أعرضها للبيع وجلست أنتظر .
كنت أطالع المكان بانبهار ، فأنا أحب هذه الأجواء للغاية .. وكوني آتي إلى هنا بصفة رسمية كمتعافية تحكي للناس قصتها مع المرض لتبث الأمل في القلوب بالنجاة والشفاء ، لا شك أنه كان أمراً غاية في الإثارة .
كنت مهتمة – طبعاً – ببيع كتابي والتوقيع عليه لمن يرغب ، ولكن اهتمامي الأول كان منصباً على فكرة ( بث الأمل) ومساعدة الأطباء والمهتمين بمعرفة المشاعر التي مررت بها أثناء مرضي ، خاصة إذا علمنا أنه ليس كل المرضى تواتيهم الجرأة في طرح مشاعرهم للتداول والنقاش ، وأن أكثرهم يفضلون الاختباء والانزواء إما خشية العين ، أو رغبة في نسيان هذه الحقبة الزمنية المؤلمة.
بعد أن استقريت في مكاني بلحظات زارتني مجموعة من متابعاتي الجميلات في تويتر ، طلبن الكتاب وطلبن توقيعي عليه. وأؤكد لكم .. كانت لحظات سعيدة ..
أحسست أن دعائي الذي توجهت به إلى الله تعالى بإعجاب الناس بالكتاب قد أخذ في التحقق شيئاً فشيئاً.
نعم .. شعرت ببعض الأهمية .
قابلت كذلك إحدى الأخصائيات النفسية والتي أجرت معي حديثاً مطولاً عن أهمية مجموعات الدعم لمريض السرطان وكم أسعدني حين قابلت عندي مسؤولة القسم النسائي في الجمعية الخيرية لمكافحة السرطان وتفاهمتا بشأن التعاون على إنشاء هذه المجموعات .. شعرت أنني ( وفقت بين راسين بالحلال ) .
بلغت الإثارة أوجها حين طلبت مني صحفية بجريدة الشرق الأوسط إجراء مقابلة صحفية معي .
مرحى مرحى .. أنت تخطين نحو العالمية يا هناء .
وبوجل جلست أراقب بعض العمال وهم يحملون السماعات الضخمة ليضعوها في بهو المركز حيث كانت طاولتي ، ودق قلبي بعنف .. أعلم أن هناك عروضاً موسيقية ولكن هل تكون هنا؟
وصرت أتمتم بشدة وأدعو الله ألا تكون هنا حتى لا أضطر لمغادرة المكان ، فلست في حاجة ولا ضرورة لأمكث في المكان وسط المنكر .
ولكن ربك حميد .. كانت هذه السماعات لمقدم الحفل الذي ظل يعلن عن الفعاليات والمشتركين فيها عدة مرات ليلفت نظر الزوار إليها .
كان هناك ركناً لأحد المصورين ، وركناً آخر لأحد رسامي الكاريكاتير ، وإحدى الفنانات التشكيليات ، كما كان ثمة ركن للمأكولات الشعبية ، والتي – حتى هذه اللحظة – أعض على أناملي ندماً أني لم أتذوق المرقوق والجريش بسبب يبوسة قشرة المخ عندي !
في الحقيقة وددت لو أني استطعت التجول في أنحاء المركز والمرور بأركان الجمعيات والتي كانت توزع أكياساً تحوي أشياء لا أعرف كنهها ..
أحب تجميع العينات والكتيبات التعريفية ، لأعود بها إلى المنزل كتذكارات ولكني لم أتمكن من القيام عن مقعدي .. شيئ ما كان يشدني للجلوس ، فاكتفيت بالنظر هنا وهناك فقط .
قدمت جهة ما طعام الغداء للمحاضرين ولكني لم أتمكن من تناوله في الوقت المناسب نظراً لانشغالي بالحديث مع طالبات التوقيع أو مع بعض المريضات اللاتي أتين يستفسرن عن مرضي والعلاج .
حين وجدت فسحة من الوقت هرعت سريعاً لتناول ما يمكن تناوله من الغداء والذي كان قد برد وتلاشى من الحافظات الضخمة ، ولكنك تراه للأسف في الأطباق التي انتشرت على الطاولات كعادة السعوديين الشهيرة التي تنص على ملء الأطباق بجميع أنواع الطعام المقدمة وتذوق لقمة من كل نوع وترك الباقي ، فلا هم أكلوا ما حملوا ، ولا أنهم تركوه غيرهم يأكل .
عدت سريعاً لطاولتي لأتلقى المزيد من المستفسرات وطالبات الكتاب والتوقيع .
وبدأ عرض القبة الفلكية والذي كنت أتطلع لحضوره ، ولكني لسبب أجهله لم أفعل ..
أشياء كثيرة فاتني رؤيتها , ففي الحقيقة أستطيع أن أؤكد لكم أن هذا التقرير المزيف الذي تقرؤونه هو تقرير قاصر بكل معاني الكلمة .
ولكن عموماً ، أنتم تقبلونني بكل قصوري ، أليس كذلك ؟
أمامي في بهو المركز كان فريق هارلي ديفدسون مع أربع أو خمس دراجات بخارية ، تتراوح أسعارها فيما أعلم بين 40000- 90000 ريال . أتاحوا الفرصة للحضور في امتطائها والتصور معها .
وللحق أني لم أعلم السر في إصرار الفريق على الظهور بمظهر غربي بحت : التي شيرتات الغريبة والبندانات وبعض السلاسل والتي أظهرتهم كقراصنة .
أحدهم كان ينقصه عصابة العين السوداء أو الذراع المنتهية بخطاف حديدي ضخم ..
همممم ، ربما لو أحضر ببغاء ليقف على كتفه لوفى ذلك بالغرض .
نعم .. أعترف .. لست “كولاً” لهذه الدرجة التي تتيح لي تقبل الكثير من المشاهد التي رأيتها أمامي في ذلك اليوم .
مع أنني أدعي ” الكوالة ” إلا أني أقيدها على الدوام بكونها من الطراز القديم .
لذلك لم أتقبل أبداً رؤية ” التميلح” الذي انتهجه الشباب والشابات الإعلاميين والمتطوعين أمامي ..
أنا في البهو – كما أخبرتكم – فكانت كاميرات القنوات التلفزيونية الفضائية وكمية هائلة من الناس كلهم يحملون الكاميرات الاحترافية يقومون بالتصوير والتميلح في الوقت ذاته ، وصراحة أني أعد الجمع بين ذلك عبقرية !
انزعجت جداً من رؤية مظاهر تراجع الدين المعروفة .. وأرجو أن لا يأتي أحد ويتهمني بالتدخل في النوايا .
أنا أتكلم عن أمور ظاهرة وبعيدة عن الخلاف الفقهي .
أفهم أن هناك خلافاً في كشف الوجه وغطاءه ..
أفهم أن هناك خلافاً في مفهوم الاختلاط ، مهما بلغ قوة الخلاف أو ضعفه .
ولكني لم أفهم بم يمكننا تفسير تخلي الكثير من النساء عن غطاء الشعر إما جزئياً أو كاملاً ، ووضع مساحيق التجميل والعطور التي كانت تصلني لأنفي مخترقة نقابي .
لم أفهم لم تجاوز الأمر حد الاختلاط المحترم ليصل إلى الضحك الرقيع وهذا التميلح والتلامس أحياناً .
كنت أنظر إلى إحداهن وقد بدا من وجهها أكثر مما خفي ، لأنها كانت ( منقبة )!
الحق أن فمها فقط هو الذي كان مغطى !!
كانت تضحك مع مجموعة من الرجال بصوت عال وتصورت معهم ، وأنا أحدث نفسي : لعله أخوها ، لعله قريبها ..
حتى رأيتها تتصور مع أحدهم وهي تربت على ظهره وكتفه !!!
لم أفهم السبب في أن الموسيقى والرقص غدا أمراً عادياً دالاً على الرقي والتحضر ، حيث أن ايقاعات الموسيقى الغربية التي رقص عليها بعض مقدمي العروض كانت تصلني من المسرح المجاور .
لم أفهم لم تغيرت المفاهيم بهذا الشكل السريع والمزعج ..
لم تعد المسألة خلافات فقهية ، إذ ليس كل خلاف له حظ من الاعتبار .
نحن نتكلم الآن في مسائل دلت النصوص الشرعية الواضحة على تحريمها ، فما بال الناس ؟
ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم ؟
هذه المشاهدات كانت كفيلة بإفساد استمتاعي بذلك اليوم .
لم أبع نسخاً كثيرة كما كنت أرجو ، ولكن أعتقد أن اللقاءات الصحفية والتلفزيونية والإذاعية التي أجريت معي ، كانت كافية للتعريف بكتابي في الأوساط المختلفة .. أضف إلى ذلك مقابلتي للعديد من المرضى والمتعافين واستماعي إلى شيء من تجاربهم جعلني أسترجع ذكرياتي الشخصية مع المرض ليلهج لساني بحمد الله على منّه عليّ وعليهم بالعافية .
يوم الخميس في التاسعة صباحا كانت مغامرتي المضحكة المحزنة وللمرة الثانية مع مطار الملك خالد .
المطار الذي من “المفترض ” أن يكون مطار عاصمة البلد الذي ” يفترض ” أن يكون أغنى بلد في العالم !
جملة ركيكة هي الجملة السابقة أليس كذلك ؟
نعم .. ولكن صدقوني الوضع الركيك لا يمكنك أن تعبر عنه بجملة مستقيمة أبداً .
إذ حتى لو استقامت لفظاً ، فإنها لن تستقيم معنى .
ركبت الباص محوقلة ومسترجعة ، ومتذكرة من جديد خراطيم مطارات أوروبا وأمريكا قبل أكثر من 27 سنة ، وانتظرنا في الباص ما يقارب العشر دقائق ليمتلئ ، فانتهزت الفرصة لكتابة بعض التغريدات .
أغلق الباب وتحرك الباص ، وبعد 30 ثانية بالضبط توقف ..
رفعت رأسي لأرى أننا نقف أمام سلم الطائرة ..
نعم .. الطائرة تبعد عن باب المطار أقل من خمسين متراً .
يبدو أن الخطوط تحب أن تريح ركابها لأقصى درجة ..
أخذنا أماكننا ، ولا تزال الصور من حفل البارحة تتوارد على ذهني .. الجميلة منها والسيئة .
وبعد تأخير استمر أكثر من ثلث ساعة نظراً لازدحام المدرج بالطائرات المقلعة والهابطة ( هل يملكون مدرجاً واحداً فقط ؟ ) طارت الطائرة أخيراً ..
بعد ساعة لاحت لي الحرة التي تحيط بالمدينة ، فنبض خافقي بحب المدينة .
المدينة التي دعا لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : ” اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد حبا ” .
تمتت شفتاي ودمعت عيناي : اللهم اكتب لي فيها معيشة ووفاة ..
هذه مدينتي ، فمن له بمدينة مثل مدينتي ؟
أرسلت فى متع مبهجات, ذكريات بطعم السرطان | مصنف الثبات, الخطوط السعودية, الدين, الدراسة, السفر, السرطان, خواطر, ذكريات, سرطان الثدي | 13 تعليق »
اليوم فقط شعرت أن إحدى أكبر أمنياتي قد تحققت .
عندما صورت هذه الصورة كنت أشعر فعلاً بالفخر..
أنا أنتسب لهذا الرجل العظيم .. قد لا يعرفه الكثير الآن ، ولكن حسبي أني أعرفه .. أعرفه جيداً .
عندما كتبت كتابي ” الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ” كنت قد عزمت على أن يكون اسمي فيه : هناء بنت لقمان يونس ، وليس هناء الحكيم كما يعرفني أكثر الناس .. لهذه اللحظة فقط ..
ابنة لقمان يونس ، الأديب الساخر ، تحذو حذوه ، وتكون أديبة ساخرة كذلك .
كنت أتمنى لو أني أرى وجهه وهو يستلم مني نسخة موقعة من كتابي ..
أعتقد أنه كان سيفرح للغاية ، وربما شعر بالفخر .
دائماً يحب الآباء أن يحذو أبناءهم حذوهم في ميولهم وهواياتهم ، فكيف لو اكتسبوا بعضاً من إبداعاتهم ؟
بدأت حكايتي مع الورق منذ الصغر . كانت مكتبة والدي الكبيرة تستهويني .
تحوي الكثير من الكتب العربية والانجليزية بشتى الأشكال والأحجام .
وكثيراً ما التقطت لي صور وأنا في الثالثة ، أرتدي نظارة أبي وأقلب في إحدى كتبه وقد ارتسمت على وجهي تعابير الخطورة .
لا أنسى مجلدات قافلة الزيت الرائعة التي كانت تصدرها شركة أرامكو ، وموسوعة المعرفة ، حمراء الغلاف والتي كان يستهويني فيها صور لعملية استئصال الزائدة الدودية ، ومعجم تاج العروس الذي أعجبني اسمه ولكني لم أكن أفهم أين التاج ( في الموضوع ) فأنا لا أرى إلا مجلدات ، لا تيجان ولا عرائس !
لا أذكر أشياء كثيرة عن أبي ، فقد توفي وأنا في العاشرة تقريباً ، ولكني أذكر حبه لثلاث أشياء : الشطرنج ، وتدخين الغليون والقراءة .
أما القراءة ، فهذا شأن الأدباء ، وهو رحمه الله كان مديراً لفرع وزارة الإعلام في الدمام ، وكاتباً في جريدة اليوم ، ولعله كتب أيضاً في البلاد وعكاظ .
وأما الشطرنج فقد كان – غفر الله له – ينصب رقعته أمام فراشه ، ويلعب مع نفسه إن لم يجد رفيقاً مواتياً ، ويدوّن بخطه الأنيق خطوات كل لعبة برموز تبدو لمن لا يعرفها كاللغة الفينيقية.
ولعله رأى عزوف أخواني عن اتخاذ هذه اللعبة هواية كما فعل ، ورأى مني حباً في التقرب إليه والتأسي بما يفعل ابتغاء مرضاته ، فأخذ يعلمني هذه اللغة حتى صرت أتمكن من اللعب ( مع نفسي ) بمساعدة هذه الخطوات .
وأما الغليون فكنت أراقبه وهو يحشوه على مهل ، وقد يقطع ذلك ليقوم بخطوة في لعبة الشطرنج ، ثم يكمل حشوه وقد ارتسمت على وجهه علامات التفكير العميق .
هل أفشي سراً إذا ما قلت أن ( نزعة اللقافة ) تحركت فيّ و حدتني إلى تجريب تدخين الغليون ؟
انتهزت فرصة غيابه في العمل وانشغال أمي في أمور البيت ، واعتيادهم على جلوسي في غرفته لألعب الشطرنج ، وتناولت الغليون ..
لكني بمجرد أن وضعته في فمي ، وقبل أن أشعله ، شعرت بقرف شديد من طعم التبغ الذي سرى للساني من مبسم الغليون ، فتركته وعدلت عن فكرتي وأنا أتعجب كيف يدخن الناس ؟
وعندما بلغت التاسعة قررت أن أقرض الشعر ، وأبلغته – رحمه الله – بذلك ، فشجعني ووهبني إحدى دفاتره الفاخرة التي كان يدون فيها خطوات لعبة الشطرنج .
كان دفتراً مستطيلاً ( إلى أعلى ) ، ذا غلاف جلدي فخم .
كتبت فيه بعض قصائد أشبه ما تكون بأناشيد أطفال .
لا أذكرها ، ولم أحتفظ بها للأسف .. ربما رغبة مني في نسيان تلك الحقبة (الي تفشّل).
ولكن هذا ” البيت ” أذكره جيداً ، ربما لأنه أول بيت من أول قصيدة في الدفتر :
أتمنى أني لا أتمنى فوق الجبل أحياناً أتثنى
يا سلام !
كتبت عن الدجاجة الحمراء المغرورة والدودة الصغيرة ، وكتبت عن كوكب الشرق أم كلثوم التي يحبها كل من يحب الزبيب، في محاولة خرقاء لإرضاء أبي الذي كان يحتفظ بكل أغانيها في اسطوانات عتيقة ، وربما كتبت أيضاً عن البيتلز وتفاحتهم الخضراء المرسومة على اسطواناتهم ..
طبعاً لم يكن معروفاً في تلك الفترة حكم الموسيقى ، ولم أكتب تلك القصائد العصماء حباً في الموسيقى ، وإنما كان يهمني أن أكتب عن أي شيء يمكنني رسمه ، واسطوانات أم كلثوم والبيتلز المتوفرة بسخاء كانت من تلك الأمور .
كنت أكتب “القصيدة” وأذيل الصفحة برسمة تعبر عنها ، والمضحك في الأمر أني لم أحب يوماً الشعر ولا الرسم .
فإذا فرغت من قطعتي الفنية أهرع لأبي وأقرؤه إياها ، فيهز رأسه بإعجاب ويشجعني كثيراً ..
أزعم أنه كان يبذل جهداً كبيراً في تشجيعي لأن تلك القصائد بلغت حداً لا يطاق في السذاجة .
وكان دائماً يقول : كويسة ، لكن تحتاج إلى وزن ..
يا حبيبي يا بابا .. أذكر كلامه الآن وأقول : والله كانت تحتاج لنسف لا لوزن .
ولكن في تلك الفترة لم أكن أفهم من كلامه إلا أن آتي بميزان الخضرجي ، العتيق ، ذي الكفتين فأضع دفتري على إحدى كفتيه ولا أعرف ما المفروض أن يكون في الكفة الثانية ، ولكن أبي رحمه الله قال أنه يحتاج لوزن ، وأبي لا يكذب.
أجلس الآن وأفكر في تشجيع والدي لي على الكتابة ..
أكاد أقسم أن كتاباتي كانت سخيفة للغاية ، ولكنه لم يحبطني يوماً من الدهر ، وإنما كان ديدنه التشجيع والتوجيه .. أليس من العجيب أن النفس البشرية تهوى الانتقاد والسخرية وجلد الذات في الغالب ؟
من السهل جداً أن تسخر وتثبّط وتقتل روح الإبداع في قلب ابنك أو زوجك أو صديقك أو من لا تعرف ، فقط إشباعاً لنزعة سادية أو إرضاء لروح السخرية التي تغلي في قلبك ، أما التشجيع فعسير عسير إلا على من يسره الله له .
كم منا يفكر في ما قد تودي إليه هذه السخرية من نتائج وخيمة قبل أن يصرف كلمته التي قد تكون قاتلة ؟
شجعني أبي في الشعر ، ولكني لم أستسغه قط ، لا كتابة ولا قراءة .
فاتجهت إلى النثر .. الأسلوب الروائي بالذات .
كنت ماهرة في تحويل مواضيع التعبير المملة إلى قصص مكونة من ثلاث صفحات أو أكثر .. وكان اختبار التعبير هو الاختبار الوحيد الذي أكون فيه آخر من يخرج لانهماكي في صنع أقصوصة لموضوع عن الأمل ، أو الصدق أو الأم .
وحين بلغت سن المراهقة كان البروتوكول يقضي بأن ترتبط مراهقتي بكتابة القصص الرومانسية .
كل المراهقين عندهم رومانسياتٍ ما .. هذه طقوس المراهقين المعروفة ، وأنا لم أبرع في الشعر ، فلا بأس إذاً ببعض من الروايات الرومانسية على غرار روايات عبير ، ولكنها أحشم قليلاً .
أذكر جيداً أني في السادسة عشر عرضت إحدى رواياتي على الأديب عبد الله الجفري رحمه الله تعالى ، والذي كان صديقاً للوالد .
هؤلاء الأدباء يتميزون حقاً بسعة الصدر ، إذ لا أعرف كيف تمكن من قراءة أكثر من سبعين صفحة من الهراءات المستمرة ، والتعليق عليها بخطه ..
مرة أخرى .. التشجيع والثناء مع بعض التوجيهات اللازمة لكتابة أفضل .
وفي الجامعة اشتركت في مسابقة أدبية شملت القصة القصيرة والمقال والشعر ، فحُجب المركز الأول ، وحصلت على المركز الثاني ، وكانت فرحة غامرة ، إذ بدأت أشعر أخيراً بأني ( يجي مني ) .
ثم تركت الكتابة لفترة طويلة ، أو بالأحرى تغيرت النوعية إلى الأبحاث والكتابة الشرعية الجادة ، وحسبت أني قد فقدت الموهبة ، إلا من بعض الخواطر كنت أسطرها في وريقات بين الفينة والأخرى كلما عبثت بقلبي ” ثورة عاطفية ” ( كما كنت أسميها ) من فرح أو حزن أو غضب ..
أخبئها ( الوريقات لا الثورة بالطبع ) في قاع درجي لئلا يطلع عليها أحد .. أخرجها أحياناً ، وأقرؤها ، وأطمئن أني لا زال عندي بقايا من إبداع ، ثم أعيدها بحرص .
فلما أصبت بالسرطان ، كانت هذه الثورة العاطفية الكبرى التي اندلع بعدها سيل الكتابات المكبوتة في السنين الخالية .
ألا ترون أني لهذا أغثكم بتدويناتي الكثيرة ؟ لأني كنت محرومة كتابياً ، والآن قد نشطت من عقال .
وكلما قرأت تدوينة قديمة لي وأُعجبت ببعض التعبيرات أو التراكيب يستنير وجهي وأشعر بالدهشة أني من كتب هذه الكلمات الجميلة ، والتصاوير البديعة .
أكاد أقرأ ما يدور في نفوسكم ..
تقولون أن مادح نفسه كذاب ، أليس كذلك ؟
حسناً ، لا أظن أن هذا أمر مطرد ..
أحياناً يوقن المرء بنجابته في بعض المواطن وبراعته ، فلا أرى بأساً أن يدلل نفسه بثناء عابر يتشجع به ويستمر في العطاء.
صدقوني ، جميل هو الشعور بالإنجاز ، أو الإبداع أو الإحسان والإتقان ..
وجميل أكثر الشعور بجينات أبي الأدبية تجري في عروقي ، فتستخرج من قرائي كلمات الإعجاب والمدح التي تملأ قلبي حبوراً وسعادة.
أبي .. كم تمنيتك لو كنت معي وأنا أشهد ميلاد مستقبلي الأدبي ، تنظر إليّ بفخر ، فأبادل فخرك بفخر .. أني ابنتك أيها العظيم .
اللهم اغفر لأبي لقمان يونس وارحمه وارفع درجته مع المهديين ، آمين .
أرسلت فى متع مبهجات, خواطر ، | مصنف نعم الله, الفرح, الأبناء, الأسرة, خواطر, ذكريات | 27 تعليق »
أسئلة شائعة :
س1- ماذا إذا رفض الطفل الذهاب للوقت المستقطع ؟
ج/ إذا رفض الطفل الذهاب إلى حجرته حين تصل للرقم 3 في أسلوب العد فتذكر أنه غير مسموح لك أن تتبع افتراضية الأطفال البالغين في الإقناع ، فلا تقل : هيا ، اذهب إلى غرفتك ، إنها خمس دقائق فقط وستخرج ، أسرع وإلا سيعاقبك والدك بمدة أطول .. الخ ، الذي يفترض أن تفعله يعتمد على حجمك وحجم الطفل .
إذا رفض طفلك الصغير ، البالغ خمس سنوات مثلاً الذهاب لحجرته فما عليك إلا أن تتجه نحوه ، بعض الأطفال سيسبقك ببضع خطوات ، لا بأس في ذلك ، سيتعلم قريباً الذهاب بنفسه ، والبعض الآخر ستضطر إلى أن تجره جراً . تذكر أن تبقي فمك مغلقاً أثناء ذلك سواء أمسكته بلطف وقدته إلى الحجرة أو اضطررت إلى جره في وسط صراخه وبكائه الهستيري .
بالنسبة للأطفال الأكبر سناً ( وحجماً ) فلن تكون في الوضع الذي يسمح لك بالتدخل الجسدي مع الطفل وليس من الحكمة أن تصارعه لتبدو أبلهاً بذلك ، لذا فإن ما سينقذك عندئذ هو بديل الوقت المستقطع ، فتقول :إما أن تذهب إلى حجرتك أو بإمكانك أن تختار إحدى البدائل التالية : الإيواء إلى الفراش نصف ساعة مبكراً ، أو خصم ريال من المصروف اليومي ، أو الحرمان من اللعب بأي جهاز اليكتروني باقي اليوم . الخدمة الاجتماعية بديل ممتاز أيضاً : غسل بعض الأطباق أو ترتيب الصالة أو تنظيف الحمام .
كثير من الآباء يتركون الخيار للطفل ، ولكن إذا رفض أن يختار فعليهم أن يختاروا له . المهم : تذكر أن لا تتكلم ! فإذا صعب عليك ذلك ، فبإمكانك أن تخرج أنت من الحجرة وتتركه وحده .
س2/ هل بإمكانك تجاهل أي سلوك ؟
ج/ كيف تعرف متى الوقت المناسب للعد ؟ ليس الأمر بهذه الصعوبة .. غالباً إذا ما كنت منزعجاً من سلوك ما وكان من الأشياء التي ينبغي توقفها ، فعليك عندئذ استعمال العد . إلا أنه قد يحدث أحياناً أن تضايقك بعض التصرفات التي لا يمكن عدها سوء أدب من الطفل ، مثل الترنم أو إعادة غناء الأغنية مراراً وتكراراً ، قلب أجفان العينين أو ( حَوَلَهما ) ، أو التهادي ببطء إلى الوقت المستقطع ، التهام كل الكريمة على قطعة الكعك أو الدونات الخ . إذا لم يكن الطفل يسيء الأدب بالفعل وأنت في مزاج سيء ، فأفضل ما يمكنك فعله هو أن تجز على أسنانك وتبقى صامتاً . لكن عليك أن تحدد لنفسك ما نوع السلوك ( السيء جداً ، أو الخطير جداً ، أو المقلق جداً ) الذي ستعاقب طفلك عليه ، وصمم على أن هذه السلوكيات فقط هي التي ستعد عليها وفي كل مرة . لكن في بداية اتباعك للتربية السحرية لا تتجاهل أي سلوك مستهجن ، وإذا شككت : فعدّ ، وبعد فترة حين تتلقى استجابات جيدة عند بلوغك لرقم 1 أو 2 فبإمكانك أن ترخي الزمام بعض الشيء . لنفترض أن بعد استعمالك لأسلوب العد لعدة أسابيع بطريقة صحيحة قام طفلك بتصرف تستقبله عادة بالعد .. بدلاً من أن تعد مباشرة ، راقب طفلك . يكاد طفلك يشعر بالعد . وأحياناً إذا لم تعد فإن الطفل سيصحح خطأه تلقائياً ويتوقف عن السلوك غير المرغوب .
س3/ كم الفترة بين كل رقم في العد ؟
ج/ تقريباً خمس ثوان ، وهي فترة كافية للسماح للطفل بتعديل سلوكه .تذكر أن أسلوب العد يستخدم لإيقاف السلوكيات الذميمة كالجدال والنواح و( الزن ) ، ولا يحتاج الطفل للتوقف عن هذه السلوكيات لأكثر من ثانية واحدة ، ولا نرغب بالتأكيد في إعطاء الطفل نصف ساعة في إكمال نوبة غضبه قبل أن تنتقل إلى رقم (2) في أسلوب العد .
خمس ثوان كافية لأن يعيد الطفل التفكير في وضعه وتعديل سلوكه ، وفي هذه الثواني الخمسة – إذا ما التزم الوالد الصمت – سيتعلم الطفل تحمل مسؤولية تصرفاته .
س4/ إذا وصل الطفل لرقم (2) في العد فهل يبقى عليها باقي اليوم ؟
ج/ كلا . مفهوم الوقت عند الطفل قصير . لا ينبغي أن تعد (1) في العاشرة صباحاً ، و(2) في الثانية ظهراً و(3، اذهب إلى حجرتك ) في الرابعة عصراً .الذي ينبغي أن يحدث أن طفل السادسة مثلاً لو أساء التصرف 3 مرات في خلال ثلاثين دقيقة ، فإن لكل تصرف فرصة حتى تصل إلى (3) ، ويذهب بعدها إلى الوقت المستقطع . أما لو أخطأ خطأً واحداً في خلال ساعة ، ثم أخطأ بعدها خطأً آخر ، فبإمكانك أن تعيد العد من رقم (1) . لكن إذا شعرت ( وهذا يحدث بندرة ) أن طفلك يتحايل عليك لتمضي نصف ساعة ثم يقوم بخطأ لتعيد العد ، فعندها اقلب عليه الطاولة وأكمل العد بدلاً من إعادته .
س5/ هل يمكن استخدام الكرسي للوقت المستقطع بدلاً من الحبس في الحجرة ؟
ج/ بإمكانك استخدام الدرج أو الكرسي للوقت المستقطع ( لا تستخدم ركن الحجرة ) إذا ضمنت أن لا يتخذها الطفل لعبة .بعض الأطفال يجلسون على الكرسي ، ثم يبدؤون تدريجياً بالتملص والابتعاد عنه . إذا كنت متسامحاً مع الطفل وتشترط فقط اتصال الطفل بالكرسي فلا مشكلة ، إلا أن بعض الأطفال قد يقوم ويبتعد عن الكرسي فيظل الوالد حائراً ماذا يفعل .. هذه اللعبة ستخرب عملية التربية . لذا كان الأفضل أن يقضي الطفل الوقت المستقطع في حجرته بعيداً عن أي اتصال بصري بينه وبين الوالد مما قد يؤدي إلى الاستفزاز .
س6/ ماذا لو رفض الطفل البقاء في غرفته أثناء الوقت المستقطع ؟
ج/ العديد من الأطفال يبقون في حجراتهم أثناء الوقت المستقطع ولو لم يكن الباب مغلقاً ، إلا أن بعض الأطفال يخرجون ويدخلون . مع الأطفال الصغار جداً فالحل الوحيد أن تسد الباب بجسمك فتمنعه من الخروج أو أن تمسك بالباب مغلقاً ، وبعد عدة عقوبات من هذه النوعية سيفهم الطفل أنه لا ينبغي له أن يخرج أثناء العقوبة ، إلا أن هذه الاستراتيجية لن تكون مجدية إذا ما دخلت حرباً مع الطفل بسبب الباب .
هناك خيار آخر وهو أن تعيد الوقت المستقطع من جديد في كل مرة يخرج فيها الطفل من حجرته قبل انتهاء الوقت ، وبعض الآباء قد يضاعفون الوقت المستقطع في المرة الثانية ، وهذه الطريقة لن تجدي بالطبع مع أطفال السنتين والثلاث لعدم قوة فهمهم وإدراكهم ، ولكنه قد تجدي مع الكبار نسبياً .. أشرح لهم مرة ثم ابدأ .
ومع ذلك فإن بعض الأطفال يكونون ثائرين جداً ومهتاجين فيظلون يخرجون ويدخلون بشكل يوحي بحاجتهم لإعطائهم وقتاً مستقطعاً مكوناً من آلاف الدقائق ، فماذا عليك أن تفعل ؟
هناك عدة خيارات : بعض الآباء يقصون الباب إلى قسمين : علوي وسفلي ، فيغلقون الجزء السفلي ويبقون الجزء العلوي مفتوحاً أثناء الوقت المستقطع . قد تظن أن هذا فعل متطرف بعض الشيء ، ولكن بعض الأطفال يحتاجون إلى تعامل متطرف ، ورفيق في الوقت ذاته .
يمكنك كذلك وضع غطاء بلاستيكي على مقبض الباب لئلا يتمكن الطفل من فتحه أثناء الوقت المستقطع .
قد يكون إيصاد الباب بالمفتاح فكرة طيبة خاصة لمن كان يعاني من تلك النوعية من الأطفال إلا أن بعض الآباء قد يقلقون من ذلك ويخشون أن يسبب ذلك للطفل فوبيا من الأماكن المغلقة . فكر إذن في أن تخبر طفلك بأنك ستبقي الباب مفتوحاً طالما مكث في غرفته أو موارباً بعض الشيء ، ولكنه حالما يخرج من حجرته فستغلق الباب حتى انتهاء المدة .
الفكرة الرئيسية هي أن بعض الأطفال بما فيهم أولئك المصابين بمتلازمة فرط الحركة وتشتت الانتباه سيحاولون الخروج من الحجرة مراراً وتكراراً ، وإغلاق الباب بطريقة أو بأخرى يغدو مهماً جداً ، ولن تؤتي التربية السحرية ثمارها إذا كنت ستطارد الطفل لتعيده إلى الحجرة في كل مرة يخرج فيها ، لذا كان يجب على الطفل أن يدرك أن الباب عبارة عن حاجز يمنعه من الخروج لوقت قصير . حالما يدرك الطفل أنه ممنوع من الخروج فإنه سيتوقف عن غضبه ويقبل باستسلام الخلود إلى فترة قصيرة من الهدوء .
لا تنس أن مدة الوقت المستقطع هي دقيقة لكل سنة عمرية ، وتذكر أن لا تطيل مدة الوقت المستقطع فقط لأنك في مزاج سيء وتريد أن تنعم ببعض الهدوء ، لكن يمكنك فعل ذلك إذا قام الطفل بتصرف سيء فعلاً وذلك بشكل استثنائي .
س7/ ماذا لو قابل طفلك عدك بعد مماثل ؟
ج/ طفل الخامسة ينوح لأنك رفضت أن تعطيه بعض المثلجات في يوم صيفي قائظ فتنظر إليه وتقول : (1) ، فينظر إليك الطفل ويقول : (1) لك أنت أيضاً . ماذا عليك أن تفعل تجاه هذه الثورة المفاجئة . لا يملك الطفل الحق أن يعد لأي أحد إلا إذا أعطيته الصلاحية لذلك . فإذا فعل ابنك ذلك معك فعليك أن تنظر : إن كان فعل ذلك من باب المزاح أو المداعبة فبإمكانك تجاهله . وإن كنت ترى أنه فعل ذلك لقلة أدب أو احترام فببساطة أكمل العدة دون أن تتفوه بكلمة ، فقط ارفع أصبعين . إذا أكمل طفلك الاستهزاء وقلدك ، عندها يكون وصل إلى (3) وبدأ الوقت المستقطع . كرر ذلك كلما احتجت إليه .
التدوينة القادمة : تتمة الأسئلة الشائعة .
أرسلت فى أمور عائلية وما إلى ذلك | مصنف الأبناء, الأسرة, التربية | 3 تعليقات »
بعدما لاقت تدوينتي السابقة في أسباب طلاق الفتيات بعض النجاح بفضل الله تعالى ، كان من اللازم ذكر الأسباب التي يطلق فيها الشباب بعد زواجهم بمدة قصيرة .
لا أدعي أني أتقنت كتابة هذه التدوينة ربما لأني لست (شاباً ) فلن أجيد فهم ولا تخيل المشاعر والدوافع كما حصل في تدوينة الفتيات ، ولكن حسبي أنها محاولة بسيطة وخطوة من مئات الخطوات نحو الإصلاح ، قابلة للتصحيح والنقد والتغيير .
لذا كان لابد من الاستعانة – بعد الله تعالى – بصديق ، بل أصدقاء ، وكالعادة يممت وجهي شطر العصفور الأزرق ( المزعج أحياناً ، المفيد أحياناً أخرى ) تويتر ، وتوجهت بسؤالين نحو الشباب :
الأول : لماذا تقدمون على الزواج ، ما السبب الدافع للزواج ؟
الثاني : برأيك ما سبب طلاق الشاب لزوجته التي تزوجها قريباً ؟
أما عن إجابة السؤال الأول فتلخصت دوافع الشباب على الزواج في الرغبة في : إكمال نصف الدين ، العفاف ، إنشاء أسرة ، ليكون أباً ، الحاجة الفطرية ، والحصول على راتب الزوجة !
في الحقيقة اعترتني الدهشة من هذه الإجابات الجادة ، ولا زلت أجهل هل هذه الإجابات “نموذجية” وتعبّر حقيقة عن الواقع ، أم أنها “مثالية” تعبر عن الرغبة في أن يكون الواقع هكذا .
وسبب دهشتي أني لم أتخيل مدى جدية الشباب في تكوين بيت وأسرة ، وكأن هذه الفكرة مقتصرة في ذهني على الفتيات ولا تسألوني لماذا أرجوكم .
وحين سألت السؤال الثاني توافدت إليّ الكثير والكثير من الإجابات من الشباب والبنات على حد سواء ، ولكن رأي الشباب هو ما كان يهمني حقاً ، فالأمر يخصهم في المقام الأول .
حاولت لملمة أطراف التغريدات التي وردتني ، واستطعت حصرها في بضع نقاط :
– عدم التصور الصحيح لمفهوم الزواج ، مثل ما هو الحال عند كثير من الفتيات . فبعض الشباب يقدمون على الزواج وفي رأسه آمال وأحلام بتكوين “عش” الزوجية وبإنجاب عدد من الأطفال الظرفاء ، وربما يكونون في خيالاته شقراً ذوي غمازات وعيون زرقاء ( طبيعي ، وإلا فكيف يكونون ظرفاء! ) نظيفين على الدوام ومبتسمين و ( عُقّال) مهذبين ، ويتخيل نفسه بعد عناء يوم طويل في العمل يدخل بيتاً مكيفاً ، محملاً بأكياس البقالة التي حوت على أطايب الأسواق ، فيجد امرأته الجميلة النظيفة المرتبة تحمل عنه حمله وتهمس له بصوت كتغريد العنادل : هات عنك يا حبيبي ! وقد يمر بفترة ( ملكة ) مثالية ، غارقاً في الوسامة والأناقة وتبادل الهدايا ومعسول الكلام ، فإذا ما تم الزواج وجاء الأطفال كانت الفاجعة ، فهو لم يصدق أبداً أن يكون وحم الحمل بهذا الإزعاج لزوجته وله على حد سواء ، ولم ينم من قبل في غرفة واحدة مع طفل يعوي طوال الليل بسبب المغص ، ولم يخطر بباله أن المرأة بشر وليست ملاكاً أو مخلوقاً أسطورياً ، وإنما كائن ضعيف ليس في شدة الرجل وقوة أعصابه ، ويعتريها ما يعتري البشر من التعب والملل والإرهاق ، فينعكس ذلك على أدائها الوظيفي من جميع جوانبه ..
– البعض لا يفهم من معاني الزوجية والقوامة إلا فرض قوانين صارمة لا تعرف المرونة ، تعتمد على رعاية الفتاة لبيتها بالمعنى الحرفي القديم ، وتخاطبه بذات الاحترام الذي تعاملت به الجدات ، في حين لا يلزم نفسه بالتصرف كما تصرف جده الأول ، فتجد معاني الشهامة والرجولة بل و الفروسية مغيبة تماماً عن خاطره ، وما في ذهنه من معاني القوامة إلا الأمر والنهي والضرب بيد من حديد على كل من تسول له نفسه مخالفة القوانين ، فيقع في ذات الشرَك الذي وقع فيه والداه من قبله وكأن المسألة وراثية أو عدوى ..
– الإغراق في المثالية ، فهو يريدها كما يذكرون في المجالس : جميلة ، بيضاء ، دعجاء العينين ، في صوتها بحة ، وفي وجهها وسامة ، أديبة تقنع بالقليل ، إذا تكلمت بالكاد أسمعت ، وإذا قهقهت تبسمت ، تضربها فتقول لك (كمان ) ، وتشتمها فتقول لك : (هل من مزيد ) الخ …
وهو مع هذا كله إذا نظر إلى المرآة لم يجد في خلقته ولا في حسن هندامه عشر ما يطلب ، وكأن الهيئة الحسنة مطلب مقصور على الرجال دون النساء . ولا أنسى امرأة كانت تشتكي إليّ من زوجها أنه يطلبها أحياناً إلى الفراش وهو في حال مزرية من الشعث والحاجة إلى الاغتسال والتنظف ، ويعتذر لها بتعبه وإرهاقه الشديد لتأمين لقمة العيش ، وعليها الآن أن تهيأ له نفسها كي يصيب منها ما يريد ويخلد للنوم .
لا بأس ؟ لا ترون في ذلك غضاضة ؟ نعم قد يكون الرجل متعباً أحياناً فلا نكلفه ما لا يطيق ، ولكن ما باله يرى العود في عين امرأته ولا يرى الجذع في عينه ؟
وقد لا يطالب بجمال زائد أو صفات خلقية معينة ، ولكنه يتمثل فيها أمه .. فينشد في طعامها نَفَس والدته ، وفي تعاملها خلق أمه ، وصبرها ، وحلمها وسعة صدرها وعقلها ومرحها وذكاءها ووو ، وينسى أن لكلٍ شخصية وصفات تتعلق بالمراحل العمرية المختلفة .
– المطالبة بالحقوق دون إعطاء الواجبات . فتجد الكثيرين لا يفتئون يتغنون بصفات الزوجة الصالحة وحقوق الزوج على زوجته ويحشد الأحاديث في فضل الزوج وعظيم حقه ، ويغض الطرف عن واجباته تجاهها المادية والمعنوية والجسدية ، فيطالِب ويرفض أن يطالَب ، ويحاسِب ويأبى أن يحاسَب ، وقد يسايره المجتمع في هواه في الكثير من الأحيان لأنه على هذا قام في كثير من الأنحاء : المجد للرجل ، وللمرأة الفضلة . وإنّ شركة لا تقوم على أساس العدل والإنصاف واحترام المتعاقدين لبعضهما البعض وإعطاء كل منهما الآخر حقه كاملاً لهي شركة خاسرة ، متهاوية ولو بعد حين . وأشد ما يؤسف له أن كثيراً من هذه الشركات تسقط بعد عقود من الزمان ـ لأن ما بُني على أساس ضعيف فإن مصيره إلى الاضمحلال .
– ومثل الفتيات بعض من الشباب : لم يتحمل أي مسؤولية منذ صغره ، وكل مبلغه من العلم بالمسؤولية : الإتيان ببعض مستلزمات البقالة ، وحماية اسم أمه وأخته من الانتشار بين الشباب . فإذا تزوج وعلم أن الأمر أكبر من ذلك : المسؤولية العظمى هي كونه راعياً لرعيته .. كانت الصدمة ..
بعض الشباب لم يسمع أن من صفات القادة والرعاة على حد سواء : الرفق والصبر والحزم وتقديم الصالح العام على الصالح الخاص . لم يعرف أن من المسؤولية تقديم الدعم المادي و المعنوي لأفراد أسرته ومساعدتهم بشتى الطرق ، وأنه – في سلم الدرجات – لابد أن يأتي في المرتبة الأخيرة ، وإنما حسِب أن الدنيا تؤخذ غلاباً ، وما دام أنه الأقوى جسداً والأرفع صوتاً والأثبت جناناً – في غالب الأحيان – فليأخذ بسيف السُلطة – أو الحياء- ما خف وزنه من الحقوق وغلا ثمنه ، وعذره في ذلك : أنه الأقوى ، والقائم على أمور أهله ، و(الرجّال) ولا بأس بترك الكثير من ( الفتات ) ذراً للرماد في الأعين.
– عدم فهم طبيعة الزوجة ، كامرأة أولاً ( هل أنصح بقراءة كتاب : الرجال من كوكب ما ، والنساء من الكوكب الآخر ؟) ، وكزوجة بالذات ثانياً ، ومن لا يعرف آلام الحيض والولادة وتعب الحمل فلا يحق له التفوه بكلمة واحدة متذمراً من تعبها . وأعجب حين أسمع رجلاً يشتكي من دلع امرأته ، وقلة صبرها ، وسوء إدارتها للمنزل، في حين تجده ينهار إذا ما أصابته الانفلونزا وربما استأذن من العمل وأقحم بالمنزل في حالة استنفار لرعايته ، كما تجده يتصرف ببعض من الخراقة في كثير من الأوقات وهو في ذلك معذور إذ لم يسبق له الزواج من قبل ، ولكن ما باله يفرق بين حاله وحال زوجته .. هي لم تتزوج من قبل أيضاً فلماذا لا تُعذر .
– التهاون بموضوع الطلاق أحياناً ، فهو لم يتكلف شيئاً ذا بال .. ( والله يخلي البابا ) الذي دفع المهر واستأجر الشقة وفرشها وأبدع ، وأقام حفل الزواج ، أما هو فبطل .. اشترى الشبكة من ماله ! فإذا لم تعجبه في شيء من خُلقها أو خَلقها ، أو سئم منها أو ذهبت الشهوة التي لأجلها أقدم على الارتباط بها ، فما أسهل الطلاق عندئذ ، والمجتمع سيكون في صفه ولا شك ، إذ أن المطلقة هي التي عليها العين وتُنسج ضدها الأساطير ، أما المطلق فمسكين مظلوم ، ولا يعيب الرجل إلا جيبه !
– ولا ننسى أن للأهل نصيباً . فبعض الأهل يحثون ابنهم على الزواج ( لعله يعقل ويركز ) أو لرؤية أحفادهم قبل أن يدركهم الموت ، أو يجبرونهم على الارتباط من بيئة أو عائلة معينة لظروف اجتماعية محددة ولا يراعى في ذلك النظر إلى مدى تحملهم للمسؤولية ، وبعض الشباب يكونون ( أبناء أمهاتهم ) فيتركون الأم تدير أمور بيتها وبيته ، فتتحكم في تربية أولاده وأثاث بيته ، وعلاقته بزوجته وتطالب وتشدد وترغي وتزبد لو خالف ، وينصاع هو لئلا يكون عاقاً ، أو لعله خائف من تحمل المسؤولية الجديدة فيلقيها على عاتق أمه ، ويغفل أن الفتاة إنما تزوجته هو ولم تتزوج أمه ، فيقع الصدع والنفور وتكون الصدمة .
قد يتساءل أحدكم : ألم تشدي الوطأة على الشباب بعض الشيء ؟ ألم تقسي عليهم ؟
فأقول : ربما .. ولكني فعلت ذلك لأنه الجانب الأقوى في هذه الشركة . هو من بيده أن ينفق أو يبخل ، من يمسك أو يطلق ، من يكرم أو يهين ..
وفي كثير من الحالات كما هو مستفيض عند الناس يكون الرجل مسكوناً بقهر الزوجة ، ولعاً بإشباع رغبات غير سوية في ضربها أو إذلالها أو تعذيبها جسدياً ومعنوياً ، ومن هنا نفهم سر توصية النبي صلى الله عليه وسلم : ” اتقوا الله في النساء فإنهن عوان عندكم ” ، فأمر بتقوى الله فيهن وجعلهن بمنزلة الأسير العاني الذي لا يملك لنفسه حولاً ولا قوة .
لا أدعي أني حصرت جميع الأسباب ، وإنما هي – كما ذكرت – محاولة لوضع اليد على الأسباب ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه .
وأرجو أن لا يفهم من تدوينتي أني ألقي باللائمة كاملة على الشباب في موضوع الطلاق .. ليس كذلك ألبتة .. فقط أردت أن أبين أن بعض هذه الأسباب تؤدي – متضافرة مع بعض الأسباب من جهة البنات – إلى الطلاق ، وعلينا جميعاً أن ندرس هذه الظاهرة وننتقدها ، ونبحث عن آثارها في حياتنا كطريق أولي لتفاديها .
أرسلت فى أمور عائلية وما إلى ذلك | مصنف المرأة, الأخلاق, الأسرة, الحب, بنات | 10 تعليقات »
اتصلت بي إحدى الأمهات يوماً وفي صوتها قهر وعجز وحنق .
تقول لي وهي تكاد تصرخ : يا أم خالد ، هل من الطبيعي أن يخاطب الزوج ابنتي إذا غضب منها ويقول لها يا حيوانة تعالي ويا حيوانة هاتي .
لماذا يا أم خالد ؟ لماذا تهدر كرامة البنت .. هل زوجتها وأخرجتها من بيتها حيث كانت عزيزة إلى بيت غريب لتهان فيه؟
عقد الألم لساني فحرت بم أرد عليها .
نعم .. هذه ليست الشكوى الأولى التي تلقيتها .. ولن تكون الأخيرة .
صادف ذلك اليوم أن كتبت إحدى المغردات في تويتر عن صدمتها من فتاة حاورتها فأخبرتها كم هي متشوقة للزواج ، لتصل إلى حقبة ( الفلة ) والإثارة المصاحبة للزواج : الفستان و( الدبش) وشهر العسل ..
ختمت تغريداتها بقولها : سامحوني على الفلسفة بس من جد مقهورة ،. فلوس تنصرف وأهل ينحرق قلبهم على كسرة فرحتهم والبنات أكثر همهم فستان وزفة !
ربطت بين الحادثتين : اتصال صديقتي وهذه التغريدة .
رجعت بذهني إلى الماضي القريب ..
حين قلت للأم قبل زواج ابنتها : البنت صغيرة وأخشى أنها تريد أن تتزوج فقط لتخرج من البيت وتتخلص من ضغوط الأهل .
على الفور طرحت تساؤلاً في تويتر : ما سبب تفاهة تفكير الكثير من البنات في موضوع الزواج وعدم تقديره حقه ؟
انهالت عليّ العديد من الإجابات ، ملخصها أن الفتاة مسكونة بأحد أمور كلها تجتمع تحت مظلة واحدة : عدم التصور التام والصحيح لمفهوم الزواج .
فتظل الفتاة تغرق في الأحلام حتى إذا ما طرق الباب طارق يبدو أنه مناسب لها أو لأهلها ، وقد لا يكون مناسباً على الإطلاق إلا أن قدومه يحمل بعض الإثارة ، سارعت الفتاة بنسج بعض الأحلام :
المهر في الصندوق النحاسي : بضع عشرات من أوراق الخمسمئة الجديدة ( المنشّاة ) ، والعربية الفاخرة من باتشي والمحملة بأنواع العطور الفاخرة والمكياج غالي الثمن ، وأخشاب العود .. الفستان الوردي الجميل ..
المئات من الزيارات للأسواق وشراء الثياب والأحذية الجديدة .. كم تنعشها رائحة الثياب الجديدة ، تشعرها أنها ملكة.
زيارات متكررة لصوالين التجميل ..
شراء الحقائب الكبيرة وملئها بالثياب ..
رحلة البحث عن الفستان الأبيض والحذاء الأسطوري وخيالات سندريلا والأمير تراودها بأشكال شتى ، “هي” الآن سندريلا ، و”هو”الأمير، وتخشى أن تكون من المدعوات من تقوم مقام ” الأختين الحاسدتين ” ! لكن حتى هذه الخشية لها طعمها الأخاذ !
وأخيراً حفل الزواج وما يتبعه من اختيار القاعة والكوشة ، والزفة ، والبوفيه ، ثم الطيران ( غالباً) إلى أسبوع عسل أو أكثر إلى الخارج ، ليبدأ بعده العد التنازلي لأيام البصل في كثير من الأحيان .
يا سلاااام .. يا لها من خيالاات جميلة ..
أعجبتني في الواقع حتى أني وددت أن أرجع عروساً لأستمتع بها .
ولكن مهلاً .. أهذا هو كل شيء ؟
أهذه هي فكرة الزواج في عقول بناتنا ، وشبابنا ؟
لا أعرف عن الشباب ، فلم يشملهم تساؤلي في تويتر ولا أستطيع أن أتخيل موقفهم ونظرتهم إلى الزواج ، ولكني أتحدث الآن عن البنات .
لم ينحصر مفهوم الزواج عند البنات كما ذكرت تلك المغردة في الفستان والزفة والطقاقة ؟
برأيي أن الأسباب كثيرة أذكر بعضاً منها :
– الرغبة في التخلص من أوامر البيت خاصة لو كانت في منزل محافظ وهي لا تتبع الأسلوب الفكري أو الديني السائد في المنزل ، فالوالدان ملتزمان (أو) متزمتان ، لا يحبان النقاش ولا الحوار وقد يغلقان منافذ الهواء الآسن والنقي على حد سواء ، ويغفلون ( أو يتغافلون ) أن الأولاد ( ذكوراً وإناثاً ) لا يعدمون حيلة للوصول إلى مبتغاهم ، إما بطرق شرعية أو غير شرعية ، ولعل أفضل الطرق الشرعية في تحصيل المشتهى : القبول بأي زوج يسمح لها الحصول على ما تريد ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !
– أن تسبقها أخت أو قريبة بزواج ومرت بالمرحلة الوردية الحالمة ، مرحلة التجميل والتمشيات والهدايا ، فتحسب الفتاة أن مفهوم الزواج يتلخص في هذه الأمور ، خاصة وأنها لم تر بعد في قريبتها الجانب الآخر للزواج ، وأعرف بعض الحكايات عن ذلك حكتها لي صاحبة الحكاية ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !
– ربما كانت مدمنة روايات رومانسية تجيد ( الروايات لا البنت ) وصف الحب والوله والإغداق بين المتحابين ، فلا تتخيل أن تكون العلاقة بين الجنسين إلا بهذه الطريقة ، خاصة وأن هذه الروايات تبرُع في تجميل هذه العلاقة حتى أنها لتجعل من الخصام والشجار بين المحبوبين ضرباً من الرومانسية العذبة التي تصدع القلب الغض المرهف ..
والناظر في قصص الأطفال الأجنبية والوافدة إلينا بشكل مزعج فإنه سيرى قصة حب في كل كتاب تقريبا ، فمن الذي لا يعرف سندريلا وبياض الثلج ، وبوكاهونتس ، والجميلة والوحش و رابونزل، وفي أفلام الكرتون هناك قصص الحب حتى بين الحيوانات ، فتتربى الصغيرات على هذه الرومانسية الزائفة ، وإذا كبرت تلقفتها الروايات الغرامية الثقيلة والمسلسلات المدبلجة ( التركية والمكسيكية ) فتعزز الفكرة في العلاقة بين الجنسين، وتحصرها في هذا الجانب .
أقول لكم على شيء ولا تضحكوا علي ؟
أذكر أني كنت أقرأ كثيراً في مراهقتي القصص الرومانسية بالعربية والانجليزية ، وكانت تروق لي كثيراً روايات المؤلفة باربرا كارتلاند والتي تدور في القصور الملكية البريطانية بين اللوردات والليديات ( تروق لي لأنها محافظة مقارنة بباقي القصص “قليلة الأدب”) ، وكنت كلما حانت لحظة المصالحة الحاسمة بعد الشجار العنيف أو الهجر المؤلم بين البطلين ..
تعرفون تلك اللحظة ؟
تلك التي تلتقي فيها الأعين وتخفق القلوب وتتطاير الخصلات الشقراء في نسمات الهواء اللطيفة فتهمس باسمه ويصرخ باسمها ويجريان ( بالحركة البطيئة ) لبعضهما و…
كنت دائماً أغلق الرواية وأضمها إلى صدري وأتنهد بفرح بعد انحباس أنفاسي وتدمع عيناي وأبتسم بسعادة وكأنني البطلة !! انتهى موضع الاستشهاد !
فمن اقتصرت قراءاتها على هذه النوعية من الكتب فكيف يمكنها أن تتصور الحياة الزوجية ؟ وإذا ما تم الزواج ، فكيف تكون الصدمة ؟
الحمد لله أن قراءتي لم تقتصر على هذه النوع من القصص فقط !
– لعلها تشتكي من الروتين الخانق واللون الباهت لحياتها ، فترى أن حياتها مصبوغة بالكامل بدرجات اللونين الأسود والأبيض ، فهناك الأبيض الغامق ، والأسود الفاتح والمشجر بهما ، والكاروهات والمخطط . كل الأشكال المتاحة ولكن بنفس اللونين : لون العمل أو الدراسة ، الدردشة اليومية على شاي العصر مع الوالدين ، التمشية المتكررة في المخططات أو الأسواق ، الزيارات الروتينية للصديقات .
تريد أن تصبغ حياتها ببعض الألوان المثيرة ، تريد بيتاً تؤثثه بمزاجها ، وزوجاً تشتري له ثيابه وتختار له شماغه ، تريد حياة تخطط لها : أسفار ، عطلات ، زيارات ، مطاعم ، تكون هي سيدة المواقف ، تريد أطفالاً تسميهم بمزاجها وتلبسهم (ماركات ) ولكن في كل هذه الأفكار لم تدرج فكرة “المسؤولية “ وكأن الزواج لعبة من ألعاب الفيس بوك ، حتى إذا ما تم الزواج ، كانت الصدمة !
– بعض الفتيات تشتكي جفافاً عاطفياً رهيباً .. لا تكاد تسمع الكلمة الحلوة من أهلها .. تلبس فلا يثني عليها أحد ، وتتزين فلا ينظر إليها أحد . بل ربما يسخر منها بعض أخوانها إرضاء لغروره وساديته.
الوالدان لا يكادان يرضيان ، والأخوة الذكور تسلطت عليهم ثقافة المجتمع الذكوري فانحصرت علاقتهم بالفتاة بمبدأ ( أمسك لي ، أقطع لك ) : الفتاة تؤدي لهم بعض الأعمال مقابل أن يقوموا ببعض الأعمال .
نفسها المرهفة تتوق إلى بعض الحب ، إلى شيء من حنان ، إلى ضمة ، إلى نظرة ، إلى ما يشعرها بأنوثتها .
فإذا طرق ذلك الفارس الذي لا تدري أهو راكب فرساً أو حمار سارعت بالموافقة لعله يحتملها ويطير بها إلى عالم الرومانسيات والهمسات ، فإذا تم الزواج ، كانت الصدمة !
وللأمهات يد في ضحالة تفكير البنات بأمر الزواج ، فالكثير منهم يقصرن بشكل حاد في إعداد البنت نفسياً وتعليمياً للزواج ، فقد يهملن تعويدهن على تحمل بعض مسؤوليات البيت من رعاية الأخوة الصغار أو إعداد الطعام أو المشاركة في تنظيف المنزل اعتماداً على العاملة المنزلية ، أو رغبة في التخلص من ( المناحلة ) ، خاصة لو كانت الأم ذات ( قلب حار) والبنت تفتعل البرود هرباً من العمل الممل .
ويستمر مسلسل الإجرام حين تنعدم ثقافة الحوار بين الأم وابنتها في موضوع الزواج ، فلا تفهمها حقوق الزوج ولا المسؤولية الملقاة على عاتقها والتي يجب أن تفكر جيداً قبل أن تقدم على هذه الخطوة ، و( عيب يا بنت تتكلمي عن الزواج ، لسه صغيرة ، لما كنا قدك كنا نستحي ) فتتراكم الاستفهامات في ذهنها الصغير ولا تجد لها جواباً ، وتحملها روحها الوثابة المغامرة ( بحكم السن ) إلى خوض التجربة وحل الاستفهامات عملياً .
وقد ترشد الأم ابنتها إلى حق الزوج وتشدد عليه ، بحكم أنها من جيل يقدس الذكور ويعليه ويعظمه مقابل القبول بتحقير الأنثى ( وأرجو قراءة العبارة السابقة مراراً لئلا أتهم بأشياء غريبة ) ، ولكنها تنسى أن تعلمها أن لها حقوقاً هي كذلك ، وعليها أن لا تتنازل عن حقوقها بدعوى الرغبة في الحصول على لقب ( زوجة صالحة) أو الحب أو احترام الزوج أو العشرة إلا بنفس طيبة منها ولم يكن يؤثر عليها سلباً . بل وقد تعلمها كل شيء بالطريقة الصحيحة إلا الثقافة الجنسية ( ذات الأهمية البالغة جداً في الحياة الزوجية ) تهمل الأم تعليمها لابنتها ، فيختل توازن المركب اختلالاً شديداً ، قد لا يظهر أثره إلا بعد سنوات من العشرة ..
ويبلغ الإجرام ذروته حين لا يكون للبنت يد في هذا الزواج ، وإنما كل ذنبها أنها وثقت في والديها اللذين أساءا التقدير فزوجوها ولما تتهيأ بعد لهذه المهمة العظيمة ، رغبة منهم في كف ( أي مصيبة قد تحدث بسببها ) أو لأنها لو تزوجت (حتعقل ) أو لخشيتهم من انحرافها ( في هذا الزمن المليء بالفتن ) وكأن كل الانحراف هو ما يحدث بسبب الشهوة ، وغفلوا عن أن ( البلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه ، و الذي خبث لا يخرج إلا نكداً ) .
تدوينتي هذه دعوة لنفسي وللقارئ الكريم في التريث وإعادة النظر في تربية البنات ، ومنها بعض التلميحات والإشارات يفهمها اللبيب فيما يخص الشباب .
لا أدعي أني استوفيت جميع النقاط في هذه المسألة ، فإنما أعرض شيئاً وأترك لكم شيئاً تعرضونه في التعليقات .
أرسلت فى أمور عائلية وما إلى ذلك | مصنف الفرح, المرأة, الأم, الأسرة, التربية, بنات | 22 تعليق »




















