Feeds:
المقالات
التعليقات

يوم فاتني صوم عرفة

حين أنهيت علاجاتي الأساسية من مرض سرطان الثدي في شهر ذي القعدة من عام 1431هـ ، بدأت في تناول العلاج الهرموني Tamoxifen لمدة خمس سنوات . ولأن الوظيفة الأساسية للإستروجين هو الإسراع في عملية تكاثر الخلايا ، فإن بإمكان الإستروجين تنشيط نمو الخلايا السرطانية ساعة ظهورها ، فإذا كان ورم الثدي يعتمد على هرمونات الجسد الطبيعية للنمو فعندها يوصف الورم بأنه مستقبل إيجابي للإستروجين أو البروجسترون ، وهذا يعني أن أي خلية سرطانية تبقى بعد العملية قد تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم . فكانت مهمة العلاج الهرموني – بإذن الله – التقليل من كمية الهرمونات الطبيعية في الجسم ، أو منع الهرمونات من وصولها إلى أية خلية سرطانية باقية .

إلا أن العلاج الهرموني كأي علاج آخر له آثار جانبية غير محمودة ، وقد كان من الآثار الجانبية لذلك الدواء بالذات احتمالية حدوث جلطات بالساق ، أو نشوء سرطان آخر في الرحم ، ناهيك عن إبطاء نزول الوزن ، مما كاد يسبب لي الجنون أن أقوم بعمل رياضة بشكل شبه يومي وألتزم بحمية غذائية مناسبة ولا ينزل وزني في سنتين إلا ست كيلوات فقط .

مرت سنتان وبدأت بعض التغيرات تطرأ ، وقرر طبيبي تغيير عقار Tamoxifen إلى عقار آخر وهو Femara ، والذي خلا عن تلك الآثار الجانبية السيئة ، إلا أنه يسبب هشاشة للعظام . ولأجل ذلك كان علي تناول إبرة مضادة لهشاشة العظام مرتين في السنة ..

اتجهت في الثامن من شهر ذي الحجة الماضي إلى مستشفى الملك خالد للحرس الوطني لتناول هذه الإبرة .

علاقة عجيبة تربطني بهذه المستشفى .. أحبها جداً ، ولا أعرف لذلك سبباً .. ألا يفترض أن أكرهها حيث شهدت أيام الكيماوي الغثيث والعملية المؤلمة والإشعاعي المزعج ؟

ولكني أحبها ، وأجد قلبي معلقاً بها بشكل مضحك ومثير للاستغراب .. معها يصلح القول بأن حب الديار هو الذي سكن قلبي وليس حب من سكن الديارا .

ومع هذا الحب ، فإني لا أزال ، كلما دخلت من الباب الرئيسي لمركز الأميرة نورة للأورام بمستشفى الحرس وأشم رائحة القهوة تصدح في الأرجاء حتى يبدأ الغثيان لعبته السخيفة في مؤخرة حلقي وهم يبتسم : فاكرة ؟

توجهت أولاً إلى المختبر لإجراء بعض تحاليل الدم المهمة ، وانتظرت بعض الوقت في غرفة الانتظار ..

 هي غرفة انتظار فعلاً حيث تضطر أحياناً لانتظار موعدك لمدة ساعتين أو أكثر ..

وحينما نودي على اسمي راعني أني أتوجه إلى قسم العلاج الكيماوي ، وهنا أخذ الغثيان بالتقافز كالمجانين .

دخلت عنبر الكيماوي وأخذت أقلب ناظري في أرجائه ؛ الحجيرات الصغيرة المغطاة بالستور القماشية ، أصوات الطنين الصادرة من أجهزة المحاليل ، أصوات تأوه خافتة تنبعث من بعض الحجيرات ، وأنا أمشي ، عيناي تدمعان وأنا أذكر تلك الأيام الخوالي ، كيف منّ الله تعالى علي بالشفاء ، وتتحرك شفتاي بالدعاء لمن هم بالداخل لا يزالون في بداية مشوارهم . دخلت إحدى الحجيرات ، يتوسطها كرسي كذلك الذي تجده في عيادة طبيب الأسنان ، جهاز المحاليل ، طاولة صغيرة وتلفاز معلق .

في نفسي توجس ، فعلى الرغم من أني قضيت الليلة الماضية في تصفح المواقع الأمريكية للتعرف على هذا العقار المسمى Zometa ، إلا أن بقايا خوف قديم لا زال معششاً في صدري ..

لم أقرأ أية أعراض (سيئة ) لهذا العقار إلا أنه قد يؤدي إلى أعراض كأعراض الانفلونزا في اليوم الأول ..

أعراض الانفلونزا ؟ الأمر سهل إذن ..

توكلت على الله وبدأ العقار بالولوج داخل عروقي ببطء ..

الخوف .. الخوف فقط هو المزعج .. بقايا التجارب السابقة ، ذكريات الكيماوي القديم في ذات الحجيرات ، و الخوف من المجهول الجديد كانت كفيلة بتضخيم بعض المشاعر السلبية .

ربع ساعة ثم صدر الطنين المزعج المؤذن بانتهاء كل شيء .. قمت وأنا لا أكاد أصدق نفسي . أهذا كل شيء ؟

لحقتني الممرضة وبيدها علبة قائلة : نسيتي تناول وجبتك .. وكأنما كانت تمسك بعلبة فيها ثعبان الكوبرا ، لوحت لها بيدي وأسرعت للخارج وأنا أقول : لا ، شكرا لا أريد .. طبعاً لا أريد .. لو كان بك بعض من فضول فاقرأ كتابي تعرف السبب  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي..

طوال الطريق إلى المنزل جلست أفكر وأستعيد ذكريات المرض .. ثلاث سنوات مرت حتى الآن .. نسيت تقريباً كيف كانت مشاعر الألم والخوف و الترقب .. لا أظنها كانت بذاك السوء ..

وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً.

مر يومي على ما يرام ، واختفى الغثيان حال خروجي من المستشفى وظللت أرقب أعراض الانفلونزا فلم أجد شيئاً .

أويت إلى سريري مبكرة في تلك الليلة ، فاستيقاظي فجراً ، والتوتر الذي لحقني في عنبر الكيماوي كان كفيلاً بإصابتي بالإرهاق في العاشرة والنصف مساء .

تمددت في فراشي وأخذت أداعب تويتر قبل النوم ، ولا أعرف كم مرة ( تمطعت ) خلال ربع ساعة ..  ( ما مرادف هذه الكلمة في اللغة الفصحى ؟)

هنا أحسست أن هناك شيئاً غريباً .. هل من الطبيعي أن يتمطع الشخص أربعاً أو خمساً في ربع ساعة فقط ، تمطعاً عميقاً من القلب ؟ وضعت سؤالاً في تويتر : هل التمطع الكثير يمكن أن يكون إشارة إلى خلل ما ؟ وكنت آمل أن ينتبه إلى هذا السؤال بعض متابعيّ من الأطباء ، ولكني لم أتلق إجابة سريعة إذ سرعان ما غرقت في نوم عميق ..

أفقت في وقت ما من الليل وأنا أرتجف ارتجافاً شديداً من البرد.. كانت أسناني تصطك بشكل مزعج ..

ناديت ابنتي لطيفة مراراً ولكنها كانت نائمة فلم تعر لي بالاً ، ثم ناديت شمس النائمة إلى جواري فاستيقظت وطلبت منها أن تتمدد فوقي لتدفئني .. التصاق جسمها الصغير بجسمي بث في أوصالي شيئاً من حب ودفء ، ولكن شعوري بالبرد كان أعظم من ذلك . كانت شمس قصيرة جداً لتصل إلى مفتاح الحرارة في المكيف لتخفض البرودة  ، وصغيرة جداً لتحضر لي غطاء آخر تلقيه علي ، فاكتفيت باحتضانها . ثم أني أشفقت عليها فأعدتها إلى فراشها ، وعدت إلى ارتجافي .

عظامي تؤلمني بشدة ، حرارة قوية تشع من رأسي ، فكّاي يصطكان بصوت مزعج ، وأنا أتألم .. نعم .. أتألم من البرد ، و الحرارة ، والوحدة ، و الهواجس .. هذه – يا هناء – الأعراض الشبيهة بالانفلونزا ..

حاولت أن أقوم لأخفض برودة المكيف ولكني كنت أشعر ببرد شديد وضعف في عظامي منعاني من التحرك .. رحمة الله أرسلت لي أخي الذي سمعته يتحرك بالخارج فناديته ليساعدني .. غطاني بغطاء آخر ، وأحضر لي مسكناً ، ورقاني ، وعرض عليّ الذهاب للطوارئ ولكني رفضت لأني أعرف أن هذه آثار الزوميتا الجانبية .

نصف ساعة مرت علي كنصف قرن حتى صرت أهذي :

ألا أيها الليل الطويل ألا انجل        بصبح وما الإصباح منك بأمثل

 حتى بدأت أتصبب عرقاً ، وشيئاً فشيئاً خف البرد وخفت الحرارة ونمت .

كنت أحسب أني سأستيقظ نشيطة بعد المسكن ، ولكني استيقظت بنفس حال الليل : الارتجاف والبرودة والحرارة العالية .. واستمر هذا الوضع معي أربعاً وعشرين ساعة كاملة ، ما بين كمادات تثير الرجفة في أوصالي ، وآلام مبرحة في العظام ، وضعف شديد في الجسم ، وشهية معدومة ، ونوم مستمر شبيه بالإغماء ، ونهمة قوية لتناول المسكن كل أربع ساعات أو أقل لو سمحت لي أمي  .

وهنا لسبب أجهله تذكرت ما كنت أفكر فيه البارحة :

” وهنا ورد ذهني خاطر : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بثقة : لو عاد ، فسأصمد بإذن الله كما صمدت سابقاً”.

علمت في ذلك اليوم رحمة الله تعالى بعباده بنعمة النسيان .. فعلى الرغم من معاناتي لعام كامل من السرطان إلا أني الآن وبعد مرور ثلاث سنوات نسيت كل شيء عنه ..

وعلمت سرعة غرور العبد حالما ينجلي البلاء .. جاءت هذه الأعراض لتذكرني أن الأمر ليس إليّ ، وأن ثباتي ليس بكسب يدي وإنما هو توفيق من الله . المرض كان عارماً ، ذكرني بتعب الكيماوي .. الألم في عظامي كان قوياً .. تشوش الذهن كان جارفاً وكأني في وسط دوامة أصارع الموج ، فأطفو تارة وأغطس تارة ، وما بيت هذا وذاك أبتلع وأتنفس الكثير من الماء !

 عندها سألت نفسي مرة ثانية : ماذا لو عاد المرض ؟ فأجبت نفسي بانكسار : لو عاد ، فأنا تحت رحمة الله ، أرجو أن يساعدني ويلطف بي ..

فاتني صوم عرفة  تلك السنة .. ولكني أدركت درساً جيداً في الاعتماد على الله لا على النفس .

 اكتشفت ذات يوم موقعاً ظريفاً اسمه writersdigest.com  يقدم خدمات جميلة للكتاب والمؤلفين. واطلعت على كتيب مجاني صغير بعنوان : سبعون حلاً لأخطاء كتابية شائعة ، ومن قراءتي لأول عشرة أخطاء وجدت أنها أخطاء شائعة بالفعل ، ولا أستبعد وقوعي في كم لا بأس به أثناء كتابتي لكتابي الأول :  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي  مما دفعني إلى تحديد ما أنوي تغييره في الطبعة الثانية بإذن الله .

وبما أن التدوينة لن تكون مناسبة لمناقشة سبعين خطأ فقد اكتفيت بإشارات عابرة إلى ما أعتقده أبرز هذه الأخطاء وحلولها :

1-              الخطأ : عدم البدء ، وإذا لم تبدأ فلن تنته أبداً .

 الحل : ابدأ من أي مكان ، لا يشترط أن تبدأ دائماً من بداية المقال أو القصة ملتزماً بالترتيب المعروف في جريان القصة .. اكتب أي جملة أو أي حدث وستجد نفسك منطلقاً ، وبإمكانك  اختيار البدايات الصحيحة فيما بعد. لا تنتظر الإلهام أو المزاج ، فقط ابدأ .

2-              الخطأ : إهمال القارئ الذي يعد المستهلك الحقيقي لأي نص المكتوب ، والتركيز على النفس أثناء الكتابة يعد خطأ شائعاً ، فالقارئ لن يهمه أن يقرأ عن حياة الكاتب إلا لو رويت قصته بطريقة غير مسبوقة أو كان لها صفة استثنائية .

الحل : على الكاتب أن يوصل الأفكار التي في رأسه إلى رأس القارئ عن طريق الكلمات المطبوعة لذا كان عليه أن يركز جيداً على صياغة الكلمات وتأثيرها على أفكار القارئ وعواطفه. ضع نفسك في مكان القارئ وابحث عما يهمك أن تجده في النص المكتوب .

3-              الخطأ :الخلط بين الفنان والمحترف :الكثيرون يحاولون أن يصلوا لدرجة الفن قبل أن يحترفوا الكتابة فعلياً.

الحل : تعلم الاحترافية في الكتابة وهذا لن يتم ما لم تكثر من  الكتابة ولا يوجد بديل لذلك للأسف. اكتب كثيراً ثم اعرض ما كتبته على من هو أكثر احترافاً منك وتلق تعليقاتهم وانتقاداتهم بصدر رحب.

4-              الخطأ : انتظار مزاج الكتابة .

الحل : اكتب! لو ألزمت نفسك بالكتابة بغض النظر عن مزاجك فإنك ستجد أن جودة ما تكتبه متماثلة في كل الأحوال ، كما أنك ستجد أنك كلما أكثرت من الكتابة ، فإن تلك العوائق التي كانت تشغلك عن الكتابة سابقاً ستضمحل.

5-              الخطأ : عدم تنظيم الوقت جيداً .

 الحل : لا يكفي أن تقرر أن تكون كاتباً ، يجب أن تعيش حياة الكتّاب ، فتجعل للكتابة أهمية كافية تشغلك عن النشاطات غير المهمة . اجلس واكتب روتينك اليومي وابحث عما يمكنك تقليصه (تلفزيون، شبكات تواصل اجتماعية ، اتصالات هاتفية ) . بعض الكتاب يكتبون في القطار في طريقهم للعمل ، والبعض الآخر يكتبون في ساعة الغداء ، أو يغيرون مواعيد نومهم بعض الشيء ليتمكنوا من إدراج نظامهم الجديد في الكتابة .

6-              الخطـأ : الفشل في التعلم من الخبراء .

 الحل : لاحظ  كيف يمضي طلاب الفنون الجميلة أوقاتاً طويلة في تأمل اللوحات المشهورة ، هكذا يجب أن يكون الكاتب. تناول الأعمال الناجحة وادرسها بغض النظر عن درجة إعجابك بها أو موافقتك لها، وتعلم منها. لاحظ أن دراسة الأعمال الناجحة القديمة قد لا تكون فكرة حسنة دائماً وأنت تعيش في القرن الحادي والعشرين .

7-              الخطأ :عدم تطوير الفكرة مع العلم أن كل قصة أو فكرة تم تناولها مراراً من قبل .

الحل : ضع بعضاً منك في كتابتك ولو كان مجرد وجهة نظر فريدة وستجد أن كتاباتك اختلفت عن غيرها ، لا أحد عاش حياتك وتجاربك ، ولا أحد يملك دماغك .. اصبغ كتابتك ببعض من كل ذلك .

8-              الخطأ : الإفراط في ذكر نظام القصة من تاريخ أو ملابسات . بعض الكتاب يشعرون أن عليهم ذكر جو الرواية قبل البدء بالقصة الفعلية ويطيلون في وصف ذلك  مما يدفع بالملل للقارئ الذي يريد الشروع في الرواية.

الحل : أعط القارئ المعلومات الضرورية عندما يحتاجها ليفهم القصة أو الشخصيات ، وليس قبل ذلك.

9-              الخطأ : عدم وجود محرضات للحوادث : يخفق الكاتب أحياناً من خلق أحداث تحرك القصة ، فتجد البطل يستيقظ صباحاً ويقرر فجأة أن يغير من نفسه مما يصدم القارئ الذي يجد ذلك غير واقعي.

الحل : من الضروري أن يعلم القارئ السبب المنطقي وراء التغييرات التي تحصل في الشخصيات ، ولو لم يكن لدى الكاتب فكرة مسبقة عن هذا الأمر بحيث يعد له العدة أثناء كتابته فسيبدو التغيير مفبركاً وغير مقبول .

10-         الخطأ : إعطاء محاضرة للقارئ : لا أحد يحب أن يُعطى محاضرة لم يطلبها ، والكثير من الكتاب يعتبرون الرواية وسيلة لنشر أفكارهم وبالتالي يقومون بإعطاء محاضرة .

الحل : قم بتسلية القارئ واعرض له المعلومات في قالب ترفيهي روائي . أعرض له ولا تخبره ودعه هو يستشف ما يريد من عرضك ، فالكاتب المجُيد هو من يجعل قارئه يفكر كثيراً بعد انتهائه من القراءة .

11-         الخطأ : الفشل في صنع مشكلة جوهرية للقصة ، وبدون المشكلة فلن يهتم القارئ بإكمال القصة.

الحل:هناك 3 أنواع أساسية من المشاكل : داخلي وهو ما يدور في داخل الشخص ، شخصي وهو ما يكون بين الأشخاص ، وعالمي وهو الصراع بين الشخص والنظام أو الدولة أو العالم أو الأقدار . لا يشترط أن تكون المشكلة عنفاً أو أمراً ذا بال ، وقد يكون مجرد اختلاف على لون دهان غرفة النوم ، ولكن هذا الاختلاف قد يرمز لمشكلة أكبر في العلاقة بين الشخصيتين .

12-         الخطأ : صنع العديد من الشخصيات قد يخلق للقارئ ذهولاً وارتباكاً كالذي يشعره لو دخل إلى قاعة فيها ثلاثون شخصاً لم يقابلهم في حياته والمطلوب منه أن يستمتع بوقته معهم .

 الحل : قبل أن تبدأ في الكتابة قرر عدد الشخصيات التي يمكنك التعامل معها وإعطاءها دورها وأسماءها في القصة . لا تسمّ الشخصيات التي تظهر مرة واحدة في القصة واكتفِ بوصف هذه الشخصيات بأعمالهم ” الخادمة” ، “عامل النظافة” ، واحرص على جعل قارئك متابعاً لشخصياتك المسمّاة مولياً الاهتمام الأكبر للبطل وخصمه .

13-         الخطأ : تحرير نصوصك قبل الانتهاء من العمل ، ويعد هذا خطأ لأنك أولاً تحسن أسطراً قد تضطر فيما بعد إلى حذفها وفي هذا مضيعة لوقت تحتاجه في إنهاء عملك . وثانياً أنك بهذا التحسين قد تحذف أشياء ستكون محتاجاً إليها فيما بعد .

 الحل :لا تفرط في تحرير عملك مهما بلغ تشوّفك لذلك وتحلّ بالصبر حتى تنتهي من عملك تماماً .

14-         الخطأ : الإفراط في الاطلاع على التعليقات ، فكل شخص له وجهة نظر مختلفة ولكن هل لكل وجهات النظر قيمة فعلية ؟ كثير من وجهات النظر تنتقد ولكن تخفق في إعطائك الحلول الجيدة .

 الحل : ابحث عن شخصين أو ثلاثة بحد أقصى ممن تثق وتقدر آراءهم ، ويكونون في الوقت ذاته قادرين على تحمل قراءة النص بأكمله ولا يكتفون باقتطاع جزء من هنا وهناك . ادرس التعليقات بانفتاح وقيّمها بعناية ولا تكن سلبياً في التعامل مع التعليقات التي لا تعجبك .

15-         الخطأ : عدم القدرة على الانتقال . قد يكتب الكاتب مؤلفاً كبيراً ، ويعيد تحريره مراراً وتكراراً ، ولكن التحرير يحسّن العمل فقط لا الفكرة .إذا لم تكن الفكرة الأساسية للعمل جيدة بالدرجة الكافية فلن يهم عدد المرات التي قمت فيها بإعادة صياغة الفكرة ، وبالتالي فإن العمر يضيع في كتاب واحد ، وكما ذكرنا في النقطة الثالثة ، فإنك كلما أكثرت من الكتابة تحسن أداؤك ، وإصرارك على تحسين المؤلف الذي أنشأته سيمنعك من كتابة المزيد من المؤلفات وبالتالي لن تتحسن مهارتك .

الحل : قد يكون من المناسب أحياناً أن تضع مؤلفك في الدرج وتبدأ عملاً جديداً ، وعُدّ ذلك استثماراً لمهاراتك . العديد من الكتاب لم ينجحوا إلا من مؤلفهم الثالث . الخلاصة : اعط نفسك مدة سنة في عملك فإن طال الأمر فانتقل على عمل آخر .

وبعد ، فهذا ليس كل شيْ فهناك العديد والعديد من الأخطاء التي يقع فيها الكاتب المبتدئ ولها حلول جيدة بالفعل ، وإنما اقتصرت على ذكر ما وجدت نفسي أقع فيه .

إذا أردت الاستزادة فعليك بتحميل الكتاب  : www.writersdigest.com/70-solutions-to-writing-mistakes ، وصدقني أنك ستستفيد منه كثيراً .. أنا فعلت على الأقل ..

 أقرأ في هذه الأيام كتاباً أمريكياً اسمه : We’re in This Toghther وهي قصة رجل أصيبت زوجته بالسرطان فيحكي لنا أيامهما معاً في مواجهة هذا المرض . كلما قرأت كتاباً لأحد الغربيين يلفت نظري وبشدة مستوى (المعاملات) عندهم.

 ولأقطع الطريق على ” المدرعمين ” لابد من تحرير محل النزاع :

–       أدرك جيداً أن الكثير من الغربيين ، الكثير جداً لا يتحلون بأية أخلاق على الإطلاق بل هم عنصريون ومن الدرجة الدنيا من البشر .

–       وأدرك جيداً أن السبب الأعظم وراء تحلي الكثير بتلكم الأخلاق الفاضلة هو خشية القانون.

–       وأدرك أن الكثير جداً من المسلمين يتحلون بأفضل الأخلاق .

–       وكلامي هو عن أولئك المسلمين الذين يعانون بشدة من تدني مفهوم ( المعاملات) لديهم.

أعتقد أني وضعت يدي على شيء من الجروح .

أسمع دائماً الشكاوى المريرة من ضعف الأخلاق عندنا ، بل وأراها بعيني رأسي . لاحظها معي !

مذا يحدث لو أهمل موظفو أي دكان وضع الحواجز عند الكاشيير لتنظيم الطوابير ؟

ألا تدهشك القذارة والنفايات الملقاة على الأرض على الرغم من وجود صناديق القمامة في كل مكان ، ويزيد الأمر سوءاً لو كان المتواجدون ممن يدعي “الكوالة” و “الرهابة” ؟

أعر انتباهك للكثير من الأحاديث الجماعية ولاحظ كم من المقاطعات وسوء الإنصات والتجاوزات اللفظية تحدث ،(غيبة، سخرية ، نميمة ، كذب ، تفاخر كاذب … الخ )

العنف اللفظي والجسدي بين أفراد العائلة ؛ تطاول الإخوان على الأخوات ، والأزواج على الزوجات ، إهمال النظافة الشخصية ، سوء التعامل مع الخدم والسائقين ، إهمال ألفاظ المجاملة مثل لو سمحت وشكراً  وتبدو جميلاً اليوم وأحبك ، ولو تخطينا ذلك إلى ما كان ضرره أكثر تعدياً لمثّلنا بفقدان الأمانة والفساد الإداري والاقتصادي والسياسي ، بل والديني.

باختصار ، نفعل عكس ما يأمرنا به الشرع تماماً ثم نعجب غاية الإعجاب بنظامهم وترتيبهم وذوقهم ، وإنما أتينا من قِبل أنفسنا..

حينما يتكلم أحد عن سوء أخلاق المتدينين يؤلمني ذلك بشدة . ربط سوء الأخلاق بالدين أمر يحز في النفس .. طبعاً هم يقولون : نحن نعرف أن الدين جيد ويأمر بالأخلاق الحسنة ولكن ما سر أن كل المتدينين الذين نراهم في الشوارع عابسين ؟ لماذا يفتقد المتدينون الأخلاق الحسنة ؟

فاتهم أن غير المتدينين يعبسون أيضاً وبكثرة ، وأن الأغلب من غير المتدينين أخلاقهم تحتضر أو ماتت .. المشكلة ليست في الدين ، المشكلة أن الشخصية الأصلية سيئة الأخلاق ثم لم يعتن صاحبها بتهذيبها بالدين، وأنه مقصر في ذلك ولا شك ، ولكنه بشر في نهاية المطاف . أستطيع أن أفهم ذلك جيداً لأني من معسكر المتدينين ..

في أول التزامنا بالدين اهتممنا جداً بجانب العبادات والمظهر الخارجي ، لعله لقصور شديد في بيان أهمية روح الأخلاق و المعاملات ، لعله كان كردة فعل قوية لإظهار روح الولاء للتدين والمتدينين والبراء مما سواه، لعله لأن تغير الأخلاق والطبائع من أصعب الأمور ، ونحن نريد التزاماً سريعاً . كان الاهتمام منصباً على تعلم أحكام الشريعة والعقيدة الصحيحة ( وهو أمر محمود في كل الأحوال ) ولكن لم يتم ربط ذلك بأهمية التعامل الحسن مع الغير بشكل كاف .. لاأقول كان معدوماً ، ولكنه لم يكن كافياً ألبتة .. فحين تكون فرداً في مجتمع صحراوي حار ، قليل الخضرة ، قليل الماء فلابد أن تكون الأعصاب مشدودة دوماً ، ثائرة ، فوضوية ، هادرة ، ظالمة !! و كان لابد من الإكثار من الحديث عن هذه الأخلاق ، من الدعاة ، من الوالدين ، من المعلمين  ويصاحب ذلك الحديث التطبيق .

ركزنا كثيراً على الشكل الخارجي من لحية وثوب وحجاب وعلى النوافل والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأهملنا شيئين مهمين : مراقبة الله الناتجة عن اجتماع المحبة والخوف في القلب ، والأخلاق ، والأخلاق نصف الشرع . ولأثبت صدق ذلك ، تكفي اللبيب نظرة واحدة شاملة لمجتمعنا ليرى ماذا فعل غياب مراقبة الله ، وماذا فعل غياب الأخلاق. النتيجة كانت باختصار : الفساد !

حين تتحدث الكتب الفقهية عن المعاملات تجدها تتناول أحكاماً في أبواب البيوع ونظام الأسرة ( نكاح ، طلاق ، نفقات ، حضانة ) والجنايات والحدود التي تضمن حقوق المعتدى عليه .. نقرأ أحاديث أمثال ” خيركم خيركم لأهله” و”لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ” و ” من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ” و” المسلم أخو المسلم” و” المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده” .. للأسف لم يلتزم الكثير ممن تدين حديثاً بأمثال هذه الأحاديث وإنما كان غاية همهم العبادات والمظهر الخارجي ..

أذكر بكثير من الخجل كيف كنت أغلق التلفاز وأخي الذي يكبرني بخمس عشرة سنة يتفرج – ودون استئذان- ثم أخرج من الحجرة بكل برود!

أذكر بكثير من الخجل كيف جفوت وعبست وأعرضت عن امرأة أخي الأوروبية التي كانت تعاملني كأختها الصغيرة ، وذلك بعد أن التزمت ، فلا أني شرحت لها الإسلام الحقيقي الكامل ( الذي لم أكن أعرفه في ذلك الوقت ) ، ولا أني حافظت على حبائل الود بيننا .

أذكر بكثير من الخجل إصدار أحكامي المسبقة على من تهاونت بالحجاب أو استمعت إلى الموسيقى وفاتني أن أمر إيمانها موكل إليها ولعل عندها من بر الوالدين أو الطاعات الخفية ما يجعلها تسبقني إلى الجنة .. ثم من قال أني سأدخل الجنة أصلا ؟ هل ضمنتها أم أنه مزيد من العجب بالعمل والكبر الذي لايدخل الله الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة منه؟ نعم ، ذلك الذي هو : بطر الحق وغمط الناس .. مهلاً مهلاً .. رد الحق واحتقار الناس ؟ من منا لا يفعله ؟ المتدين وغيره ؟

أذكر بكثير من الخجل قيام بعض أفراد معسكرنا بعقوق والديهم لأنهم يقعون في بعض المعاصي جهلاً أو هوى – ومن منا لا يعصي الله – ويغيرون المنكرات بجفاء وغلظة من باب ( خذ الكتاب بقوة) ، فيقعون في أكبر الكبائر بعد الشرك بالله لأجل ما يظنونه نصرة لله .

أذكر بكثير من الخجل قيام بعض أفراد معسكرنا بتصنيف الناس ومن ثم الوقوع في معصية سوء الظن وما يلحق ذلك العمل من ضروريات كالغيبة و العُجب بالذات والكبر .. الكبر مرة أخرى ؟

ولكن هذه الطوام لا ينفرد بها المتدين ، وغاية ما هنالك أنه كان على المتدين أن يبذل جهداً أكبر في تحقيق شرع الله في أخلاقه ، خاصة وأن نظر الناس عليه كونه ( كما يزعمون ) يمثل الدين ، لكن الآخر غير الخلوق فإنه لم يحقق شرع الله لا في دينه ولا في خلقه ..

لا أود أن تتحول تدوينتي إلى كشف حساب لكل من المتدينين وغيرهم .

نريد أن نتقدم ، ونتطور وتكون بلادنا راقية ..

نريد أن يتولى أمورنا الأخيار ..

لذا كان لابد أن يبدأ كل منا بنفسه ، فكما نكون يولّ علينا ..

 

 

عندما يبلَّغ شخص ما بأن عنده مرض السرطان فإنه لا يمكن لأحد أن يقدر حجم الضعف الذي يصير فيه هذا المريض . سيدمر هذا الخبر حواسه وتقديره وقدرته على التفكير بوضوح ، وهذا حال كل من أصيب بصدمة ما : يتردى معنوياً ويصبح محتاجاً –وبشدة – للرعاية .

لذا كان من الضروري بمكان أن يرافق مريض السرطان قريب أو صديق أثناء زياراته إلى الطبيب ، يدوّن الملاحظات ، ويسأل الأسئلة ، ويخبر الطبيب بأشياء حصلت مع المريض ، ذلك لأن المريض يكون ذهنه مشوشاً بطريقة لا يمكن تخيلها .. حتى هو لا يعي أهمية ذلك إلا إذا جرب ، وذهب وحده فإنه ينسى أغلب ما قيل له مالم يسجله .

إلا أن المقرب من المريض بشكل عام والمرافق بشكل خاص  ينبغي أن يتحلى بصفة شديدة الأهمية ، وهي أن لا يكون ثرثاراً . المريض يحتاج أثناء زيارته للطبيب أو لإجراء فحوصات أو أخذ جلسات العلاج إلى هدوء وخلوة بالنفس .. أشعره أنك قريب منه ، وأن بإمكانه أن يعتمد عليك فيما يطلب أو يحتاج ولكن بصمت ..

كنت أذهب إلى مستشفى الحرس  التي تبعد مسافة 45 دقيقة عن بيت أمي في جدة وأرفض رفضاً تاماً أن يُفتح المسجل أو الإذاعة إلا أن يكون قرآناً . كنت أملأ وقتي بتسبيح واستغفار أعلم أنه سيربط على قلبي .. أو قد أتظاهر بالنوم ، وأصدر غطيطاً مزيفاً لئلا يكلمني أحد .. كنت أريد هدوءاً وتركيزاً وتأملاً في وضعي الجديد .. لعلي كنت أحاول أن أضبط نفسيتي لتتماشى مع ما يحصل .. لعلي كنت أريد أن أرثي لحالي بعض الشيء دون أن يعظني أحد لا يشعر بمصابي .. وبفضل الله كل مرافقيّ  أدوا عملاً جيداً .. كانوا يأتون لي بالقهوة والفطائر دون أن أطلب ، يصغون جيداً لما يقوله الطبيب ، لا يتكلمون أثناء العودة إلا إذا تكلمت أنا وأبديت مخاوف أو قلقاً ، يذكّرونني في المساء بما قاله الطبيب ، ويتحملون “معابطتي” بصبر إذا كذبتهم فيما أخبروني به إذ أني “لم أسمعه”!!

بعض المرافقين يكثرون الكلام ، ويحسبون أنهم بذلك يشغلون ذهن المرض عن حاله .. والحقيقة أنهم يشوشون عليه تفكيره ، وقد يستحي هو أن يطلب من مرافقه الصمت.

فيما عدا ذلك فكن على سجيتك مع المرض وتكلم ما لم يكن متعباً أو تعرف من شخصيته أنه يفضل الهدوء .. أقول ذلك لأن بعض الناس يحبون – أصلاً- أن يحيطوا أنفسهم بالناس وقت مرضهم ، في حين يفضل البعض الآخر الهدوء والعزلة .. وفي نهاية المطاف ، عليك أن تقدم للمريض ما يحتاجه ويناسبه هو ، لا ما يناسبك أنت .

لكن انتبه .. حتى لو كان المريض يرغب بالكلام إلا أن هناك “لاءات” يجب عليك أن تجتنبها .

–       تجنب : “لا تقلق” و “لاتخف” .. أنت تعلم جيداً أنه خائف وقلق : من الكيمو ، من الغثيان ، من فقدان الشعر ، من الموت .. إذا طلبت منه ألا يخاف فأنت تطلب منه مستحيلاً يعجز عنه فتزيد من أحماله . لا تعلم أنه خائف أو قلق ؟ معك حق .. ” الي يده في الموية مش زي الي يده في النار” . لذا لا تغضب لو أقصاك أو امتنع عن استعانته بمساعدتك .. إذا أفضى لك بقلقه أو خوفه فاستمع فقط ، ولا يلزم أن تعطيه رداً أو رأياً أو حلاً .. هو يحتاج إلى الكلام فقط ، وعليك أنت الاستماع .

–       تجنب : “لا تبالغ”  فهذه مدمرة .. بعد عدة جلسات من الكيماوي لاحظت أني صرت كثيرة النسيان وقليلة التركيز .. كنت إذا لم أعبر عن الفكرة التي تدور بخلدي في وقتها مباشرة فإنها سرعان ما تطير ولو أخرتها لبضع ثوان .. كان هذا الأمر يصير حنقي جداً ، إلا أن ما كان يثير غضبي الشديد حين كنت أشتكي لأحد أولادي فيقول لي بطريقة لا مبالية : لا تبالغي يا أمي .. ليس الأمر كما تقولين . ويشرع في ذكر تفسير يراه علمياً يبرر هذا النسيان : إما بسبب السن ، أو بسبب تراكم الضغوط أو لأي شيء .. كنت أشعر بالعجز والقهر.. كبرت فجأة مثلاً ؟ تراكم الضغوط يجعلني أبدو وكأني مصابة بالزهايمر ؟ كنت أعلم أنه يفعل ذلك ليزيل من ذهني أي إيحاء سلبي بأن هذا بسبب المرض ، ولكني كنت أغضب جداً منه لأن كلامه كان يشعرني أني “أتدلع” وأنا أبعد الناس عن حب ذلك .. إلى أن اطلعت في إحدى المواقع الأمريكية عن ما يسمى بـ chemo brain والذي يحكي عن حالة التشوش الذهني الذي يصيب من يتناول الكيماوي .. وكم كانت فرحتي بالغة وأنا أقرأ ذلك ، وفي المرة التالية التي اشتكيت فيها من النسيان ، وشرع في ديباجته المعتادة ، قاطعته بلهجة المنتصر وأبلغته بالمعلومة الجديدة .. لابد أن أعترف أنه لم يعد بعد ذلك إلى تفسيراته الخنفشارية .. ببساطة لأني لم أعد إلى شكواي بعد أن عرفت السبب .. فقد بطل العجب !

كذلك هناك لاءات مهمة أريد ان أذكرك أنت بها  :

–       لا تنصحه .. لا تقدم لمريض السرطان نصائح هو لم يطلبها  . حين انتشر خبر مرضي صار كل من يكلمني يعظني ويأمرني بالصبر ، ومع أني لم أكن أشتكي بفضل الله إلا أني كنت آخذ أمرهم لي بالصبر باستخفاف ولسان حالي يقول : ” عارفة .. إيش حأسوي غير كدة يعني ؟” ، ولكني عندما هاتفت الدكتورة سامية العمودي والتي أصيبت بسرطان الثدي وعافاها الله ، وحدثتني عن الصبر فقد وقع كلامها على قلبي كوقع القطر على الأرض الجدباء .. نعم . هذه امرأة جربت الألم والهم والمعاناة وصبرت .. هذه التي تستحق أن أستمع لنصحها .

–       لا تكذب عليه .. إذا اشتكى من خوفه من الكيمو أو من الألم أو من الموت وكانت حالته متردية بالفعل فلا تعطه وعوداً أو أوهاماً كاذبة هو يعلم يقيناً أنها ليست كذلك . هو لا يعبر لك عن مخاوفه لأنه يريد أن يستدر عطفك أو يطلب اهتماماً منك ، وإنما هو يعبر عن نفسه ، فلا تكذب عليه وتقول : لن تموت ، لن تتألم  ، ستكون طيباً ..سيعلم أنك تكذب عليه . الأفضل أن تستمع له بصمت وتدعه يتكلم ويعبر عن نفسه .. لا يلزم أن تعطيه حلاً .. اسمع منه فقط .. وإذا أبيت إلا أن تعبر ، فإذا اشتكى من خوفه من الألم مثلاً ، فلا تقل : لا تخف ، وإنما قل : الله يعينك ، هو مخيف فعلاً ، أو طهور إن شاء الله ، أو أجر وعافية .

–       لا تخبره بما قد يؤلم قلبه من الأخبار .. حينما كنت لا أزال في مرحلة الفحوصات وقبل تلقي أي علاج حدثت حادثة سيول جدة ، وبعدها بعدة أسابيع أصاب جدة أمطاراً غزيرة أخرى وثارت مخاوف من حدوث سيول جديدة .. أذكر جيداً كيف آلمني قلبي في تلك الفترة وكيف أني اكتئبت وبكيت وأحسست بدنو الأجل . ليلتها هاتفني ابني خالد وأحسست أنه ود أن يطير إليّ من المدينة ليهزني من كتفي يأمرني ألا أستمع للأخبار .. مريض السرطان يكون حساساً جداً ، فيحسن بك أن تكلمه بأحاديث خفيفة ومرحة . ويقع بعض الناس في خطأ عظيم حين يخبرون مريض السرطان أن لهم عماً أو خالة توفي بمرض السرطان ، أو أن ابن عم صديق أبيك أخذ الكيماوي وعانى الأمرّين منه أو أن جارة جدتك قاست كثيراً من السرطان . أفهم أنك تقصد خيراً ، وأنك قد تقصد إخباره بأن حاله أفضل من حال أولئك ، ولكنك في الحقيقة تفعل أسوأ ما يمكنك فعله . مريض السرطان يعلم بخطر مصابه إلا أنه يتجاهل ويتغافل عن حقيقة إمكانية أن يموت بسبب السرطان ، ويظل يدفع هذا الاحتمال لأنه إذا ظل يفكر فيه فإنه لن يتمكن من العيش بهناءة .فإذا سمع قصة شخص توفي بأي سرطان فإن هذا يقوض خط الدفاع الذي أقامه حول نفسه بالتجاهل ويعيده مرة أخرى للدقيقة التي تم تشخيص المرض فيها ، ويضع نفسه مكان هذا المتوفى وتسوء نفسيته . هل أفشي سراً لو أخبرتك أني الآن ، وبعد مضيّ سنتين من انتهاء علاجاتي إلا أني لا يزال كياني يتزلزل إذا ما سمعت بخبر وفاة مريض بالسرطان ، أو انتشار المرض في جسده .

تذكير أخير :  انتبه على كلامك ، فبه قد تعين المريض وبه قد تخذله .

أيام الذهب

هذه الأيام التي ستقدم علينا أيام كالذهب في نفاسته ، وفرص لا يكاد يفوتها أولو النهى .

بالمعيار الدنيوي هي أعظم من فرص التخفيضات للمحلات الراقية حين ينخفض ثمن الحقيبة التي تباع عادة بخمسة آلاف ليصل إلى الألف .

ولكن للأسف فإن الناس تتهافت على شراء هذه الحقيبة تهافت الفراش على النور ، في حين أن أيام الذهب تكاد تمر دون أن يحُفل بها ، إلا ما كان من أمر الصيام تأسياً واستئناساً ببقية الناس .

هذه الأيام تعيد شحذ الهمم والطاقات الروحانية و التي بدأت بالتخلخل بعد انتهاء رمضان ، وعلينا –كعقلاء- أن نستغلها فيما شرعها الله من أجله .

ومن المتقرر أن العبادات وإن تفاوتت في رتبها إلا أن أداء العبادة في وقتها يرفع من رتبتها لتفضُل على غيرها .

فإذا كانت قراءة القرآن من أعظم الذكر ، فإن ترديد الأذان والدعاء بعده يكون أعظم من قراءة القرآن في تلك الأثناء لأن وقت الترديد خلف المؤذن يفوت .

فكذلك العمل الصالح في هذه الأيام من أعظم ما يشغل المرء نفسه به لينال حب الله تعالى .

كنت أقرأ كلمة كتبتها في مذكرة جوالي سمعتها من أحد الدعاة تقول : إن من إجلال الله ألا تجعل له الفضلة : لا تقرأ القرآن فيما بقي لك من الوقت ، ولا تتصدق إن بقي مال من مصروف البيت ، ولا تصم لأن كل البيت صائم ..

لا تجعل لله الفضلة ، وإنما اجعله مقدماً ، وانتظر البركة ، وفي هذا إحسان ظن بالله .

فأنت حينما تقتطع من مصروف بيتك مبلغاً معيناً ولنقل مئتي ريال شهرياً ، تخرجه قبل أن تتجه إلى البقالة الكبرى لشراء المستلزمات الشهرية خالصاً لوجه الله تعالى تبتغي به أن تفك كرب مسلم ولو أفضى إلى التضييق عليك بعض الشيء ، فهل تتوقع بعد ذلك أن يخذلك الله بتقصير النفقة عليك وتركك للحاجة تنهشك ؟

حينما تقتطع من أول يومك مقدار ثلث ساعة فقط لتقرأ فيها جزءاً واحداً من القرآن ألا تنتظر من الله تعالى بعدها أن يبارك لك في باقي يومك ؟

اجعل الله تعالى ورضاه مقدماً على كل شيء .

صم في هذه الأيام لأنها أيام يحب الله تعالى فيها العمل الصالح .

تصدق لأنك تريد أن يكرمك الله كما أكرمت عباده ، ويفك كربك كما فككت عنهم كروبهم .

ضح بجزء من وقتك لأنك تريد أن يبارك الله فيما بقي .

نوّع في العبادات ، فمن رحمة الله أن شرع لنا كماً من العبادات لتناسب مختلف الشخصيات والاهتمامات والقدرات .

لا يقتصر العمل الصالح على العبادات المعهودة المعتادة ، جرب أموراً أخرى .

ما رأيك في إحياء بعض السنن التي اندثرت أو قاربت : كنفض الفراش عند النوم ، والدعاء بالمأثور عند السفر ، وكافة الأذكار غير أذكار الصباح والمساء ( عند الدخول و الخروج من المنزل ، عند لبس الجديد ، عند النظر في المرآة ، عند الجماع .. الخ ) ، وصلاة الضحى أو الوتر في السيارة أو الطيارة عند السفر .

ربما تفضل الدعوة إلى الله – وكلنا يستطيعها مع تفاوت الدرجات في ذلك – فالمدونات وتويتر والفيسبوك مجالات خصبة لذلك ، ولا يكن المسلمون الجدد بأفضل منك وأكثر حماساً لهذا الدين .

أكاد أسمع صوتاً في المؤخرة لا أتبين وجه متحدثه يقول :  ما عندي علم يكفي .

فأقول أن النبي صلى الله عليه وسلم قد سد هذا الطريق فقال : ” بلغوا عني ولو آية ” .

أفتعجز عن تبليغ آية أو معلومة صحيحة تعلمتها تحشرها في تدوينة أو تغريدة بين الفينة والأخرى ؟ أو لعلك لا تحب أن يخرب ( برستيج ) مدونتك أو تغريداتك ، وتصنَف من فئة الوعاظ ؟

ماذا عن القيام ببعض الأعمال التطوعية تبغي بها الأجر والمثوبة من الله ( لا الفلة مع الأصدقاء ) .

بإمكانك شراء كتيبات عن الإسلام بلغات الأوردو والتقالو واللغات الأفريقية وتوزيعها على العمال كلما وقفت عند إشارة مرور أو محطة بنزين ، كما يمكنك أن تدل على الخير فتبحث عن المحتاجين وتصلهم بالموسرين الراغبين في العطاء ، أو تشترك في أحد مكاتب توعية الجاليات لأداء أعمال إدارية أو ميدانية ، ولو كنت تتقن لغة أخرى فسيكون لك شأن عندهم .

وإذا عجزت عن كل ذلك ، فأجزم أن بإمكانك أن تبر والديك وتطيعي زوجك ، وتحسن أخلاقك ، وتلزم التكبير والاستغفار ، وتتصدق بعشرة ريالات ، فإن النية لو صاحبت أي عمل صحيح رفعته وجعلته عبادة.

فقط تحتاج إلى أن تستعين بالله و لاتعجز .

 العجز سمة المسلمين مؤخراً .

علينا أن نقوم بثورة من تلكم الثورات ، فنتجه بقلوبنا أولا إلى الله بالدعاء ( مع تحريك الشفاه ورفع بعض الصوت ) أن يعيذنا من العجز والكسل ، ثم نستعين بالله لأداء ما يطلبه منا إما وجوباً أو استحباباً ، فإذا فعلت فانتظر بداية النصر .

 

عن السرطان نتحدث*

هل فكرت يوماً أنه قد يصيبك أي شيء من هذه الأمور السيئة ؟ يموت أحد أولادك ؟ تعلن شركتك إفلاسها الشديد ؟ ماذا عن الغرق في أحد السيول المنتشرة بكثرة في هذه الأيام ؟ تصاب بالسرطان ؟ حسناً .. لم يكن يخطر في بالي أنا أيضاً .. هذه الأمور تحدث للآخرين فقط كما تعلم ..  فقط عندما رأيت الشكل البيضاوي ذي القرنين في الأشعة الصوتية التي أجريتها في شهر ذي القعدة عام 1430 علمت أني أنا أيضاً يمكنني أن أصاب بمثل “هذه الأمور”.

ومع أنه يمكنني تصنيف نفسي من  فئة المثقفات إلى حد ما إلا أن ثقافتي لم تكن لتنال شيئاً من علم السرطان حتى ذلك الوقت . عندها سعيت حثيثاً أبحث وبشكل محموم في المواقع الأمريكية عن السرطان وكل ما يخصه من قريب أو بعيد . في مثل معركتي مع السرطان كان لزاماً عليّ أن أتسلح بسلاح العلم لمعالجة القلق الناجم عن الخوف من الإصابة. العلم هو ثاني أهم سلاح في هذه المعركة. السلاح الأول هو الإيمان القوي بالله وأقداره وحكمته .

تعلمت أن أغلب أورام الصدر ليست سرطانية ، ولمزيد من الدقة فإن 12 ورماً من 13 لا تكون سرطانية ، وأن الأورام السرطانية تتميز بكونها صلبة جداً وليست قابلة للتحرك كما أنها لا تكون مؤلمة . همممم ، ألهذا كنت أشعر أن ورمي قاسٍ كالجزرة ؟

تعلمت أيضاً أن الأسباب الرئيسية للإصابة بسرطان الثدي :

  • ·       الجنس ، فيكثر انتشاره بين النساء ، ومقابل 250 ألفاً من النساء المصابات في الولايات المتحدة يصاب 1900 رجلاً فقط .

  • ·       السن : فكلما زاد عمر المرأة ازدادت فرصة إصابتها بالمرض .

  • ·       الوراثة : حيث أن 10% من حالات سرطان الثدي تكون بسبب توارث جينات مختلة.

كما أن هناك أسباب ثانوية للإصابة بالمرض كزيادة التعرض للهرمونات والسمنة والتعرض للمواد الملوثة في الغذاء والشراب والتدخين .

دعني أؤكد لك أن السبب الأعظم الذي لم تذكره هذه الدراسات هو قضاء الله . فكثير من النساء أصبن بالمرض وهن بعد في العشرينيات ، أو ليس لهن تاريخ مرضي عائلي ، أو يحافظن على صحتهن بممارسة الرياضة وتناول الغذاء الصحي والامتناع عن التدخين . تشعر أنه لا سبب للإصابة إلا مجرد تقدير الله لك بالإصابة .. وأنعِم به من تقدير لو تفكرت فيه .

إذن كيف نشأ السرطان بعد تقدير الله تعالى له ؟

سأشرح لكم باختصار شديد ..

 تنقسم خلايا الجسم وتتكاثر بطريقة منظمة لتنتج المزيد من الخلايا لوقت الحاجة فقط .

وكل خلية خلقها الله تعالى تسير وفق نظام خاص يتحكم في حياتها وموتها ، هذا النظام يعمل على بقاء الجسم سليماً، إلا أنه في بعض الأحيان يقدّر الله تعالى أن يختل هذا النظام عند بعض الخلايا فتأخذ بالانقسام دون حاجة ولا تموت في الوقت المناسب ، مما يسبب تكون فائض من الأنسجة والتي يتكون بمجموعها ورم ، قد يكون حميداً وقد يكون خطيراً.

الأورام الخطيرة هي السرطان .. وتتكاثر الخلايا السرطانية خارج النظام الرئيسي لها ، كما أنها تتحور لتفقد الخصائص المميزة لها ، وتتخذ شكلاً مغايراً للأنسجة الأصلية التي تكونت منها .

بإمكان الخلايا السرطانية أن تغزو الأنسجة والأعضاء المجاورة وتدمرها ، كما أن بإمكانها أن تنفصل عن الورم الأصلي وتدخل في مجرى الدم أو الجهاز الليمفاوي وتنتشر لتكون أوراماً ثانوية في أجزاء أخرى من الجسم .

كلما تفكرت في عملية انقسام السرطان وانتشاره ازداد يقيني بوجود الله تعالى . هذه الانقسامات العشوائية والتي تدل على حدوث “انقلاب” أو “خروج” على النظام الأصلي لهو دليل على روعة ودقة النظام الأصلي الذي أبدعه العليم الحكيم . هذا الانقلاب لم يأت عبثا أو من فراغ ، وإنما هو تقدير العزيز العليم ، شاءه أن يكون ليختبر به العباد ..

بالتأكيد يحتاج السرطان لكثير من الاستعانة والصبر .. فهو وإن كان قد بدأت الحُجب عنه تتكشف إلا أن الغموض لا يزال يكتنف كثيراً من جوانبه .. لا تنسوا أنّا عن السرطان نتحدث .

* العنوان مقتبس من قصة ” عن الطيور نتحدث ” للكاتب أحمد خالد توفيق .

نحوحياة وردية !

في عام 1985م تحالفت مجموعة من المنظمات الأمريكية لإقامة حملة وطنية كبرى ( أصبحت عالمية فيما بعد ) للتوعية بسرطان الثدي National Breast cancer awareness Month (NBCAM).كان من أهداف هذه الحملة : توعية النساء حول أهمية الكشف المبكر ، وجمع الأموال اللازمة لتمويل الأبحاث والدراسات المتعلقة بسرطان الثدي ، بالإضافة إلى إمداد المرضى بالدعم والمعلومات الضرورية ، إلا أن الهدف الأصلي لهذه الحملة كان تعزيز دور أشعة الماموغرام كوسيلة أساسية لمحاربة سرطان الثدي .

وفي عام 1993 قامت إيفيلين لودر ، نائب رئيس مجلس إدارة شركات إستي لودر المشهورة في مجال التجميل والعطور بإنشاء مؤسسة أبحاث سرطان الثدي وجعلت من الشريط الوردي علامة لها .

وفي كل عام تقام في المدن العالمية في شهر أكتوبر النشاطات التي تذكر بهذا المرض والجهود المبذولة في التوعية على مدار العام . فتقام سباقات الماراثون والبازارات ، وتكتسح الأسواق المنتجات الوردية أو التي تحمل الشريط الوردي والتي تجعل جزءاً من ريعها لتمويل الأبحاث وترتيب زيارات مجانية للنساء لإجراء الماموغرام ، وتضاء بعض المباني المشهورة باللون الوردي كالبيت الأبيض  ومبنى الإمباير ستيت في الولايات المتحدة ، وقصر باكنغهام البريطاني وبرج العرب الإماراتي ، وغيرها من المعالم العالمية المشهورة .. كم اشتهيت أن أرى قصر المصمك أو برج المملكة يضاءان بالوردي ..

وفي عام 2004  قامت هند البرعي الطالبة في مدرسة ثانوية في ولاية ميزوري الأمريكية بإنشاء ما يسمى بيوم الحجاب الوردي شاركت فيه مع مجموعة من الناشطات ( والناشطين ) في الفعاليات القومية للتوعية بسرطان الثدي مرتديات حجاباً (وطواقي) وردية في محاولة جيدة لإثارة فضول الشعب الأمريكي للسؤال عن هذه الشعيرة وعن الإسلام .

الكثير والكثير يتم ترتيبه من أجل التوعية في مجال سرطان الثدي والذي أدى إلى زيادة الوعي بأهمية الكشف المبكر وبالتالي سرعة معالجة المرض وانخفاض معدل الوفيات بإذن الله تعالى .

في شهر ذي القعدة من عام 1430هـ وأثناء قيامي بالكشف المنزلي للثدي اكتشفت ورماً صغيراً  بحجم حبة الليمون بنزهير أو كرة الطاولة . كان ورماً صلباً  كحبة الجزر لا رخواً ولا ليناً ، ثابتاً لا يتحرك تحت أصبعي . لم يكن ثمة ألم ولا إفرازات .. ورم فقط ، كان اكتشافي لذلك الورم  بوابة لدخولي عالم جديد ..

حينما زرت الطبيب ليشخص الورم سألته : هل سأعيش إلى سنة ؟ فضحك الطبيب وقال : يا شيخة أذكري الله .

بعد ذلك بثلاثة أسابيع دخلت دوامة مرض السرطان من فحوصات وعلاجات . كان لا بد لي أن أواجه هذا الشبح المروع الذي يجثم على (صدور) النساء ، وفي ذهني الآلاف من الصور السلبية التي تلقيناها من الإعلام والناس من حولنا والتي مفادها شيء واحد : السرطان يعني الموت .

 لوهلة كدت أنجرف وراء ذلك التفكير إذ لم تكن لدي معلومات كافية عن السرطان أبداً –وأنا التي كنت أعد نفسي من فئة المثقفين –  كما أن فكرة الإصابة بالسرطان لم تكن واردة في ذهني ألبتة ، فهذه الأمور السيئة تحدث للآخرين فقط ، فلم يكن ثمة داع للقراءة فيها . ولكني لما شُخص ورمي تأكدت أن هذه الأمور قد تصيبني أنا أيضاً ، وكان علي أن أختار أحد طريقين : إما الاستسلام للنظرة السوداوية السائدة  – وقد كدت بالفعل حين كففت عن شراء أي شيء شخصي حتى لا أبدد أموال (الورثة) – أو أن أقف لأحارب المرض وأنقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى لي من أيام قلّت أو كثرت .

 قرأت في إحدى الكتب مقولة أرشدتني للطريق الصحيح : لا يختار المرء متى يموت وكيف ، ولكن يمكنه أن يختار كيف يعيش.

 اخترت أن أعيش في نور العلم ، إذ أن ظلام الجهل يعطي تصورات خاطئة وقد يعطي أبعاداً للمرض أكبر من حجمها. بعض الناس يموتون لا لأجل المرض ولكن لأجل الخوف والجزع والوهم الذي يقتل ببطء .

من قال أن السرطان يميت بالضرورة ؟ أنظر حولي وأرى الكثير والكثير من النساء اللاتي تجاوزن هذه القنطرة بسلام واستعدن حياتهن الطبيعية . علمت أن المشكلة في مجتمعنا في الموروثات التي تجعل السرطان عند الناس البعبع المخيف الذي يخشى الناس من ذكر اسمه صريحاً فيكتفون بالإشارة إليه (بالخبيث) كما يسمون الجن (بسم الله) .

كل يوم يمر أقرأ فيه الجديد من المعلومات والتلميحات المفيدة في مواقع السرطان الأمريكية كان يشعرني بحاجة مجتمعنا الشديدة إلى نشر ثقافة السرطان بطريقة أكثر جدية وفائدة من بيع الدبابيس الوردية الأنيقة في البازارات وتسلق جبل إيفرست وإنشاء أكبر شريطة وردية في العالم ..

كل يوم أطلع في الانترنت على إلمام المريضات الأمريكيات بأنواع العلاجات التي يتناولنها ومراحل مرضهن وتشاورهن مع أطبائهن بشأن خطط العلاج وتعامل الأهل والأقارب مع المرض ، والمئات من الكتب التي تتكلم عن السرطان في جميع مجالاته وجزئياته بلغة موجهة للعوام ، والآلاف من مقاطع الفيديو المعدة بعناية لتثقيف المريض ومن يرعاه في كل شيء يمكنك أن تتخيله ، كل ذلك كان يصيبني ببعض الإحباط أن لا زال الوضع في مجتمعي مبهم وعائم .

 أين الجهود الحثيثة في التوعية ؟ أين دور مراكز الأورام في التثقيف الصحي ؟ أين دور رجال الأعمال والبنوك والشركات في خدمة مجتمعاتهم ؟ ما هو دور الجامعات في التوعية ؟ ماذا عن الإعلاميين؟ حينما أقيم ملتقى المتعافين من السرطان في الرياض في شهر جمادى الثاني عام 1433 هـ عبّر في تويتر الدكتور عصام مرشد @emurshid  رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للأورام وأحد الأطباء المنظمين للملتقى عن ضيقه وخيبة أمله من رفض بعض المشهورين لتقديم فقرة إلا بمبلغ مالي لا يتناسب مع طبيعة الملتقى الخيرية غير الربحية ، في الوقت الذي قام فيه  بعض الأطباء بالتبرع من أموالهم للمساهمة في إقامته !!

نساؤنا يرفضن إجراء الكشف المبكر خشية اكتشاف المرض ، المتعافيات لا يردن الحديث عن  تجاربهن لأنهن يتمنين طي هذه الحقبة من حياتهن للأبد ( مع أنهن بالأمس القريب كن يبحثن عمن يقدم لهن الأمل ) ، السرطان لا يزال يرتبط في أذهان الناس بالموت ، المكتبات العربية تعاني من القحط والتصحر في الكتب التي تتحدث عن السرطان بشكل مبسط يفهمه العامة ، والمريض الذي أصيب يتخبط بحثاً عن المعلومة الموثقة بلغة يفهمها لأنها عربية أولاً وسهلة ثانياً .

أنا أتقن الانجليزية وأعرف كيف أستخرج المعلومات التي أحتاجها من مظانها ، ولكن ماذا عن الآلاف من النسوة اللاتي لا يكدن يجدن المعلومة بسبب انشغال الأطباء بالكم الهائل من المرضى الذين ينتظرون خارج العيادات ، وبسبب ضعف الإعلام في تغطية هذا المجال مقارنة بمجال الرياضة ( وكرة القدم على وجه التحديد) والفن  ، وبسبب اقتصار دور المستشفيات ومراكز الأورام على تقديم العلاج وبعض النصائح داخل المركز وعلى نطاق ضيق .

سنة كاملة عايشت فيها الفحوصات المختلفة والعلاج الكيماوي وعملية استئصال الثدي والعلاج الإشعاعي . كان رفيقي في هذه السنة : مواقع السرطان الأمريكية ، وكتب كنت أشتريها عبر موقع أمازون والتي تتحدث عن شتى المجالات، فهناك كتب كاملة ومفصلة للعوام عن العلاج الكيماوي والعلاج الإشعاعي ، وأخرى عن العملية الجراحية ، وثالثة مصورة عن التمارين الرياضية  التي تحتاجها المرأة بعد إجراء عمليات الاستئصال والترميم ، بل واشتريت كتاب طبخ خاص بمرضى السرطان يذكر فيه الكثير من المعلومات الغذائية الهامة ووصفات صحية تناسب مرضى السرطان في إخراج فني احترافي راق. كما رافقتني في تلك الفترة المدونة التي أنشأتها في البداية والتي كنت أصب فيها مشاعري وأحداثي اليومية لأتلقى الدعم المعنوي من الأهل والأصدقاء.

 تغيرت حياتي كلية بعد الشفاء .. فبعدما أحسست أن الحياة تتفلت من يدي صرت أبحث عن أشياء مثيرة لأستمتع بها. صرت أهتم بالتثقيف والتوعية ، ولذلك حولت مدونتي تلك إلى كتاب أسميته  الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي ،  وضعت فيه كل ما مررت به من فحوصات وعلاجات وآثار حتى تطلع المرأة العربية على ما اطلعت عليه لعلها تستفيد كما استفدت، وصرت أهتم بالرياضة والتزام الطعام الصحي قدر الإمكان  ، استأنفت دراستي الجامعية عن بعد وصرت أبحث عن نشاطات تشعرني بالإنجاز ، كل إنجاز أقوم به ولو كان تدوينة تلقى إعجاباً من القراء ، ولو كان كيلوغراماً أفقده من وزني ، ولو كان جزءاً من القرآن أنهي مراجعته ، أي إنجاز كان يشعرني بالرغبة في الحياة التي كدت أفقدها لولا أن منّ الله علي .

ولا زلت أتساءل بحسرة : متى تنتشر ثقافة السرطان بشكل جاد ومدروس في بلادنا ؟ متى نجد أطفالنا وشبابنا يفهمون تداعياته ، ويجد المريض فرق الدعم support groups  منتشرة في كل مكان ، وتقام الفعاليات المستمرة ويعتاد الناس سماع اسمه حتى لا يعود شبحاً مرعباً ترتعد له الفرائص وتنقبض منه القلوب  ، وتمتلئ أرفف المكتبات بالكتب التي تتناول جوانب هذا المرض حتى لا يعود مريض السرطان يشعر بالغربة ، فهاهو الكتاب الذي يخصه جنباً إلى جانب كتاب يتحدث عن الروماتويد أو تصلب الشرايين أو السكري .. أمراض مزمنة وخطيرة ، لكنها ليست قاتلة بالضرورة . متى تجد المريضة المحلات المتخصصة في بيع مستلزمات (السرطان) متاحة في جميع الاسواق ، وتقيم المستشفيات ومراكز الأورام الدورات لعامة الشعب للتثقيف في هذا المرض وطرق التعامل مع المريض . متى يتمكن المريض من الاستمتاع – ولو جزئياً- بحياته ويقيم إنجازاته بعيداً عن الهموم والمخاوف  في مجتمع واعٍ ومثقف.

متى سيتعاون الجميع للتصدي لهذا العمل البطل وتحقيق أحلامنا ؟

من سيجعل حياة نسائنا وأُسَرهم وردية ؟

 وأكاد أسمع بعضكم يقول باستهزاء : ومن أنت لتكون لك تجارب شخصية تهديننا عبرها إلى النجاح .

فأقول  : نجحت في أشياء كثيرة من فضل الله علي : نجحت في دراستي ، وفي بحوثي وفي طلبي للعلم ، نجحت في زواجي وفي طلاقي وفي تربيتي لأولادي بفضل الله . ولعل أعظم ما نجحت فيه هو اجتيازي لمرحلة مرضي بالسرطان .. لا أدعي أني شفيت منه تماماً ، فنتيجة ذلك تظهر بعد مضيّ خمس سنوات من الشفاء ، ولكني على الأقل أفلحت بتوفيق الله لي في جعلها ذكريات سعيدة أشتاق إليها أحياناً ، واستطعت أن أتغلب على خجلي وسكوتي فأخرجت للعالم كتاباً أزعم أنه الأول من نوعه في العالم العربي-فيما أعلم- يتحدث بالتفصيل عن فترة المرض .

النجاح يا سادة هو كل شيء تم على وجهه الصحيح مهما صغر أو قلت قيمته . وحين أذكر عنواناً فخماً كعنوان تدوينتي فلا أعني بالضرورة نجاحاً اقتصادياً أو علمياً أو اجتماعياً هائلاً ، وإنما – ببساطة – تحقيق أهدافك التي وضعتها لنفسك على الوجه الذي يرضيك .

سأذكر لك خطوات ثمانية من خلال تجربتي الخاصة ، لعلك تجد فيها قبساً من نور يضيء لك بعضاً من حلكة ظلام، ولكني أحذرك أنك ستطلع على الكثير من الحديث عن النفس في هذه التدوينة ، وهذا مؤكد كوني قد نصصت على أن هذه الخطوات مستوحاة من تجاربي . هذا التحذير ضروري لئلا ينبري لي البعض في التعليقات : لماذا تتحدثين عن نفسك كثيراً ؟ أنت متكبرة !!

1-              اعرف حجمك وقدراتك ثم انطلق .. ويمكن التعبير عن هذه النقطة : احلم ولكن بواقعية .. قد تجد كماً لا بأس به من الناس يثبطك حينما تحدثهم عن طموحاتك وأفكارك ، وهذه نقطة تضعها دائماً في الحسبان: العاجزون عن العمل يكرهون الناجح ومن له أحلام قابلة للتحقيق فينبرون بدافع من العقل الباطن إلى تثبيطه ووضع العراقيل أمامه . دعهم يهرفون بما لا يعرفون ، واحلم ، إذ بدون الأحلام لا يزهر واقع ، ولكن لتكن أحلامك واقعية قابلة للتحقيق حتى لا تتحطم . أمي امرأة فنانة ، تهوى الأعمال الفنية وبارعة في الطبخ ، ومدرستي من أفضل المدارس في جدة في تلك الفترة ولكن لا أمي ولا مدرستي أفلحتا في صنع الفنانة في داخلي . كنت ولا زلت أهوى كل ما يتعلق بالكتب والتعليم والقراءة . كانت علاماتي في حصص الفنية والتدبير المنزلي شبه كاملة ، وقمت بصنع كل الأعمال الفنية بنفسي ولكنها لم تكن أبداً هواياتي فاكنت نهاية علاقتي بها بتخرجي من مدرستي . وكم حاولت أمي معي أن أستمر ، وكم حاولت أن أتشبه بالنساء في هذه الهوايات ولكني أخفقت، كم تمنيت أن أبدع في مجال صناعة الكب كيك وتزيينه وإنتاج مشروع تجاري منه ولكن حماسي لا يلبث أن ينطفئ ، إذ أن جيناتي الأدبية التي ورثتها من أبي رحمه الله كانت طاغية . وحتى الجينات الأدبية كان لها تخصص دقيق وهو المقالة والقصة، لا الشعر ولا المسرحية مثلاً . أعتقد أني عرفت حجمي وحلمت بأن أكون كاتبة لأبهر الناس . صحيح أني مرضت بالسرطان بسبب هذا الحلم ولذلك قصة يعرفها من قرأ كتابي ، ولكني حققت بعضاً من حلمي .

2-  أحسن الظن بالله : وكم من التدوينات يمكنني تسطيرها في هذا الشأن الذي غض الناس أعينهم عنه . عليك أن تبادر بتنفيذ مشروعك بعد أن توفيه حقه من الدراسة ، ثم تلجأ بقلبك إلى الله بالدعاء وإحسان الظن به أن يوفقك ويسددك . لا تعرّض مشروعك للفشل بسبب سوء الظن ، إذ أن الله تعالى يقول في الحديث القدسي : “أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء “. فإذا رجوته كان لك فوق ما تريد ، وإذا حام بذهنك خاطر الفشل على الرغم من اتخاذك أسباب النجاح التامة فسيكون الله تعالى عند ظنك ، وستفشل . عندما مرضت بالسرطان وبدأت في الاطلاع على المواقع والكتب الأمريكية التي تتكلم عن السرطان خطرت في بالي فكرة تأليف الكتاب لنفع من يبحث عن المعلومة الشافية ممن لا يتقن الانجليزية . انهمكت في الكتابة ، ورغبتي في نفع الناس تنمو يوماً بعد يوم ، وكنت أدعو الله في صلاتي أن يشفيني ويسهل خروج الكتاب ، بل وجعلته سبباً أتشبث به للحياة فكنت أرجو أن أُشفى لأرى بعيني نجاح كتابي ، حتى بدأت في إجراءات النشر . مررت بمواقف عجيبة تجدها في تدوينتيّ : جارٍ تطبيق الهروب وتدوينة حكاية الحكاية .لم يسُأ ظني بالله يوماً ، وكنت متأكدة من الشفاء ، وكنت متأكدة من النجاح . لا لثقتي بأسلوبي وموهبتي وحاجة المجتمع لكتابي ، وإنما لثقتي بالله في استجابة دعائي .

3-              ضع هدفاً كبيراً توصل إليه أهداف أخرى صغيرة : خطأ شائع يقع فيه الكثير من الناس هو تحديد هدف كبير بعيد المنال يطمحون للوصول إليه ويجعلونه وحده بغيتهم .. ولا يزالون حتى الآن لم يصلوا . أخبرتني إحدى الطبيبات أن عليّ أن أفقد 20كيلو من وزني لأتمكن من إجراء عملية شد عضلات البطن . تعرفون أن إنجاب سبعاً من الولد تكون بعض عواقبه وخيمة . ثم أعطتني القاعدة الذهبية : كثير من الناس يضعون في أذهانهم أن عليهم أن يفقدوا 20 كيلو ويعملون لذلك جاهدين ، ولكنهم لا يضعون (نقاط تفتيش ) أو أهدافاً صغيرة  لذلك الهدف . وأرشدتني أن عليّ أن أضع أهدافاً معقولة أبلغها كل فترة وأعيد تقييم هدفي ، مثلاً : أهدف إلى فقدان كيلو واحد في الأسبوع ، أي أربعة كيلوات في الشهر وعلى هذا فإن بإمكاني أن أفقد العشرين كيلو في خمسة أشهر فقط .. إذن عليّ أن أنسى العشرين كيلو مؤقتاً وأركز على هذا الكيلو الأسبوعي وأعمل عليه ، وشيئاً فشيئاً سأبلغ الهدف الأكبر . كان هذا الكلام من سنة ونصف تقريباً ، ولم أفقد منذ ذلك الوقت إلا ثمان كيلوات ، لا لأني لم التزم بهذه النقطة وإنما لأن الأهداف التي وضعتها لم تكن واقعية تماماً .. فقدان كيلو واحد في الأسبوع كان أكبر من طاقتي خاصة وأنا أتناول العلاج الهرموني للسرطان مما يبطئ نزول الوزن .. فلبثت شهوراً تلو الشهور لا يتزحزح مؤشر الميزان عن مكانه إلا بعناد شديد مما يصيبني بالإحباط فأترك العمل لأستعيد ما فقدته من وزن. ولما تنبهت إلى هذه النقطة وعدلت أهدافي بحيث جعلتها ملائمة لوضعي الصحي واحتياجاتي النفسية ( المتمثلة في الرغبة في الاستمتاع بالطعام في الجمعات العائلية وحالات الحزن والقلق ) بدأ وزني بالنزول ولله الحمد .

4-  استخر واستشر : فالاستخارة طلب التوفيق والسداد من الله تعالى علام الغيوب ، والاستشارة استنارة بآراء العقلاء والحكماء ، ومساعدة على النظر على الموضوع بكافة زواياه و التي قد تغيب عنك أحياناً . ولكن احذر أن تستشير أي شخص وإنما تذهب لذوي الاختصاص .. قد يكون الشيخ أو العالم مُجيداً في فتواه ولكنه لا يصلح في الأمور الأدبية ، وقد يكون الطبيب بارعاً ولكنه إداري فاشل وهكذا .. لا تكاد تجد شخصاً (بتاع كله) فهذا عملة نادرة ، لذا فتعنّ قليلاً من أجل نجاح مشروعك واستشر ذوي الخبرة . بل وأدمن على طرق الأبواب، إذ الناس ليسوا فارغين على الدوام وعندهم مشاغل ، وأنت صاحب حاجة ، وعلى صاحب الحاجة أن يسعى لحاجته ، وعلى صاحب الحاجة أن يتحمل ذل السؤال ليبلغ مراده .. ولقد رأيتني وأنا أرسل برواياتي التي كتبتها في سن المراهقة إلى الأستاذ الأديب عبد الله الجفري وكان صديقاً للوالد رحم الله الجميع فيعلق بما لا يوافق هواي غالباً ، ولكني أضع تعليقاته في الحسبان ، وعندما فكرت في تأليف كتابي استشرت والدتي – حفظها الله – وآخرين فأشار عليّ أكثرهم بالمضي قدماً في هذا الشأن ، وحبطني البعض وثبطني . ولما كتبت الكتاب دفعت به إلى بعض المقربين ليقرؤوه وينقدوه من حيث اللغة والتراكيب الأدبية والأفكار ، واستفدت كثيراً من تعليقاتهم ونقدهم ، ونجح بفضل الله . صحيح أني لم أنل جائزة نوبل أو جائزة بوكر الأدبية بعد ، ولكن استفادة الناس من كتابي هو معيار نجاحه في نظري .

5-  تعلم ثم تعلم ثم تعلم : لا ينتهي إبداع المرء في تنفيذ مشروعه ، وإنما عليه أن يتعاهده بزيادة التعلم والاطلاع. التعلم نفسه حسنة عظيمة لا يتقنها الكثير بعزوفهم عن القراءة ( التي هي أساس التعلم ) وكسلهم عن البحث على الرغم من وفرة المصادر وسهولتها . انظر كيف فضّل الله تعالى الكلب المعلَّم على غير المعلم ، فأباح الأكل من صيد الأول وحرّم الثاني ، وكلاهما حيوان نجس . بل إن دراسة عجيبة من الأكاديمية الأمريكية لطب الألم تقترح أن البالغين الحائزين على شهادات البكالريوس فما فوق أقل عرضة للإصابة بالشقيقة وآلام أسفل الظهر والعنق والألم في الوجه الفكين من البالغين الذين لم يتخرجوا من الثانوية.

http://www.painmed.org/patientcenter/facts_on_pain.aspx#hhs

عندما أصبت بالسرطان ، كان في المواقع العربية البُلغة من المعلومات .. القدر الضروري فقط لأعرف ما السرطان  وما علاجاته وما الآثار الجانبية تلك العلاجات . ماذا عن طرق التعامل مع هذه الآثار الجانبية ، وما أتوقع أن أقابله أثناء إجراء الفحوصات ، والمتاعب النفسية والقلق .. ماذا عن بعد العملية ؟ أسئلة كثيرة لم أكن أجد جوابها إلا في المواقع الأمريكية للأسف ، فكنت أحرص على تثقيف نفسي كل يوم وقبل كل إجراء طبي لأكون على بصيرة . ولو كان بك فضول لمعرفة حادثة وقعت لي لم أتعلم قبلها فعليك بقراءة فصل : “يوم مثير” من كتابي .. لا بد من بعض التشويق والتسويق ! هذا التعلم أفادني كثيراً في توقّع ما سيحدث لي عند كل إجراء .. كنت دائماً أقول أن نصف الخوف من التجارب الجديدة سببه الجهل بها ، فإذا تعلم شيئاً عنها زال نصف الخوف .

6-  إذا وافقك الخير فوافقه : تعرض على المرء أحياناً فرص عظيمة لا تكاد تتكرر ، والفطن هو من يقتنص هذه الفرص  ويوظفها لمصلحته . ولقد رأيت الكثيرين تُعرض لهم فرص مذهلة لتعلم مهارة أو لغة أو تطوير ذات فيعرض عنها لأنه لا يرى نفسه محتاجاً إليها .. ومن قال أن على الإنسان أن يتعلم ما يحتاج إليه في ساعته؟ إن هذا لمن العجز .. بل عليه أن يتعلم كل ما يمكنه فليس كل يوم تتاح الفرص ، وقد يأتيه الوقت الذي يندم فيه على أنه لم يستفد من فرصة عُرضت عليه ولكنه ركلها بتأفف . كانت مدرستي دار الحنان رائدة المدارس في جدة قبل ثلاثين سنة وأكثر .. فيها كل مقومات المدرسة الناجحة والمثالية والتي لا تكاد تجدها في هذا الزمن . في مدرستي أقبلت على الرياضة فكنت في فريق الفصل للكرة الطائرة ، ولعبت تنس الريشة وبعض الجمباز ، وانخرطت في جمعية الصحافة وتعلمت الكتابة على الآلة الكاتبة لأكتب مقالات الجمعية وبحث الفصل المشارك في المسابقة الثقافية السنوية الكبرى ، ومواضيع المجلة السنوية التي تصدرها المدرسة ، وكنت عضواً فاعلاً في الإذاعة المدرسية والتي كان يشرف عليها أستاذات سوريات قديرات قوّمن ألسنتنا في حصص القرآن واللغة. لم أكن لأدع مسابقة إلا وأشترك فيها وكان بإمكاني ألا أفعل كل ذلك ، فكثير من البنات فضلن الجلوس في الفسح والتلذذ بشطائرهن، أو الاتكال على الطالبات المتفوقات لرفع أسهم الفصل ، أو ببساطة : الاكتفاء بالبلادة  . بل إن هناك من المتفوقات من لم تشأ أن تنخرط في هذه النشاطات لأنها لا تكسبهن درجات ولا تزيدهن حباً من المعلمات . ولكن  تلك الحكمة التي أخبرتك عنها كانت تلازمني دائماً بفضل الله ، فكلما وجدت فرصة كنت أتلقفها بنشاط مما أثّر على شخصيتي وأكسبني الجرأة واستقامة اللسان العربي وحب الرياضة والقدرة على التعامل مع لوحات المفاتيح،  وكلها أمور استفدت منها في حياتي : في الكتابة الكمبيوترية السريعة – نوعاً ما خاصة وأنا في هذا السن – وإلقاء المحاضرات الدعوية والتأليف بل والقيادة أحياناً .. قيادة المجموعات لا السيارات فتنبه !

7-              أنشئ فرق التشجيع : لابد لكل ناجح مشجعون ، يستثيرون همته إذا فتر ، ويرفعون سقف عطائه إذا نجح , يلجأ إليهم إذا ادلهمت به الخطوب ، ويحتفل معهم إذا حالفه النجاح ، فالسعادة لا تحلو إلا بجمع من الأحبة . حينما مرضت بسرطان الثدي ، تكونت على الفور وبفضل من الله فرق التشجيع .. تكونت وحدها ولم أسع إليها . وجدت صديقاتي في المدينة ، وأولادي ، وبنات إخواني في جدة حيث كنت أتواجد كثيراً لظروف العلاج . كان التناغم بيني وبين بنات إخواني مثيراً ، ومعهن فهمت كيف يتحرك فريق الطيور متناغمين مع قائدهم .. كنت أجدهن أو إحداهن دائماً وقت الحاجة.. يضحكن إذا علقت على صلعتي ويمتدحن شجاعتي وصمودي ، وإذا ما ضعفت في لحظة يأس وبكيت لدقيقتين وجدتهن يبكين معي ، ويسكتن – ياللعجب- إذا ما أفرغت انفعالاتي وكففت عن البكاء . شعرت أني أريد أن أسعدهن كما أسعدنني .. شعرت أني أريد أن أعيش ، من أجلهن ..

8-              إذا سقطت من الحافلة فاركب مجدداً : هذه الجملة كنت أقرؤها دائماً في المواقع الأمريكية التي تعنى بشأن الوزن والرياضة . قد يعتري المرء الضعف أحياناً فيتخاذل ويضعف عن العمل و( يخرب الدنيا ) ، أو قد لا تمشي الرياح بما تشتهي سفنه فينقطع .. لا بأس . أعط نفسك حقها الطبيعي في الفتور ، ولكن لا تتمادَ وانهض سريعاً واستأنف العمل . كنت أحياناً أقسو على نفسي في الحمية والرياضة لرغبتي في فقدان أكبر كمية ممكنة من الوزن ، ولكن نفسي تمل سريعاً فينتهي بي الأمر أن أتهاوى أمام أول دعوة على العشاء أو وسوسة من ابنتي في شراء طعام (جنكي) سريع ، وافقها شعور بالملل أو ضيق أو حزن ، وبعد أن أنتهي من (جريمتي) يعلو صوت الضمير المؤنب: ( إيش سويتي ؟؟) هنا عندي طريقين عليّ أن أختار أحدهما : إما أن أدندن ( خاربة خاربة ) وأمضي في طريقي الجديد ، أو أن أعدّ هذا التخريب بمثابة إجازة عارضة وأتجه لركوب الحافلة مرة أخرى وأستأنف العمل ابتداء من الوجبة التالية .. نعم ، الوجبة التالية ، لا الأسبوع التالي ، بل ولا اليوم التالي .. وبالطبع فإن هذا الاختيار الأخير هو الاختيار الصحيح .

 

هذه ثمان خطوات للنجاح من تجاربي الخاصة ، هي غيض من فيض .. ولكلٍ نظرته ورؤيته .. اكتب لي هنا تجاربك وخطواتك .. لتمتلئ صفحة التعليقات بالأفكار الإيجابية ، وأعدكم أني سأهدي صاحب إحدى هذه التعليقات نسخة موقعة من كتابي إذا وفّر لي صندوق بريد مناسب أرسله إليه ، أما إذا كان خارج السعودية فله نسخة اليكترونية .. من هو ذاك المحظوظ ؟ قد يكون صاحب أفضل تعليق يصلني خلال أسبوع ، وقد يكون صاحب حظ سعيد حالفه في القرعة . لا تبالِ بذلك كثيراً.. اكتب فقط والله يجيب مطر !

 

شكر خاص للدكتور معن القطان @mkattan35 استشاري التخدير وعلاج الأمراض المزمنة .

راح !!

 لازالت بعض بقاياه هنا ..

قشور الفصفص ، أثر من عطر بولغاري ، صدى صوته وهو يصرخ ” ناندا” ، صور  التقطتها بآلة التصوير التي يمتلكها .

ولكنه ليس هنا ..

خرج بعدما جاءني إلى حجرتي ليودعني ..

ضممته إلى صدري ..

استنشقت عطره ومسحت على ظهره ..

غالبت دموعي ولكنها أبت إلا أن تنهمر .

كتمت شهقتي ولكنها أبت إلا أن تنفلت ..

بكيت ..وبكيت .. وبكيت ..

همس في أذني بصوت واجف : ادعي لي ..

وتملص من بين يديّ وأسرع يحمل حقيبته وغادر ..

غادر يسابق أحزاني أن تدركه ، ومخاوفه أن تتلبس به .

جريت إلى المطبخ لا أكاد أرى من بين دموعي المنهمرة ..

فتحت الثلاجة وأخرجت المهدئ : خبزاً وجبناً ..

خشيت أن أجرح نفسي بالسكين ..

قلبي أصابه خفقان قوي ، وعلى عينيّ غشاوة .

صوت باب حجرتهم يغلق بعنف .. هاهو عبد الله يعبر عن حزنه بطريقته الخاصة ..

في حين أطفئ أنا حزني بتناول سندوتش سريع ، يطفئ هو أساه بمغادرة شريكه في الحجرة لمدة 15 سنة باللعب بالكمبيوتر هرباً من البكاء والمشاعر السلبية الأليمة ..

هذا هو عبد الله كما عرفته منذ أيام مرضي .. يكره الوداع ويكره مشاعر الحزن .. أما ما في القلب فلا يعلمه إلا الله .

عدت إلى حجرتي ألوك شطيرة جبن بطعم الدموع والأسى ..

الخفقان يزداد قوة ، وقلبي لا يزال يعتصر ..

ندت مني آهة حرى وثالث أولادي يغادر عشي ..

هو الثاني خلال سنة واحدة ..

كم هو مقدار الألم أن تصطبح الأم برؤية أولادها السنين الطوال ، ولا تنام إلا بوجودهم ، صراخهم موسيقاها ، وعراكهم تسليتها .. ثم تفاجأ بأن عليهم أن يغادروا ..

قبل قليل أرسلت تغريدة في هاشتاق يوسفيات : ” ( وتولى عنهم وقال يا أسفى على يوسف ) .. ثلاث كلمات فقط ، وفي القلب تناثرت مئات السطور تحكي لوعة وفقداً وألماً وأملاً .. لله در قلب الأب ” .

ولم أشأ أن أكتب ( والأم ) فدون أساها تتهاوى أعتى القلاع .

كم هائل من الأناشيد ستحمل لي رائحته كلما سمعتها .. الممشى الذي واظب على اصطحابي إليه ، سريره الفارغ ، وشمس التي ستأتيني غداً لتسألني عنه بلهجة باكية كما فعلت من قبل مع سهل .

الأغنية البغيضة لا تزال تحوم في ذهني كالذبابة اللزجة ..

أغنية البيتلز العتيقة عن الفتاة التي غادرت بيت أبويها .. ذلك البيت الذي عاشت فيه سنين طويلة ..

أغنية تراجيدية  تأبى إلا أن تزورني كلما غادر أحد أولادي البيت .

في البدء كان خالد ، ثم سهل مرتين ، والآن عبد الرحمن ..

في انستغرام وضعت هذه الصورة

وكتبت تحتها ذلك المقطع الملحاح :

He’s leaving home after living along for so many years ..

He’s leaving home .. Bye bye ..

تنهدت وهتف قلبي : يارب .. فرجك قريب وقاصدك ما يخيب ..

اللهم إني استودعتك ابني عبد الرحمن ، ومن قبله ابني سهل : دينهما وأمانتهما وخواتيم أعمالهما ..

اللهم احفظ أولادي من بين أيديهم ومن خلفهم ،  وعن ايمانهم وعن شمائلهم ، ومن فوقهم وأعوذ بعظمتك  اللهم أن يغتالوا من تحتهم ..

على هامش الأولمبياد

كالعادة .. فقاعة كبيرة تطير في السماء لم تلبث أن انفقعت وتناثرت أشلاؤها على المجتمع السعودي ، تلكم هي فتنة فتيات الأولمبياد .

لا , ليست تدوينة اليوم شرعية ، بمعنى أني لن أحرر فيها حكم خروج فتياتنا إلى الأولمبياد ، إذ أن مشايخنا الأفاضل الأمناء قد كتبوا في ذلك وتكلموا فيه كثيراً ونصحوا جزاهم الله خيرا . ولكني رأيت في تويتر ما لا قبل لي بالسكوت عنه ، فكانت هذه التدوينة نصيحة لبني قومي ، وأعلم أنها لن تعجب الكثيرين ، ولكن هذا رأيي ومن حقي أن تحترم رأيي أو تناقشه بأدب الخلاف  ، وسأجعلها في نقاط .

1-              لاحظت من خلال التغريدات أن غالب الناس طرفي نقيض ؛ فمنهم الرافض لفكرة مشاركة الفتيات رفضاً تاماً – بغض النظر عن سبب هذا الرفض- ومنهم المؤيد والمشجع . فأما الرافض فقد قاده رفضه إلى البذاءة كوصفهن بأنهن عاهرات الأولمبياد أو إلى العنصرية المقيتة بأن لمزوا إحدى الفتيات بأنها لا تمثل الشعب السعودي لأنها غير سعودية ، أو ( طرش بحر ) في محاولات مستميتة لإظهار شناعة الأمر ، وأما المشجع فقد صفق وزمر وطالب بإقامة حفل استقبال يليق بها وأُرسلت مئات التغريدات المؤازرة .

2-              أما المخالف فأقول له :

 أوردها سعد وسعد مشتمل          ما هكذا يا سعد تورد الإبل

          سواء كان سبب الرفض شرعياً أو غير ذلك فإن البذاءة غير مسوغة بأي حال من الأحوال . وهؤلاء الفتيات وإن أخطأن بخروجهن إلا أن هذا سبب لا يبيح التكلم في أعراضهن . إن نبز الآخرين بلا مسوغ شرعي فيه تزكية للنفس وتحقير للمخالف فكيف إذا كان النبز كلام في العرض ووصف بصفة لا تطلق إلا على البغايا ؟

أفهم أن دافعك قد يكون غالباً من الغيرة على محارم الله ، ولكنك باستخدام هذه الكلمة انتهكت حرمة من محارم الله ، ويبدو أنك ( لخبطت ) ، فالحديث النبوي ( البذاذة من الإيمان ) أي التواضع في اللباس وترك التبجح به وليست : البذاءة من الإيمان ، فتنبه يا رعاك الله . أما كون المشاركات أو إحداهن ليست من أصول سعودية ، فهذا الكلام من السخف العقلي والاجتماعي والشرعي ما أعجب معه كيف نعيش في مجتمع يتعلم الدين من السنة الأولى الابتدائية ثم لا يزال يتكلم بمثل هذه الكلمات المخزية والتي تفصح في العادة على مقدار ما في القلوب من سوء التربية والكبر والفوقية التي أهلكت الأمم من قبلنا . كيف تصدر هذه الكلمات ونحن نسمع الأحاديث تلو الأحاديث في ذم العنصرية كقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري حين عاير رجلاً بأمه ( إنك امرؤ فيك جاهلية ) ، ولما اختلف مهاجري وأنصاري في إحدى المرات نادى أحدهما : يا للمهاجرين ، ونادى الثاني : يا للأنصار ، غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال : ( أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم ) . وعلى الرغم من أن الدعوى لم تكن بالقبائل والجنسيات إلا أن دافع الاستنصار لم يكن على أساس شرعي وهو الإسلام ، وإنما حركته نوازع عنصرية جاهلية وإن كانت المسميات شرعية (الهجرة والنصرة ).

3-              وأما الموافق فله أوجه تدوينتي في المقام الأول ، وأقول له :  إنكاري على مشاركة الفتيات في  الأولمبياد يعود أولاً وأخيراً إلى الأخطاء الشرعية التي ستقع في الوقت الحاضر فضلاً عما ستقوده إليه هذه المشاركة في المستقبل القريب . وقبل أن أسترسل فإن مشكلتي لا تنحصر على الفتيات السعوديات لئلا ينبري إليّ فاضل ويقول : لأنهن سعوديات ولا تمانعين في الجنسيات الأخرى ، فإن مشكلتي لا تكمن في الجنسية وإنما في الحكم الشرعي ، فمادامت المشاركة مسلمة فإن اشتراكها في الاولمبياد بوضعه الحالي غير مقبول . ولئلا ينبري فاضل آخر يهاجم : ومن تكونين أنت لتوافقي أو ترفضي ؟ أقول : أنا إنسان أكتب في مدونتي الخاصة رأيي الخاص . فإذا وافقتني فالحمد لله ، وإن لم توافق فمن حقك أن تخالف كما أن من حقي أن أطالب بأن يكون النقاش بيننا هادئاً وراقياً ومحترماً .

4-               بعض المغردين كان يهاجم بأن إحدى الفتيات شاركت بوجه خال من المساحيق و”بالحجاب” فلماذا تنكرون عليها والإعلام يغص بالمغنيات والممثلات السعوديات ، أو أن العلماء سكتوا عن كذا وكذا وقامت قيامتهم عند مشاركة فتيات الأولمبياد الخ .

 فقط أطالب ببعض الإنصاف وتذكروا معي : هل مر عليكم موقف قط من ” تلكم ” المواقف لم تجدوا فيها عالماً ينافح وينصح ويذكر ، ثم يتلقى السخريات والتهكمات من الذين لا يعجبهم ذلك ؟ شخصياً لا أعلم أن أي جديد أُحدث إلا وتكلم فيه المشائخ بدءاً من ظهور الإعلانات في التلفزيون السعودي ، مروراً بالتساهل في ظهور المرأة في التلفزيون إلى ظهور القنوات الفضائية وكل شيء آخر نسمع فيه لغطاً ولكن الأيام تمر ، ومن بيده القرار يصر على موقفه يشجعه في ذلك الكثير ممن ناسبت القرارات الجديدة هواه فتُنسى القضايا في نفوس العامة ويعتقدون أن العلماء ساكتون وراضون ، وليسوا كذلك .. لماذا قضايا المرأة بالذات ؟ لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلم يقضي بأن ( أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء ) وأعتقد أن حديث النبي عليه الصلاة والسلام حاكماً وقاضياً .

5-              أما عن منافحة البعض بأن فتيات الاولمبياد كن يرتدين الحجاب  فهذه مصيبة أخرى . شاهدت مشاركة إحداهن لأطلع على الحجاب الذي فرح به المشجعون . لم تكن صدمتي من المشارِكة فقد لا تكون متحجبة في الأصل ، ولا من بعض المغردين الذين لا يملكون خلفية شرعية قوية ، وإنما الصدمة العظمى كانت من تشجيع بعض المنتسبين للكليات الشرعية ..تساءلت في تعجب : أين العلم الذي تعلمتموه ؟

قالت إحداهن : إن حجاب فلانة ممتاز !! غطت شعرها جيداً حتى لم يبد منه شيء . فلما اطلعت على المقطع وجدت ثغرات في الحجاب .. نعم ارتدت طاقية أخفت كل شعرها ، ولكن هل الحجاب يقتصر على غطاء الشعر ؟ ثم أن (سوالفها) لم تختبئ تحت الطاقية فظهرت واضحة جلية على جانبي وجهها. ماذا عن الرقبة ؟ إذا تغاضينا عن الوجه باعتباره أمراً مختلفاً فيه ، وعن القدمين باعتبار أن الكثيرين لا يولون للقدمين أي اهتمام ، فإن حجاب المشاركِة لا يزال غير مقبول ، دعك عن الانبطاح وما قد تتعرض له من الانكشاف عند الالتحام أو السقوط أو ما يظهر من تحرك ( أعضائها) عند العدو . ورحم الله تلك المرأة السوداء التي كانت تصرع فطلبت من النبي صلى الله عليه وسلم أن يدعو لها لئلا تتكشف . لم هان أمر الحجاب في نفوس الناس ؟ لم صارت النساء ( المتحجبات ) يتهاونّ في ظهور بعض الشعر من مقدمة الرأس ، وأنصاف أذرعتهن بل وارتداء البنطلونات الضيقة وعليها قميص بالكاد يغطي مؤخراتهن ؟ من أفتى لهن هذه الفتوى .. هل هذا الحجاب أدى الغرض منه ؟ هل يعرفن ما الغرض من الحجاب أصلاً ؟

ثم أرسلت لي إحدى المتابعات تحتج بمشاركة الصحابيات في الحروب ، فأسألها : هل يستويان ؟ وهل كانت الصحابية تخرج بأجزاء من جسمها لتعدو أمام المتفرجين أو (تنبطح) أم انها كانت  تدافع عن حمى الإسلام بخدمة المقاتلين وتطبيبهم ؟ يا جماعة .. ركزوا شوية !

6-              ذكر أحد المغردين أن دخول المرأة في الأولمبياد كان ( اضطرارياً ) لئلا يتم حرمان الرجال من المشاركة في الدورات القادمة من قبل اللجنة الأولمبية الدولية ، وأن ثمة ضغوط من قِبل منظمة حقوق الإنسان الدولية لإجبار السعودية على مشاركة النساء وإلا سيتم إيقاف السعودية على كافة المستويات الرياضية إن لم تستجب . أتساءل : هل هذه ضرورة شرعاً تسري فيها قاعدة : الضرورات تبيح المحظورات ؟ لا أحب نظرية المؤامرة ، ولكن هذه النظرية تكون أحياناً السبب المعقول الوحيد . وإلا لِم لم نر أي تحرك لمنظمة حقوق الإنسان بشكل فعال حيال قضايا العضل ومنع المرأة من ميراثها وحقوق المطلقات وغير ذلك من القضايا التي تغم المرأة فعلاً .

7-              كرد على سؤال أُرسل إلي في تويتر عن رأيي في السماح بالرياضة للنساء في المدارس أقول : نعم ، أنا مع ذلك وبقوة ، وأدعو إلى السماح بذلك في المدارس والنوادي النسائية لحاجتهن الملحة إلى ذلك خاصة وأني تربيت على حصة رياضية في الأسبوع في فناء مدرستي دار الحنان منذ 35 سنة إضافة إلى المباريات التي كانت تقام في الفسحة في كرة الطائرة وكرة السلة ، وبعضاً من تنس الريشة بين الحين والآخر في جو نسائي بحت . المرأة تحتاج للرياضة المنظمة بشدة صحياً ونفسياً ، و لا ، لا تقوم الأعمال المنزلية مقامها إذ أن تلك الأخيرة يمكن استخدامها كوسيلة تعذيب أو عقاب خاصة مع التربية الخاطئة التي تقضي بأن الرجل لا يشارك في داخل البيت إلا في زيادة الطلبات والأعباء ! وأما عن منعها بحجة أن اللاعبات سيرتدين البنطلون أقول : طيب ؟ ما المشكلة ؟ ليرتدين البنطلون الرياضي الواسع وعليه قميصاً طويلاً . أما منع الرياضة بالكلية بسبب اللباس ، فإننا نرى التعري الشنيع والقصير الفاضح المحرم شرعاً بلا خلاف في قصور الأفراح ولم نسمع مطالبة بمنع الأفراح أو إغلاق قصورها .

8-               خلاصة رأيي في الموضوع : نعم , أنا ضد اشتراك النساء في الأولمبياد ولست فخورة بهن ولا يمثلنني ، لأن مقياس الخطأ والصواب عندي هو الشرع وليس ما يقوم في أذهان الناس من الأفكار أو ما يقوله عنا الغرب. هؤلاء الفتيات أخطأن شرعاً بخروجهن في الأولمبياد ، وكذا أخطأ من سمح لهن بالخروج بحجة أن ذلك  سيكون بموجب ( الضوابط الشرعية ) ونرى الآن أن حكاية الضوابط الشرعية أصبحت فضفاضة مهلهلة كثياب الدراويش حتى صار كل من هب ودب يتكلم فيها مع أنها مختصة بأهل العلم الذين أفنوا شبابهم وأعمارهم في تعلم العلم الشرعي .  نحن نسير في سفينة المجتمع ، يخطئ بعضنا فيقومه الآخر لئلا تغرق بنا السفينة ، ولكن يكون ذلك بأسلوب حسن رحيم شفيق ، فكلنا ذوو خطأ . ومن الأخطاء العظيمة التي انتشرت التهاون بأمر الدين وتعظيمه في النفوس حتى إنه ليكاد يقتصر على ( الملتزمين والمطاوعة ) أو ينحصر في الطقوس التعبدية وما عدا ذلك فعنده أن الخلاف لا يسوغ الإنكار فيه .. ومن قال هذا ؟ إن أغلب مسائل الشرع فيها خلافات بعضها لا يستقيم ولا تقوم له حجة فلا يلتفت إليها . لِم هان أمر الدين في النفوس حتى صار لا يُحتكم إليه إذا تضاربت الأفكار والآراء ؟ ألا يستبين قول النبي صلى الله عليه وسلم ( لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة , فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها , فأولهن نقضاً الحكم وآخرهن الصلاة ) .

مرة ثانية ، أذكركم ونفسي بقوله تعالى : ( واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون ) .. لا تدري ، لعل يوم البعض يكون قريباً !