Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘سرطان الثدي’

ذهبت في الأسبوع الماضي إلى مدينة ينبع الصناعية وقمت بزيارة حديقة الزهور .

وهناك رأيت ما أطربني بحق : مساحة واسعة كالبساط من الزهور الملونة .

 

 

مشيت كالمسحورة أقلب نظري في هذه الزهور وأتعجب من هذا الجمال .

التقطت آلة التصوير وطفقت أصور كل ما أعجبني .

كان الجو يومها غائماً ، وبه لمسة باردة حانية ، فتمنيت لو استطعت أن  أدرج الجو في الصورة لتكتمل .

صورت الأحمر

 

والأبيض

 

 

 

والأصفر

 

حتى رأيت الروعة

مجموعات من الزهور البنفسجية التي أهيم بها ..

أخذت أصور وأتفكر في نعم الله على الإنسان في خلق الأشياء الجميلة التي تمتع حواسه .

فكرت أني مستعدة أن أبقى أمام هذه الزهور البنفسجية لساعات وساعات ، ولا بأس لدي إذا ما عدت إلى بيتي وطبعت الصورة مكبرة جداً وعلقتها في حجرة مكتبي أمام أريكتي الأثيرة لأستمتع بالنظر إليها .

هناك الكثير من المتع “الحسية ” التي يمكن للمرء أن يلجأ إليها ليمتع نفسه إذا ما ضاقت عليه أيامه أحياناً .

سأذكر بعضها ، وتفكر أنت في ما يمتعك ، وخبئ هذه الأفكار في محفظة ذاكرتك لتخرجها حين تحتاج إليها .

هل تذكر رائحة القهوة الطازجة ، عربية كانت أو افرنجية ..

جرب أن تدخل محمصة أو دكان لبيع القهوة ، واملأ صدرك بالعبق الجميل للقهوة الطازجة  ، تشعر بانتعاش لذيذ .

هناك أيضاً رائحة الخبز الطازج الذي يضرب به المثل فيقال للشخص العكر المزاج : ما يضحكش للعيش السخن . يااه ، ما أجمل هذه الرائحة ..

والأجمل أنها قد تجلب لذهنك متعة التخيل .. فتتخيل هذا الخبز مع قطعة من الجبن الفرنسي الأبيض ، أو لعله كوباً من الشاي بالنعناع .

لا تنس رائحة الرضيع .. رائحته جميلة حقاً ولو لم يتنظف .. رائحة البراءة والطهر .

أنا شخصياً أحب رائحة البقدونس المفروم إذ تحملني رائحته إلى أجواء رمضان في ساعات إعداد طعام الإفطار، خاصة لو انضاف إلى ذلك صوت الإمام في المسجد المجاور وهو يقرأ الدرس اليومي بعد صلاة العصر ، وصدح  جهاز التسجيل بصوت الشيخ محمد أيوب في إحدى قراءاته الرائعة ، وانبعثت من سطح الفرن رائحة اللحم المفروم و ( اللحمة المسلوقية).

تمتعني أيضاً أصوات تداخل الأئمة في المساجد المجاورة في صلاة العشاء ، إذ تجعلني أعيش ذات الأجواء السابقة ، فقط يكمن الاختلاف أن هذه الصلوات تذكر بصلاة التراويح .. فيهفو قلبي لذكر رمضان ، وينطلق لساني مبتهلاً إلى الله أن يعيده علي أعواماً عديدة ، ويعينني على صيامه وقيامه ، ويتقبله بعد ذلك مني .

أولادي يعجبهم جميعاً وبلا استثناء – فيما أعلمه – صوت غريب جداً .. صوت المكرونة الناضجة وهي تُقلب ، سواء كانت باللبن أو بالصلصة الحمراء .. لا أدري حقيقة ما هذا الذوق الغريب ، لكنهم مجمعون على أن هذا الصوت يثير في أنفسهم نشوة غريبة ! مضحك، أليس كذلك ؟

ماذا عن متعة التذوق ؟

هذه بالذات كتبت فيها تدوينة كاملة فلن أعيد ذكرها .

أما اللمس ، فهناك متعة أن تغوص يداك ورجلاك في الرمل الناعم في الأيام الربيعية أو الخريفية المائلة للبرودة ، فتعتريك النشوة حتى يقشعر لها بدنك .

أو أن تداعب أصابعك شعر قطك الغزير والطويل ( الشعر هو الغزير لا القط ! ) فتشعر من تحت أناملك بتلك الخرخرة الهادئة التي تخبرك كم هو مستمتع قطك بهذه المداعبة ..

وقد تناقلت بعض المواقع الأمريكية الاعتقادات أن خرخرة  القطط لها فوائد صحية للإنسان من حيث تخفيف التوترات وزيادة الاسترخاء بما تحدثه من اهتزازات متعددة الترددات .

 بل أن هناك بعض الدرسات التي أثبتت أن كبار السن الذين يملكون قططاً يعيشون عمراً أطول – بإذن الله – وتنخفض معدلات ضغط الدم لديهم عن غيرهم ممن لا يملكون حيوانات أليفة في البيت .

ويقسم البعض أن نوبات الصداع النصفي التي تجتاحهم تخف جداً إذا ما تمدد قط ( مخرخر ) إلى جانب رؤوسهم ..

 أياً ما كان ، إذا قررت أن تستعين بقط فلا تنس أن شعر القطط سيكون في كل مكان ، فوق المخدة ، في أسفل العباءة ، في أنفك وفمك أحياناً .. لا تقل أني لم أحذرك !

ملخص القول .. الحياة جميلة ، ولكن لابد أن نعيشها صح ( الآن ، أليس هذا اسم برنامج ؟ )

لاينبغي أن نقصر أنظارنا على البلاءات التي يصيبنا الله تعالى بها ..

هناك أشياء جميلة تستحق التوقف عندها ، والتأمل فيها ، لنعلم أن الله إن كان قد أخذ فقد أعطى كثيراً .. فنشكره على ما أعطانا ، ونصبر على ما فقدناه ، ونكون بذلك ممن يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” رواه مسلم ، وبذلك نعيش حياتنا وما قسم الله لنا من رزق بسعادة ..

لاينبغي أن نكون كبعض الناس الذين يستهويهم أن يكونوا في مزاج النكد .. يحبون أن يشعروا بالحزن والبؤس فقط لأن الله تعالى لم يعطهم ما أرادوا بحذافيره ..

يذكروني هؤلاء بأولادي ..

كنت ألعب معهم لعبة ( إنسان حيوان ) ، فيطلبون مني حيواناً بحرف الفاء ، فأقول : فراشة ، فيجيبون : لالا ، فيل .. لالا .. فرس .. لالا .. ماذا إذاً ؟ فيجيبون : فقمة ..

لم يعجبهم جميع ما ذكرت ، لأنهم كانوا يريدون إجابة محددة ..

كذلك تلك النوعية من البشر .. لا تعجبهم كل نعم الله وآلائه لأنهم وضعوا أشياء محددة في أذهانهم ، فإذ لم يحققها الله لهم ، شعروا بالتعاسة والحرمان : عندهم كامري وهم يريدون لكزس . يعيشون في بيت إيجار وهو يريدون فيلا بدورين . يقضون إجازة الصيف في جدةو  الرياض وهم يرغبون في  أوروبا أو ماليزيا ..

لم ينتبهوا أن الله أعطاهم نعمة السكن ، والمركب ، والمتعة في حين حرمها غيرهم ..

وأنهم إن قضوا إجازاتهم في جدة والرياض ، فغيرهم يذهب إلى ذات المدن لتلقي علاجاً كيماوياً يسقط الشعر ويسبب الغثيان .

أيها البشر .. أربعوا على أنفسكم .. وعيشوا حياتكم بما أعطاكم الله برضا .. لتشعروا بالسعادة !

Read Full Post »

انتبهي

70% من الحالات المصابة بسرطان الثدي في المملكة تُكتشف في مرحلة متأخرة مقارنة بـ 30% في الولايات المتحدة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

مجتمع طُهر

منتدَى ناشِيء وَ مجتمَع يضُم مريْضات السرَطان و صديقاتهنّ ..

سَاهموا معنَا بالكلِمة الطّيبة ، وَ الابتسَامةِ المشْرِقة ، و الدّعم النفسِي و المعْنوي ..

اقْرَءوا قِصَصَنا ، و اسمعوا نصَائِحنا و تعلّموا مِن تجارُبنا

نقدّم يَد العَون لكلّ مَريض و مُعافى ..

و نحُاول جَاهدِينَ أن ننشُر ثقافَة مرضْ السرطَان بِأنوَاعه من أَعراضهِ الأوليّة وحتى نهايَة دورة العِلاج بإذنِ الله

سَتجدُون بَيننا المبدعِة و الكَاتِبة و المصمّمة و المَرحة و المنُجزة وَ الرّسامة و الطبَاخة

فنَحنُ شَخصيّات ” مُميزة ” مرّت بنَا ذِكرى ” مُميزة ” أيضاً ، وَ ذهبتْ إلى غَير عوده بإذن الله ، وَلم تَقف بِوجهنا العقبَات ..

فَـ هُنا

المزْنُ الّذي يَهْطلُ عَلَى أَروَاحِنَا ليَعْتَليْها الطُهْر ..

لـ يُنَقّيْهَا كَمَا البَرَد ..

و يَغْسِلُ عَنْهَا وَشْمَ ” الجُرْعَات ” ..

هُنا .. تهَمِسُ آمَالُنَا في أُذُنِ الآلاَمِ ، أَنِ ابْتَهِلِي حَمْدَاً وَ شُكْرَاً ..

نمَلِكُ بَيْنَ جَوَانِحنَا بَرِيْدَاً مُزْدَحِمَاً بِرَسَائِلٍ جَذْلَى ، وَ عَدَدَاً لا يُحْصَى مِنْ أَطْوَاقِ اليِاسَمِيْن ..

إنّهَا غَيْرُ مُخَصّصَةٍ للبَيْع ! وَلَكِنّنَا نَهَبُهَا لكِ كَلَحْنِ عَذْبٍ يَصْدَحُ بِالأُمْنِيَات ..

ليَكُنْ فَألُنَا الطُهْرُ مِنْ كُلّ ذَنْبٍ ، وَ دُعَاؤنَا لكِ

( تَغَشْتكِ الطّهَارّة ، وَ لا بَأسْ لا بَأسْ كفّارَة )

بِرُوحِكِ المُلْهَمَةِ نَفْخَرُ ، فَتَفَضّلِي بِالتّسْجِيْلِ هُنَا ..

http://www.m-tohr.com/vb/

ولا تنسوا بأن التسجيل معنا يدخل على قلوبنا السرور

فهنيئاً لكم بأجور ميسور

ساهموا معنا في نشره

Read Full Post »

حينما أصبت بالسرطان ، كأنما كانت إصابتي هزة أيقظتني من نومة عميقة .. استيقظت لأرى نفسي محاطة بالجمال .. نعم الله حولي في كل مكان وأنا لا أدري .. الآن فقط ، حينما فقدت بعضها ، علمت أي فضل من الله كنت غارقة فيه .

أنشأت لذلك مجموعة ( بعض الناس يحب أن يسميها “قروب” ، إغراقاً في ” الكوالة”) في الفيس بوك وسميتها : النعم المنسية ، وهذا رابطها فيما لو أحببت الانضمام إليها

http://www.facebook.com/home.php?sk=2361831622#!/group.php?gid=114830981862557  .

ولعل أبرز هذه النعم التي لم نلق لها كثير بال نعمة الاستمتاع بالطعام ، وهي النعمة التي أجزم أنه يشترك في فقدها جميع من يتناول العلاج الكيماوي ، والذي يعد أطول أنواع علاجات السرطان زمناً ، وأشدها وطأة ..

قد يكون كلامي مختلف التأثير على من يقرؤه ، فبعضكم قد يجد فيه تذكيراً لأيام سوداء قاحلة لا يود تذكرها .. وبعضكم قد يراها تذكيراً لنعم افتقدها في وقت مضى من حياته ولم يكن يشكرها من قبل .. وبعضكم قد لا يعنيه الأمر من قبل ولا من بعد لأنه لم يمر بمثل ما مررت به ، وغاية ما في الأمر أنه يفقد بعض التذوق إذا ما أصيب بزكام قوي .. ولهذا الصنف الثالث أقول : لا بأس ، تابع معي تدوينتي لعلك تعلم ما أنت فيه من النعم التي لم تتعب نفسك في التفكير فيها من قبل .

قبل أن أبدأ في العلاج الكيماوي أخبرني طبيبي أن الورم من مستقبلات الإستروجين الموجبة estrogen receptor positive ، حيث يكون شديد الحساسية لهرمون الإستروجين في الجسم ، وهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم.. ولهذا فإنه منعني من تناول أي مصدر من مصادر هرمون الإستروجين قطعاً للمادة التي يتغذى عليها الورم ..

وكانت الفاجعة بالنسبة لي يوم أن منعني الطبيب من ( بعض ) المأكولات التي يدخل فيها هذا الهرمون .. منعني من تناول الدواجن واللحوم ومشتقات الحليب والبيض فقط .. فقط ؟؟ أذكر جيداً أنه لما ذكر قائمة الممنوعات تساءلت في تعاسة عما أبقاه مسموحاً لي بتناوله .. أنا لا أحب السمك أبداً ، ولست من عشاق الخضروات ولا الفاكهة ، فإلى متى سأستمر في تناول لحوم الغنم ( والتي كانت الوحيدة التي سمح بها ) ؟ هل سأقوى على تناولها يومياً .

فجأة اشتهيت دجاج الشواية وسندويشات كودو ( دجاج ) ، وطبق السليق الرهيب ( دجاج وحليب وسمن بلدي ) ، وطبق البيض بالجبن ( التابو الثنائي : بيض وجبن وربما ينضاف إليها الزبدة ) .. ولكن يبدو أن هذه أشياء ستختفي من قائمة طعامي لفترة مؤقتة ، ليحل محلها البروكلي والفلفل الملون ، والزنجبيل والشاي الأخضر !!

أذكر أن أخي بعد تلك الأيام قدم لزيارتنا من ينبع ، وحملت زوجته لي من أطايب الطعام ” الصحي ” والمراد : المسموح لي به . صنعت لي طبق العيش باللحم من مفرومة الغنم ، وبضع كعكات بدون بيض ، وخبزاً خالياً من البيض كذلك .

أبقيت العيش باللحم لحالات الطوارئ حينما كنت أجوع ولا أجد ما يسد جوعي ، فقد ولى زمن سندوتشات ( جبن الكاسات ) وأكواب اللبن ..

كما اشتريت نصف دزينة من البرجر بلحم الغنم وجمدتها في الفريزر إلى جانب كيلوات من لحم الأوصال المشوي ..

فجأة أحسست أني مللت البرجر والأوصال واللحم بعد أن كانت في يوم ما طعامي المفضل .

ثم أني لما بدأت بتناول العلاج الكيماوي ac ، عرفت أني كنت في نعيم قبل أيام ، وأن حزني وتعاستي كانت ( لعب أطفال ) .. حينما بدأ تغير طعم الفم ورفضت الغدد اللعابية إفراز الكمية المعهودة من اللعاب ، بل و تضافرت معها جهود حليمات التذوق في الثورة على الطعوم ، فصارت تعطيني مذاقات مزيفة وثائرة ..

أحياناً تطالبني حليمات التذوق بتناول ( أكل أحمر فيه مرق ) ، فأطلب من فاطم أن تهيء لي إيدام بطاطس بدون دجاج ولا لحم لأتناوله مع الرز الأبيض والسلطة .. ويسيل لعابي وأنا أتخيل الطعم الجميل ويمتلئ قلبي حبوراً وفرحاً لملاقاة وجبة طلبها لساني شخصياً  ، ولكن تكون الصدمة حينما أتذوق اللقيمات الأولى فأجد هذه الحليمات تعاندني كالأطفال فترفض هذا الطعم .. ماذا تريدين إذاً ؟ هل تريدين طعماً أقل حموضة ، أو أكثر ملوحة أو أشد ليونة أم ماذا ؟ أتساءل بخيبة أمل ثم أترك طبقي شبه ممتلئ وأقوم لأبحث عن طعام جديد نافع .

فإذا اجتمع مع هذا الطعم غير المقبول إلحاحاً من جانب أمي أو أخوتي على تناول ما لا أحبه أصلاً من الطعام كالبروكلي أو الخضروات لفائدتها ، فإن هذا – لعمر الله – هو التعذيب بعينه ..

وأحياناً كان لساني يلعب معي ويعطيني طعماً زائفاً لنفسه دون أن أتناول أي طعام ، فكنت أشعر بطعم الأسبرين المذاب في فمي ، ويعلم أبناء جيلي جيداً سوء هذا الطعم حينما كنا نصاب بالانفلونزا ونحن أطفال ، فكانت أمهاتنا تذيب الحبة في ملعقة ماء ثم تجرعننا إياه .. فارتبط هذا المذاق الكريه بالحمى والمرض .

ولما بدأت جلسات العلاج الكيماوي taxotere أيقنت أن ما جرى معي أيام ac كان مداعبة ثقيلة من لساني ، فقط ليتحول الأمر الآن إلى جد ..

كنت لا أتمكن من تناول أي طعام في الأيام الخمسة الأولى حتى أني كنت أفقد في أول كل جلسة ثلاثة كيلوجرامات ، وكانت أمي تتوسل إلي لتناول المزيد من الطعام والذي كان لا يزيد بحال من الأحوال عما تأكله شمسي .. كنت لا أشتهي شيئاً في البداية ، ثم تطور الأمر ليتحول إحساس الطعام في فمي كالقماش .. وأخيراً كان هذا القماش سيء الطعم ، فينتهي بي الأمر لتركي الطعام بالكلية ..

حتى الماء كنت لا أجده مستساغاً .. أما زمزم ، فانس الموضوع !!

وإذا ما دعيت إلى العشاء عند إحدى صديقاتي أبكي على الأطلال .. أطلال حليمات التذوق ( الصاحية ) والتي كانت تعرف أن ما ألوكه الآن هو قطعة بيتزا لا شراب ابنتي القديم .

وسمعت في تلك الفترة محاضرة للشيخ أبي إسحاق الحويني يتكلم في قناة الحكمة عن الطعام وكيف أن المريض لا يكاد يجد طعماً لشيء ، ثم حكى عن شخص قال لحكيم : ما أطيب هذا الطعام ! فقال الحكيم : إنما طيبته العافية .

أذكر يومها كنت مستلقية على الأريكة باسترخاء وكسل وفتور ، فلما سمعت قولته فكأنما وقعت على كنز .. اعتدلت في جلستي ، واتسعات حدقتاي وأصغيت لكلامه ونفسي تحدثني : فعلاً ، إنما تطيبه العافية ، لا الملح ولا السكر .. وأخذت أهز رأسي بطرب وأنا أكرر لنفسي : الله ! إنما طيبته العافية .. ولولا خشية اتهامي بالعته لقلت : ياليل يا عين .

واليوم ، حينما أشتهي شيئاً ، فأذوقه ، فأجده كما أشتهيته تحملني الذكرى إلى تلك الأيام ( والتي لن أصفها بالسعيدة ولا التعيسة ) وأحمد الله على العافية التي فقدتها لفترة من الزمن .. الآن بإمكاني أن أتخيل البيتزا المقرمشة الأطراف ، الغنية بالصلصة الحمراء والمغطاة بالجبن الذائب ، و كعك الشوكولاتة المغطى بطبقة ثخينة من كريمة الشوكولاتة ، فأجد تفاصيل الطعوم واضحة لا تقبل اللبس ، الحامض والمالح والحلو ، كلها معتدلة لا يطغى طعم على الآخر ..

صدقوني .. الآن أجد أن مجرد ذكر هذه الأطعمة ووصفها يثير في نفسي الكثير من المتعة والبهجة فكيف بتناولها !

أخوتي في عالم الكيماوي ممن لم يمن الله عليهم بالشفاء بعد .. اصبروا .. ففرج الله قريب !

Read Full Post »

أيامي القليلة الماضية مروج من العطاء ، خضراء  ، عطرة ، اغترفتها من بحور كرم نادية وأهلها .. أعجب لهذا الرزق الذي يمن الله به على بعض عباده ، إذ يعينهم على إدخال السرور في قلوب غيرهم .. وكيف لا يكون رزقاً والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال : ” أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ” حسنه الألباني .

اليوم كان اجتماعي معهم في مزرعتهم ، ومعنا صديقات حبيبات كذلك.. تناولنا إفطاراً هو أشبه بالغداء ، في جلسة حميمة أضفت على قلبي الكثير من السعادة والحبور .. كنت أنظر بعيني ويسرح فكري بعيداً .. في أمور شتى .. فكرت في نعم الله على العبد ، وكيف أننا مقصرين في شكر النعمة .. هذه الجلسة اللطيفة في البستان الأخضر ، مع أصدقاء أعزاء ، أليست من النعيم ؟ ساعات قضيتها في قمة الاستمتاع أتقلب في ضيافة هؤلاء الأكارم ، هديل تضيفني ، ونادية تخدمني ، وأبلة فايزة ( والدتهما ) تشعرني بالأهمية والتعظيم لكل كلمة أقولها وكأني شيخة مشائخ المدينة .. كل ذلك يصدر منهن بتلقائية وبساطة ، لعلهن دون أن يشعرن بمدى السرور الذي أحدثنه في نفسي .. دائماً أقول : الغريب والمريض يحتاج دائماً إلى اهتمام الغير ، وأنا كلاهما .. تفكرت في نعمة الله عليهن يهذا الكرم وتلك الأريحية ، وتفكرت في نعمة الله علي بصداقتي لهن .

لماذا يعجز الكثير من الناس عن إظهار مشاعرهم الإيجابية مع أن ذلك لا يكلفهم شيئاً كثيراً .. لماذا  يحجم الكثير من الناس عن إبداء هذه المشاعر إلا إذا رجوا من وراء ذلك مصلحة ما .. ألا تكفيهم السعادة التي يرونها في عين الطرف الآخر .. هل تحجرت قلوبهم عن ممارسة مثل هذا النوع من الفرح بإدخال السرور على قلوب الغير . كم منا من انعقد لسانه عن قول الجميل من الكلام سواء كان ثناء أو شكراً أو مجاملة صادقة ، حارماً بذلك نفسه وغيره لذة المشاعر الإيجابية إما خشية الاتهام بالعين أو الحسد ، أو لمجرد الكسل الخالص وجمود المشاعر وأنانية اللسان .

ماذا سأخسر لو شكرت رئيسة اللجنة المراقبة في اليوم الأخير من امتحانات الدورة التأهيلية للطفها وتواضعها وابتسامتها المريحة ؟ ماذا سأخسر لو رأيت إحدى صديقاتي في زيارة وقد تزينت فأحسنت فأخبرها كم تبدو جميلة . ماذا سأخسر لوحملت لصديقتي هدية صغيرة أذكرها بها كم أنا أحبها ومعتزة بصداقتها ، قد  لا تتجاوز العشرة ريالات ، ولكن الشعور بأن هذا الشخص تذكرني في وقت ما هو في الحقيقة شعور رائع . للأسف ، شحيحون نحن في أشياء كثيرة ليس أعظمها المال .

فكرت في نعمة الله علي باستطعام الطعام .. لا أنسى كيف كنت في أيام الكيماوي مثل هذا الوقت تماماً في العام الماضي .. كنت أتمثل قول المتنبي : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا !! وأعجب من هذه الدقة في اختيار الألفاظ .. فعلاً .. كنت أجد المرارة في الماء العذب النمير .. مرارة كانت تحول بيني وبين تناول الطعام والشراب أحياناً .. أنظر إلى الصنوف المتنوعة مما لذ وطاب ، وتشتهيه نفسي غاية الاشتهاء ، وأملأ ناظري بهذا المنظر الجميل ، حتى إذا ما ذقت منه لقمة واحدة احتجت عليّ براعم التذوق بشدة رافضة بكل عناد تلقي المزيد .. فيرتد إلي طرفي خاسئاً وهو حسير !! وأظل متحسرة على كل هذا الطعام الذي فاتني ( خاصة لو كنت مدعوة ) ، ومتعجبة في الوقت ذاته : سبحان الله ! كأنه أمر مفروغ منه أن  نجد للطعام طعماً ..أمرلا نقاش فيه ولا جدل ، فإذا غاب عنا هذا الطعم أو حُرمنا لذته شعرنا وكأنما منعنا الله حقاً من حقوقنا .. كم مرة حمدنا الله وأثنينا عليه لهذه النعمة التي أولاناها ؟نعم ، نحن نحمد الله تعالى على أن رزقنا الطعام ، لكن هل حمدناه على أن وجدنا لهذا الطعام مذاقاً سائغاً واستمتعنا بطيب طعمه ؟

فكرت في نعمة الروتين .. في هذه الجلسة تناقل الحاضرون قصص المحتجزين في سيول جدة .. وكالعادة طار ذهني بعيداً ليتخيل موقف هؤلاء المحتجزين والمتضررين .. لعل إحداهن كانت ساخطة على بيتها ذي الجدار المتشقق والدهان المتقشر ، خجلة من استقبال صويحباتها فيه ، فماذا حل بالدار ؟ لعل أحدهم كان يشتكي من الملل لأن اليوم مثل البارحة ومثلهما الغد ، فإذا هو (غارق )اليوم في (إثارة)  شديدة ، محتجزاً في سيارة يهددها جرف السيول . لعل مراهقاً كان يتأفف من هذه الشمس القوية ، ويتسخط من جونا الصحراوي ، فإذا به يرى المطر الباريسي البديع وهو يعانق طرقاً  وأنفاق لا تليق إلا بهجر وواحات لا مدينة كانت تنعت يوماً – زوراً – بعروس البحر الأحمر .

كم منا من يشكر نعم الله ، هذه الصغيرة التي اعتادها المرء ؟ النوم حينما تقرر أن تنام ، قضاء الحاجة بدون أدوية ، أن يدخل عليك أبناؤك سليمين معافين في الواحدة والنصف ظهراً في أيام الدراسة  لأن هذا موعد رجوعهم اليومي ، أن تغلق عليك بابك لاتخاف إلا الله والقط الذي يتمشى على جدار المنزل ..

هل أدينا شكر الوالدين ببرهما ؟ هل أدينا شكر الأصدقاء المحبين بالدعاء لهم ؟ هل أدينا شكر تذكير الله لنا بالإحسان بالمزيد من الإحسان لأنفسنا وللخلق ؟

كيف شكرنا نعمة الانترنت .. بالمقاطع المحرمة ؟ كيف شكرنا نعمة الحاجبين ( واسألوا مريضات السرطان عن هذه النعمة بالذات ).. بالنمص ؟ كيف شكرنا نعمة الغنى .. بغمط الناس ؟ كيف شكرنا نعمة الجمال .. بإبدائه لمن لا يحل لهم رؤيته ؟

إنا لله .. شرنا إلى الله صاعد ، وفضله إلينا نازل ..نستغفر الله من الزلل والخطل ، ومن سوء القول والعمل .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب ربي وترضى على كل شيء ؛ على نبضات القلب بتوحيدك وعلى أن كنت أنت لي رباً ..على نعمة الحواس السليمة ، ومظاهر الجمال من حولي والتي طالما غفلت عن وجودها  في حياتي .. على حرارة أنفاس أولادي تخالط شغاف فؤادي ، على بركة وجود أمي في حياتي .. وعلى وعلى وعلى ….وعلى أن جعلت نادية وأهلها  لي أهلاً !!

Read Full Post »

حينما عرفت بخبر إصابتي بالسرطان ، خشيت على أمي خشية شديدة .. أخبركم نزراً يسيراً عن نفسي .. أنا الابنة الصغرى والوحيدة لأمي . توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة , ولأمي ابن مراهق يكبرني بخمس سنوات .. لك أن تتخيل كيف عانت أمي لتربي مراهقين عنيدين وحدها . كانت أمي شديدة التعلق بي ، ولما تزوجت سافرت مع زوجي إلى مقر عمله ، وهكذا أمضيت أربعاً وعشرين سنة بعيدة عنها ، أزورها فقط في الإجازات والأعياد ..

في الآونة الأخيرة قبل أن أصاب بمرضي لاحظت أن أمي كانت تطيل النظر إليّ . تغافلني وتنظر في وجهي وكأنها تملأ عينيها من صورتي . كنت أعرف أنها تراني – أنا ابنة الأربعين – تماماً كما أرى الآن شمسي الصغيرة .. أتوقع أنها كانت تتمنى لو تضمني وتشمني كما أفعل أنا بشمس ، ولكن للأسف ، لم يعتد – كلانا – على ذلك .

فلما أصبت بالسرطان ، لم أعلم كيف كنت لأمهد لها الأمر .. أخبرتها أني جئت لأكشف على ( وريم ) صغير اكتشفته في ثديي الأيسر ، وأنه غير مقلقي إلا أن أبا خالد مصر على استشارة الأطباء في جدة .. لا أدري كم من المرات زلت لساني وذكرت أنني أجريت أشعة في المدينة ، وعينة ، وأشعة أخرى . ولكن أمي كانت كالمنومة التي لا تريد أن تصدق إلا ما أملاه عليها عقلها .. عقلها أخبرها أن ما أصاب هناء ورم حميد ، بالضبط كالذي أصابها هي نفسها قبل أكثر من ثلاثين سنة ، وفي الثدي نفسه ، لذا فإنها لم تكن لتبدي اكتراثاً بهذا الجاثم على صدري ، وبدلاً من ذلك فقد أولت اهتماماً كبيراً للانفلونزا الخفيفة التي أصابتني خشية أن تكون انفلونزا خنازير خاصة وأنها أصابت البعض من عائلتي .

حاولت أن أعلمها بالخبر بروية .. كل يومين أعطيها معلومة جديدة ، وأسرب لها نبأً لم تكن تعلمه . حتى تكونت عندها صورة شبه واضحة عن إصابتي بالسرطان ، وياللعجب ، لم تبد انزعاجاً كما توقعت .. مجرد شعور بالحزن العميق والهم . ابتلعت أمي كل آلامها وأحزانها حتى لا تشعرني بالأسى على نفسي ، خاصة وأني كنت أمر ببعض المشاكل العائلية . كنت في هذه الفترة أحاول مضاعفة مرحي لئلا تشعر بهمي . نعم ، صحيح أني تقبلت الأمر بحمد الله ، ولكن لم يخل بالي من الهم والتفكير .. هذا أمر جديد في عائلتي . لا نعرف أحداً أصيب بهذا المرض هنا. السرطان .. يالها من كلمة لها رنين مزعج وغريب . هذا أمر يحدث للآخرين فقط ، فما باله يحدث لنا الآن ؟

 كنت أستغل كل دقائق انفرادنا ببعضنا لأحكي لها حكايات مضحكة، وأفتعل المرح لأصرف عن ذهنها التفكير بمرضي .. ولكن ماذا يُتوقع من أم تعرف أن ابنتها الوحيدة قد أصيبت بهذا البعبع ؟

أمي ليست طبيعية ، حتماً .. شهر مر حتى الآن ولم تصارحني بحقيقة مشاعرها أو تبكي .. أتراها لا زالت في مرحلة التكذيب ؟ أخشى عليها الانهيار النفسي .. لابد أن تبكي .. لا بد أن تتكلم . صمودها هذا ضباب رقيق يخفي وراءه جبالاً من الألم أخشى أن تتصدع ، ولكن متى ، وكيف ؟

حتى كان اليوم الذي كنا نتفرج فيه على التلفاز ، ورأت أمي لأول مرة أنشودة ( شفاء بسمة ) .. لا أزال أبكي حتى الآن كلما سمعت هذه الأنشودة .. وأكره أن أشاهد مقطعها التمثيلي بحضرة أحد إذ سرعان ما تفضحني دموعي وصوتي المخنوق بالعبرات .

 

كالعادة غصصت بهذا الشعور الذي لا أعرف سره حتى هذه اللحظة ودمعت عيناي .. أشحت بوجهي عن أمي كي لا ترى دمعتي ، ولكي لا أرى بكاءها .. لمحت وجهها قد احمر جداً ، وسمعت تسارع أنفاسها تحاول كبت شيء ما ، لم تغير أمي القناة كما توقعت ، ولكنها تسمرت أمام الشاشة وأرعت سمعها لكلمات النشيد الجميلة .. كلمات ملأى بالتفاؤل والأمل .

انتهى النشيد ، وزفرت أمي زفرة حارة تحاول بها أن تكفكف دمع قلبها . كالعادة غيرت الموضوع ..

في المساء .. أخبرت أمي عن عائلة تحتاج للصدقة لو كان عندها ما تبذله . فأخبرتني أن أذكرها قبل النوم .. سكتت برهة .. ثم قالت بصوت مرتجف : أخرجت ألف ريال .. صدقة ليشفيك الله من السرطان .. ثم انفجرت ببكاء مرير ، حار أودعت فيه عذابات الأيام الماضية .. السهر والقلق في الليل .. الدعاء الخاشع الخالص لله ربي أن يشفيني .. آلام الخوف من أن تنالني يد الموت وتُحرم من ابنتها الصغرى والوحيدة .. الموت .. الموت .. نعم . هذا ما كان يؤرقها ، فمتى كنا نعرف أن السرطان لا يميت ؟

بكت في حضني ، وبكيت معها ، لا على نفسي ، ولكن على هذه المرأة الضعيفة ، التي أضحى رأسها أبيض كالثلج ، وأوهن جسدها الضئيل العمر ومحن السنين ، وهاهي الآن تُصاب في فؤادها .

 أخيراً يا أمي .. أخرجت خبايا قلبك .. أفرغت شحنات الألم والخوف والقلق السالبة التي أرقتك الأيام الماضية .. الحمد لله .. هذا ما كنت أريده .. الآن فقط بإمكانك يا أمي أن ترعيني في مرضي .. والآن فقط اطمئننت عليك !

Read Full Post »

البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟

الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟

أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..

 ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .

أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..

أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .

حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .

بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة  ، وقد علته حمرة بسيطة.

 أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..

 ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟

صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
 فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .

قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد  والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..

تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .

انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .

أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .

Read Full Post »

اليوم أنهيت اختباراتي للدورة التأهلية بحمد الله ..

ماذا ؟ لا تعرفون أني أدرس أصلاً ؟ حسنا ً .. أخبركم منذ البداية .

في البداية كان الحلم القديم بإكمال دراستي ولكنه كعادة أي حلم يحترم نفسه  : يزول حينما يريده صاحبه أن يتحول إلى حقيقة ..  يستيقظ المرء ليكتشف أنه لا يزال على فراشه ولم يغادر مكانه ، وأن كل ما رآه كان عبارة عن حلم .. المضحك في الأمر أني كنت أرى نفسي في أحلامي الحقيقية  وأنا أدرس الجامعة .. فأتنهد وأبتسم في نفسي هازئة وأقول : حتى أحلامي موضوعها حلمي الكبير ! وأقوم لأنفض عن ذهني هذه ( الكوابيس ) .

فلما أصبت بالسرطان وانخرطت في مراحل العلاج المتعبة جداً بما فيها من آلام وانخفاض طاقة وغثيان مستمر ، وبعض المشاكل العائلية ، كل أولئك كان يجعلني أحياناً أمر بفترة زهد في الحياة .. كنت أستلقي أحياناً إذا ما شعرت بتكالب الأمور عليّ ، فأسرح بفكري بعيداً وينطق ذهني دون لساني  : آآآآآه ، ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه ، ألا موت لذيذ الطعم يأتي يخلصني من العيش الكريه !!

 إلا أني لاأطلق لنفسي العنان في الخوض في هذه الأفكار الشريرة فأرميها وراء ظهري ، فقط لأعيش بسلام .. كنت أشعر أني أحتاج إلى شيء جميل يشعرني بالرغبة في الحياة .. مع كل الأفكار المتزاحمة والآلام المنهكة لم تكن عندي  الطاقة لأجلس مع نفسي وأقنعها بأن هناك طاعة الله أعيش من أجلها .. كنت أشعر أن الصبر على مرضي والرضا به طاعة كافية ، فلأمت الآن إذاً . شعرت بأن مظاهر الحياة تنسحب مني شيئاً فشيئاً ، وإن ظل ضميري يقاوم ويصرخ : لا تستسلمي يا هناء .. هناك الكثير من مباهج الحياة تستحق أن تعيشي لأجلها .. هناك أمك العطوف ، هناك أولادك المحبون ، هناك شمس حياتك المشرقة .. نوعاً ما استطعت بفضل الله تعالى أن أتمالك نفسي وأستعيد بعض زمام الأمر ، فلما عرضت عليّ نفسي فكرة الدراسة وتأليف كتاب يحكي عن تجربتي مع السرطان ليستفيد منه الناس وجدت هاتين الفكرتين قبولاً وانشراحاً في صدري ، وكان لهما أثراً عجيباً في طرحي للأفكار الغائمة عن ذهني واستعادة تمسكي بالحياة .

انضممت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الدورة التأهيلية . أذكر أني في أول أيام الاختبارات دخلت المعهد العلمي حيث تُعقد الاختبارات .دخلت بنقابي إلى أن أتأكد من خلو المبنى من الرجال ، وعلى شفتيّ ابتسامة وفي قلبي مشاعر متضاربة .. هناك البهجة بدخول الاختبارات والإحساس بهذا الشعور الجميل بالإنجاز وحصد الثمار . هناك التعجب من طرافة الموقف إذ أني أختبر في نفس المبني الذي كان يدرس فيه أبنائي خالد وسهل قبل سنوات . هناك الشعور الغريب الذي لا أعرف كيف أصفه إذ أدخل لأداء اختبار مع طالبات منهن من هي في سن فاطمتي . حمدت الله أن كنت بنقابي لأن البسمة طالت قليلاً ، فخشيت أن يتهمني أحد بالعته !

مضت أيام الاختبارات جميلة وممتعة – بالنسبة لي أنا على الأقل – حتى كان اليوم .. اختبار الثقافة الإسلامية .. مادة في غاية السهولة ولا أحبها كثيراً لأني أرى أنها فلسفة ( زيادة عن اللزوم ) فكنت أؤخر مذاكرتها . قمت من نومي متأخرة ، أعددت الغداء بالكثير من التلكؤ ، تصفحت النت ، وضعت رداً أو اثنين في منتداي وصليت الظهر ثم شرعت في المذاكرة .. كانت الساعة الثانية ظهراً ، واختباري يبدأ في الرابعة .. بدأت أدرس واكتشفت أن هناك الكثير من ( المُلخبِطات ) .. أهداف وخصائص ومواضيع ، وتحت كل بند يندرج عدد من النقاط ، والكثير من التعاريف اللغوية والاصطلاحية وووو ..

 وياللهول !! نمت وأكلت ولعبت والوقت يمضي ببطء مستهزئاً من قلة اكتراثي .. غرتني سهولة المادة وقدرتي ( السابقة ) على الحفظ السريع ، فلما رأيت الحقيقة بوجهها الناصع ، أدركت أني كنت كالأرنب المغرور الذي يسعى ليسبق السلحفاة المجتهدة ..

صارت عيناي تبتلع الأسطر بسرعة ، ثم تتجشؤها لتبتلعها ثانية .. يععع .. ماهذا التعبير المقرف ؟ لابد أنه من بقايا مادة البلاغة .. لابد أنها استعارة أو شيء من هذا القبيل .

أخيراً ذهبت لأداء الاختبار وقد تعلمت درساً لن أنساه .. أن المربين ضحكوا علينا بقصة الأرنب والسلحفاة ، وأنه في الحقيقة سبقها ولم تسبقه !!

Read Full Post »

هذه التدوينة عبارة عن أحد فصول كتابي الذي سيصدر قريباً بإذن الله  واسمه : الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي  .. وقد اخترت لكم هذا الفصل ، لأني أحبه كثيراً ، وعشت أحداثه بسعادة لذيذة .. أرجو أن تستمتعوا بقراءته كما استمتعت أنا بأحداثه .

دخلت العشر الأواخر ، وفكرة الإفطار في الحرم تلح علي منذ عشرة أعوام ، إلا أن ظروفي مع أولادي لم تكن تسمح لي بذلك ، فهم لا يرغبون بتناول الإفطار في الحرم ، وأنا لا أحبذ فكرة تناول الوجبة الرئيسية خارج المنزل، بعيداً عن أفراد العائلة .

الآن ، أنا وحدي .. أولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟ كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، ينثر عليها ( الدقة ) ويقلبها بالملعقة ثم يتناولها بتلذذ ،  تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً .. لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة .. كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة ..

حادثت صديقتي سارة .. وأخبرتها برغبتي .. فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً .. لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً .. فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي .. نعم هكذا حرفياً ، توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها عليّ بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أكثر ما أستطيعه )  بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  .. نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم . نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة .. وأمامي الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم .. كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية .. الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان .. رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟ اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل .. صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث .. تعبت من المشي .. وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..  ندوس على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار .. يا الله .. كم أحب هذا المنظر .. المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب .. لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة .. كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمّن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها .. فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك .. لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج .. في الساحة .. هناك مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة . يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” .. وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن المنزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” .. وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها .. مثل سارة يُخدم .. فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات.. وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن .. كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم.. وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها . لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي .. فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) !!

Read Full Post »

أحببت أن أشارككم إحساسي الغريب هذا ..

منذ أن أصبت بالسرطان واضطررت إلى زيارة المستشفى كثيراً ، صرت أكثرمن سماع لفظة ” يا خالة ” تقال لي . أحياناً من أناس أجزم أنهم يكبرونني سناً ، ولكن انحناءة الظهر بعد الكيماوي ، والعباءة التي على الرأس ، وتوكئي على خالد ، كل أولئك كان يقول للناس : ( سيبوكم منها ) .. انها خالة فعلاً ،.

لم يكن يشفع لي الكتاب الانجليزي الذي  يطل من حقيبتي ، ولا لكنتي الأمريكية التي استعملتها مع الممرضات  بإيعاز من عقلي الباطن لإبهارهن ولدفع صفة ( الخالة ) عن نفسي ، ولا فائدة  ، فقد برمجن أنفسهن على الرد بعربية مهشمة  .

أنا خالة ؟ الله يهديكم .. الآن علمت أن جل الطرائف التي خرجت تسخر من كراهية المرأة لمعرفة عمرها – كانت حقيقية . وأنا التي كنت أحسب نفسي ( غير ) !!

اذكر أني دخلت مرة على طبيب شاب ينوب طبيبي الأصلي، أعتقد أنه يكبر خالدي بثلاث سنوات أو أربع ، ما أن جلست حتى بادرني فقال : خير يا أختي ،..

هممت بالفرح ، ولكنه وأد هذا الشعور في نفسي لما لمح هيئتي الخارجية ( الخاليّة ) فقال مستدركاً : يا خالة ..

تنهدت في سري ، وقلت : آه ، يا فرحة ما تمت !

سألني وأجبته ، ثم بدأ يتبسط في الحديث معي بعض الشيء ، ثم تبسط معي أكثر ، ثم قال : يا خالة هناء أبغى منك طلب .. ثم تحدث ، وقال : أصل المسألة يا خالة هناء ، وياخالة هناء ويا خالة هناء، حتى كدت أقول له : أبشر يا ولدي يا حبيبي !!!

ما هؤلاء البشر ؟

أنا خالة ؟

لولا أني لا أحب الكلمة لقلت له ( خلخل ضروسك )!

خرج الطبيب لاستشارة الطبيب الأصلي ، فقلت باستنكار لسهل الذي كان مرافقي : أنا خالة؟

لا ، وخالة هناء ؟ كأنه ابن أختي !!

فقال : لابد أنه استغرب من اسمك .. ماهذه الخالة التي اسمها هناء ؟ هو معتاد على خالة فاطمة مثلاً أو خالة صالحة ، لكن خالة هناء ، أنا أقولها لك أنها غريبة ..

جلست أفكر ، أهي غريبة فعلاً ؟ لا أعتقد أن والدته من فئة لمار وراما ومايا ، لكن بإمكانها أن تكون من فئة رشا وسلوى وسهى .. إذاً هناء ليست شديدة الغرابة !

المضحك في الأمر هو شعوري بأني لست خالة ..

نعم ، أنا أرى بوضوح الشعر الأبيض الذي كسا رأسي ، كما أرى انحناءة الظهر الخفيفة – حتى بعد انتهاء الكيماوي –  وأشعر بآلام المفاصل التي تدفعني إلى العرج الخفيف كلما قمت من جلسة طويلة ، ولكني على الرغم من هذا لا أشعر بأني أستحق أن أكون خالة .

 همممم .. ممكن أبلة ..

لا زلت أشعر أني صغيرة ، نفسها تلك الفتاة ذات الضفائر التي تلعب الكرة الطائرة في مدرستها دار الحنان ..

الفتاة ذات القيد المياس ( مع أني الآن في الحقيقة أبعد الناس عن هذا الوصف ) ، والمواهب المتعددة .

أشعر أني صغيرة لدرجة أني منذ خمس سنوات قابلت امرأة عند إحدى صديقاتي : تجلس على الأرض متربعة ، وقيامها صعب ، وسمينة نوعاً ما ، وترتدي الطرحة  ، وسنّاها الأماميتان مفلجتان ..

 سألتني عن حالي ، فقلت لها : الحمد لله يا خالة ، وكيفك انت ؟

لا بد أنها كانت ستصاب بالجلطة لما سمعتني أخاطبها بالكلمة المكروهة ..

في الحقيقة أني أنا من كنت سأصاب بالجلطة لما رأيت ابنتها الكبرى تناولها طفلاً صغيراً لم يتجاوز السنتين عرفت فيما بعد أنه ولدها ..

نعم .. ولد الخالة !!

شهقت في نفسي من الخجل .. هذه المرأة لا تكبرني بأكثر من عشر سنوات ، ثم أنا ( أخلخلها ) ؟

ما الذي حملني على الاعتقاد أنني لا أكبر وكل الناس يكبرون ؟

لماذا يتوقف الزمان عندي عند نقطة الشباب والصحة الريانة والقوام الممشوق والشعر الأسود ، فأفترض أن أم عبد العزيز وأم عبد الله خالات ، في حين أن أم خالد شابة ، لكن كنيتها كبرتها !! لماذا أعتقدني ( إن صح التعبير ) لازلت أعيش في المرحلة الخضراء ، في حين أني دخلت حقيقة في المرحلة البرتقالية ، خاصة مع مرضي الذي يسرع بي الخطا للمرحلة الصفراء والتي تسبق الفناء ؟

في الحقيقة أحاول أن أكون واقعية ، أعي حقيقة أمري دون إغراق في تفاؤل يخرج الذهن عن دائرة الواقع والحقيقة الضروريتين للتصرف الصحيح .

متشائمة ؟

لا ، بفضل الله ورحمته ..

كيف يتشاءم من يظل يتذوق حلاوة لطف الله وحكمته في كل حياته ؟

حين أمرض تأتيني ألطاف الله ببر أولادي وحب أهلي وصديقاتي ، والدواء النافع بإذن الله ، وفوق هذا وذاك لطفه تعالى بي أن لا يزال يريني مواطن لطفه ، ولم يتركني لنفسي وشيطاني يخبطانني في سوء الظن به سبحانه ، أو في يأس وقنوط من رحمته ..

 لن يعود الشباب إلا في الجنة ..

وحتى ذلك الحين فلأقنع بلفظة خالة !!

Read Full Post »

« Newer Posts