Feeds:
المقالات
التعليقات

متعٌ مبهِجات

على الطاولة الصغيرة إلى جانب سريري قبعت أربعة كتب تنتظرني لأنهي قراءتها .. ثم أضفت إليها الليلة ثلاثة أخرى .. ذهبت إلى المكتبة وجلت بين أرجائها في استمتاع عظيم وأنا أرمق هذه المخلوقات اللطيفة التي تدعى كتباً .. أحملها في يدي ، أتصفحها بسرور .. أحب ملمس الكتاب الورقي الجديد ورائحته .. أحرك رأسي باستهجان وأنا أفكر : أي متعة يجدها الناس في قراءة الكتاب الالكتروني ؟ إن لم أسمع صوت تقليب الصفحات العذب ، ولم تلامس أصابعي صفحات الغلاف اللامعة ، ولم تستمتع يدي بالعادة السيئة في طي أعلى الصفحة التي أنهيت قراءتي عندها ، أو كفء الكتاب ( على وجهه ) فإن ثلاث أرباع متعة القراءة تضيع علي .

دعنا ننظر ما عندنا الليلة .. همممم . هناك ثلاث كتب عربية وأربع انجليزية .. هل عندك من الفضول ما يكفي لتعرف عناوينها .. حسناً ، عندي من الأريحية ما يكفي لأشاركك إياها ، وأزيدك على ذلك : أشاركك في بعض محتويات تلك التي شرعت في قراءتها ..

 هل نبدأ بالكتب العربية أم الانجليزية ؟  حسناً .. هناك كتاب ” مع الله ” للشيخ سلمان العودة وفيها يحكي بأسلوبه الأدبي الرفيع عن أسماء الله الحسنى .. كتاب جميل ماتع بلا شك .. جميل أن نقرأ عن أسماء الله تعالى ونتعلمها .. فإن ملاذ قلب المسلم يكون إلى الله تعالى ، فيلجأ إليه وهو يعلم أن بيده تعالى الرزق والعون والغوث والتدبير والملك وكل شيء ، وهو يعبده تعالى بأسمائه الحسنى – فائقة الحسن – يبتغي بذلك طمأنينة قلبه إلى أقدار الله كلها وتقرباً إليه سبحانه بهذه العبادة .

أنقل لك بعض المعاني لاسم الله ” اللطيف ” .. الاسم الذي شعرت به قوياً، جلياً ، وهاجاً في حياتي بعد ما أصبت بالسرطان في العام الماضي .. فمن معانيه : الرفق ، فهو تعالى يرفق بعباده فلا يعاجلهم بالمؤاخذة على الذنب . ومن معانيه تسخير الخلق بعضهم لبعض ، فسخر الأبوين للأولاد ، والأولاد للأبوين ، بل سخر لهم الملائكة تستغفر لهم وتصلي عليهم. ومن لطفه تعالى أن يعطي عباده إذا كان العطاء خيراً لهم ، ويمنعهم إذا كان المنع خيراً لهم ، وِفق مقتضى حكمته ورحمته  وعدله عز وجل . لا أريد أن أطيل في نقل هذه المقاطع ، لكن تذكروا جيداً هذا الكلام ، فلا أشك في أني سأتكلم عن هذه المعاني قريباً إن شاء الله في تدوينة أخرى ، خاصة هذا الأخير..

واشتريت كتابين هذا المساء ، أحدهما يدعى ” التربية الذكية ” للدكتور لاري كوينج، وقد سمعت الدكتور ميسرة طاهر يشيد به  في برنامجه في قناة دليل .. والآخر : “نجاحات عظيمة يومية ” لستيفن كوفي . للأسف لم أقرأ أي شيء في هذين الكتابين بعد ، بل إني وضعتهما في أسفل مجموعة الكتب لئلا ينتهي بي المطاف بسبع كتب أقرؤها في آن واحد دون أن أتمكن من إنهاء أي منها خلال هذا الشهر ، لذا فلن أتمكن من نقل أي صورة عنهما لك ، فمعذرة .

والآن أنتقل إلى الكتب الانجليزية .. أولاً أريد أن أنوه إلى أن الكتب الانجليزية التي أقرؤها هذه الأيام غالبها يتحدث عن موضوع واحد : سرطان الثدي .. فمنذ أن أصبت بالسرطان فقد أصبت معه بوسواس التوعية لسرطان الثدي .. قرأت العشرات من المقالات في المواقع الأمريكية ، وقمت بشراء مجموعة من الكتب من موقع أمازون كلها تتحدث عن سرطان الثدي وما ينتمي إليه ، وفي نيتي تأليف قدر ما استطيعه من الكتب التي تتحدث عن هذا المرض . لذا قد لا تهمك كثيراً الكتب الانجليزية القابعة بجانب سريري ، إذ قد لاتكون من المهتمين بهذا المرض ، ولكني وعدت بأني سأشاركك ، وسأفعل ..

هناك كتاب يدعى Just Get Me Through This  ، وفيه تحكي المؤلفة عن كيفية التكيف مع سرطان الثدي وعلاجاته .. ومما أعجبني في كتابها هذا المقطع الذي تحكي فيه كيف أن السرطان قد يغير حياة المريضة من عدة اتجاهات ، وذكرت:

  • أن المريضة ستنظر إلى الحياة بطريقة مختلفة تماماً عن نظرتها الأولى لها . ستشعر كم هي محظوظة أن عاشت الحياة .
  • ستشكر المريضة الله تعالى على كل يوم يمر بها ، على أنها لا زالت حية تستمتع بهذه الأيام .
  • ستقترب المريضة من الأشخاص الذين يملؤون حياتها بالمعاني الجميلة ، وتتخلص من أولئك الذين يجلبون معهم  المشاعر السلبية ، وسبحان الله كيف تظهر المحن معادن الناس ! (  طبعاً هي لم تقل سبحان الله ، أنا التي فعلت )

يكفي نقلاً من هذا الكتاب .. هناك الكتاب الآخر : Stand by Her ، وكنت قد بدأت قريباً في قراءته ، فلم أقطع شوطاً جزيلاً فيه ، وبالتالي لن أتمكن من إعطائك صورة جيدة عنه ، إلا أنه يتكلم عما يمكن للرجل أن يفعله إذا أصيبت ( امرأته ) بسرطان الثدي سواء كانت هذه المرأة أمه أو ابنته أو زوجته أو أخته .. مفيد فعلاً ، وأتمنى لو أترجمه وأهديه مع خالص التحيات لأولئك الأزواج الذين يعاملون زوجاتهم المصابات بالسرطان وكأنهن مصابات بالأنفلونزا !!

الكتاب الثالث هو الكتاب الرائع من السلسلة الشهية : شوربة الدجاج .. أذكر أني سمعت عن هذه السلسلة من خمس سنوات تقريباً ، ولم يعجبني الاسم .. شوربة دجاج ثم هو يتحدث عن أمور اجتماعية ؟ بعدها علمت أن الغرب يصفون شوربات الدجاج كعلاج لأمراض الانفلونزا والبرد ، فكأن المؤلف جعل كتابه بمثابة شوربة الدجاج للروح ، لذا فاسم كتابي Chicken Soup for the Breast Cancer Survivor’s Soul .. فيه قصص جميلة تحكي عن الحب عند مريضات سرطان الثدي والدعم النفسي ، والتحديات والشجاعة والنجاة وغيرها من المواضيع .. الكتاب رائع وجميل كعادة كتب السلسلة ، لكن من أجمل المقولات التي قرأتها والتي طبقتها في حياتي : أنت لا تملك الطريقة التي ستموت بها ، ومتى ، ولكنك تملك فقط الطريقة التي ستعيش بها الآن.

ولن أسترسل في هذا الموضوع لأن هذه التدوينة قد طالت ، وعندي عادة سيئة في الاستطراد ، فلن أعلق ، ولكني أدعوك للتفكير في هذه المقولة , ولا تحتاج أن تكون مريض سرطان – عافاك الله – لتطبق هذه المقولة ، ولكن كل من أراد السعادة فعليه أن يتحلى بهذا الكلام .

آخر الكتب كتاب أعجبني اسمه ولا أعرف في الحقيقة موضوعه بعد ، ولكني وجدته في ركن أكثر الكتب مبيعاً ، وهو كتاب Who Moved My Cheese ، كما ذكرت لا أعرف عنه شيئاً ، ولا أنوي قراءته إلا بعد الانتهاء من الكتب التي وضعت فيها فواصل القراءة . متى سيكون ذلك ؟ اللهم أعلم .. وحتى ذلك الحين ، لأهنأ بمنظر الكتب الجميل مصفوفاً إلى جانب سريري ..

 

تداعيات زيارة

أيامي القليلة الماضية مروج من العطاء ، خضراء  ، عطرة ، اغترفتها من بحور كرم نادية وأهلها .. أعجب لهذا الرزق الذي يمن الله به على بعض عباده ، إذ يعينهم على إدخال السرور في قلوب غيرهم .. وكيف لا يكون رزقاً والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال : ” أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ” حسنه الألباني .

اليوم كان اجتماعي معهم في مزرعتهم ، ومعنا صديقات حبيبات كذلك.. تناولنا إفطاراً هو أشبه بالغداء ، في جلسة حميمة أضفت على قلبي الكثير من السعادة والحبور .. كنت أنظر بعيني ويسرح فكري بعيداً .. في أمور شتى .. فكرت في نعم الله على العبد ، وكيف أننا مقصرين في شكر النعمة .. هذه الجلسة اللطيفة في البستان الأخضر ، مع أصدقاء أعزاء ، أليست من النعيم ؟ ساعات قضيتها في قمة الاستمتاع أتقلب في ضيافة هؤلاء الأكارم ، هديل تضيفني ، ونادية تخدمني ، وأبلة فايزة ( والدتهما ) تشعرني بالأهمية والتعظيم لكل كلمة أقولها وكأني شيخة مشائخ المدينة .. كل ذلك يصدر منهن بتلقائية وبساطة ، لعلهن دون أن يشعرن بمدى السرور الذي أحدثنه في نفسي .. دائماً أقول : الغريب والمريض يحتاج دائماً إلى اهتمام الغير ، وأنا كلاهما .. تفكرت في نعمة الله عليهن يهذا الكرم وتلك الأريحية ، وتفكرت في نعمة الله علي بصداقتي لهن .

لماذا يعجز الكثير من الناس عن إظهار مشاعرهم الإيجابية مع أن ذلك لا يكلفهم شيئاً كثيراً .. لماذا  يحجم الكثير من الناس عن إبداء هذه المشاعر إلا إذا رجوا من وراء ذلك مصلحة ما .. ألا تكفيهم السعادة التي يرونها في عين الطرف الآخر .. هل تحجرت قلوبهم عن ممارسة مثل هذا النوع من الفرح بإدخال السرور على قلوب الغير . كم منا من انعقد لسانه عن قول الجميل من الكلام سواء كان ثناء أو شكراً أو مجاملة صادقة ، حارماً بذلك نفسه وغيره لذة المشاعر الإيجابية إما خشية الاتهام بالعين أو الحسد ، أو لمجرد الكسل الخالص وجمود المشاعر وأنانية اللسان .

ماذا سأخسر لو شكرت رئيسة اللجنة المراقبة في اليوم الأخير من امتحانات الدورة التأهيلية للطفها وتواضعها وابتسامتها المريحة ؟ ماذا سأخسر لو رأيت إحدى صديقاتي في زيارة وقد تزينت فأحسنت فأخبرها كم تبدو جميلة . ماذا سأخسر لوحملت لصديقتي هدية صغيرة أذكرها بها كم أنا أحبها ومعتزة بصداقتها ، قد  لا تتجاوز العشرة ريالات ، ولكن الشعور بأن هذا الشخص تذكرني في وقت ما هو في الحقيقة شعور رائع . للأسف ، شحيحون نحن في أشياء كثيرة ليس أعظمها المال .

فكرت في نعمة الله علي باستطعام الطعام .. لا أنسى كيف كنت في أيام الكيماوي مثل هذا الوقت تماماً في العام الماضي .. كنت أتمثل قول المتنبي : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا !! وأعجب من هذه الدقة في اختيار الألفاظ .. فعلاً .. كنت أجد المرارة في الماء العذب النمير .. مرارة كانت تحول بيني وبين تناول الطعام والشراب أحياناً .. أنظر إلى الصنوف المتنوعة مما لذ وطاب ، وتشتهيه نفسي غاية الاشتهاء ، وأملأ ناظري بهذا المنظر الجميل ، حتى إذا ما ذقت منه لقمة واحدة احتجت عليّ براعم التذوق بشدة رافضة بكل عناد تلقي المزيد .. فيرتد إلي طرفي خاسئاً وهو حسير !! وأظل متحسرة على كل هذا الطعام الذي فاتني ( خاصة لو كنت مدعوة ) ، ومتعجبة في الوقت ذاته : سبحان الله ! كأنه أمر مفروغ منه أن  نجد للطعام طعماً ..أمرلا نقاش فيه ولا جدل ، فإذا غاب عنا هذا الطعم أو حُرمنا لذته شعرنا وكأنما منعنا الله حقاً من حقوقنا .. كم مرة حمدنا الله وأثنينا عليه لهذه النعمة التي أولاناها ؟نعم ، نحن نحمد الله تعالى على أن رزقنا الطعام ، لكن هل حمدناه على أن وجدنا لهذا الطعام مذاقاً سائغاً واستمتعنا بطيب طعمه ؟

فكرت في نعمة الروتين .. في هذه الجلسة تناقل الحاضرون قصص المحتجزين في سيول جدة .. وكالعادة طار ذهني بعيداً ليتخيل موقف هؤلاء المحتجزين والمتضررين .. لعل إحداهن كانت ساخطة على بيتها ذي الجدار المتشقق والدهان المتقشر ، خجلة من استقبال صويحباتها فيه ، فماذا حل بالدار ؟ لعل أحدهم كان يشتكي من الملل لأن اليوم مثل البارحة ومثلهما الغد ، فإذا هو (غارق )اليوم في (إثارة)  شديدة ، محتجزاً في سيارة يهددها جرف السيول . لعل مراهقاً كان يتأفف من هذه الشمس القوية ، ويتسخط من جونا الصحراوي ، فإذا به يرى المطر الباريسي البديع وهو يعانق طرقاً  وأنفاق لا تليق إلا بهجر وواحات لا مدينة كانت تنعت يوماً – زوراً – بعروس البحر الأحمر .

كم منا من يشكر نعم الله ، هذه الصغيرة التي اعتادها المرء ؟ النوم حينما تقرر أن تنام ، قضاء الحاجة بدون أدوية ، أن يدخل عليك أبناؤك سليمين معافين في الواحدة والنصف ظهراً في أيام الدراسة  لأن هذا موعد رجوعهم اليومي ، أن تغلق عليك بابك لاتخاف إلا الله والقط الذي يتمشى على جدار المنزل ..

هل أدينا شكر الوالدين ببرهما ؟ هل أدينا شكر الأصدقاء المحبين بالدعاء لهم ؟ هل أدينا شكر تذكير الله لنا بالإحسان بالمزيد من الإحسان لأنفسنا وللخلق ؟

كيف شكرنا نعمة الانترنت .. بالمقاطع المحرمة ؟ كيف شكرنا نعمة الحاجبين ( واسألوا مريضات السرطان عن هذه النعمة بالذات ).. بالنمص ؟ كيف شكرنا نعمة الغنى .. بغمط الناس ؟ كيف شكرنا نعمة الجمال .. بإبدائه لمن لا يحل لهم رؤيته ؟

إنا لله .. شرنا إلى الله صاعد ، وفضله إلينا نازل ..نستغفر الله من الزلل والخطل ، ومن سوء القول والعمل .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب ربي وترضى على كل شيء ؛ على نبضات القلب بتوحيدك وعلى أن كنت أنت لي رباً ..على نعمة الحواس السليمة ، ومظاهر الجمال من حولي والتي طالما غفلت عن وجودها  في حياتي .. على حرارة أنفاس أولادي تخالط شغاف فؤادي ، على بركة وجود أمي في حياتي .. وعلى وعلى وعلى ….وعلى أن جعلت نادية وأهلها  لي أهلاً !!

ذكريات بطعم السرطان

حينما عرفت بخبر إصابتي بالسرطان ، خشيت على أمي خشية شديدة .. أخبركم نزراً يسيراً عن نفسي .. أنا الابنة الصغرى والوحيدة لأمي . توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة , ولأمي ابن مراهق يكبرني بخمس سنوات .. لك أن تتخيل كيف عانت أمي لتربي مراهقين عنيدين وحدها . كانت أمي شديدة التعلق بي ، ولما تزوجت سافرت مع زوجي إلى مقر عمله ، وهكذا أمضيت أربعاً وعشرين سنة بعيدة عنها ، أزورها فقط في الإجازات والأعياد ..

في الآونة الأخيرة قبل أن أصاب بمرضي لاحظت أن أمي كانت تطيل النظر إليّ . تغافلني وتنظر في وجهي وكأنها تملأ عينيها من صورتي . كنت أعرف أنها تراني – أنا ابنة الأربعين – تماماً كما أرى الآن شمسي الصغيرة .. أتوقع أنها كانت تتمنى لو تضمني وتشمني كما أفعل أنا بشمس ، ولكن للأسف ، لم يعتد – كلانا – على ذلك .

فلما أصبت بالسرطان ، لم أعلم كيف كنت لأمهد لها الأمر .. أخبرتها أني جئت لأكشف على ( وريم ) صغير اكتشفته في ثديي الأيسر ، وأنه غير مقلقي إلا أن أبا خالد مصر على استشارة الأطباء في جدة .. لا أدري كم من المرات زلت لساني وذكرت أنني أجريت أشعة في المدينة ، وعينة ، وأشعة أخرى . ولكن أمي كانت كالمنومة التي لا تريد أن تصدق إلا ما أملاه عليها عقلها .. عقلها أخبرها أن ما أصاب هناء ورم حميد ، بالضبط كالذي أصابها هي نفسها قبل أكثر من ثلاثين سنة ، وفي الثدي نفسه ، لذا فإنها لم تكن لتبدي اكتراثاً بهذا الجاثم على صدري ، وبدلاً من ذلك فقد أولت اهتماماً كبيراً للانفلونزا الخفيفة التي أصابتني خشية أن تكون انفلونزا خنازير خاصة وأنها أصابت البعض من عائلتي .

حاولت أن أعلمها بالخبر بروية .. كل يومين أعطيها معلومة جديدة ، وأسرب لها نبأً لم تكن تعلمه . حتى تكونت عندها صورة شبه واضحة عن إصابتي بالسرطان ، وياللعجب ، لم تبد انزعاجاً كما توقعت .. مجرد شعور بالحزن العميق والهم . ابتلعت أمي كل آلامها وأحزانها حتى لا تشعرني بالأسى على نفسي ، خاصة وأني كنت أمر ببعض المشاكل العائلية . كنت في هذه الفترة أحاول مضاعفة مرحي لئلا تشعر بهمي . نعم ، صحيح أني تقبلت الأمر بحمد الله ، ولكن لم يخل بالي من الهم والتفكير .. هذا أمر جديد في عائلتي . لا نعرف أحداً أصيب بهذا المرض هنا. السرطان .. يالها من كلمة لها رنين مزعج وغريب . هذا أمر يحدث للآخرين فقط ، فما باله يحدث لنا الآن ؟

 كنت أستغل كل دقائق انفرادنا ببعضنا لأحكي لها حكايات مضحكة، وأفتعل المرح لأصرف عن ذهنها التفكير بمرضي .. ولكن ماذا يُتوقع من أم تعرف أن ابنتها الوحيدة قد أصيبت بهذا البعبع ؟

أمي ليست طبيعية ، حتماً .. شهر مر حتى الآن ولم تصارحني بحقيقة مشاعرها أو تبكي .. أتراها لا زالت في مرحلة التكذيب ؟ أخشى عليها الانهيار النفسي .. لابد أن تبكي .. لا بد أن تتكلم . صمودها هذا ضباب رقيق يخفي وراءه جبالاً من الألم أخشى أن تتصدع ، ولكن متى ، وكيف ؟

حتى كان اليوم الذي كنا نتفرج فيه على التلفاز ، ورأت أمي لأول مرة أنشودة ( شفاء بسمة ) .. لا أزال أبكي حتى الآن كلما سمعت هذه الأنشودة .. وأكره أن أشاهد مقطعها التمثيلي بحضرة أحد إذ سرعان ما تفضحني دموعي وصوتي المخنوق بالعبرات .

 

كالعادة غصصت بهذا الشعور الذي لا أعرف سره حتى هذه اللحظة ودمعت عيناي .. أشحت بوجهي عن أمي كي لا ترى دمعتي ، ولكي لا أرى بكاءها .. لمحت وجهها قد احمر جداً ، وسمعت تسارع أنفاسها تحاول كبت شيء ما ، لم تغير أمي القناة كما توقعت ، ولكنها تسمرت أمام الشاشة وأرعت سمعها لكلمات النشيد الجميلة .. كلمات ملأى بالتفاؤل والأمل .

انتهى النشيد ، وزفرت أمي زفرة حارة تحاول بها أن تكفكف دمع قلبها . كالعادة غيرت الموضوع ..

في المساء .. أخبرت أمي عن عائلة تحتاج للصدقة لو كان عندها ما تبذله . فأخبرتني أن أذكرها قبل النوم .. سكتت برهة .. ثم قالت بصوت مرتجف : أخرجت ألف ريال .. صدقة ليشفيك الله من السرطان .. ثم انفجرت ببكاء مرير ، حار أودعت فيه عذابات الأيام الماضية .. السهر والقلق في الليل .. الدعاء الخاشع الخالص لله ربي أن يشفيني .. آلام الخوف من أن تنالني يد الموت وتُحرم من ابنتها الصغرى والوحيدة .. الموت .. الموت .. نعم . هذا ما كان يؤرقها ، فمتى كنا نعرف أن السرطان لا يميت ؟

بكت في حضني ، وبكيت معها ، لا على نفسي ، ولكن على هذه المرأة الضعيفة ، التي أضحى رأسها أبيض كالثلج ، وأوهن جسدها الضئيل العمر ومحن السنين ، وهاهي الآن تُصاب في فؤادها .

 أخيراً يا أمي .. أخرجت خبايا قلبك .. أفرغت شحنات الألم والخوف والقلق السالبة التي أرقتك الأيام الماضية .. الحمد لله .. هذا ما كنت أريده .. الآن فقط بإمكانك يا أمي أن ترعيني في مرضي .. والآن فقط اطمئننت عليك !

فبذلك فليفرحوا !

البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟

الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟

أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..

 ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .

أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..

أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .

حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .

بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة  ، وقد علته حمرة بسيطة.

 أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..

 ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟

صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
 فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .

قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد  والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..

تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .

انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .

أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .

طالبة في سن جدتي

اليوم أنهيت اختباراتي للدورة التأهلية بحمد الله ..

ماذا ؟ لا تعرفون أني أدرس أصلاً ؟ حسنا ً .. أخبركم منذ البداية .

في البداية كان الحلم القديم بإكمال دراستي ولكنه كعادة أي حلم يحترم نفسه  : يزول حينما يريده صاحبه أن يتحول إلى حقيقة ..  يستيقظ المرء ليكتشف أنه لا يزال على فراشه ولم يغادر مكانه ، وأن كل ما رآه كان عبارة عن حلم .. المضحك في الأمر أني كنت أرى نفسي في أحلامي الحقيقية  وأنا أدرس الجامعة .. فأتنهد وأبتسم في نفسي هازئة وأقول : حتى أحلامي موضوعها حلمي الكبير ! وأقوم لأنفض عن ذهني هذه ( الكوابيس ) .

فلما أصبت بالسرطان وانخرطت في مراحل العلاج المتعبة جداً بما فيها من آلام وانخفاض طاقة وغثيان مستمر ، وبعض المشاكل العائلية ، كل أولئك كان يجعلني أحياناً أمر بفترة زهد في الحياة .. كنت أستلقي أحياناً إذا ما شعرت بتكالب الأمور عليّ ، فأسرح بفكري بعيداً وينطق ذهني دون لساني  : آآآآآه ، ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه ، ألا موت لذيذ الطعم يأتي يخلصني من العيش الكريه !!

 إلا أني لاأطلق لنفسي العنان في الخوض في هذه الأفكار الشريرة فأرميها وراء ظهري ، فقط لأعيش بسلام .. كنت أشعر أني أحتاج إلى شيء جميل يشعرني بالرغبة في الحياة .. مع كل الأفكار المتزاحمة والآلام المنهكة لم تكن عندي  الطاقة لأجلس مع نفسي وأقنعها بأن هناك طاعة الله أعيش من أجلها .. كنت أشعر أن الصبر على مرضي والرضا به طاعة كافية ، فلأمت الآن إذاً . شعرت بأن مظاهر الحياة تنسحب مني شيئاً فشيئاً ، وإن ظل ضميري يقاوم ويصرخ : لا تستسلمي يا هناء .. هناك الكثير من مباهج الحياة تستحق أن تعيشي لأجلها .. هناك أمك العطوف ، هناك أولادك المحبون ، هناك شمس حياتك المشرقة .. نوعاً ما استطعت بفضل الله تعالى أن أتمالك نفسي وأستعيد بعض زمام الأمر ، فلما عرضت عليّ نفسي فكرة الدراسة وتأليف كتاب يحكي عن تجربتي مع السرطان ليستفيد منه الناس وجدت هاتين الفكرتين قبولاً وانشراحاً في صدري ، وكان لهما أثراً عجيباً في طرحي للأفكار الغائمة عن ذهني واستعادة تمسكي بالحياة .

انضممت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الدورة التأهيلية . أذكر أني في أول أيام الاختبارات دخلت المعهد العلمي حيث تُعقد الاختبارات .دخلت بنقابي إلى أن أتأكد من خلو المبنى من الرجال ، وعلى شفتيّ ابتسامة وفي قلبي مشاعر متضاربة .. هناك البهجة بدخول الاختبارات والإحساس بهذا الشعور الجميل بالإنجاز وحصد الثمار . هناك التعجب من طرافة الموقف إذ أني أختبر في نفس المبني الذي كان يدرس فيه أبنائي خالد وسهل قبل سنوات . هناك الشعور الغريب الذي لا أعرف كيف أصفه إذ أدخل لأداء اختبار مع طالبات منهن من هي في سن فاطمتي . حمدت الله أن كنت بنقابي لأن البسمة طالت قليلاً ، فخشيت أن يتهمني أحد بالعته !

مضت أيام الاختبارات جميلة وممتعة – بالنسبة لي أنا على الأقل – حتى كان اليوم .. اختبار الثقافة الإسلامية .. مادة في غاية السهولة ولا أحبها كثيراً لأني أرى أنها فلسفة ( زيادة عن اللزوم ) فكنت أؤخر مذاكرتها . قمت من نومي متأخرة ، أعددت الغداء بالكثير من التلكؤ ، تصفحت النت ، وضعت رداً أو اثنين في منتداي وصليت الظهر ثم شرعت في المذاكرة .. كانت الساعة الثانية ظهراً ، واختباري يبدأ في الرابعة .. بدأت أدرس واكتشفت أن هناك الكثير من ( المُلخبِطات ) .. أهداف وخصائص ومواضيع ، وتحت كل بند يندرج عدد من النقاط ، والكثير من التعاريف اللغوية والاصطلاحية وووو ..

 وياللهول !! نمت وأكلت ولعبت والوقت يمضي ببطء مستهزئاً من قلة اكتراثي .. غرتني سهولة المادة وقدرتي ( السابقة ) على الحفظ السريع ، فلما رأيت الحقيقة بوجهها الناصع ، أدركت أني كنت كالأرنب المغرور الذي يسعى ليسبق السلحفاة المجتهدة ..

صارت عيناي تبتلع الأسطر بسرعة ، ثم تتجشؤها لتبتلعها ثانية .. يععع .. ماهذا التعبير المقرف ؟ لابد أنه من بقايا مادة البلاغة .. لابد أنها استعارة أو شيء من هذا القبيل .

أخيراً ذهبت لأداء الاختبار وقد تعلمت درساً لن أنساه .. أن المربين ضحكوا علينا بقصة الأرنب والسلحفاة ، وأنه في الحقيقة سبقها ولم تسبقه !!

صديقتي الفاتنة سارة !

هذه التدوينة عبارة عن أحد فصول كتابي الذي سيصدر قريباً بإذن الله  واسمه : الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي  .. وقد اخترت لكم هذا الفصل ، لأني أحبه كثيراً ، وعشت أحداثه بسعادة لذيذة .. أرجو أن تستمتعوا بقراءته كما استمتعت أنا بأحداثه .

دخلت العشر الأواخر ، وفكرة الإفطار في الحرم تلح علي منذ عشرة أعوام ، إلا أن ظروفي مع أولادي لم تكن تسمح لي بذلك ، فهم لا يرغبون بتناول الإفطار في الحرم ، وأنا لا أحبذ فكرة تناول الوجبة الرئيسية خارج المنزل، بعيداً عن أفراد العائلة .

الآن ، أنا وحدي .. أولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟ كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، ينثر عليها ( الدقة ) ويقلبها بالملعقة ثم يتناولها بتلذذ ،  تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً .. لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة .. كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة ..

حادثت صديقتي سارة .. وأخبرتها برغبتي .. فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً .. لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً .. فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي .. نعم هكذا حرفياً ، توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها عليّ بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أكثر ما أستطيعه )  بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  .. نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم . نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة .. وأمامي الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم .. كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية .. الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان .. رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟ اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل .. صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث .. تعبت من المشي .. وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..  ندوس على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار .. يا الله .. كم أحب هذا المنظر .. المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب .. لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة .. كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمّن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها .. فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك .. لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج .. في الساحة .. هناك مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة . يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” .. وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن المنزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” .. وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها .. مثل سارة يُخدم .. فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات.. وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن .. كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم.. وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها . لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي .. فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) !!

الخالة !!

أحببت أن أشارككم إحساسي الغريب هذا ..

منذ أن أصبت بالسرطان واضطررت إلى زيارة المستشفى كثيراً ، صرت أكثرمن سماع لفظة ” يا خالة ” تقال لي . أحياناً من أناس أجزم أنهم يكبرونني سناً ، ولكن انحناءة الظهر بعد الكيماوي ، والعباءة التي على الرأس ، وتوكئي على خالد ، كل أولئك كان يقول للناس : ( سيبوكم منها ) .. انها خالة فعلاً ،.

لم يكن يشفع لي الكتاب الانجليزي الذي  يطل من حقيبتي ، ولا لكنتي الأمريكية التي استعملتها مع الممرضات  بإيعاز من عقلي الباطن لإبهارهن ولدفع صفة ( الخالة ) عن نفسي ، ولا فائدة  ، فقد برمجن أنفسهن على الرد بعربية مهشمة  .

أنا خالة ؟ الله يهديكم .. الآن علمت أن جل الطرائف التي خرجت تسخر من كراهية المرأة لمعرفة عمرها – كانت حقيقية . وأنا التي كنت أحسب نفسي ( غير ) !!

اذكر أني دخلت مرة على طبيب شاب ينوب طبيبي الأصلي، أعتقد أنه يكبر خالدي بثلاث سنوات أو أربع ، ما أن جلست حتى بادرني فقال : خير يا أختي ،..

هممت بالفرح ، ولكنه وأد هذا الشعور في نفسي لما لمح هيئتي الخارجية ( الخاليّة ) فقال مستدركاً : يا خالة ..

تنهدت في سري ، وقلت : آه ، يا فرحة ما تمت !

سألني وأجبته ، ثم بدأ يتبسط في الحديث معي بعض الشيء ، ثم تبسط معي أكثر ، ثم قال : يا خالة هناء أبغى منك طلب .. ثم تحدث ، وقال : أصل المسألة يا خالة هناء ، وياخالة هناء ويا خالة هناء، حتى كدت أقول له : أبشر يا ولدي يا حبيبي !!!

ما هؤلاء البشر ؟

أنا خالة ؟

لولا أني لا أحب الكلمة لقلت له ( خلخل ضروسك )!

خرج الطبيب لاستشارة الطبيب الأصلي ، فقلت باستنكار لسهل الذي كان مرافقي : أنا خالة؟

لا ، وخالة هناء ؟ كأنه ابن أختي !!

فقال : لابد أنه استغرب من اسمك .. ماهذه الخالة التي اسمها هناء ؟ هو معتاد على خالة فاطمة مثلاً أو خالة صالحة ، لكن خالة هناء ، أنا أقولها لك أنها غريبة ..

جلست أفكر ، أهي غريبة فعلاً ؟ لا أعتقد أن والدته من فئة لمار وراما ومايا ، لكن بإمكانها أن تكون من فئة رشا وسلوى وسهى .. إذاً هناء ليست شديدة الغرابة !

المضحك في الأمر هو شعوري بأني لست خالة ..

نعم ، أنا أرى بوضوح الشعر الأبيض الذي كسا رأسي ، كما أرى انحناءة الظهر الخفيفة – حتى بعد انتهاء الكيماوي –  وأشعر بآلام المفاصل التي تدفعني إلى العرج الخفيف كلما قمت من جلسة طويلة ، ولكني على الرغم من هذا لا أشعر بأني أستحق أن أكون خالة .

 همممم .. ممكن أبلة ..

لا زلت أشعر أني صغيرة ، نفسها تلك الفتاة ذات الضفائر التي تلعب الكرة الطائرة في مدرستها دار الحنان ..

الفتاة ذات القيد المياس ( مع أني الآن في الحقيقة أبعد الناس عن هذا الوصف ) ، والمواهب المتعددة .

أشعر أني صغيرة لدرجة أني منذ خمس سنوات قابلت امرأة عند إحدى صديقاتي : تجلس على الأرض متربعة ، وقيامها صعب ، وسمينة نوعاً ما ، وترتدي الطرحة  ، وسنّاها الأماميتان مفلجتان ..

 سألتني عن حالي ، فقلت لها : الحمد لله يا خالة ، وكيفك انت ؟

لا بد أنها كانت ستصاب بالجلطة لما سمعتني أخاطبها بالكلمة المكروهة ..

في الحقيقة أني أنا من كنت سأصاب بالجلطة لما رأيت ابنتها الكبرى تناولها طفلاً صغيراً لم يتجاوز السنتين عرفت فيما بعد أنه ولدها ..

نعم .. ولد الخالة !!

شهقت في نفسي من الخجل .. هذه المرأة لا تكبرني بأكثر من عشر سنوات ، ثم أنا ( أخلخلها ) ؟

ما الذي حملني على الاعتقاد أنني لا أكبر وكل الناس يكبرون ؟

لماذا يتوقف الزمان عندي عند نقطة الشباب والصحة الريانة والقوام الممشوق والشعر الأسود ، فأفترض أن أم عبد العزيز وأم عبد الله خالات ، في حين أن أم خالد شابة ، لكن كنيتها كبرتها !! لماذا أعتقدني ( إن صح التعبير ) لازلت أعيش في المرحلة الخضراء ، في حين أني دخلت حقيقة في المرحلة البرتقالية ، خاصة مع مرضي الذي يسرع بي الخطا للمرحلة الصفراء والتي تسبق الفناء ؟

في الحقيقة أحاول أن أكون واقعية ، أعي حقيقة أمري دون إغراق في تفاؤل يخرج الذهن عن دائرة الواقع والحقيقة الضروريتين للتصرف الصحيح .

متشائمة ؟

لا ، بفضل الله ورحمته ..

كيف يتشاءم من يظل يتذوق حلاوة لطف الله وحكمته في كل حياته ؟

حين أمرض تأتيني ألطاف الله ببر أولادي وحب أهلي وصديقاتي ، والدواء النافع بإذن الله ، وفوق هذا وذاك لطفه تعالى بي أن لا يزال يريني مواطن لطفه ، ولم يتركني لنفسي وشيطاني يخبطانني في سوء الظن به سبحانه ، أو في يأس وقنوط من رحمته ..

 لن يعود الشباب إلا في الجنة ..

وحتى ذلك الحين فلأقنع بلفظة خالة !!

تنمية الحب العائلي

البارحة كان موعدي مع محاضرة للدكتور المبدع ميسرة طاهر .. لا أملّ أبداً من سماع هذا الرجل .. أشعر أنه يملك مخزوناً هائلاً من معرفة مشاكل الأسر وعلاجها ، كما أنه متحدث بارع . كثير من الناس عندهم معلومات رائعة وقد يكونون موسوعيين فعلاً ويعدون ثروة للأمة ، إلا أنهم يفتقرون تماماً لأساليب التشويق والتواصل مع الجمهور  ، فينتهي بك المطاف – إذا سمعت لمثل هؤلاء – إلى التثاؤب ثم التثاؤب ثم التثاؤب حتى تشعر أن مفصلي فكك سينفصلان ، ولولا بقية من حياء لغطيت وجهك بغطوتك ولعلا غطيطك ، ولا يشفع لهم عندئذ الكنوز المعلوماتية التي حوتها صدورهم أو أوراقهم . أما الدكتور ميسرة فهو – ما شاء الله – يملك بلا شك المادة العلمية الجيدة والطريقة الهادئة غير المنومة – يا للعجب – والتي تشد المستمع لآخر دقيقة من طرحه .

عنوان هذه الدورة : تنمية الحب العائلي ، وقد أقيمت في مركز الأمير سلطان الاجتماعي بالمدينة النبوية  ، وسأعرض لكم هنا أبرز النقاط التي تحدث عنها المحاضر ، لكن أذكر أولاً بأني حينما أستخدم كلمة ( الولد ) فإني أعني به الجنسين ، إذ أن الولد لغة يشمل الذكر والأنثى بخلاف الابن الذي يختص بالذكر، وإذا ذكرت الوالد فإنه أعني به الوالدة كذلك تفادياً للتطويل .

 تحدث المحاضر أولاً عن ما أسماه بمثلث السلام والذي رؤوس زواياه : السلام مع الله ، السلام مع الذات والسلام مع الآخرين ، وذكر أن على الوالدين تنمية الحب العائلي بينهم وبين أولادهم لوضعهم في هذا المثلث باقتدار ، وكل خلل يصيب الولد في أحد هذه الأركان الثلاثة فإن منشأه الأول بلا شك تقصير الوالدين ! كما شدد على أهمية حصول الولد على الثقة والاطمئنان من جهة والديه ليتمكن بعد ذلك من مصارحته بأي أمر مزعج مر به ويستنصحه ، ويقول أنه سمع مرات كثيرة من زبائنه المراهقين ممن تعرضوا لتحرشات جنسية أو تهديدات خطيرة بأنهم ما استطاعوا إخبار والديهم خشية الضرب !

ثم تطرق إلى أنواع الحب ، فقال أن هناك نوعين من الحب :

1-              الحب الحقيقي : وهو الذي يحب فيه محبوبه ( ولداً كان أو زوجاً ) حباً خالصاً من الشوائب ومن هوى النفس ، وأكثر ما يهم الحبيب أن يكون محبوبه مرتاحاً وسعيداً ، وأقوى ما يتجلى هذا الحب في حب الأم لطفلها الرضيع ، كما ضرب له مثلاً وهو حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة لما خيره بينه وبين أبيه فاختاره زيد على أبيه .

2-              الحب النرجسي : وسماه ” حب كشف الحساب ” ، ومثّل له بالوالد الذي ما يفتأ يذكر ولده بأنه حرم نفسه من التوسع في المعيشة والسفر ومن كذا وكذا ليأتي له بالمدرس الخصوصي أو الطلبات المعينة ، أو الأم التي امتنعت عن شراء كذا وكذا لتشتري لابنتها  الجوال الفلاني أو الحقيبة العلانية ، وهذا أمر منتشر في أغلب البيوت حتى أن بعض الأولاد لا يشعر بفضل أبيه عليه إلا في النفقة ولو كان يعلم المقدار الذي صرفه والده عليه لأداه له ليتخلص من مَنّه وأذاه .. كما أن هذا النوع من العطاء مقرون لا شعورياً بشعور : أنت حبيبي مادمت تسمع كلامي وتدور في فلكي ، فإذا خالف الولد رغبة الوالد التي لا تلائمه أو تضايقه اعتبر الوالد ذلك جحوداً ونكراناً للجميل . وما لا شك فيه أن الجحود مؤذي لنفس الوالد المعطاءة لكن هنا جعله الله علامة لتمييز النية الصادقة في الحب عن غيرها .

وقد شدد المحاضر على أهمية وجود رصيد من المحبة للوالد عند ولده لأن الولد إذا أحب الوالد حباً يملك عليه قلبه فإن هذا أدعى لأن يسمع الولد ويطيع ، أو على الأقل يخزن هذا الحب في الذاكرة والوجدان إلى أن يكبر ، وعندها يكون رد الدَين ، وغالباً فإن الوالد الذي لا يملك رصيداً كبيراً من المحبة في قلوب أولاده فسيُترك  ويُهمل ويُجفى ، والبادي أظلم .

ثم ذكر المحاضر تقنيات الحب :

  • النظرة : فينظر الوالد إلى عين الولد ، إلى البؤبؤ مباشرة ويكرر في ذهنه عدة مرات : أحبك ، أحبك ، وحتماً ستنتنقل هذه الرسالة عبر النظرات إلى قلب الآخر وسيشعر بها بلا ريب .
  • الكلمة : فلا ينادي الوالد ولده باسمه مجرداً ، وإنما يقرنه بلفظة جميلة: يا حبيبي ، يا عيوني ، يا قلبي .
  • القبلة : قلت : أن أحد الصحابة رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن فقال : إن لي عشرة من  الولد ما قبلت  أحداً منهم ، فقال النبي الكريم :” إنه من لا يرحم لا يُرحم “.
  • الضمة ، فليس أحمل من أن يودع الوالد أو الأم الولد بضمة ودعوة ، أو أن تضم الوالدة الابنة أثناء جلوسها بجوارها .
  • اللمسة : وهذه تقنية عظيمة تساعد بشكل كبير في إذكاء الحب العائلي وزيادة رصيد المحبة التي تجعل الأولاد منضبطين في أغلب الأحيان. واللمسة قد تكون بالمسح على الشعر ، أو التربيت على الخد ، وذكر أن أفضل مناطق التربيت عند البنت : على الكتف ، وعند الابن : المنطقة التي تعلو الركبة مباشرة .. قلت : لا يعني هذا بالطبع أن يكون هذا التربيت في حال كان الولد واقفاً !! وإنما يتم ذلك وهو في وضع الجلوس ..
  • دثار الحب ، ويتم بعد إيواء الأولاد إلى فرشهم وهم في فترة السِنة قبل الاستغراق في النوم ، حيث يدخل الوالد على الولد ويقبله فإذا تململ الولد ( وقد يكون كبيراً أو مراهقاً ) ويسأل عن الأمر فيقول الوالد : لا شيء ، فقط أردت أن أغطيك لئلا تبرد ، ثم يشد عليه الغطاء . يقول أن الولد في هذه المرحلة من الوعي قد لا يتذكر الأمر بحذافيره إلا أنه يتخزن في وجدانه محبة لهذا الوالد .
  • اللقمة والشربة ، على أن يتخير الوالد ما يحبه الولد لا ما يحبه الوالد ، فيلقمه إياه ، كما لو كان الولد يحب عصيراً معيناً ، فتجهزه أمه له حال رجوعه إلى البيت ، أو تضع لقمة من  الطعام الذي تحبه ابنتها في فمها . قلت : قال رسول الله : “… فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ” .
  • نبرة الحب : قد لا يكون كلام الوالد مع الولد سيئاً لكنه قد يكون جافاً بالحد الذي يكفي أن تزيد الهوة بينهما . قلت : أحياناً نقول لأحد أولادنا ونحن نتميز غيظاً منه : يا حبيبي افعل كذا ، وكأننا نقول : يا حبيبي الله ياخدك افعل كذا ! هذه تختلف بالتأكيد عن نبرة اللطف والحب التي لا تخطئها الأذن أبداً .
  • الدعاء له بالهداية والخير دائماً ولا ندعو عليهم أبداً .. وما نعجز نحن عن فعله فإن الله تعالى قادر عليه .
  • حفظ غيبة الأولاد .
  • الابتسامة ، فتحاول الأم المحافظة على البشاشة في وجه أولادها ، وقام بإجراء تجربة على متطوعين حيث طلب من الأول التقطيب بشدة ، ثم طلب منه أن يقول كلاماً جميلاً في حق امرأته و( يتغزل فيها ) ، فلم يستطع طبعاً ، وعلى رأيه ( ما يجي ! )  ، وطلب من الثاني أن يبتسم ( منشكحاً ) ثم طلب منه أن ( يهزئ ) امرأته أو ولده ، فلم يضبط الأمر بالتأكيد . فقال أن الوجه لو كان متبسماً على الدوام لاستطاعت الأم أن تقوم بكل التقنيات السابقة بكل سهولة ويسر .

المحاضرة كانت طويلة امتدت لأكثر من ثلاث ساعات تتخللها الكثير من القصص التي عاينها في عمله ولكننا كأننا كنا في غيبوبة لم نستفق منها إلا بانتهاء الوقت ، وأخيراً خرجت من المحاضرة وأنا أشعر أن المئتين وخمسين ريالاً التي دفعتها قبل دخولي كانت مجدية ومفيدة بحق .

إحسانُ إحسان

هذه قصة استوحيتها من مشهد وقع أمامي أيام جلسات الإشعاعي .. لأم وابنتها الكبيرة .. كبيرة حقاً ولعل هذا ما كان يؤلم :

 

اليوم موعدي لأخذ العلاج الإشعاعي .. منذ أن أصبت بسرطان القولون وأنا أتخبط تحت وطأة العلاجات ؛ عمليات ، كيماوي ، إشعاعي ، أدوية  ..

يا رب ، ارحمني ، فقد أنهكت كل هذه العلاجات  جسدي الواهن ..

ولكن ، أين من كل هذا ما يعانيه قلبي .. الآن.. صرت أشغل أبنائي وبناتي معي .. خمسة أيام من كل أسبوع ، لخمسة أسابيع متواصلة .. أحدهم يوصلني إلى المستشفى ، والأخرى تدخل معي وتنتظرني بالخارج إلى أن أكمل الجلسة ..

كم هو ممض الألم الذي أجد في قلبي حين أستحوذ على وقت أولادي وأفكارهم .. لا أريد أن أشغلهم .. عندهم من المشاغل والهموم ما يكفي لتأريقهم ..

 أرى التأفف يتقافز بشغب من عيني ابنتي الكبرى إحسان ، وهي تطقطق بجوالها تلعب أو تكتب رسالة ، في حين أحدثها أنا عن مخاوفي من التأخير عن الموعد أو أن لا تكون “بدور” فنية الإشعاعي اللطيفة في دوامها .. أسألها عن حال ابنتها العروس التي أصيبت مؤخراً بالانفلونزا  ، فتغمغم بشيء لم يتبينه سمعي الثقيل ، فإذا عاودت سؤالها أجابتني : أففف ،  كويسة يا أمي ، كويسة !!

أصمت .. مسكينة .. قلبها على ابنتها يتمزق .. لهذا أجد صوتها جافاً معي  .. لهذا أجدها نافذة الصبر وهي تقودني على مقعدي المتحرك إلى غرفة العلاج .. لهذا أجدها تنهرني أحياناً إذا ما أكثرت عليها طلب الجلوس لترتاح ، لهذا أجدها متلهفة للرجوع إلى البيت فلا يكاد السائق ينزلني في بيتي حتى تحثه بسرعة على الانطلاق إلى بيتها .

مسكينة .. أنا أقدر ظرفها ، فمواعيد جلساتي في الثالثة عصراً .. وقت رجوع الأولاد من المدارس ، ووقت الغداء ، ووقت الراحة والقيلولة ..جزاها الله خيراً !! تتعب كثيراً إحسان من أجلي !!  يالله ، اجزها خيراً على إحسانها لي !!

لكن لا أدري ما سر هذه الخيالات التي أضحت تراودني .

 كلما أسمع نبرة غريبة في صوت إحسان لا أفهمها ( يبدو أنها نبرة الحزن على ابنتها العروس ) تتداعى إلى ذهني صور باهتة .. قديمة .. بالأبيض والأسود هي ، وبعضها مقطعة الأطراف .. تفوح منها رائحة القدم ، ولكنها بحق رائحة زكية ، عذبة .. فيها حب وعواطف ومشاعر جياشة .. رائحة تغمر قلبي بالسكينة والجمال ..

 إحسان وهي صغيرة .. تحبو كالحمل الصغير ، حلوة المحيا ، بسن واحدة ، تغري من يراها أن يلثمها .. تقترب مني ثم تقع على وجهها عند قدمي فتبكي ، فيكاد قلبي لها أن يطير .. أحملها وأشمها وأعتنقها وأقبلها ..

إحسان وهي مراهقة .. أنظر إليها وقد رهقتها تغيرات الهرمونات .. عصبية ، سريعة الثورة ، وسريعة الرضا والصفح .. كثيرة شرود الذهن ، حالمة .. ووحيدة .. يتألم قلبي لها ، ولكني سرعان ما أعود وأقنع نفسي أنها تغيرات مؤقتة كسحابة صيف لن تلبث وتنقشع .

إحسان وهي عروس .. جميلة في ثوبها الأبيض الذي بعت بعضاً من ذهبي لأبتاعه لها .. لترضى .. قلبي يبكي وشفتاي تضحكان وأنا أزفها لزوجها تحت أنوار كاميرات التصوير وأنظار الفضوليات من المدعوات . أخشى عليها العين ، ولؤم الحماة ، وقسوة الزوج ، ووطأة الحياة ، وفراقها عني .

وهاهي الآن ، بعد أن صارت أماً لعروس ، عانت من نفس ما عانيت .. هي الآن ابنتي الكبرى ، ترافقني لجلسات الإشعاعي ، خمسة أيام من كل أسبوع لخمسة أسابيع متصلة .. تركت زوجها وأولادها والغداء والراحة بعد يوم عمل مرهق في إدارة مدرسة ثانوية ، تركته لتصحبني إلى المستشفى ..

يبدو أن ذهنها مشغول بابنتها .. فقد غضبت الأسبوع الماضي لما ألححت عليها أن تعطي ورقة الموعد ” للسستر ” في مكتب الاستقبال خشية ضياع الموعد ، ونهرتني البارحة لما ألححت عليها أن تجلس لتريح قدميها المصابتين بالدوالي ، وكل يوم تمر علي لا تكاد تضحك في وجهي إلا لماماً !

رب أرح قلبها كما تريحني ! واشف ابنتها لتستعيد إحسان ضحكتها الصافية !

أهلاً بك

 

 السلام عليكم ورحمة الله

أهلاً ومرحباً بك في مدونتي .

تراقيم مجرد قصاصات جمعت فيها بعض الكلمات قبل أن تواريها ذاكرة النسيان . لا أحاول كثيراً أن أحبر فيها كلامي أو أنمقه ربما لأني لا أحب التكلف في الكتابة ، وإنما أكتب ما يطرأ في خاطري مباشرة ، ووجودك هنا يرضي غروري فعلاً ..

لكن قبل أن نبدأ عليّ أن أخبرك أن تراقيمي قد لا تعجبك دائماً ، وهنا عليك أنت تختار : إما أن تكون قارئاً جيداً متعاوناً وتكتب لي تعليقاتك حول ما قرأتَ ، وإما أن تكون قارئاً جيداً غير متعاون وتكتفي برفع حاجبك ولي زاوية فمك اليمنى في امتعاض وتمضي – ربما – إلى غير رجعة لمدونتي ..

دعنا فقط نأمل أن تحوز تدويناتي أو أغلبها على الأقل على إعجابك ، وحسبي أني أفعل شيئاً يمتعني جداً وإن لم يرض الكثير .