Feeds:
المقالات
التعليقات

التربية الذكية

كنت قد ذكرت في تدوينة سابقة أمر شرائي لكتاب “التربية الذكية” ، والذي ألفه د. لاري جيه كوينج ، وذكرت أني لن أشرع في قراءته حتى أنتهي من الكتب المصطفة بجانب سريري والتي تنتظر بشوق فراغي منها ، لأصنفها في موقع goodreads بأنها قد قُرئت .

لكني في الحقيقة كنت كثيراً ما أختلس النظر إليه من بين باقي الكتب ، أفتحه ، أقلب صفحاته ، أقرأ فهرسه ، تراودني نفسي للبدء في قراءته ، ثم أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأرجعه حيث كان ، وأصرف النظر عن همي .

وأخيراً ، في ليلة مظلمة ( لم تمر بي أبداً ليلة مضيئة ، هل مرت بأحدكم ؟ ) باردة ، لذت فيها بفراشي ، وتمددت بعد عناء يوم طويل تحت الغطاء الدافئ ، وعلى ضوء مصباح السرير ( كما يسمونه في كتالوج إيكيا ) ، تجاسرت ومددت يدي إليه وقرأت ما كُتب على الغلاف الخلفي :

إن نظام التربية الذكية :

  • يلغي الحاجة إلى التوبيخ والانتقاد .
  • يجعل أطفالك يفعلون ما تطلبه منهم من أول مرة ( لا بد أنك تمزح ) !
  • يضع نهاية للمشاجرات والمشاحنات وأساليب الأطفال الوقحة في الكلام .
  • ينهي مشكلات الواجب المدرسي .
  • يجعلهم يذهبون إلى النوم في الموعد المقرر لذلك .
  • وأكثر من ذلك بكثير .

ياااه .. ياله من كلام يدغدغ المشاعر .. أأحلم بأن يكون بيتي المدينة الفاضلة ؟

عندها قررت أن أتخذ خطوة إيجابية تجاه هذا الكتاب ، فبدأت بالتهامه بعيني سريعاً ..

لا أريد أن أضيع وقتي ووقتكم في وصف كم كان الكتاب رائعاً ، إضافة إلى أني أود الاحتفاظ بهذه التعابير الأدبية لمناسبات أخرى حتى لا أكرر نفسي . كما أني لا أريد أن أفوت عليكم فرصة قراءة هذا الكتاب ولكني سأكتفي بنقل بعض النقاط التي أعجبتني جداً .

  • إن أطفالنا في الأحوال العادية لا يأتون بأفعال شنيعة وبشعة ، وما يفعلونه لا يعدو في حقيقة الأمر كونه مجرد سلوكيات عادية، لكنها تتكرر منهم الكثير و الكثير من المرات – كقيامهم بترك الأطباق المتسخة أمام جهاز التلفزيون ، ويُضاف إليها الرد بوقاحة، وعدم الاستيقاظ أو النوم في الأوقات المحددة ، وسائر التصرفات السلبية مما يدفع بنا أحياناً إلى حافة الجنون .
  • لا يجب أن ندخل في مجادلات مع أبنائنا للوقوف على القواعد التي تحكم نظام الأسرة ، لذا كان من الضروري أن تكون هناك قواعد مكتوبة تحكم النظام داخل الأسرة كي تمضي الأمور بانسيابية وسهولة ( أحكام على غرار : يمنع فتح الكمبيوتر بعد الساعة العاشرة والنصف مساء ، ويجب احترام الكبير ، وممنوع الكذب ، ويمنع فتح التلفازقبل الذهاب إلى المدرسة ) .
  • القاعدة الأولى التي كان معمولاً بها في أسرتي عندما كنت صغيراً تقول : ” ممنوع التحدث بطريقة تخلو من الاحترام ” ، وفي فترة الخمسينيات والستينيات لم يكن مسموحاً للأبناء بأن يعاملوا آباءهم بطريقة تخلو من الأدب والاحترام ، كذلك لم يكن مسموحاً لهم تحت أي ظرف من الظروف أن يتعاملوا مع المدرسين بهذه الطريقة ( التي تخلو من الأدب والاحترام ) .
  • في كل مرة يسمح فيها للطفل بأن يتعامل بوقاحة مع شخص ما فإنه يفقد قدراً من احترامه لهذا الشخص ، وتكرار حدوث هذه المواقف يجعل الطفل يفقد احترامه لهذا الشخص بالتدريج إلى أن يفقد احترامه له بالكلية .وبمجرد أن يحدث ذلك يصبح هذا الطفل على مشارف مرحلة فقدان السيطرة عليه وبالتالي يكون التعامل معه أمراً في  غاية الصعوبة .
  • إني أعتقد أننا كآباء لدينا السلطة لكي نمنح أبناءنا من آن لآخر بعض الحرية فيما يتعلق بممارسة سلوكياتهم الرديئة ، ولكننا إذا فعلنا ذلك كثيراً فإنهم حينئذ يتعلمون أن بإمكانهم التصرف بحرية تامة وهم يتمتعون بالحصانة اللازمة في ظل غياب أية عواقب تترتب على سلوكياتهم السيئة ( ترى الكاتب أمريكي ، هه ؟ )
  • في بعض الأحيان أتصور أن أبناءنا يعتقدون أن هدفهم في الحياة هو أن يوضحوا لآبائهم كيف أنهم يطبقون في تربيتهم أساليب خاطئة تفتقر إلى الحكمة !! ولذلك كثيراً ما تسمعهم يؤكدون على ذلك بقولهم : إننا لا نرى أحداً من أصدقائنا يفعل أبواه مثلما تفعلان !! ( هممممم .. أين سمعت هذه الجملة من قبل ؟ )
  • عندما يترك الآباء أبناءهم يفلتون من العواقب الناجمة عن سوء سلوكهم فإنهم يفعلون ذلك لأحد سببين : الأول ، لأنهم يحبون أبناءهم حباً شديداً ويريدون أن يقنعوا أنفسهم أن الأبناء قد تعلموا بالفعل درساً مناسباً وأنهم لن يكرروا سلوكهم السيء مرة ثانية ( هل يتحدث عنا هذا الشخص ؟ ) ، والثاني ، لأن الجلبة الشديدة التي يحدثها الأبناء استجابة للعقاب تجعل الآباء يستسلمون بسهولة ولا يكملون ما بدؤوه . وأؤكد أن على الآباء أن يفكروا طويلاً قبل إسقاط عواقب السوكيات السيئة عن الأبناء ، فما ينطوي عليه هذا التصرف من رقة هي رقة مزعومة ، فعلى الرغم من أني أدرك كم صعب هو على الآباء أن يشاهدوا أبناءهم وهم يشعرون بالندم على أخطائهم وبالألم الذي يسببه لهم العقاب الناتج عنهما ، فإني أدرك أن الأصعب من ذلك أن ينتهي بك الحال بطفل أصبح خارج نطاق السيطرة ، فقط لأنك تركته يفلت من العقاب .
  • هل من الصواب أن نكافئ أطفالنا على السوك الحسن من جانبهم ؟

الجواب : بالتأكيد ، طالما أن هذه المكافآت لن تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه الرشوة .. من الصواب تماماً أن تخبر أطفالك بطريقة عادية أنك سوف تكافئهم بشيء مميز لأنهم في الآونة الأخيرة كانوا طيبي السلوك ( زمن ماض ) ، ولكن الخطأ أن تقول لهم أنك سوف تكافئهم إذا ما سلكوا سلوكاً حسناً ( فعل الشرط للزمن المستقبل) فهذه تعتبر رشوة .

  • التحدي والعناد هما أكثر الاستجابات شيوعاً وتكراراً لمحاولات فرض النظام وتحقيق الانضباط ، و السبب في ذلك أن الأطفال – خاصة من هم في سن المراهقة – يعرفون أن التشاجر والتشاحن مع الآباء بما فيه الكفاية كفيل بأن يجعل الآباء يرفعون الراية البيضاء ويتوقفون عن محاولاتهم لفرض الانضباط حتى لا يشتعل المنزل بالخلافات .
  • كثير من الآباء يرتكبون خطأ كبيراً بانتقادهم لأبنائهم ممن هم على مشارف مرحلة المراهقة ، عندما يتصرف هؤلاء الأبناء بطريق مثيرة للغضب ، فهذا الأمر لا يؤدي إلا إلى تدمير ثقة الأطفال في أنفسهم وتدمير علاقاتهم بآبائهم. فالآباء الذين يتصرفون بحكمة هم من يتجنبون النقد  ويركزون بدلاً من ذلك على الجوانب الإيجابية .

لم تنته الأفكار الجيدة في الكتاب ، إذ هو مليء بها ، وأجزم أني لم أسئ التصرف حينما دفعت ثمنه .. لن أخبركم بالمزيد لأن حقوق الطبع محفوظة ولأني أريدكم أن تطلعوا على روعة هذا الكتاب ..

والآن ، هل أطمع من قرائي الكرام ترك آراءهم حول  ما قرأوه في هذه التدوينة .. هل توافقون كلام المؤلف أم أن لديكم أراء خاصة .. أتحفونا!!

ماذا نقول ؟

أحببت أن أشارككم هذه  الأنشودة الجميلة .. أرجوكم .. اسمعوها من أولها لآخرها ..

فاز .. من حياته إنجاز !

كنت البارحة أقلب في القنوات الفضائية المحافظة في رسيفر الفلك ، ووقعت على حلقة لحملة ركاز لعام 2009 والتي كانت ( الحملة لا الحلقة ) بعنوان ” فاز من حياته إنجاز ” .

كان المتحدث في هذه الحلقة الداعية : سلطان الدغيلبي وذكر في الحقيقة كلاماً جميلاً أعجبني ، وجاءت ابنتي لطيفة ذات السنوات التسعة تريد مني أن أغيّر لها على قناة الأطفال فرفضت ، فما كان منها إلا أن شدها حديثه فجلست حتى نهاية البرنامج .

ذكر الشيخ عدة أمثلة لإنجازات أفراد عاديين  وكيف أن المرء لابد أن تكون في حياته بعض الإنجازات  ..

تفكرت .. فعلاً .. كم عاش أي منا في هذه الحياة حتى الآن ؟ عشرون سنة ؟ ثلاثون؟ ستون ؟ ماذا أنجز في هذه السنين ؟

يخطئ من يظن أن الإنجازات لابد أن تكون على مستوى كبير ليصح أن نطلق عليها لفظة “إنجاز ” .. نعم ، المشاريع الكبيرة إنجازات بلا شك ، ولكن قليل دائم خير من كثير منقطع ، وهناك الكثير من الإنجازات التي يمكن لكل فرد منا عملها ، فقط لو ترسخ في ذهنه أنه مسلم ، والمسلم مأمور بالعمل البنّاء حيثما كان وكيفما كان ، ثم هو بعد ذلك سيكون مأجوراً على قدر الإنجاز الذي حققه ومدى تعديه إلى غيره ..

ألم يرتب النبي r الأجور على أفعال بسيطة ؟ ألم يحثنا على أفعال صغيرة أداء كبيرة أجراً ؟ خذ هذه الجملة الصالحة من الأحاديث النبوية :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بَيْنَ الإثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ” . رواه البخاري .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : “تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة “، رواه الترمذي وصححه الألباني .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني .

وهناك الكثير والكثير من الأحاديث الحاثة على الإنجازات ، أعرضت عن ذكرها تجنباً للتطويل الذي يكرهه قراء المدونات في العادة ، ولئلا تتحول تدوينتي إلى محاضرة مدرسية، واكتفيت بذكر ما سبق كأمثلة لبعض ما يمكن لجميع المسلمين المداومة على فعله لتكون حيواتهم سلسلة من الإنجازات المترابطة ويحظون بالفوز . لكن ألم تلحظوا معي أن أغلب ما ذكر من الأمثلة هي أفعال متعدية ، تتعدى نطاق الفاعل لتصل ببرها وإحسانها إلى الغير؟

في حياتي رأيت الكثير من هؤلاء ( المنجزين ) ..

هناك أمي حفظها الله وأطال في عمرها وأحسن عملها ، كانت تشتري الصوف وتشتغله بالصنارتين قمصاناً ( وجواكيت وسديريات ) ثم تدفع بمنتجاتها إليّ لأوزعه على من أعرف من المعوزين حينما كنت أقطن القصيم .. ولا يخفاك كيف هو برد القصيم !! كما يقولون ( يقص المسمار ) . وكانت تشتري الشرائط والورود وتصنع منها ( بكلاً ) للشعر تبيعها وتتصدق بثمنها ، فكانت تشغل وقتها وتتصدق .. ألا تذكركم بزوج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال عنها لما سألته أزواجه : أينا أسرع بك لحوقاً ؟ قال: “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً ” ، رواه مسلم من حديث عائشة .

من كانت أطولهن يداً ؟ هذه إجابة أتركها لكم لتبحثوا عنها ، والبركة في العم قوقل  .

مساعدة من صديق : صفتها أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق !

وهناك إحدى صديقاتي التي اعتادت على التصدق بمبلغ ثابت خصصته لطلبة العلم رقيقي الحال في عنيزة .. لم يكن مبلغاً كبيراً ، اعتقد أنه مئة ريال شهرياً .. ولكني أعتقد أن المواظبة على استقطاع مبلغ مئة ريال من مصروف البيت شهرياً ( في وقت كانت المئة تشتري أشياء كثيرة ) هو إنجاز كبير ، إذ النفس لا تستنكف عن شراء تفاهات أو وجبات غذائية ( جنكية مصيرها إلى دورة المياه – أعزكم الله -) بمئة أو اثنتين او ثلاثة ، ولكن تضيق عينها ( النفس لا صديقتي طبعاً ) عن التصدق بهذه المئة .

 ثم أن هذه الصديقة مرت بضائقة مالية شديدة لمشاكل حدثت مع زوجها في عمله ورغم ذلك لم تنقطع هذه الصدقة .. نعم ، ضعفت بعض الشيء ، ولكني كنت كلما أرى صديقتي كانت تدس في يدي مبلغاً ما ، وكأني بها تقتطعه من ما كانت تنوي شراءه لنفسها من ثياب أو طعام تستمتع به .. ثم مضت الأيام ، وتحسن وضع زوجها المالي بفضل الله ، وعادت حياتها رغيدة -بارك الله فيها – ، وما أحسب ذلك إلا من تلك الصدقة ( التي علمت  عنها ، ومالا أعلمه أنا يعلمه الله ) .

هناك صديقة أخرى ، عندها الكثير من العيال ، وكانت تتوق لحفظ القرآن ، إلا أن مشاغل عيالها وطلبات زوجها الكثيرة وبيتها الكبير كان يمنعها من ذلك ، فطلبت من زوجها خادماً تساعدها فأجابها ، فكانت تقول لي : لو جاءتني الخادم فسيسألني الله تعالى عن الوقت الذي سيتبقى لي فارغاً ( وهو كثير ) ، لذا لابد أن أستغل وجودها وأحفظ القرآن وأراجعه وأطلب العلم .. فكانت تحفظ يومياً ثلاثة أوجه من القرآن حتى أتمت حفظ القرآن ثم طلبت العلم وصارت داعية مشهورة في بلدتها إلى أن توفاها الله تعالى منذ بضع سنوات ، رحمها الله ورفع درجتها في الجنة .

ما رأيكم في إنجاز إحدى النساء التشاديات التي كانت تساعدني في البيت  . كانت تعمل لدي باليومية منذ ثمان عشرة سنة ، وكانت تعلم أني أطلب العلم وألقي المحاضرات .. فكانت منذ أن تطأ بيتي في أول النهار إلى أن تغادره في آخر النهار تكون في خدمة العلم .. كانت تطبخ وتغسل وتكوي وتنتبه على صغاري ، بل وتحمل فاطمتي ذات السنتين على ظهرها كعادة الأفارقة إذا بكت وأرادت النوم ، وتغلق عليّ باب مكتبي لأتفرغ لتحضير درس الليلة وتقول : أنا لا أحسن طلب العلم ولا إعطاء الدروس والمحاضرات ، لكن بإمكاني أن أساعدك لتتمكني أنت من فعل ذلك ! سبحان من فقهها !!

أما شيخي الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، فما أدراك ما الشيخ ابن عثيمين .. حياة عظيمة حافلة بالإنجازات ، وآثاره تراها في التسجيلات والمكتبات ، وفي الدعاة والمشائخ الشباب الذين تتلمذوا عليه مباشرة أو من خلال أشرطته .. كم من الناس اهتدى بعد ضلال بسبب هذا الرجل العملاق ؟ كم من الأجور تكتب له يومياً ؟ كم من الدرجات سيعلو في الجنة ؟ أهناك فوز أعظم من هذا ؟

أحكي لكم عن شيء واحد فقط رأيته أثناء سكني في عنيزة .. كنت أرى ( الشيّاب ) الذين زوجوا أولادهم وتقاعدوا من أعمالهم يجتمعون يومياً ثللاً أمام دار أحدهم ، (يتقهوون ويسولفون ) من بعد صلاة العصر وحتى ( الأخير ) أي صلاة العشاء ، ثم يرجع كل منهم لداره ، يتناول عشاءه وينتهي يومه .

أما الشيخ رحمه الله ، فكنت أراه يذهب يومياً ( لا أراه يومياً ، ولكنه كان يذهب يومياً ، للدقة فقط ! ) من منزله إلى مسجده بعد صلاة العصر ، يمشي أحياناً ويركب السيارة أحياناً أخرى ، ليلقي درساً بعد الصلاة ، كان وقتها يشرح رياض الصالحين ( وهو كتاب رائع حوى ألواناً من الفوائد عجيبة وبأسلوب سهل وسلس ) ، ثم كان يذهب بعد المغرب ليلقي دروساً في شرح بلوغ المرام أو شرح زاد المستقنع ، ثم يصلي العشاء ويلقي دروساً في شرح البخاري ومسلم والكافي من الفقه الحنبلي .. هو نفس الوقت الذي كان يقضيه أولئك الشيبان في تناول القهوة والكلام الفارغ غالباً .. وأقول : سبحان مقسم الأرزاق .. هذا الرجل العظيم أراد الله به خيراً فرزقه الفقه في الدين فكانت حياته بستاناً أخضرا بهيجاً ينشر الظل الرائق  ويعطي الثمار الريّا ، ثم هو من قبل ومن بعد بهجة للناظرين ، وأولئك ……

هناك الكثير من الأمثلة التي أستطيع أن أضربها لإنجازات أفراد عاديين مروا في حياتي .. لا تحتاج إلى كثير مال ، أو كبير موهبة .. تحتاج فقط نية حسنة في التقرب إلى الله ، ومتابعة لشرعه لئلا تفضي إلى معصية أو بدعة فيسيء من حيث أراد الإحسان ، ثم همة يبدأ بتدريبها كالطفل الصغير لتقوى حتى يصير ذا نفس كبيرة يتعب في مراده جسمه ، وما ألذه من تعب .

هيا انهض ، وحقق بعض الإنجازات في حياتك .. لا ليذكرك الناس بخير ، ولكن لتشرف بأن تحوي نفساً منجزة بين ضلعيك ، ولتكون عند الله كبيراً ، ثم لتحظ بالفوز ، هنا وهناك ..

حينما أصبت بالسرطان ، كأنما كانت إصابتي هزة أيقظتني من نومة عميقة .. استيقظت لأرى نفسي محاطة بالجمال .. نعم الله حولي في كل مكان وأنا لا أدري .. الآن فقط ، حينما فقدت بعضها ، علمت أي فضل من الله كنت غارقة فيه .

أنشأت لذلك مجموعة ( بعض الناس يحب أن يسميها “قروب” ، إغراقاً في ” الكوالة”) في الفيس بوك وسميتها : النعم المنسية ، وهذا رابطها فيما لو أحببت الانضمام إليها

http://www.facebook.com/home.php?sk=2361831622#!/group.php?gid=114830981862557  .

ولعل أبرز هذه النعم التي لم نلق لها كثير بال نعمة الاستمتاع بالطعام ، وهي النعمة التي أجزم أنه يشترك في فقدها جميع من يتناول العلاج الكيماوي ، والذي يعد أطول أنواع علاجات السرطان زمناً ، وأشدها وطأة ..

قد يكون كلامي مختلف التأثير على من يقرؤه ، فبعضكم قد يجد فيه تذكيراً لأيام سوداء قاحلة لا يود تذكرها .. وبعضكم قد يراها تذكيراً لنعم افتقدها في وقت مضى من حياته ولم يكن يشكرها من قبل .. وبعضكم قد لا يعنيه الأمر من قبل ولا من بعد لأنه لم يمر بمثل ما مررت به ، وغاية ما في الأمر أنه يفقد بعض التذوق إذا ما أصيب بزكام قوي .. ولهذا الصنف الثالث أقول : لا بأس ، تابع معي تدوينتي لعلك تعلم ما أنت فيه من النعم التي لم تتعب نفسك في التفكير فيها من قبل .

قبل أن أبدأ في العلاج الكيماوي أخبرني طبيبي أن الورم من مستقبلات الإستروجين الموجبة estrogen receptor positive ، حيث يكون شديد الحساسية لهرمون الإستروجين في الجسم ، وهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم.. ولهذا فإنه منعني من تناول أي مصدر من مصادر هرمون الإستروجين قطعاً للمادة التي يتغذى عليها الورم ..

وكانت الفاجعة بالنسبة لي يوم أن منعني الطبيب من ( بعض ) المأكولات التي يدخل فيها هذا الهرمون .. منعني من تناول الدواجن واللحوم ومشتقات الحليب والبيض فقط .. فقط ؟؟ أذكر جيداً أنه لما ذكر قائمة الممنوعات تساءلت في تعاسة عما أبقاه مسموحاً لي بتناوله .. أنا لا أحب السمك أبداً ، ولست من عشاق الخضروات ولا الفاكهة ، فإلى متى سأستمر في تناول لحوم الغنم ( والتي كانت الوحيدة التي سمح بها ) ؟ هل سأقوى على تناولها يومياً .

فجأة اشتهيت دجاج الشواية وسندويشات كودو ( دجاج ) ، وطبق السليق الرهيب ( دجاج وحليب وسمن بلدي ) ، وطبق البيض بالجبن ( التابو الثنائي : بيض وجبن وربما ينضاف إليها الزبدة ) .. ولكن يبدو أن هذه أشياء ستختفي من قائمة طعامي لفترة مؤقتة ، ليحل محلها البروكلي والفلفل الملون ، والزنجبيل والشاي الأخضر !!

أذكر أن أخي بعد تلك الأيام قدم لزيارتنا من ينبع ، وحملت زوجته لي من أطايب الطعام ” الصحي ” والمراد : المسموح لي به . صنعت لي طبق العيش باللحم من مفرومة الغنم ، وبضع كعكات بدون بيض ، وخبزاً خالياً من البيض كذلك .

أبقيت العيش باللحم لحالات الطوارئ حينما كنت أجوع ولا أجد ما يسد جوعي ، فقد ولى زمن سندوتشات ( جبن الكاسات ) وأكواب اللبن ..

كما اشتريت نصف دزينة من البرجر بلحم الغنم وجمدتها في الفريزر إلى جانب كيلوات من لحم الأوصال المشوي ..

فجأة أحسست أني مللت البرجر والأوصال واللحم بعد أن كانت في يوم ما طعامي المفضل .

ثم أني لما بدأت بتناول العلاج الكيماوي ac ، عرفت أني كنت في نعيم قبل أيام ، وأن حزني وتعاستي كانت ( لعب أطفال ) .. حينما بدأ تغير طعم الفم ورفضت الغدد اللعابية إفراز الكمية المعهودة من اللعاب ، بل و تضافرت معها جهود حليمات التذوق في الثورة على الطعوم ، فصارت تعطيني مذاقات مزيفة وثائرة ..

أحياناً تطالبني حليمات التذوق بتناول ( أكل أحمر فيه مرق ) ، فأطلب من فاطم أن تهيء لي إيدام بطاطس بدون دجاج ولا لحم لأتناوله مع الرز الأبيض والسلطة .. ويسيل لعابي وأنا أتخيل الطعم الجميل ويمتلئ قلبي حبوراً وفرحاً لملاقاة وجبة طلبها لساني شخصياً  ، ولكن تكون الصدمة حينما أتذوق اللقيمات الأولى فأجد هذه الحليمات تعاندني كالأطفال فترفض هذا الطعم .. ماذا تريدين إذاً ؟ هل تريدين طعماً أقل حموضة ، أو أكثر ملوحة أو أشد ليونة أم ماذا ؟ أتساءل بخيبة أمل ثم أترك طبقي شبه ممتلئ وأقوم لأبحث عن طعام جديد نافع .

فإذا اجتمع مع هذا الطعم غير المقبول إلحاحاً من جانب أمي أو أخوتي على تناول ما لا أحبه أصلاً من الطعام كالبروكلي أو الخضروات لفائدتها ، فإن هذا – لعمر الله – هو التعذيب بعينه ..

وأحياناً كان لساني يلعب معي ويعطيني طعماً زائفاً لنفسه دون أن أتناول أي طعام ، فكنت أشعر بطعم الأسبرين المذاب في فمي ، ويعلم أبناء جيلي جيداً سوء هذا الطعم حينما كنا نصاب بالانفلونزا ونحن أطفال ، فكانت أمهاتنا تذيب الحبة في ملعقة ماء ثم تجرعننا إياه .. فارتبط هذا المذاق الكريه بالحمى والمرض .

ولما بدأت جلسات العلاج الكيماوي taxotere أيقنت أن ما جرى معي أيام ac كان مداعبة ثقيلة من لساني ، فقط ليتحول الأمر الآن إلى جد ..

كنت لا أتمكن من تناول أي طعام في الأيام الخمسة الأولى حتى أني كنت أفقد في أول كل جلسة ثلاثة كيلوجرامات ، وكانت أمي تتوسل إلي لتناول المزيد من الطعام والذي كان لا يزيد بحال من الأحوال عما تأكله شمسي .. كنت لا أشتهي شيئاً في البداية ، ثم تطور الأمر ليتحول إحساس الطعام في فمي كالقماش .. وأخيراً كان هذا القماش سيء الطعم ، فينتهي بي الأمر لتركي الطعام بالكلية ..

حتى الماء كنت لا أجده مستساغاً .. أما زمزم ، فانس الموضوع !!

وإذا ما دعيت إلى العشاء عند إحدى صديقاتي أبكي على الأطلال .. أطلال حليمات التذوق ( الصاحية ) والتي كانت تعرف أن ما ألوكه الآن هو قطعة بيتزا لا شراب ابنتي القديم .

وسمعت في تلك الفترة محاضرة للشيخ أبي إسحاق الحويني يتكلم في قناة الحكمة عن الطعام وكيف أن المريض لا يكاد يجد طعماً لشيء ، ثم حكى عن شخص قال لحكيم : ما أطيب هذا الطعام ! فقال الحكيم : إنما طيبته العافية .

أذكر يومها كنت مستلقية على الأريكة باسترخاء وكسل وفتور ، فلما سمعت قولته فكأنما وقعت على كنز .. اعتدلت في جلستي ، واتسعات حدقتاي وأصغيت لكلامه ونفسي تحدثني : فعلاً ، إنما تطيبه العافية ، لا الملح ولا السكر .. وأخذت أهز رأسي بطرب وأنا أكرر لنفسي : الله ! إنما طيبته العافية .. ولولا خشية اتهامي بالعته لقلت : ياليل يا عين .

واليوم ، حينما أشتهي شيئاً ، فأذوقه ، فأجده كما أشتهيته تحملني الذكرى إلى تلك الأيام ( والتي لن أصفها بالسعيدة ولا التعيسة ) وأحمد الله على العافية التي فقدتها لفترة من الزمن .. الآن بإمكاني أن أتخيل البيتزا المقرمشة الأطراف ، الغنية بالصلصة الحمراء والمغطاة بالجبن الذائب ، و كعك الشوكولاتة المغطى بطبقة ثخينة من كريمة الشوكولاتة ، فأجد تفاصيل الطعوم واضحة لا تقبل اللبس ، الحامض والمالح والحلو ، كلها معتدلة لا يطغى طعم على الآخر ..

صدقوني .. الآن أجد أن مجرد ذكر هذه الأطعمة ووصفها يثير في نفسي الكثير من المتعة والبهجة فكيف بتناولها !

أخوتي في عالم الكيماوي ممن لم يمن الله عليهم بالشفاء بعد .. اصبروا .. ففرج الله قريب !

أمريكي من الهيئة !

قرأت في إحدى المدونات الأمريكية لأحد الآباء مقالاً يتحدث فيه عن توجهه الذي تبناه والذي أراه – شخصياً – شذوذاً في المجتمع الأمريكي . كان أحد الرجال الذين يعارضون بشدة ( التدييت ) ، وهذا مصطلح أسأل الله اللطيف أن لا نحتاجه قريباً في مجتمعنا ، والذي يقوم ( المصطلح لا المجتمع ) على تسخير الكلمة الانجليزية واستخراج فعلاً عربياً منها ، على وزن ( شيّك عليه ) من check  إذا أراد أن يراجع شيئا و ( قوْقله ) من google it  إذا بحث في النت على شيء ما ، و( كنسل ) الحجز مثلاً من cancel إذا ألغاه .

 فهذا الأب كان أحد معارضي أن ( تديّت) من dating أن تواعد الفتاة رجلاً ما قبل الزواج .. وذكر أشياء عجيبة فعلاً ، منها أن ابنته أهدته مرة قميصاً رياضياً ( تي شيرت ) مكتوب عليه D.A.D.D. ، والذي يعني Dads Against Daughters Dating آباء ضد تدييت البنات ، وجدته ب 11 دولاراً فسألته عما إذا كان يرغب في أن تشتريه له ، فطلب منها اثنين .. يقول : كلما ارتديته كان أحد الآباء يقترب مني ويسألني من أين أتيت به ، فأجيب فخوراً : أهدتني إياه ابنتي الكبرى .

وذكر أن زوجته كانت تدرس البنات في المنزل حالما يبلغن السن التي يكون بإمكانهن فيها مواعدة الفتيان منعاً لذلك . وحين يكبرن قليلاً فإنهن ينتظمن في كلية ذكر اسمها لا تبعد كثيراً عن بيتهم ، حيث يقوم بتوصليهن قبل أن يذهب لعمله ، وبعد الانتهاء من محاضراتهن فإنهن ينتظرنه في المكتبة ( !!) حتى ينتهي من دوام العمل ثم يأخذهن في طريق العودة ، ليؤدين واجباتهن المدرسية، ويتناولن العشاء ثم يشاهدوا جميعاً فيلم السهرة .

كما ذكر كيف فعل بالأولاد في الحفل الراقص في مدرسة ابنته حين كانت في الصف الإعدادي الأول حيث أتيحت له فرصة مرافقتها إذ كانت مسؤولة في مجلس الطلاب بالمدرسة وطلبت منه المساعدة ففعل بسرور . جثم على منصة الاستاد الرياضي يراقب بعينين كالصقر الراقصين حتى إذا ما وجد بعض النظرات غير المريحة لأحد هؤلاء الطلاب في الصف الثالث الإعدادي فإنه كان يتقدم إليه نافشاً صدره وفي عينيه نظرة بادرة قاتلة وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة هائلة ، كل ذلك كان كفيلاً ببث عدم الراحة في قلب ذاك الجريء ، فيفترق الراقصان حتى يقف كل منهما في الطرف الآخر من الاستاد .. نعم ، هكذا يكون هذا الأب قد أدى عمله !! ويعتبر نفسه سفيراً عن كل الآباء الذين لم تتح لهم الفرصة لحضور هذا الحفل الراقص ، وأن حضوره هو كان بمثابة رسالة لكل هؤلاء الفتية الصغار : أن  لا تقتربوا من بناتنا ، وإلا ..

وأخيراً يختم بوصية للآباء فيقول : لابد أن نعتني ببعضنا .. إذا رأيت متأنقاً ( وغداً ) في المول يراوغ إحدى الفتيات فعندها ستكون مهمتك أن تتدخل .. ألن تحب أن يتولى أحد الدفاع عن بناتك لو لم تكن موجوداً ؟ توجه إليه واطلب منه أن يكف عن ذلك .  اعرض عليه أن تتصل بأبيها ، لابد أنها عندئذ ستستميت في الهرب .. اطلب الشرطة إذا لزم الأمر .. اخرجوا أيها الرجال .. فلتكن لكم وقفة !!

 

انتهت التدوينة .. وقرأت التعليقات التي تلتها .. ولبثت ملياً بعدها أفكر .. هذا الرجل ليس مسلماً .. وليس عربياً .. والذين علقوا مشجعين وبعضهم أمهات طالبن بتي شيرت مكتوب عليه : أمهات ضد تدييت البنات ليسوا كذلك أيضاً . هذا الرجل يصلح أن يكون من أعضاء الهيئة ..

 ثم قارنت بحال مزعجة آخذة في التزايد في مجتمعنا .. بين بناتنا في مرحلة المتوسطة والثانوية .. هل تتخيلون ؟ بنات في سن الثالثة عشر والرابعة عشر يواعدون فتياناً بالدس عن أهليهم ، أو بعلمهم ، فلم يعد هذا عيباً عندهم .. تفتخر الواحدة بأن لها أصدقاء وأنها تخرج معهم ، وأكاد أكذّب من يحكي لي هذه الحكايا ولكنهن يكنّ أحياناً صديقات شخصيات لهن ..

وأسترجع ذكرى ضبابية قديمة علاها بعض الغبار عن بعض صديقات الثانوية اللاتي كن يستمتعن برؤية الدهشة وعدم التصديق تعلو وجهي وهن يحكين لي عن مغامراتهن في ( الكباين ) وفي السفريات .. وأنا مصعوقة .. أين الأهل ؟ أين الأم ؟ ثم لا ألبث أن أكذبهن في نفسي وأقنع نفسي أنها لا تعدو أن تكون محاولات طفولية ساذجة لاختراق عالم الكبار بأي طريقة كانت ، ولو كانت عن طريق تشويه السمعة .

والآن ومع تواتر كل هذه القصص عن (تدييت ) بنات المدارس أصيح  بعنف : أين الأهل ؟ أين تعليم البنات رقابة الله ؟ ماذا تفعلون ببناتكم ؟ تعلفوهن وتكسوهن وتتركوهن بعد ذلك غنيمة للرائحين والقادمين ؟ حينما تتركون البنات يتمشين مع لداتهن في المولات ألا يهمكم أن تعرفوا ماذا يفعلن ؟ حينما ترسلوا لهن السائقين في ساعات متأخرة من الليل ألا تسألونهن لماذا تأخرن ؟ حينما تختلي بناتكم الساعات الطويلة مع الهاتف المحمول ألا تؤلمكم قلوبكم ؟

فقط أقول : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً .

نريد من هذا الرجل أن يقدم عندنا ويعطي دورة في سياسته ، لعل بعض المستغربين يقتنع لو وجد أشقر ذا عيون زرقاء يعلمه كيف يحافظ على شرف بناته..

أقصوصة وأنشودة 1

دخل إلى الحجرة تتقدمه عكازه الفاخرة ، يتوكأ عليها ، يمشي بوهن يحاذر السقوط .. جلس على أريكته الوثيرة بجانب قطته الشيرازية البيضاء .. نظرت إليه بعينيها الناعستين ثم أسندت رأسها على يدها وأكملت نومها . ألم كوخز الكهرباء يسري في رجليه .. هذا الألم يعاوده بين الفينة والفينة ولا يدري ما سببه ، ولا يريد أن يدري ! خلع نظارته وجعل يمسح عدساتها بمنديل كان جانبه ، ثم أرجع رأسه للخلف فالتقت عيناه بالصورة المعلقة في صدر المجلس .. صورة كبير فخمة لرجل وسيم نوعاً ما ، فارع الطول بثياب العمل ، خوذة المهندسين البيضاء في يده ، ومن خلفه يبدو المشروع الكبير الذي أدخله إلى مصاف الأغنياء ؛ المنتجع السياحي الرائع والذي ظل حديث الصحف لأعوام عديدة . لم يكن يرى الصور جيداً ، فالغبش أضحى رفيقه منذ أن أصيبت عيناه بالماء الأبيض من عدة أعوام . شعر فجأة بجفاف في حلقه .. نادى بصوته الواهن على زوجته عدة مرات قبل أن تأتيه الخادمة : نعم بابا .. ماما مافي .. ماما سافر بيت ماما سهام ..نسيت بابا ؟ نعم نعم .. سافرت زوجته اليوم صباحاً لتزور ابنتهما التي تقطن في مدينة أخرى ..كيف نسي ؟ لابد أن النسيان قد غدا أيضاً من رفقائه الدائمين هذه الأيام .. طلب منها ماء ثم عاد فأسند رأسه إلى الوراء يتأمل في هذه الصورة .. ويتعجب من هذه الدنيا .. فكر : لو كان يمثل في فيلم لتعالى صوت الموسيقى التصويرية الخافتة لتوحي كم هو حزين هذا الرجل .. ابتسم ساخراً من نفسه ومن خيالاته ، وحدث نفسه بصوت مرتفع : سبحان الله .. إيش هذي الدنيا ؟

 تلقائياً وبدون تفكير امتدت يده نحو ( الريموت ) وأشعل التلفاز .. على أي شيء ، أي شيء يمكن أن يطرد الأفكار الشريرة التي اعتادت على زيارته في الآونة الأخيرة .. وحين أقول الآونة الأخيرة ، فإني أقصد بها السنين الخمس الأخيرة .. فجأة ، شعر بالضعف والوهن ، فجأة شعر بالمرض , فجأة شعر بالـ.. وحدة !! هو يفهم لم يشعر بالضعف والوهن والمرض ، فهو قد جاوز السبعين حاملاً في يده حقيبة لا بأس بها ملأى بالأمراض : الضغط ، السكري ، الكلسترول ، التهابات متكررة في الرئة ، التهابات متكررة في المفاصل ، ماء أبيض في العينين ، لثة متقرحة بسبب تركيبة الأسنان التي تأبى أن يضبطها أي طبيب .. ولكن الوحدة .. لم يشعر بالوحدة وعنده زوج تهوى الثرثرة  إذا ما أتيحت لها الفرصة ، وخادمتان تشبهان مخدومتهما ، وتلفاز 50 بوصة يتربع بوقار أمام أريكته الأثيرة ، والكثير من المجلات والصحف اليومية تملأ حياته بعدما طلب التقاعد من خمس سنوات ليرتاح على حد زعمه .. أتراه وجد الراحة ؟

هو يشعر أنه هذه الراحة هي التي أتعبته . فجأة وجد نفسه خالياً من العمل ، كان يصحو يومياً وينهض من سريره ، فقط ليتمدد ثانية على الأريكة أمام التلفاز ، يتابع المباريات والبرامج الإخبارية ، ويقرأ الصحف والمجلات ، وينقضي النهار ليعود ليلاً وينام في سريره .. وبين هذا وذاك الكثير من المشاجرات مع زوجته وسائقه وخادمه، الكثير من الأفكار الشريرة التي تأخذ بمجامع فكره لسويعات قبل أن يقوم بمحاولة واهنة لطردها . تمر بعقله صور سريعة ، لكنها معبرة ، عن الماضي الجميل .. حين كان مشهوراً ، ومحبوباً من الناس لوسامته ، وكرمه و.. ماله وشهرته .. كثير ممن حوله كان يعلق معرفته الوثيقة بهذا الشخص وساماً على صدره لتُفتح أمامه أبواب كبيرة من الاهتمام والرعاية . هو درس وعمل بجد وتفان وإخلاص حتى وصل إلى ما كان ينشده من نجاحات ، بل وأكثر .. وبالتأكيد كان لابد من دفع ثمن لهذا النجاح .. والثمن المعتاد هو الأسرة .

كان كثير الغياب عن أسرته ، وفي الوقت ذاته كان نافد الصبر في تربيته لأولاده .. فكان يعاملهم بالكثير من الجفاء لأن إسباغ الحنان يستلزم وقتاً ، والوقت في حياته يساوي ذهباً وألماساً والمزيد من الترف والرفاهية .. و مع شدة كرمه المادي معهم ، إلا أنه كان شحيحاً بعواطفه ، فلا يذكر متى احتضن ابنه الأكبر ، ولعله قبّل بناته عدة مرات بعد أن كبرن .. أما الزوجة ، فقد خصها بأنواع  الازدراء والقرف لأنه كان يراها دون مستواه التعليمي بمراحل بعيدة .

 لا يعرف كم من المرات – لعلها تعد بالعشرات – أراد أحد أبنائه المراهقين أن يفصح له عن خوفه من تحرشات بعض ( البلطجية ) من الطلاب في مدرسته ، أو مروجي المخدرات ، أو عصابات الأزقة تعترض طريقه أثناء خروجه من المدرسة إذا تأخر السائق ، فخاف من بطشه ، وبلع سره في بطنه وسكت .. لا يعرف كم من المرات احتاجت إحدى بناته حضناً وقبلات وكلمات إطراء من رجل لترضي أنوثتها ، فوجدت أن الرجل الوحيد الذي بإمكانه أن يفعل ذلك مشغول ، أو مشغول.. وفي أحسن الأحوال : مشغول !!

تقاريرهم المدرسية توقعها أمهم بتوقيع الأب الذي أتقنت تزويره للحاجة ، المستشفيات لا تعرف وجهه إلا عند ولادة الأم ، وغير ذلك فلا دخل له إلا بالدفع .. قرأ مرة في الورقة الخلفية من إحدى كراريس المدرسة لابنته نادية : ( أبغى بابا يكون بابا ، مو مكينة صراف ) ، فرمى بالكراس بعيداً وهو يحدث نفسه بحنق : ( أهلك نفسي لأجلكم أيتها الحيوانات ) .

تحلق حوله صغاره مرة في محاولة يائسة منهم لجذب اهتمامه ، عله يكرم أحدهم بقبلة أو حضن دافئ وإن كان سريعاً .. الحق أنه حاول مجاراتهم إلا أنه لم يحتمل الأمر لأكثر من عشر دقائق ، ضاق بعدها ذرعاً بإزعاجهم ، فصرخ بهم : خلاااااص ، اذهبوا بعيداً .. يا الله ، متى تتزوجون وأرتاح من إزعاجكم .. ليرتفع صوت زوجته ” الجاهلة ” تذكره : لا تقل ذلك  أبا فلان .. سيأتي يوم تتمنى وجودهم بجانبك .. يرمقها بالازدراء المعهود وينهض مغادراً ” الإزعاج” ..

سمع مرة من خلف الباب المغلق حواراً سريعاً بين ابنه الكبير وأمه ، هي تقنعه بمدى حب أبيه لهم لكنه مشغول بتوفير الرزق الرغيد لهم ، وهو يقول بصوت – فكر كم يبدو مضحكاً مفتعل الخشونة بسبب بلوغه حديثاً ، وللغصة الكبيرة التي كانت بسبب البكاء ربما ، أو لعلها الحساسية .. أم أن أخاه هو المصاب بالحساسية – : لا نريد ألعاباً غالية ، ولا سيارات متجددة .. نريد أباً نشعر في ظله بالأمان .. نريد أباً يناقشنا كأب ما نفعل إزاء مشاكلنا ، أحلامنا ، اختياراتنا المدرسية والجامعية .. و… عندها غادر موقعه لأنه مستعجل ويريد اللحاق بالاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة ، همس بحنق بين أسنانه : ( مافش فايدة ) .. حيوانات !!

سنين مرت ، وتزوج البعض ، وسافر البعض الآخر للعمل أو الدراسة ، وخلا البيت الكبير إلا منه ومن زوجه .. ومع تقدمها في السن صارت شرسة .. ما بالها ( هذي الحرمة ) ؟ أكلمها فترد لي الكلمة أربعاً .. أنتقدها فتهوج في وجهي .. ما الذي تغير؟ أنا – عن نفسي -كما أنا .. لم أتغير أبداً ، ولكن ما بالها هي ؟ ( صاحية هي ؟ )

ومر المزيد من السنين وطلب التقاعد من الشركة لأنه يريد أن يرتاح بقية أيامه خاصة بعد إصابته ببعض الأمراض ، ويريد أن ينعم بمجالسة أولاده وأحفاده .. أولاد ؟ أحفاد ؟ ما معنى هاتين الكلمتين ؟ الآن فقط انتبه أنهم ما كانوا يزورونه إلا في الأعياد .. صحيح أنهم كلهم خارج المدينة ، لكن الطائرات ما أبقت عذراً لأحد بعدم الزيارة .. الآن فقط انتبه أن والدتهم هي التي كانت تزورهم كثيراً وتقضي عندهم أياماً طويلة .. الآن فقط انتبه إلى أنه يحتاجهم جداً .. نعم .. يحتاج لأن يخدموه ، ويؤنسوه في الليالي الشتوية الطويلة .. يحتاج لرؤية أحفاده ليحكي لهم بعضاً من قصص العصامية التي بنت حياته العملية .. يحتاج لأحضان بناته تدفئ قلبه المسن .. يحتاج بعضاً من استجلاب الذكريات السعيدة .. ذكريات سعيدة ؟ مامعنى هاتين الكلمتين ؟ يبدو أنه صار أعجمياً في الآونة الأخيرة .. أي ذكريات سعيدة ؟ هو لا يذكر عن أولاده إلا أنهم كانوا دائماً في حجراتهم يلعبون بالألعاب الغالية التي يغدقها عليهم أو متحلقين حول والدتهم عديمة الثقافة تحكي لهم قصة ما . هم لا يذكرون عن أبيهم إلا ازدرائه الواضح لأمهم ( أحب المخلوقات إلى قلوبهم الصغيرة ) ، وجملته الأثيرة : ( بأشتغل لكم يا حيوانات ) !! فأي ذكريات سعيدة عساها أن تستجلب ؟

نار بدأت صغيرة تتأجج في قلبه وهو يقلب صورهم .. في ذات الوقت الذي بدأت فيه آلام الشيخوخة بالزحف إلى جسده .. يعتصر قلبه حينما يسمع أصدقائه يحكون عن آخر قفشات أولادهم أو يقلدون لثغات ألسنة أحفادهم اللذيذة ، أو احتفاء زوجات أبنائهم به ، أو دعوة أزواج بناتهم له في رحلة القارب الفاخر، أو قضاء عطلة الأسبوع في الطائف .. مرة واحدة استلزمت جهداً جهيداً من نفسه المصابة بداء الكبرياء حين رفع السماعة على ابنته سهام والتي تعتبر أكثرهم براً بأبيها ، وقال : وحشتوني يا سهام .. وحشني أخوانك .. تعالوا مبكراً هذه المرة .. تعالوا من منتصف رمضان .. أفطروا عندي كلكم هذه السنة .. البيت يسعكم كلكم كما تعلمين .. أريد أن أملأ عيني برؤيتكم أجمعين .. أريد أن أشمكم وأحضنكم .. أريد أن أشبع من صحبتكم قبل أن أموت ..

لايعرف أن سهام بكت بكاء حاراً وهي تسمع هذه الكلمات ، ونفسها تهتف من عمق سحيق بداخل صدرها ( ليه مو من بدري هذا الكلام يا بابا ) ؟ لا يعرف أن سهام وأمها حاولتا كثيراً مع أخوتها لكنهم تعذروا بأعذار شتى .. ما كنت لتقنع أحداً ذا لب .. ولكنها كانت كافية لتسكت ذاك الصوت الرتيب القبيح في قلوبهم : كما تدين تدان !! وفعلاً ، لم يأت مبكراً في تلك السنة إلا سهام وأولادها .. بل إن بعض أولاده لم يحضر عشاء العيد لانشغاله بمؤتمرات مهمة خارج البلاد .. وفي الشهور التالية أبت عليه كبرياؤه أن يطلب رؤية أولاده وأحفاده مجدداً ، ولكن النار الصغيرة التي في قلبه كانت تزداداً اشتعالاً .. كان يشعر بها تلتهم شيئاً ما في قلبه .. ثم تزحف لصدره .. أحياناً يتخيل أنه يضم إليه ولده الأصغر فينتبه على نفسه وهو يعتصر الوسادة الصغيرة بيده .. يشعر بفراغ كبير في منطقة الصدر .. يريد أن يضم شيئاً .. فيضم الوسادة الحمراء ، ولكنها للأسف لا تفي ولا بربع الغرض ..

ارتفع صوت أنشودة ما في القناة التي فتحها .. رفع عينيه الباكيتين إلى التلفاز، شده هذا المنظر ، منظر الأب الوحيد الذي تركه ابنه ليسافر .. مسح عينيه بأصابعه المعروقتين ليتمكن من الرؤية بوضوح ، ومضى يتابع المقطع ، وشيئاً فشيئاً  نما في نفسه  برعم أمل صغير صغير ..

 

حينما كتبت ذاك الفصل من كتابي والذي سميته ” صديقتي الفاتنة سارة ” ، كنت أقصد به ذكر الحدث الجميل الذي مررت به ، والذي قدّر الله أن تكون بطلته صديقتي سارة ، في وقت تداعت علي آلام جسدية ونفسية كثيرة نشأت من جلسات الكيماوي المتلاحقة ، وأمور أخرى .

 أعجبني جداً محتواه ، وأعجبني أكثر عنوانه – ولا تعجب من إعجابي بصنعي ، فأرجو أن لا يكون ذلك غروراً ، وإنما هو تماماً كإعجاب ربة المنزل الماهرة بطبقها ، وإعجاب المهندس بديكور منزله الذي أنشأه– ولكن بعدها تردد في ذهني : كم من الفاتنات اللاتي قابلت في فترة مرضي هذه ؟ كم من الفاتنات أدخلن السرور على قلبي ؟ في إحدى التعليقات على تدوينة ” صديقتي الفاتنة سارة ” ذكرتُ أن الفاتنة عندي هي التي تبذل جهدها ووقتها ونفسها لمساعدة الغير ، وعلى هذا كانت حياتي العام الماضي ملأى بالفاتنات .. خلدت إحداهن – سارة – في أحد فصول كتابي ، والباقيات لسن بأقل منها وإن لم أذكرهن .

هناك ، في ذاكرتي ، مساحات واسعة شاسعة من الفضل لأهل الفضل ، قدموه لي بعفوية وتلقائية ، إما لأنهم على هذا جُبلوا ، أو لأنهم رأوا ما لإدخال السرور على قلب المسلم من أجر ..

اليوم ، حينما تلقيت نتيجة أشعتي الأخيرة والتي أظهرت خلو عظامي بفضل الله تعالى ومنته من المرض أرسلت بهاتفي الجوال لعدد من الأشخاص الذين كانوا يبدون اهتماماً كبيراً بنتيجة الأشعة أبشرهم بفضل الله علي .. وفي خلال عشر دقائق تلقيت من الرسائل النصية عدداً مماثلاً لما أرسلته وفوقها بعض المكالمات كلها تهنئ وتبرّك وتدعو الله بإسباغ النعمة عليّ وعلى ذريتي ، ومنهن من بكت من الفرح ، ومنهن من بشرت أهلها ، ومنهم من رتب لي ولائم .. وأنا بين هذا وذاك ، تغرورق عيني بالدموع امتناناً لهذا السيل الجارف من المشاعر الجميلة والعواطف الفياضة ..

عندها فكرت .. لابد من تدوينة شكر ، أشكر لكل هؤلاء الناس فضلهم ودفء مشاعرهم التي غمروني بها في أوقات كانت  أسناني تصطك فيها من شدة برد الظروف المحيطة آنذاك ، وكنت أشكو جدب القلب من الأمل أحياناً ، ومن ضيق الإحساس بالوحدة أحياناً أخرى .. فكانت مشاعرهم تمسح بيدها الحانية على قلبي الضعيف فيقوى بإذن الله عندما يعرف أن هناك ، في هذا العالم ، ما تزال مجموعة كبيرة من الناس تستحق أن تعيش لأجلها ، وأن تكافح المرض لأنها تقف وراءك وتشجعك وتبث في قلبك التفاؤل والمحبة .

هناك فايزة التي كانت تدعو ابنتي لطيفة عندها – لما غبت عنها لتلقي جلسات الكيماوي – تمسح على رأسها وتحتفي بها وتداعبها في وقت كانت فيه لطيفة تشكو من حالة ( ما عندك أحد ) !! أي جميل حمّلته فايزة ظهري بفعلها هذا ؟ هي تنعم بعيش هانئ بأخلاقها الجميلة ( الله يبارك لها ) وأنا أحيا تحت وطأة هذا الجميل الذي أسأل الله الكريم أن يجزيها عني خير الجزاء .

ونادية .. مرة ثانية ؟ نعم ثانية وثالثة وعاشرة وألف .. ألم أقل أنها وأهلها هم أهلي في المدينة ؟ تخجلني بإطرائها وثنائها علي ، تخجلني بتواضعها وخدمتها لي ، وتفانيها في إشعاري بالأهمية .. مرة أخرى أقول – وهذا للفائدة – كم من الخير تفعل لو أدخلت السرور على قلوب الناس ، وبالذات مريض السرطان ، الذي لا يفتأ يشعر بثقله على أحبابه والمجتمع ، وكثير منهم يشعر بالتعاسة وقرب انتهاء الحياة ، فتكون الكلمة الحسنة والمعاملة الجميلة والهدية الصغيرة والدعوة البسيطة غير المتكلفة مع جمع من الأصدقاء من أكثر الأمور المشعرة بأهمية هذا المريض والمنشطة لاستعادته زمام نفسه اليائسة مرة أخرى بإذن الله .

مروة .. بكرمها وحسن ضيافتها ، وإصرارها الدائم على زيارتها وحسن ظنها بي ..

ما عساي أن ( أحس فيه ) وهي تقول بلهجتها السورية المحببة ( أنت يا هناء حتة من ألبي ، الي بيألمك بيألمني ) .. أرسلتها لي رسالة نصية في تلك الليلة التي علمَت فيها بخبر مرضي ، ولم تجد الشجاعة الكافية لمواجهتي بما علمت ، لعلها إذ فعلت لفتحت عليّ وعليها سيولاً من الدموع .. صبرتني على بلائي وذكرتني بماضيّ القريب الذي كنت أطلب فيه العلم وأربي أولادي عليه .. أشعرتني أن هذا البلاء الذي أصابني كان نعمة من الله يريد بها تعالى أن يتمّ بها عليّ باقي نعمه بتكفيره للسيئات وبرفعه للدرجات .

بعض بنات منتداي الحبيب في سؤالهن عني واهتمامهن بأمر نتيجتي ، ثم استعمال ألفاظ صغيرة شديدة العذوبة وقوية في الإفصاح عما في القلب : ملح التجمع ، روح التجمع ، قلب التجمع .. فيزهو قلبي ويختال  أن هؤلاء – بفضل الله – يحببنني ..

بدرية التي أعطتني في أول مرضي زجاجة كبيرة من زيت السمسم المقروء عليه ، لينا التي لم تنسني من طيب طعامها ورقيتها لي في أيام الكيماوي العصيبة ، لمياء التي كانت تعرض علي سائقها إذا ما احتجته بأريحية تُغبط عليها ، أهلي المحبون الذين تتهاوى أمامهم كل صور الحب والوفاء ..

كل هذه الأمور تثير في نفسي – إذا ما أمعنت فيها التفكير – عجباً كبيراً من هذه النفس البشرية التي تحب الاهتمام ، وتسقي أرضها المزهرة المشاعر الإيجابية .. كاذب من يدعي أنه لا يهتم بحب الناس أو ثناؤهم ، وحزين من يرفض هذا الحب والاهتمام ، وبخيل من يضن بإظهارهما ..

علمتني كل هذه الصور وأمثالها أن أخرج من ( وضعية أبي الهول ) المغرقة في الصمت ، وأبدأ في التفاعل مع الناس ، فقط لأدخل السرور على قلوبهم ،كما أدخل كل هؤلاء الرائعين على قلبي السرور وأشعروني بالبهجة والمتاع .. أشكر من يستحق الشكر ، وأثني على من يسعده الثناء – وكلنا ذاك الرجل – وأحيي الأمل في قلب الكسير بكلمات نابعة من القلب ..

كلنا نحتاج إلى إغداق الكثير من المشاعر الجميلة لنستلمها في يوم من الأيام ، في وقت قد نكون فيه بأمس الحاجة إليها .. والجميل في الأمر أن هذا أمر لا يكلف الكثير من الجهد أو الوقت أو المال .. فقط ، أخرج عن صمتك وأطلق لمشاعرك العنان ، و-صدقني- هي التي ستقودك إلى الطريق الصحيح ..

 

كم من المرات خلوت بنفسك وحملك عقلك إلى ماضٍ قريب أو سحيق تتلمس فيه ذكريات سعيدة ، فتغرق في تذكر تفاصيلها لدقائق قد تطول طالما لم يوقف هذا التيار أحد . بإمكانك استجلاب الذكريات بحواسك الخمسة ، فللذكريات رؤى ومذاقات وروائح وملمس وأصوات ، كلها تساعد على نفض الغبار عن صور قديمة مخزنة في دهاليز الذاكرة .

كلما خرجت في صباح باكر وتسللت إلى أنفي رائحة الشوارع وعانقتني نسائم الصباح قفزت فوراً صورة صباحات مدرستي دار الحنان قبل ما يزيد عن ثلاثين سنة مضت .. الاستيقاظ المبكر وارتداء ثيابي على أخبارإذاعة “صوت أمريكا” – أيام ( الفقعنة) والتمظهر بمظهر المثقفين – الباص والتجول في المدينة التي تنفض عن أرجائها آثار النوم ، رائحة البسطرمة والبيض في بعض الأحياء الشعبية ، الجو المعتدل الجميل لصباح جدة .. الوقوف في الطابور ، قراءة سورة الفاتحة وإلقاء النشيد الوطني ثم نشيد المدرسة ، الاستماع إلى الإذاعة الرتيبة : مديرتي الفاضلة ، مدرساتي الحبيبات ، أخواتي الطالبات ، أسعد الله صباحكن بكل خير .. ( الدبور ) التقليدي يمرح كالعادة بين الطوابير وينعم بوقت ممتع وهو يرى صفوف البنات تتبعثر بفزع مبالغ فيه ، يجرين واضعات أيديهن في آذانهن ، ويصرخن بأعلى طبقة تصل إليها حناجرهن في محاولة لتبديد النظام المدرسي الرتيب ..

كلما دخلت مكتبة وتجولت بين خزائنها تذكرت مكتبة مدرستي المرتبة المنمقة الزاخرة بالعديد من القصص المسيلة للعاب .. كنت زبونة دائمة عندهم ، أستعير القصة لأقرأها في الباص وأرجعها في اليوم التالي . هذه المكتبة كانت تؤدي أغراضاً عدة .. فهي ” ليست مجرد مكتبة ” ، وإنما قاعة للندوات ، وتقام فيها المسابقات الثقافية والمساجلات الشعرية بين الفصول ، وتقام فيها معارض الكتاب والتي كنا نتأخر بعد الدوام المدرسي للمساعدة في إعدادها وحتى التاسعة مساء .. رائحة البروستد اليوم تذكرني ببروستد البيك ( الذي لم يكن عندنا غيره آنذاك ) والذي كانت تطلبه لنا إدارة المدرسة كغداء بسبب هذا التأخير .. ولا يخفى ما في هذا التأخير من ( فَلة وحماس ) !!

نفس المشهد قد يجلب ذِكريَيْن في آن واحد ، فذات المكتبة التي تذكرني بمكتبة مدرستي ، تذكرني كذلك بمكتبة دار المعارف بالقاهرة والتي دخلتها في صغري .. جلت بين أرجائها وحملت في يدي الصغيرتين ما استطعت أن أحمله من القصص التي لا أجدها في جدة .. قصص المكتبة الخضراء ، والمغامرين الخمسة والأربعة والثلاثة ، مجلدات لولو وميكي وسمير .. أرجع إلى بلدي لا تسعني الفرحة وبيدي هذا الكنز الثمين ، وزاد هوايتي لأشهر قادمة قبل أن أعود فأجترها من جديد .

رائحة عوادم السيارات عند الظهيرة تذكرني بموعد الرجوع من المدرسة .. ذات (اللفلفة الصباحية ) في الشوارع إلا أن الشوارع في الظهر أكثر ازدحاماً ، والحر أشد وطئة ، ورائحة السمك المقلي تنبعث من بعض المطاعم ، فتحرك الجوع في البطون الصغيرة الخاوية .. صوت إحدى البنات يرتفع لتُسمِع صديقتها التي سألتها عن غدائهم اليوم : اليوم غداؤنا بامية .. فيرتفع حاجبي الأيسر وأفكر : همممم.. كيف عرفت أن غداءهم بامية ؟ هل أخبرتها والدتها ( من صباح العالمين ) قبل أن تغادر إلى المدرسة عن عزمها على طهي البامية ؟ ما شاء الله عليها .. كيف قوي قلب الوالدة على التفكير بالإيدامات في هذه الساعة المبكرة من اليوم ! أو أن الفتاة ( تخرش ) على صديقتها !!

كلما شممت رائحة الكتب الورقية الزكية أتذكر بالكثير من السعادة مستودع الكتب في مدرسة الطفولة .. كانت مدرّستي تستعين بي لأستخرج الكتب الدراسية الجديدة من مستودع الكتب .. أدخل هذه الحجرة الواسعة وتعانقني رائحة الورق القوية ، آخذ نفساً عميقاً أثبّت به الرائحة في ذاكرتي أكثر وأكثر .. أحمل الكتب  اللامعة الجديدة والمصقولة ، وأستمتع بتوزيعها على الطالبات ، وأستمتع أكثر بمشاعر الفخر والزهو تغمرني لأني ( مهمة ) وأؤدي دوراً ( مهماً ) في توزيع الكتب ، ولو كنت لئيمة بعض الشيء لنهرتهن قائلة ( الي ما تجلس مكانها ما حتأخذ كتبها ) فقط لأستمتع بسرعة  انصياعهن لأوامري وبتضخم الغرور في قلبي الصغير .. ولكني لم أكن لئيمة بفضل الله !

قصص أولادي عن الاستئذان المستمر للخروج من الحصة لشرب الماء أو الذهاب إلى الحمام يثير في ذاكرتي الكثير من البهجة ، حينما ترسلني مدرسة الجغرافيا لجلب خريطة “قرغيزيا” من الإدارة ، فأخرج بسعادة تشيعني نظرات زميلاتي الحاسدة وأمشي في تلكؤ إلى أن أصل الإدارة ، وأبحث في تلكؤ عن الخريطة بين خرائط الصومال ومدغشقر والواق واق ، وأعود في تلكؤ أيضاً .. أو تطلبني مدرسة أخرى لأساعدها وبعض المتفوقات من فصول ” العلمي “و ” الأدبي ” الآخر في صف أوراق المجلة التي تطبعها المدرسة سنوياً استعداداً لتغليفها ، فأخرج لأجد أن هؤلاء المتفوقات هن صديقاتي الشخصيات ، فنظل نعمل حصتين متواليتين في جد تارة ، وفي مزح وضحك تارات أكثر .

وإذا وقعت عيناي على صورة لأحد الرياضين وهو يرفع الكأس بيديه ، أتذكر ذلك اليوم السعيد الذي اختارتني فيه مدرستي الطالبة المثالية لعام 1404 هـ وذلك في حفل تخرجي من الثانوية .. يومها حملت الكأس في يدي ورفعته كما يفعل هؤلاء الرياضيون تماماً ، وتعالت أصوات التصفيق والتصفير من القاعة وأنا أشعر بالإثارة تكاد تقطع أنفاسي ، وبالهبل في الوقت ذاته !!

 ومع كل ما قد ذُُكر فإن الذكريات المستجلبة لا تكون سعيدة دائماً.. رائحة القهوة التي أشمها في مستشفى الحرس الوطني بالذات تذكرني بأيام الكيماوي .. عبق القهوة المنعش ، الزاكي ، الذي يفترض فيه أن (يصحصح ) يثير فيّ غثياناً قوياً لأني كنت أشم هذه الرائحة بكثرة في كل مرة أذهب إلى المستشفى لتلقي جرعات الكيماوي ..

بعض الصور لأشخاص طوتهم الأرض في أكنافها ، أو رسائل جوال تذكر بمشاكل عائلية أليمة ، أو عبارات تقرع في الذهن أجراساً قديمة ، كلها قد لا تكون من النعيم  ، ولكنها تطرق أبواب عقلك بإصرار وعناد فلا تستطيع لها صرفاً ولا تحويلاً .. إلا أن هناك مخرج دائماً من تلك الذكريات التعيسة ، وهي أن تتذكر ألطاف الله تعالى في أثنائها ، وفرجه بعدها .

 أحب دائماً أن أردد أن الله تعالى إذا أنزل بلاء فإنه ينزل من اللطف ما يساوي ذاك البلاء أو يفوقه ، وعلى العبد أن يفتش عن هذا اللطف ، فإنه إذا رآه بعين بصيرته رآه يفوق بلاءه حتى تنسي عذوبته ( اللطف ) مرارته ( البلاء ) .كم من النعم لحظتها أثناء مرضي بالسرطان ، أو بالأدق : لم ألحظها إلا أثناء إصابتي بالسرطان ، غمرتني حتى أعمتني بلطافتها عن رؤية البلاء العظيم .. رأيتها في أولادي وصديقاتي وبنات أخواني وآلاء الله علي في كل شيء  ، فتعاظمت وبهرني جمالها وجلالها حتى إذا ما خطرت في ذهني صور السرطان لم أر – معظماً – إلا صور عطاء الأحبة وتشجيعهم وكل نعم الله في هذا البلاء تتقاطر من حولي ..

هناك الكثير من الذكريات الجميلة ، ولابد للعاقل أن يعمل جاهداً على تأجيج أوارها في القلب لأنها تمنح الجزيل من السعادة والدفء إذا غرق القلب في بحور الألم والمرارة .

رحيل الملكة

تمشي في الردهة الطويلة ، ساهمة ، بعين دامعة ، وفكر شارد .. شارد إلى تلك التي أغلقت عينيها بيدها إلى الأبد ..
أصيبت ( الملكة ) كما كانت تحب أن تناديها بجلطة في الدماغ من ست سنين ، ومنذ ذلك الحين ظلت تكابد سلسلة متناوبة من الأوجاع والأسقام ، حتى أصيبت بالجلطة الأخيرة التي أردتها في غيبوبة طويلة دامت عشرة أشهر لم تفق منها إلى أن فاضت روحها ، ويدها في يدها .

تمشي في الردهة الباردة وبجانبها أبوها المكلوم ولا تكاد تدري من الذي بجانبها .. فقط هي ترى في خيالها صوراً متتابعة تتنبدل بصمت وبسرعة مذهلة ..
هذه صورة لامرأة شابة ذات ثلاثة أولاد صغار في بلد الغربة مع زوجها المبتعث ، تقوم بعمل البيت ورعاية الأولاد .. لم يكونوا يكثرون التشاجر لأنها علمتهم المحبة والعطف على بعضهم البعض ، خاصة وأنها هي البنت الوحيدة ، والصغرى ..
تذكر ( ملكتها ) وهي تردد : مكثنا في ( …) سبع سنوات لم أذهب خلالها إلى المسرح أبداً لأن أولادي كانوا ينامون مبكراً ، والمسرحيات تبدأ في التاسعة مساء !!
صورة أخرى وقد عادت إلى وطنها وابتعث زوجها مرة أخرى لبلد أجنبي وتركهم .. ترعاهم كما ترعى عينيها .. لاتكاد ترسل الذكور إلى البقالة خوفاً عليهم .. وتكافح بشدة لتقيم عوج ثلاثة مراهقين غاب أبوهم ، في عالم يزخر بالفساد ..
صورة ثالثة لأمها المفجوعة وقد أصيب الأب بجلطة في القلب ، تجلس بجانبه في العناية المركزة بعينين زائغتين ، تحمل هم رعاية الأولاد الثلاثة لو رحل والدهم .. وتحمل هم الحزن الدفين الذي سيغمر قلبها لوفاة شريك عمرها ..
وصورة رابعة ، وخامسة ، وعاشرة وألف .. بل آلاف الصور لتلك المرأة العظيمة التي جاهدت ليحصل أولادها على أعلى مراتب التعليم وهي الأمية التي لاتقرأ إلاالقرآن فقط .. المرأة السخية ، المتصدقة ، التي لا تخاف في الله لومة لائم ..
وبين هذا وذاك كان حزنها غامراً على والدها الذي بدا ضائعاً في متاهة الحزن ، تائهاً في سراديب الألم .. حبه الأول والأخير ، شريكة حياته لأكثر من نصف قرن ترقد مسجاة على سرير ابيض في غيبوبة طويلة لا يعرف متى تفيق ..
تسهر بجانبها الليالي الطويلة ، أو تنام بنصف عين ، قلبها مع ملكتها الغائبة عن الوعي ، وقد التصقت بها أنابيب شتى ، منها ما يضخ في رئتيها الأكسجين ، ومنها ما يزودها بالغذاء ، وشيء للمحاليل الملحية ، أصوات كئيبة تصدر من الأجهزة المختلفة ، هذا جهاز التنفس ، وذاك لقياس الضغط ، وصوت متقطع لا تدري ما مصدره .. تنام وقلبها مستيقظ لأدنى حركة أو عسر تنفس أو أنين تصدره ..
وأحياناً تنظر الملكة إلى ابنتها بعينين من زجاج .. تنظر لها وكأنها تقول : أنا أعلم أنك بجانبي ، أنا أعلم أن تردين لي بعض الدين .. أنا أسمعك ولكني لا أستطيع حراكاً ولا كلاماً .. فيكاد قلبها يذوب ..
تتأمل ملكتها بشغف ، وتناغيها كما تناغي الأم طفلتها الصغيرة : يا ملكة .. كيف حالك ؟ تقرص خدها البارد برقة شديدة ، تلثم يدها المزرقة من آثار الحقن والمغذيات ، تغطيها بحدب وحرص وقلبها يتقطع ألماً ..
ولماكان اليوم الموعود الذي فيه استرد الله وديعته ، كانت يدها في يدها ، تنظر إليها بذات العينين الزجاجيتين ، ولكن هذه المرة لم تكن النظرة تعني شيئاً .. كانت نظرة غارقة في بحر اللا شيء ..
تحسست قدميها المتسربلتين بخف صوفي ، فألفتهما باردتين كما الثلج .. دق قلبها بعنف .. يقولون أن من علامات الاحتضار برودة الأطراف .. يداها باردتان كذلك .. وهذه النظرة ..
لا يا ملكتي .. لا تتركيني وحدي .. من لي بعدك ؟؟ من سيمسح على شعري كلما أوجعتني آلام الدورة الشهرية .. من سيشفع لي عند والدي إذا ما تأخرت عند صديقتي ؟ من سيستقبلني عند الباب كلما عدت من الجامعة ؟ من سيتناول معي الشاي بعد العشاء أسامره ويسامرني بأحداث المساء . من سيدعو لي بالهداية والزوج الصالح والأبناء ؟
لا تتركيني يا ملكتي في هذا العالم القاسي .. أنت كنت لي فيه الدفء والحب والنعيم ..
بدأت تبكي ، وتردد : لا إله إلا الله .. حسبي الله ونعم الوكيل .. يا رب .. يا رب .. وتلك النظرة تلاحقها.. تلك النظرة ..
تنظر إلى صدرها وهو يعلو ويهبط بثقل شديد ..
إنها تعاني ..
إنها تقاسي سكرات الموت ..
نقلت عينيها إلى الجهاز الذي يعلو رأسها ، نبضات القلب تغيب وتعود أحياناً .. والنفس عسير عسير ..
قافلة الجمال الخضراء على الشاشة اختفت ، فقط ليحل محلها خط أخضر مستقيم فيه تعرجات جد خفيفة ، ثم لا يلبث أن يستقيم .. صفير متقطع يصدر من جهاز آخر ..
لم تعد برجليها القدرة لتحملها بحثاً عن نجدة .. تسمرت في مكانها و ظلت تنظر بعينيها اللتين ملأتهما الدموع إلى وجه ملكتها .. سمعت صوتاً غريباً ضعيفاً من حلقها الذي ثبت فيه أنبوب التنفس .. ارتعش اللسان ، ثم تحركت هاتين العينان الخاويتان إلى الأعلى ..
وبين حشايا قلبها ترددت صرخة حرى تشيع الروح التي صعدت للتو إلى بارئها ..
أغمضت العينين الشاخصتين بيديها المرتجفتين وهي تنتحب ..
دموعها تهطل على وجهها ، ونشيجها يتسابق مع استرجاعها..
وأخيراً ، انكفأت على الصدر الحاني الذي طالما حواها وحوى جميع عائلتها ، اعتنقتها وهي تزفر بحرقة وتهمس بصوت باك … آآآآه يا أمي ..

متع مبهجات ( الكتابة )

حينما كتبت تدوينتي السابقة عن القراءة في الكتب الورقية ، فكرت بعدها في إنشاء سلسلة من التدوينات تحكي عن بعض المتع التي تبهج النفس ( نفسي أنا على الأقل ). فكان طبيعياً أن تلي الكتابةُ الورقية القراءةَ في الكتب الورقية .

أنا من جيل تربي على القلم والدفتر .. كنا نكتب ساعات معدودة وبصبر لا ينفد القطع المطولة في كتاب القراءة ، ولا أنسى حينما كنت في الصف الأول الابتدائي زرت بعض صديقاتي وكانت في مثل سني الدراسية وتنسخ قطعة ما .. كنت أنظر لها وهي تكتب الصلعمة المزخرفة التي نراها في الكتب  فأشعر فعلاً بالتحطم .. كانت ترسمها رسماً وأنا خائبة في الرسم (  وليس من متعي المبهجة بالتأكيد ) ، كنت أحاول تقليدها لكن لا فائدة ..

و في الثانوية كنا نحل تمارين القواعد في الدفتر ، ثمانية أو تسعة تمارين ، يتألف كل تمرين من ثمان فقرات ، كلها ننسخها في دفتر ( أبو ثمانين ) ثم نحلها فقط لتشخط عليها المعلمة القديرة بكلمة ( نظر ) ، ويالها من كلمة سخيفة ، فلا هي بالتي تحفز على الإتيان بالمزيد من الإبداع ، ولا بالتي تلفت النظر إلى مواطن الخلل – إن كان ثمة شيء منه –

 كانت – ولا زالت – متعتي القصوى بعد التجول بين دواليب المكتبات هي التجول بين أرفف القرطاسيات .. أحب الدفاتر الزاهية والأقلام الملونة .. أحب أن أشتري أدوات القرطاسية كما تحب النساء شراء ألوان المناكير والأرواج ( ما تعريب هذه الكلمة ؟ ) أشعر أني أعيش في عالم جميل حالم ، أجول بين أروقته كما يجول الطفل في دكان الحلوى ، تزيغ نظراته هنا وهناك ، يود لو أنه جمع كل شيء في ثوبه .. لذا فإني أنتظر أول كل فصل دراسي بفارغ الصبر لأذهب للقرطاسية وأدخلها قبل أولادي لأستمتع بشراء ما يحتاجونه للمدرسة . ولما أصبت بالسرطان وضعفت عن الحركة صرت أكتفي بإرسال أحد أولادي بورقة كبيرة فيها الاحتياجات المطلوبة لأمارس متعة توزيعها عليهم كما يوزع المدير شهادات النجاح ..

 كان شعوراً طاغياً بالسعادة حينما أستلم بيدي رسالة أو بطاقة مكتوبة عليها أختام بريدية من أمريكا حيث كان أخي يدرس ، أفضها بانبهار وأقرؤها بسرعة شديدة ثم أعود فأقرؤها بتروي ، وأثلّث قراءتها ، أتفحص النقاط والحركات ، وتدويرة الجيم في آخر الكلمة وأسنان السين والشين .. ثم ألتقط القلم بدوري وأخط رسالة أرد فيها على رسالته وأكتب وأكتب ، ثم أضع الرسالة في الظرف وأتفنن في كتابة العنوان باللغة الانجليزية ، وأحبّر خطي المبعثر ، وأزخرف حرف H الذي يبدأ به اسمي في محاولة طفولية للضحك على الذات بأن الخط لا بأس به على الإطلاق ، والدليل هذه الإتش الرائعة !!

 ولما كبرت وصرت أطلب العلم وأفرغ أشرطة المشايخ مارست متعة شراء الدفاتر والأقلام الملونة من أجل التفريغ فكنت أكتب بسبعة ألوان كتابة منمقة – وإن كانت سريعة – ، وإذا لم يعجبني الخط أو امتلأت الصفحة بالأخطاء الكثيرة فإني لا أتردد أبداً في تمزيقها وإعادة كتابتها ، لأني أريد صفحة نظيفة تسر الناظرين . ولا أحصي كم من المرات تركت دفاتري مشرعة على سطح مكتبي لأؤدي صلاة أو أصنع طعاماً فأرجع فأجد رسوماً سيريالية تغطي أسطري أبدعتها أنامل صغيرة فنانة ، أو أجد الدفتر بأكمله يشرب ويرتوي من ماء صُب عليه صباً فتسيح الأحرف وأصرخ أنا محاولة إدرك ما يمكن إدراكه ..

 فلما وفدت إلي بيتنا التقنية اضطررت إلى اللجوء إلى الكمبيوتر في كثير من الأحيان  لأحفظ وثائقي وخواطري من الضياع ، فقل استخدامي للقلم ، وبالتالي ساء خطي جداً .

والآن ، كلما أردت كتابة شيء ما ، كتفريغ شريط أو تدوين خواطر تنفعني في كتبي المستقبلية أو مدونتي أكاد أعرف كيف يشعر طفل السنة التمهيدية حينما يحاول الكتابة ، الخط كبير ، الأحرف معوجة .. سبحان الله ، كيف تهدرالكثير من المعارف الجميلة والمهارات العالية بسبب قلة الممارسة .

أشعر أن هذه الموهبة والمتعة تكاد تُسلب مني تحت طغيان الكمبيوتر الجارف .. لابد أن أقاوم !!