Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘الدين’

وأخيراً ..

بعد عمل متواصل دؤوب استمر قرابة التسعة أسابيع سأنهي اختباراتي اليوم .

أشعر بشعور متسلق الجبال حينما يصل إلى القمة وينظر بشموخ من علٍ إلى البلدة الغافية في سفح الجبل ، ويعلن انتصاره على الجبل .

لا أعرف متى تسلقت الجبل لأعرف هذا الشعور ، ولكني أتوقع .

إنه شعور الإنجاز .

أنا اليوم أعلن انتصاري على الدراسة .

صحيح أني لم أستلم نتائجي بعد .

ولكن أتوقع بمشيئة الله أنها ستكون سارة .

إليكم انطباعاتي عن هذا الفصل في وقفات :

 الوقفة الأولى : كانت غلطتي الكبرى أني بدأت متأخرة جداً ، تماماً كالأرنب الذي يسابق السلحفاة ، وقد ذكرت ذلك في أول تدوينة لي عن الدراسة .

قضيت الشهرين الأولين منذ بداية الفصل في لعب ولهو ، فأنا بعيدة العهد عن الدراسة الجامعية .

حتى إذا ما انتصف الفصل بدأت الدراسة الفعلية ، ويا لهول ما وجدت .

سبع مواد مختلفة الأحجام تنتظرني هازئة ، أن أرينا ماذا ستفعلين الآن ؟

كنت أستيقظ يومياً في العاشرة لأستدرك ما فاتني ، فأسمع المحاضرات المسجلة وألخص ، وأحضر اللقاءات الحية اليومية .

تركت المتع المبهجة التي تمتعني : القراءة ، التصوير ، متابعة برامجي المفضلة ، وتقلص عملي في المنتدى والمحاضرات الدعوية ، وانحصرت متعتي في اللقاء بكم مرتين أسبوعياً قدر الإمكان .

وفي الأسبوع الأخير الذي سبق الاختبارات زاد العمل حتى أني كنت أستيقظ من بعد الفجر وأذاكر حتى السابعة صباحاً ثم أنام ، لأعاود العمل في التاسعة والنصف .

أعتقد أني اكتسبت عادة جيدة كنت أتوق منذ زمن بعيد إلى اكتسابها وهي عادة التبكير .

قبل الدراسة كنت أستيقظ في الحادية عشر ظهرا أو بعد ذلك بقليل ، ,أظل أتمرغ في كسلي طوال اليوم ، حتى إذا ما هبط الظلام ظللت أندب يومي الضائع وأني لم أستغله بما يكفي .

الآن ، أشعر بالمتعة والحبور . أستيقظ مبكرة ، أتفرج على بعض البرامج ، أتفقد منتداي وأحكي شمسي حكاية ، ثم أبدأ دراستي ، ولا زالت الساعة العاشرة والنصف .

أرجو فقط أن تستمر معي هذه العادة خاصة مع قدوم الإجازة الصيفية .

الوقفة الثانية : كنت أقرأ دائماً أن أعضاء الجسم تكتسب قوتها من تمرينها ، فكلما مرنت العضو على أداء عمله الذي خلقه الله له قوي وصقل . ومن ذلك التمارين الهوائية cardio التي تنفع القلب جداً بحملها إياه على العمل بقوة لضخ الدم .

لا ينفع القلب أبداً الجلوس بدعة واسترخاء ، بل إن ذلك قد يؤدي إلى تصلب الشرايين وحدوث الجلطات ، ولكن ما يفيده هو الحركة الكثيرة والمجهدة (باعتدال)  .

وكذا الذهن .. بعد العلاج الكيماوي ، شعرت أن تروس عقلي قد علاها بعض الصدأ .

صار تفكير بطيئاً ، وقل تركيزي جداً ، حتى أني لو لم أنطق بما في ذهني خلال خمس ثوان من تفكيري فيه لضاع فوراً ، ولا تسل عما حفظته من القرآن كيف اختفى في مكان ما من أدراج الذاكرة ، ربما تحت قميص أو جورب في أحد الأركان .

ما كنت أعتقد أبداً أنه سيكون باستطاعتي استعادة قدراتي الدراسية القديمة .

ولأني طالبة علم قديمة فقد كانت الدراسة الشرعية الجامعية ولمدة 9 أسابيع مصدر سعادة واستمتاع لا كما كان البعض يشعر بأنها ( شهادة و السلام ) .

كنت أستمتع للغاية بشعور الإنجاز حينما أنهي تلخيص مسألة من عشرين صفحة في ورقتين ، أو أستظهر بعض الفقرات فأجدها لا زالت في مكانها بعد أسبوعين أو أكثر من استظهارها .

بدأت أشعر بشعور الرياضي ذي البطن المتهدلة وهو يرى عضلات بطنه تزداد صلابة وانكماشاً بزيادة التمارين ( هذا شعور أزعم أني أعرفه جيداً لا كشعور متسلق الجبال ) .

كنت أشعر بالحياة تدب من جديد إلى عقلي ، وأن تروسه بدأت تدور بسلاسة أكبر ، وأن الصدأ آخذ بالانجلاء .

أقول لكم بثقة : جميل هو الإحساس بالإنجاز ..

الإحساس باستعادة النشاط بعد الإغماء ..

الإحساس أنك حي ، وتؤدي دوراً  مفيداً في هذه الحياة .

وأقول لمن تقرأ  عيناه كلماتي من وراء شاشته ، وقلبه من وراء يأسه واستسلامه : لا تستسلم !

فإن كنتُ قد نجحت بفضل الله ، فبإمكانك أن تنجح أنت كذلك .

فقط اكسر حاجز الرهبة وأقدم ، قد تتعثر في أول الطريق عدة مرات ، ولكن من يتهيب صعود الجبال يظل أبداً بين الحفر ..

ولا شك أن الجو في جبال أبها أجمل بكثير منه في منخفضات تهامة .

الوقفة الثالثة : حسبي الله على المعتزلة وأهل الكلام ، فإنهم ما دسوا أنوفهم العريضة في شيء إلا أحالوه جحيماً .

عانيت بشدة من هذه الفرق الضالة التي تظلم  النهار وتغطي عين الشمس بباطلها وفلسفتها ، وذلك في علمي العقيدة وأصول الفقه .

العقيدة ؟؟؟

هل هناك أسهل من أن تكون مادة العقيدة تتحدث عن حق الله علينا من العبادة والانقياد والتوحيد ، ومعرفة أسمائه وصفاته وجماله وكماله ، وما أعد لعباده المؤمنين من الكرامة في دار الخلد ، وما أعد للأشقياء من الهوان والخزي ..

عالم جميل من رقة القلب ودمع العين خشية لله وحباً ورجاء وتعظيما ً .

فإذا بأهل الكلام ينقطون العلقم في الشراب السائغ ليكون مراً صبراً .

إليكم بعض هذه المسائل العربية كتابة ، الهيروغليفية معنى ( وكانت مهمتنا فهم هذه الهيروغليفية وترجمتها إلى العربية في أذهاننا ) :

  • مسألة التسلسل : فيقولون أن التسلسل في صفات الله ممتنع في الماضي وفي المستقبل لا يمتنع، وأما الجهمية والمعتزلة – قاتلهم الله-  فمنعوا تسلسل صفاته تعالى في الماضي والمستقبل . أرأيتم المصيبة العظمى والفرية الكبرى ؟

  • تعريف المعتزلة للعلة ( أصول فقه ) : العلة هي المؤثر في الحكم بذاته وهذا التعريف هو بناءً على ما ذهبوا إليه من قاعدة التحسين والتقبيح العقليين . فالعلة عندهم : ما أثرت في الحكم وأوجبته لا محالة، فإن ذلك عندهم من قبيل الاستلزام العقلي بحيث لا يتصور انفكاك المعلول عن علته !!

  • من معاني التركيب : التركيب من الهيولي والصورة ، كالخاتم مثلاً : هيولاه الفضة ، وصورته معروفة ( ما عرفوا يقولوا ” عنصر ” مثلاً ؟) ، وأهل الكلام قالوا : الجسم يكون مركباً من الجواهر المفردة!! إذاً ، كلما أعوزتك الحاجة فاعمد إلى سن أو ظفر فانزعه وبعه فأنت غالي الثمن وأنت لا تدري !!

  • قال أحدهم عند موته : ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح !

أي ممكن وأي مرجح لا بارك الله فيك !

لذلك قيل أن العلم قليل ولكن الكلام كثير .

العلم الحق سهل سائغ مريء ، إلا أن صاحب الكلام فكر وقدر ، فقتل كيف قدر ، ثم قتل كيف قدر ، ثم نظر ، ثم عبس وبسر ، ثم أدبر واستكبر وجاء لنا بالعجائب في صفات الله الجميلة الحسنى ليجعله – تعالى عن إفكه – علواً كبيراً : ” جسماً ” عاجزاً عن الكلام ، وإذا أراد شيئاً فإنه يقوله في نفسه فيفهمه جبريل عليه السلام فيتكلم به ، فقاتلهم الله كيف جوزوا الكلام لجبريل ومنعوه عن الله بأقيستهم وخيالاتهم الفاسدة .

والكلام في هذا يطول ، وحسبي أني أوردت لكم بعض الغثاء الذي كنت ( أتصبح وأتمسى  به للأسابيع التسعة الماضية ) نرد على هؤلاء المرضى بدلاً من الاسترواح بنسيم العلم الحق والتقلب في معاني التوحيد والأسماء والصفات ، ولكنهم أفسدوا علينا ديننا وعقائدنا ، أفسد الله عليهم هناءة رقادهم في قبورهم .

الوقفة الأخيرة : كانت لي بعض التأملات في مادة التفسير ، ومع تحفظي الشديد للأسئلة (#@%$ ) التي أتى بها أستاذها ، إلا ان ذلك لا يمنع أن هذه المادة كانت مثار تأملات ووقفات عديدة .

خذ مثلاً ما أوردته في تدوينة سابقة عن تحقيق الأمنيات ..

حينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يقلب نظره في السماء ينتظر أن يأمره الله بتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة وكان يعجبه أن يصلي إلى الكعبة .

ولبث بضعة عشرة شهراً  يصلي إلى بت المقدس ، فلما نزل الأمر الإلهي بتحويل القبلة ، كيف عساها أن تكون فرحته ؟

العجيب في الأمر شدة استجابة الصحابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يبلغهم بنفسه . فقد صح أن جماعة منهم كانوا يصلون صلاة الفجر في حيهم ( وذكر في سنن أبي داود أنهم كانوا في قباء )  فمر عليهم أحد الصحابة من بني سلمة وهم ركوع وصاح فيهم مرتين: ألا إن القبلة قد حولت إلى الكعبة ، فيمموا وجوههم مباشرة إلى الكعبة وهو ركوع ..

مهلاً مهلاً ..

هذه وقفة لاينبغي أن تمر بسهولة .

أرأيتم شدة الاستجابة ؟

أمر تحويل القبلة أمر شاق على النفوس .. تخيل ! هم يصلون إلى بيت المقدس مذ قدموا إلى المدينة .. بضعة عشرة شهراً يصلون إلى جهة معينة ، مع ما كانت تعنيه الصلاة لذلك الجيل الذهبي ( وتلك شأنها تدوينة أخرى ) ..

وفي جملة واحدة قالها أحد الصحابة غير المعروفين عندنا ، (ليس أبا بكر ولا عمر ) تحول المصلون عن قبلتهم التي كانوا عليها لأشهر ، ولم يفكروا في أنفسهم : لعله كاذب ، أو واهم ، لعله أخطأ الفهم ، لننه الصلاة أولاً لنتأكد ثم نستجيب في الصلاة التالية ، هذا أمر شاق كيف نفعله ، ماذا سيقول عنا السفهاء من الناس ؟

ولكنهم تحولوا جميعاً وتلقائياً إلى الكعبة ، إذ المطلوب أولاً الاستجابة لأمر النبي صلى الله عليه وسلم  .

هؤلاء الصحابة الذين فعلوا ذلك كان منهم من أسلم لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، يعني لم يتجاوز إسلام بعضهم السنة ، ورغم ذلك أطاعوا بشكل مثير للدهشة .

ثم يقول البعض حينما يحتج لهم بطاعة الصحابة لأوامر الشرع : ( هاذولي صحابة ) .

ماهذا الاستغفال ..

صحابة من الفضاء الخارجي ؟

إنهم بشر مثلنا ولكن امتلأت قلوبهم بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا أتاهم الأمر نقلاً عنه وليس مشافهة لم يتلجلجوا أو يضطربوا وإنما سمعوا وأطاعوا ..

لذلك ملكوا الدنيا ..

بل ملكوا الدنيا والآخرة ..

أما  نحن ، فيا رب رحمتك !!
هذه تأملاتي لهذا الفصل الدراسي ، وهناك الكثير مما لا تفي هذه الصفحات الخمس من استيعابه ، ولعلي أبثها في ثنايا التدوينات القادمة إن شاء الله .

أما الآن ، فعليّ أن أنهي قراءة مذكرة مادة النظم  المتفرعة عن الثقافة الإسلامية .

يبدو أن لدي مشكلة ما مع هذه المادة ..

فأنا لا أحبها وأشعر أنها نوع من الفلسفة التي يمكن اختصارها في ملخص مفيد لا يتجاوز العشر صفحات ولكنهم مططوها لتبلغ ثمانين صفحة وليصدق عليها اسم ( مادة ) .

كفى حديثاً وإلا فلن ننتهي اليوم إلا بعشر صفحات ..

وإلى لقاء قريب ..

دمتم بود وإيمان .-

Read Full Post »

قبل أيام فاجأني أولادي بدعوة على العشاء في إحدى مطاعم المدينة حيث احتفلوا بمرور سنة كاملة على استئصال الورم السرطاني الذي ضربني في صدري .

كعادتي ، لا أتفاعل مع الحدث بشكل كامل للوهلة الأولى ، وإنما أعيش من الحدث – فرحته أو تعاسته – لحظات ثم أخزنه في أرفف الذاكرة ليتم ارتشافه على مهل فيما بعد ، والتلذذ بحلاوته أو مرارته ..

سنة مرت منذ إجراء العملية ؟ سبحان الله وكأنها شهور قليلة ..

الحدث كان قريباً جداً حتى كأني لا أزال أشم رائحة المستشفى وأعيش أحداث الحكاية .

جلست أتأمل ، ومن هنا كانت هذه التدوينة ..

قبل قرابة الثلاثين سنة ، اطلعت على تقرير صحفي يحكي – موثقاً بالصور – حكاية رجل أصيب بالسرطان الذي شوه وجهه ، فأجريت له عملية تجميل ..

كان التقرير مثيراً بكل الألوان الغنية للصور ..

ولما كنت أمتلك قلماً أدبياً لا بأس به لمن كانت في مثل سني فقد دعوت الله –بخراقة تامة – أن أصاب بالسرطان ، ثم أُشفى منه ، ثم أكتب في تجربتي كتاباً أحكي فيه معاناتي !!

والآن .. وبعد مرور ثلاثين سنة أصبت بالسرطان فعلاً ، وكتبت كتاباً أحكي فيه معاناتي . وبقي الجزء الثالث من الدعاء أنتظره أن يتحقق ..

هل هذا هو ما يدعى الأمل ؟

لا أحب هذه الأسماء التي تدّعي الحكمة والرصانة ..

هناك أسماء – في نظري – أقرب إلى القلب ..

أنا أسميه إحسان ظن بالله .

حينما أكون في مأزق – مثل مرضي هذا – وأعلم يقيناً أن الله تعالى لو شاء أن لا أُشفى فلن تفلح كل العلاجات الكيماوية وجميع أنواع الاستئصال في معالجتي ، ثم أسمع وأقرأ كل آيات الترغيب بدعاء الرحيم القدير على كل شيْ ..

فإذا لم أحسن الظن به تعالى أنه سيشفيني ، فقد خبت وخسرت إذاً .

إن من أسباب كثير من تعاستنا أننا نظن بالله تعالى الظن السيء .

لا نتوقع أن تشملنا رحمات الله في أمور كثيرة كنجاح أو توفيق في عمل أو زواج ، أو رزق وغيره لأن شأننا في أعيننا لهو أقل بكثير من أن يحقق الله مرادنا ، ونغفل أن في هذا النمط من التفكير إساءة ظن بالله تعالى ، وأننا إذا كان قللنا من شأن أنفسنا ، فقد قللنا كذلك من قدر الله تعالى إذا اعتقدنا أنه يُدعى ثم لا يستجيب ، ويُرجى فلا يحقق المبتغى ، ويُتوكل عليه ثم هو يخذل من توكل عليه ، وتُظن فيه ظنون الجاهلين به وبقدره جل وعلا ..

ظنوناً نستنكف في كثير من الأحيان –كبشر – أن نلحقها ببعض البشر .. وانظر لتعلم صدق قولي التهافت على أبواب الملوك طلباً في وصلهم ، وعلى أعتاب عيادات الأطباء العظام طمعاً في شفائهم

حينما تلّقى إبراهيم عليه السلام الأمر الإلهي بترك هاجر رضي الله عنها وابنها إسماعيل عليه السلام في ذاك المكان المقفر الخالي من الناس على الحقيقة ..

في الظلام الدامس حين يحل الليل ..

امرأة وصبيها في مكان أحسن ما يقال في وصفه أنه : موحش !

حتى هو ، الرجل ، لم يكن يستطيع – تبعاً للأوامر – أن يبقى معها ليذود عنها إذا ما احتاجت له .

تركها ومضى ..

هكذا بكل بساطة ..

جرت خلفه .. تشبثت به .. تقافزت أمامه وهي تكاد تجن : يا إبراهيم ، أين تتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء ، فيمضي في طريقه ولا يلتفت إليها .

عندها تضيء نقطة ما في عقلها : آلله أمرك بهذا ؟ فيجيب أخيراً أن نعم .

فتقول وقد اطمأنت لمراد الله : إذا لا يضيعنا .

نعم .. هي آمنت به ، وعملت صالحاً ، فكيف يضيعها ؟

 ألا يكره الله تعالى مساءة عبده الصالح ؟

 فلماذا يخذلها بتركها تموت جوعاً وعطشاً ، بل وهلعاً في هذا المكان المقفر؟ أهكذا يكافئ الشكور الصالحين ؟

مشى إبراهيم عليه السلام حتى ابتعد تماماً ، ثم أنه صعد مرتفعاً وتوجه نحو البيت ، ودعا بلهفة الوالد الذي ترك قطعة من قلبه في هذ المكان : ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ،  فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ” .

كان الوادي موحشاً ليس فيه شجرة مثمرة ، والخوف قتّال .

فكيف كان الله تعالى ؟

هل كان لهم كما أراداه ؟

بل كان لهم فوق ما أراداه .. ” أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ” .. فأمنهما من خوفهما ورزقهما زمزم ، طعام طعم وشفاء سقم ، وجعلها ماء مباركة ، ثم أنه تعالى بسط الأمن على منطقة الخوف فجعلها حرماً آمناً إلى يوم القيامة لا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ، وجعل هذا الوادي الأجرد مكاناً مباركاً يجبى إليه الثمرات من مختلف بقاع العالم .

فما تنعم به مكة وما حولها من الأمن والرخاء لهو ظن إبراهيم عليه السلام وهاجر رضي الله عنها بالله تعالى .

والناظر إلى أحوال الأنبياء ، وهم أشد الناس بلاء وأحسنهم ظناً بالله ، يرى العجب في حسن ظنهم ذلك مع شدة بلائهم ، ولا أريد أن أقلب التدوينة إلى محاضرة أو درس، ولكن أحياناً نقرأ بعض القصص والآيات في أوقات تصير قلوبنا أشبه ما تكون بالشجرة الذابلة ، فتنزل عليها كالغيث وتبعث الحياة في خلاياها لتحيى من جديد .

عندما غاب يوسف عليه السلام ، الابن الأثير والحبيب إلى قلب يعقوب عليه السلام ، وطال غيابه سنين طويلة ، لم يفقد حسن الظن بالله تعالى أن يلم شمله مع ابنه ، ولم تفلح الأيام الكثيرة وتتابعها في خلخلة هذه العقيدة القوية في رب البرية . فلما بلغه خبر إيقاف ابنيه الآخرين بأمر من عزيز مصر ، تولى عنهم وقال : يا أسفى على يوسف ، فابيضت عيناه من الحزن , عندها أنكر عليه من حوله هذا التعلق ( بالأمل ) فقالوا : ” تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ” ..

كان كلام هؤلاء الناس كفيلاً بفت عضد يعقوب وفقده حسن الظن بالله تعالى ، لكن الله وعده موعدة في تلك الرؤيا التي رآها يوسف الحبيب حين كان يرتع في مرابع صباه تحت كنف والده ، وهاهو الوالد الآن ينتظر إنجاز تلك الموعدة  وحتى ذلك الحين فإنه يشكو بثه وحزنه إلى الله .

لو كان غيره ، كيف كان يكون الحال ؟

لو كنا نحن من أصيب بمصابه أكنا لا نزال نحسن الظن أنه تعالى سيستجيب دعاءنا بلم الشمل ، أو كنا نيأس ونترك العمل ؟

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلحقت بهما قريش فاختبئا ، كاد قلب أبي بكر ينفطر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تظفر به ، فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام بكل ثقة وإحسان ظن بالحي الذي لا يموت الذي يراه حين يقوم وتقلبه في الساجدين : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قالها وقريش الآن في هذه اللحظة فوق رؤوسهم تبحث عليهم ، وأبو بكر يقول : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا .

وقد وعى أبو بكر هذا الدرس .. وعلم أن الله عند ظن عبد به .

فقد روى عمر رضي الله عنه لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إلَىَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمّ مَدّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ: “اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي! اللّهُمّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ! اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ!” ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ، مَادّاً يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتّىَ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَىَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ، فَإنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ..

ماذا كانت النتيجة ؟

” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ” .

كيف أمكن لأبي بكر أن يحسن الظن بالله وهو يرى أن المسلمين في بدر كانوا 300 ضعاف جياع ، يواجهون ألفاً من الكفار بأعتادهم وأفراسهم ؟

ولكنه علم من الله مالم نفلح – بكل ما أوتينا من علم وقدرة مادية – في علمه .

إذا دعوت الله ثم تقاصرت همتك على الإلحاح بالدعاء لاستبطائك الإجابة فهذا من إساءة الظن .

إذا دعوت الله ثم تفكرت نفسك المخذلة : كيف يستجيب لي الله دعائي وأنا عاص ، فهذا من إساءة الظن بالله .

إذا أصابك البلاء أياً كان نوعه ، فأحسن الظن بالله ، واعلم أنه تعالى قادر أن يكشف ضرك أو يجلب لك ما ينفعك ..

فقط اخرج عن صمتك ، وليهف قلبك إلى روضة غناء تأنس فيها بحسن ظنك بقدير رحيم .

وحتى ذلك الحين فإني أتفيأ ظلال حسن ظني بالله أن يتمم علي وعلى أخواتي في منتدى طهر الشفاء التام ويجعل ما أصابنا كفارات ورفع درجات .

Read Full Post »

كنت البارحة أقلب في القنوات الفضائية المحافظة في رسيفر الفلك ، ووقعت على حلقة لحملة ركاز لعام 2009 والتي كانت ( الحملة لا الحلقة ) بعنوان ” فاز من حياته إنجاز ” .

كان المتحدث في هذه الحلقة الداعية : سلطان الدغيلبي وذكر في الحقيقة كلاماً جميلاً أعجبني ، وجاءت ابنتي لطيفة ذات السنوات التسعة تريد مني أن أغيّر لها على قناة الأطفال فرفضت ، فما كان منها إلا أن شدها حديثه فجلست حتى نهاية البرنامج .

ذكر الشيخ عدة أمثلة لإنجازات أفراد عاديين  وكيف أن المرء لابد أن تكون في حياته بعض الإنجازات  ..

تفكرت .. فعلاً .. كم عاش أي منا في هذه الحياة حتى الآن ؟ عشرون سنة ؟ ثلاثون؟ ستون ؟ ماذا أنجز في هذه السنين ؟

يخطئ من يظن أن الإنجازات لابد أن تكون على مستوى كبير ليصح أن نطلق عليها لفظة “إنجاز ” .. نعم ، المشاريع الكبيرة إنجازات بلا شك ، ولكن قليل دائم خير من كثير منقطع ، وهناك الكثير من الإنجازات التي يمكن لكل فرد منا عملها ، فقط لو ترسخ في ذهنه أنه مسلم ، والمسلم مأمور بالعمل البنّاء حيثما كان وكيفما كان ، ثم هو بعد ذلك سيكون مأجوراً على قدر الإنجاز الذي حققه ومدى تعديه إلى غيره ..

ألم يرتب النبي r الأجور على أفعال بسيطة ؟ ألم يحثنا على أفعال صغيرة أداء كبيرة أجراً ؟ خذ هذه الجملة الصالحة من الأحاديث النبوية :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بَيْنَ الإثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ” . رواه البخاري .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : “تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة “، رواه الترمذي وصححه الألباني .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني .

وهناك الكثير والكثير من الأحاديث الحاثة على الإنجازات ، أعرضت عن ذكرها تجنباً للتطويل الذي يكرهه قراء المدونات في العادة ، ولئلا تتحول تدوينتي إلى محاضرة مدرسية، واكتفيت بذكر ما سبق كأمثلة لبعض ما يمكن لجميع المسلمين المداومة على فعله لتكون حيواتهم سلسلة من الإنجازات المترابطة ويحظون بالفوز . لكن ألم تلحظوا معي أن أغلب ما ذكر من الأمثلة هي أفعال متعدية ، تتعدى نطاق الفاعل لتصل ببرها وإحسانها إلى الغير؟

في حياتي رأيت الكثير من هؤلاء ( المنجزين ) ..

هناك أمي حفظها الله وأطال في عمرها وأحسن عملها ، كانت تشتري الصوف وتشتغله بالصنارتين قمصاناً ( وجواكيت وسديريات ) ثم تدفع بمنتجاتها إليّ لأوزعه على من أعرف من المعوزين حينما كنت أقطن القصيم .. ولا يخفاك كيف هو برد القصيم !! كما يقولون ( يقص المسمار ) . وكانت تشتري الشرائط والورود وتصنع منها ( بكلاً ) للشعر تبيعها وتتصدق بثمنها ، فكانت تشغل وقتها وتتصدق .. ألا تذكركم بزوج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال عنها لما سألته أزواجه : أينا أسرع بك لحوقاً ؟ قال: “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً ” ، رواه مسلم من حديث عائشة .

من كانت أطولهن يداً ؟ هذه إجابة أتركها لكم لتبحثوا عنها ، والبركة في العم قوقل  .

مساعدة من صديق : صفتها أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق !

وهناك إحدى صديقاتي التي اعتادت على التصدق بمبلغ ثابت خصصته لطلبة العلم رقيقي الحال في عنيزة .. لم يكن مبلغاً كبيراً ، اعتقد أنه مئة ريال شهرياً .. ولكني أعتقد أن المواظبة على استقطاع مبلغ مئة ريال من مصروف البيت شهرياً ( في وقت كانت المئة تشتري أشياء كثيرة ) هو إنجاز كبير ، إذ النفس لا تستنكف عن شراء تفاهات أو وجبات غذائية ( جنكية مصيرها إلى دورة المياه – أعزكم الله -) بمئة أو اثنتين او ثلاثة ، ولكن تضيق عينها ( النفس لا صديقتي طبعاً ) عن التصدق بهذه المئة .

 ثم أن هذه الصديقة مرت بضائقة مالية شديدة لمشاكل حدثت مع زوجها في عمله ورغم ذلك لم تنقطع هذه الصدقة .. نعم ، ضعفت بعض الشيء ، ولكني كنت كلما أرى صديقتي كانت تدس في يدي مبلغاً ما ، وكأني بها تقتطعه من ما كانت تنوي شراءه لنفسها من ثياب أو طعام تستمتع به .. ثم مضت الأيام ، وتحسن وضع زوجها المالي بفضل الله ، وعادت حياتها رغيدة -بارك الله فيها – ، وما أحسب ذلك إلا من تلك الصدقة ( التي علمت  عنها ، ومالا أعلمه أنا يعلمه الله ) .

هناك صديقة أخرى ، عندها الكثير من العيال ، وكانت تتوق لحفظ القرآن ، إلا أن مشاغل عيالها وطلبات زوجها الكثيرة وبيتها الكبير كان يمنعها من ذلك ، فطلبت من زوجها خادماً تساعدها فأجابها ، فكانت تقول لي : لو جاءتني الخادم فسيسألني الله تعالى عن الوقت الذي سيتبقى لي فارغاً ( وهو كثير ) ، لذا لابد أن أستغل وجودها وأحفظ القرآن وأراجعه وأطلب العلم .. فكانت تحفظ يومياً ثلاثة أوجه من القرآن حتى أتمت حفظ القرآن ثم طلبت العلم وصارت داعية مشهورة في بلدتها إلى أن توفاها الله تعالى منذ بضع سنوات ، رحمها الله ورفع درجتها في الجنة .

ما رأيكم في إنجاز إحدى النساء التشاديات التي كانت تساعدني في البيت  . كانت تعمل لدي باليومية منذ ثمان عشرة سنة ، وكانت تعلم أني أطلب العلم وألقي المحاضرات .. فكانت منذ أن تطأ بيتي في أول النهار إلى أن تغادره في آخر النهار تكون في خدمة العلم .. كانت تطبخ وتغسل وتكوي وتنتبه على صغاري ، بل وتحمل فاطمتي ذات السنتين على ظهرها كعادة الأفارقة إذا بكت وأرادت النوم ، وتغلق عليّ باب مكتبي لأتفرغ لتحضير درس الليلة وتقول : أنا لا أحسن طلب العلم ولا إعطاء الدروس والمحاضرات ، لكن بإمكاني أن أساعدك لتتمكني أنت من فعل ذلك ! سبحان من فقهها !!

أما شيخي الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، فما أدراك ما الشيخ ابن عثيمين .. حياة عظيمة حافلة بالإنجازات ، وآثاره تراها في التسجيلات والمكتبات ، وفي الدعاة والمشائخ الشباب الذين تتلمذوا عليه مباشرة أو من خلال أشرطته .. كم من الناس اهتدى بعد ضلال بسبب هذا الرجل العملاق ؟ كم من الأجور تكتب له يومياً ؟ كم من الدرجات سيعلو في الجنة ؟ أهناك فوز أعظم من هذا ؟

أحكي لكم عن شيء واحد فقط رأيته أثناء سكني في عنيزة .. كنت أرى ( الشيّاب ) الذين زوجوا أولادهم وتقاعدوا من أعمالهم يجتمعون يومياً ثللاً أمام دار أحدهم ، (يتقهوون ويسولفون ) من بعد صلاة العصر وحتى ( الأخير ) أي صلاة العشاء ، ثم يرجع كل منهم لداره ، يتناول عشاءه وينتهي يومه .

أما الشيخ رحمه الله ، فكنت أراه يذهب يومياً ( لا أراه يومياً ، ولكنه كان يذهب يومياً ، للدقة فقط ! ) من منزله إلى مسجده بعد صلاة العصر ، يمشي أحياناً ويركب السيارة أحياناً أخرى ، ليلقي درساً بعد الصلاة ، كان وقتها يشرح رياض الصالحين ( وهو كتاب رائع حوى ألواناً من الفوائد عجيبة وبأسلوب سهل وسلس ) ، ثم كان يذهب بعد المغرب ليلقي دروساً في شرح بلوغ المرام أو شرح زاد المستقنع ، ثم يصلي العشاء ويلقي دروساً في شرح البخاري ومسلم والكافي من الفقه الحنبلي .. هو نفس الوقت الذي كان يقضيه أولئك الشيبان في تناول القهوة والكلام الفارغ غالباً .. وأقول : سبحان مقسم الأرزاق .. هذا الرجل العظيم أراد الله به خيراً فرزقه الفقه في الدين فكانت حياته بستاناً أخضرا بهيجاً ينشر الظل الرائق  ويعطي الثمار الريّا ، ثم هو من قبل ومن بعد بهجة للناظرين ، وأولئك ……

هناك الكثير من الأمثلة التي أستطيع أن أضربها لإنجازات أفراد عاديين مروا في حياتي .. لا تحتاج إلى كثير مال ، أو كبير موهبة .. تحتاج فقط نية حسنة في التقرب إلى الله ، ومتابعة لشرعه لئلا تفضي إلى معصية أو بدعة فيسيء من حيث أراد الإحسان ، ثم همة يبدأ بتدريبها كالطفل الصغير لتقوى حتى يصير ذا نفس كبيرة يتعب في مراده جسمه ، وما ألذه من تعب .

هيا انهض ، وحقق بعض الإنجازات في حياتك .. لا ليذكرك الناس بخير ، ولكن لتشرف بأن تحوي نفساً منجزة بين ضلعيك ، ولتكون عند الله كبيراً ، ثم لتحظ بالفوز ، هنا وهناك ..

Read Full Post »

قرأت في إحدى المدونات الأمريكية لأحد الآباء مقالاً يتحدث فيه عن توجهه الذي تبناه والذي أراه – شخصياً – شذوذاً في المجتمع الأمريكي . كان أحد الرجال الذين يعارضون بشدة ( التدييت ) ، وهذا مصطلح أسأل الله اللطيف أن لا نحتاجه قريباً في مجتمعنا ، والذي يقوم ( المصطلح لا المجتمع ) على تسخير الكلمة الانجليزية واستخراج فعلاً عربياً منها ، على وزن ( شيّك عليه ) من check  إذا أراد أن يراجع شيئا و ( قوْقله ) من google it  إذا بحث في النت على شيء ما ، و( كنسل ) الحجز مثلاً من cancel إذا ألغاه .

 فهذا الأب كان أحد معارضي أن ( تديّت) من dating أن تواعد الفتاة رجلاً ما قبل الزواج .. وذكر أشياء عجيبة فعلاً ، منها أن ابنته أهدته مرة قميصاً رياضياً ( تي شيرت ) مكتوب عليه D.A.D.D. ، والذي يعني Dads Against Daughters Dating آباء ضد تدييت البنات ، وجدته ب 11 دولاراً فسألته عما إذا كان يرغب في أن تشتريه له ، فطلب منها اثنين .. يقول : كلما ارتديته كان أحد الآباء يقترب مني ويسألني من أين أتيت به ، فأجيب فخوراً : أهدتني إياه ابنتي الكبرى .

وذكر أن زوجته كانت تدرس البنات في المنزل حالما يبلغن السن التي يكون بإمكانهن فيها مواعدة الفتيان منعاً لذلك . وحين يكبرن قليلاً فإنهن ينتظمن في كلية ذكر اسمها لا تبعد كثيراً عن بيتهم ، حيث يقوم بتوصليهن قبل أن يذهب لعمله ، وبعد الانتهاء من محاضراتهن فإنهن ينتظرنه في المكتبة ( !!) حتى ينتهي من دوام العمل ثم يأخذهن في طريق العودة ، ليؤدين واجباتهن المدرسية، ويتناولن العشاء ثم يشاهدوا جميعاً فيلم السهرة .

كما ذكر كيف فعل بالأولاد في الحفل الراقص في مدرسة ابنته حين كانت في الصف الإعدادي الأول حيث أتيحت له فرصة مرافقتها إذ كانت مسؤولة في مجلس الطلاب بالمدرسة وطلبت منه المساعدة ففعل بسرور . جثم على منصة الاستاد الرياضي يراقب بعينين كالصقر الراقصين حتى إذا ما وجد بعض النظرات غير المريحة لأحد هؤلاء الطلاب في الصف الثالث الإعدادي فإنه كان يتقدم إليه نافشاً صدره وفي عينيه نظرة بادرة قاتلة وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة هائلة ، كل ذلك كان كفيلاً ببث عدم الراحة في قلب ذاك الجريء ، فيفترق الراقصان حتى يقف كل منهما في الطرف الآخر من الاستاد .. نعم ، هكذا يكون هذا الأب قد أدى عمله !! ويعتبر نفسه سفيراً عن كل الآباء الذين لم تتح لهم الفرصة لحضور هذا الحفل الراقص ، وأن حضوره هو كان بمثابة رسالة لكل هؤلاء الفتية الصغار : أن  لا تقتربوا من بناتنا ، وإلا ..

وأخيراً يختم بوصية للآباء فيقول : لابد أن نعتني ببعضنا .. إذا رأيت متأنقاً ( وغداً ) في المول يراوغ إحدى الفتيات فعندها ستكون مهمتك أن تتدخل .. ألن تحب أن يتولى أحد الدفاع عن بناتك لو لم تكن موجوداً ؟ توجه إليه واطلب منه أن يكف عن ذلك .  اعرض عليه أن تتصل بأبيها ، لابد أنها عندئذ ستستميت في الهرب .. اطلب الشرطة إذا لزم الأمر .. اخرجوا أيها الرجال .. فلتكن لكم وقفة !!

 

انتهت التدوينة .. وقرأت التعليقات التي تلتها .. ولبثت ملياً بعدها أفكر .. هذا الرجل ليس مسلماً .. وليس عربياً .. والذين علقوا مشجعين وبعضهم أمهات طالبن بتي شيرت مكتوب عليه : أمهات ضد تدييت البنات ليسوا كذلك أيضاً . هذا الرجل يصلح أن يكون من أعضاء الهيئة ..

 ثم قارنت بحال مزعجة آخذة في التزايد في مجتمعنا .. بين بناتنا في مرحلة المتوسطة والثانوية .. هل تتخيلون ؟ بنات في سن الثالثة عشر والرابعة عشر يواعدون فتياناً بالدس عن أهليهم ، أو بعلمهم ، فلم يعد هذا عيباً عندهم .. تفتخر الواحدة بأن لها أصدقاء وأنها تخرج معهم ، وأكاد أكذّب من يحكي لي هذه الحكايا ولكنهن يكنّ أحياناً صديقات شخصيات لهن ..

وأسترجع ذكرى ضبابية قديمة علاها بعض الغبار عن بعض صديقات الثانوية اللاتي كن يستمتعن برؤية الدهشة وعدم التصديق تعلو وجهي وهن يحكين لي عن مغامراتهن في ( الكباين ) وفي السفريات .. وأنا مصعوقة .. أين الأهل ؟ أين الأم ؟ ثم لا ألبث أن أكذبهن في نفسي وأقنع نفسي أنها لا تعدو أن تكون محاولات طفولية ساذجة لاختراق عالم الكبار بأي طريقة كانت ، ولو كانت عن طريق تشويه السمعة .

والآن ومع تواتر كل هذه القصص عن (تدييت ) بنات المدارس أصيح  بعنف : أين الأهل ؟ أين تعليم البنات رقابة الله ؟ ماذا تفعلون ببناتكم ؟ تعلفوهن وتكسوهن وتتركوهن بعد ذلك غنيمة للرائحين والقادمين ؟ حينما تتركون البنات يتمشين مع لداتهن في المولات ألا يهمكم أن تعرفوا ماذا يفعلن ؟ حينما ترسلوا لهن السائقين في ساعات متأخرة من الليل ألا تسألونهن لماذا تأخرن ؟ حينما تختلي بناتكم الساعات الطويلة مع الهاتف المحمول ألا تؤلمكم قلوبكم ؟

فقط أقول : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً .

نريد من هذا الرجل أن يقدم عندنا ويعطي دورة في سياسته ، لعل بعض المستغربين يقتنع لو وجد أشقر ذا عيون زرقاء يعلمه كيف يحافظ على شرف بناته..

Read Full Post »

البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟

الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟

أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..

 ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .

أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..

أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .

حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .

بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة  ، وقد علته حمرة بسيطة.

 أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..

 ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟

صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
 فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .

قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد  والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..

تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .

انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .

أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .

Read Full Post »

« Newer Posts