Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘الأسرة’

كنت قد عزمت على أن أخصص لرمضان تدوينة واحدة لأني لا أعرف ما الذي يمكنني أن أكتب فيه أكثر من ذلك ، وعندما قرأت تعليق فاطم على التدوينة السابقة ، ذكرتني برمضاناتي الفريدة مع أولادي حينما كانوا صغاراً .

كان الثلاثة الكبار يساعدونني دائماً في المطبخ – في رمضان وغيره – حينما كنت أكثر شباباً وأطول نفساً في توجيههم و الصبر على أخطائهم ..

كانوا يساعدونني في تقشير البصل ودق الثوم ، وطقطقة المفرومة ، وتنقية الرز ( في العصور التي كان الرز يأتينا مسوساً أحياناً أو به حبات سمر لا تزال بأغلفتها ) وإحضار ما يلزمني من الثلاجة أو الدولاب ، ولما كان أحدهم يعترض بأن ذلك ليس هو نوع المساعدة التي كان يتخيلها ويأملها كنت أجيب بحكمة أن الطاهي المحترف ( الشيف) لا يصبح طاهياً محترفاً في يوم وليلة ، وإنما يبدأ من الصفر : من غسل الصحون وتقشير البطاطس ويظل يترقى حتى يبدأ في الطهي الفعلي وينتهي به المطاف ليصبح ( شيفاً ) ذا خمسة نجوم ..

لا أدري من أين أتيت بهذه المعلومات ومدى صحتها ..

ربما أكون قرأتها في إحدى قصص ميكي وبطوط ..

المهم أنك يا بني تحتاج للمرور بكل هذه المراحل لتصير (شيفاً ) ممتازاً .

وأكاد أقرأ أفكارهم وهم يتسائلون بحيرة : ومن قال أني أريد أن أصبح شيفاً ؟!

قبل رمضان بعشرة أيام تقريباً أقوم في كثير من الأحيان بإعداد كميات من السمبوسك وكنزها في الفريزر تحسباً للأيام التي أكون فيها متعبة ولا أتمكن من إعدادها .

كما أني أنتهز فرصة رخص البقدونس قبل رمضان والذي يقفز سعره 300% في أول يوم من رمضان .. فالحزمة التي تباع عادة بريال ، نشتريها في رمضان بثلاثة ريالات !

فإذا كانت الليلة الثلاثين من شعبان تسمرنا أمام التلفزيون ( هذا في أيام قنوات المجد والفلك ، أما قبل ذلك فكنا نتسمر أمام المذياع ) ونضطر للاستماع إلى كل البرامج حتى يخرج لنا المذيع الذي يعلن نبأ دخول رمضان ، فيتقافز صغاري فرحين ..

سبحان الله .. حتى الصغار يحبون هذا الشهر العجيب ، ولا أظنه بسبب الشوربة و السمبوسك ، فهذه أطعمة صرنا نعدها في غير رمضان .

لابد أن لرمضان سحراً خاصاً يفتن البشر .

حينها أعد السحور التقليدي والذي عودتنا عليه أمي مذ كنا صغاراً : الاسباجيتي وصلصة البولونيز. والسر في اختيار هذه الأكلة هو سهولة إعداد الصلصة من وقت مبكر ، فلو أعلن عن رمضان فلا نحتاج إلا إلى إعداد الاسباجيتي وتسخين الصلصة للسحور ، وأما لو أكملنا شعبان ثلاثين فبإمكاننا حفظ الصلصة في الثلاجة لغد .

وفي يوم رمضان فإنا نستيقظ جميعاً عند صلاة الظهر لأداء الصلاة ثم نقرأ شيئاً من القرآن قبل العصر ..

يمكنني بمزيد من الدقة أن أقول ( أقرأ ) شيئاً من القرآن ، وذلك لأن أولادي يتجهون مباشرة إلى محاريبهم الخاصة : أجهزة الكمبيوتر والتي تنوعت في بيتنا : ابتداء بكمبيوتر ( صخر ) ومروراً بالأحدث تقنية كالننتيندو بأنواعه وانتهاء بالإكس بوكس ، في حين أظل أذكرهم بفضل قراءة القرآن في رمضان وأجره ، وأحياناً إذا ما ثارت ثائرتي أمنعهم من اللعب حتى يقرؤوا جزءاً واحداً على الأقل .

ولايزال سهل مثار تندرنا جميعاً عليه حينما اعترف لنا أنه قرأ ما بين العصر والمغرب في أحد الأيام من سورة آل عمران إلى سورة يوسف !

أفهم أن يكون المرء سريع القراءة ، لكن يقرأ في ساعتين عشرة أجزاء ، فهذا ما يسمى بالقراءة النووية .. لو كان ثمة قراءة بالفعل .

طبعاً كل ذلك في الأيام التي كنا ننعم فيها بالإجازة الصيفية ، أما إذا وافق رمضان الدوام المدرسي فيكون عذاباً بحق ، إذ كنت أستيقظ مرة قبل الفجر لأدس في أفواه أولادي التمر وأجرعهم الماء وهم يبتلعون كل ذلك آلياً وأعينهم مغمضة بشدة في محاولة يائسة للإبقاء على الأحلام التي انتزعتهم منها .

ثم أوقظهم مرة ثانية ليقوموا فعلياً للذهاب إلى المسجد لصلاة الفجر ، ثم أوقظهم مرة ثالثة في الثامنة و النصف للذهاب إلى المدرسة ، ثم أستيقظ للمرة الأخيرة في الثانية عشر لبدء اليوم .

(وعلى طاري ) إيقاظ الأطفال ، فكم أضحك من أفعال بعض من أوقظهم لأداء الصلاة ، أو للذهاب إلى الحمام قبل أن يحدث مالا تحمد عقباه..

أحدهم حينما أوقظته نظر إلي بعينين فارغتين ثم مد يده وهمهم بكلمات سريعة : أديني أديني ، وكأنه يأخذ كتاباً من شخص مجهول ثم يقلب صفحات الكتاب ، فأنبهه مرة أخرى فينظر إلي ثانية ، ليعود إلى الوسادة من جديد .

وآخر أوقظه لصلاة الفجر فيقوم ويتجه على الحمام فيجده مغلقاً فيحتار قليلاً ، ثم لا يلبث – تحت وطأة النوم – أن ييمم وجهه شطر باب الحمام ويكبر ويصلي ركعة واحدة ويقفل راجعاً إلى فراشه !

قبل صلاة العصر يبدأ الإعداد لطعام الإفطار ..

وكل يوم تقريباً أفكر بنفس السؤال : أمكث في المطبخ كل هذا الوقت لإعداد إفطارنا والذي لا يتجاوز غالباً الشوربة والسمبوسك والفول ( أو سلطة التونة ) وما يماثل وجبة غداء عادية ( رز وإيدام) لزوجي الذي تربى على هذه النوعية من الإفطار الدسم وصنف واحد فقط من الحلويات أحياناً ، فكم تقضي النساء اللاتي يقمن بإعداد نوعين أو ثلاثة من المعجنات وأنواع الحلويات ونوعين من الشوربة للإفطار ، ثم طعاماً آخر للعشاء ، ثم السحور ؟

ماذا يمكننا تسمية هذا الإهدار للوقت في رمضان ؟

أشعر أن رمضان له عند الناس جاذبية خاصة في ما يتعلق بأنواع المأكولات ، والبرامج التلفزيونية .

كل يوم رمضاني أفتح إذاعة القرآن عصراً أثناء إعداد الإفطار لأستمتع بقراءة الشيخ محمد أيوب ، والذي صار بالنسبة لي علماً على رمضان ، حتى إذا ما سمعت قراءته في أي وقت آخر تلتقي نظراتي بنظرات فاطم ويبتسم قلبانا ثم تتداعى على ذهني فوراً بقية المكونات لأصنع في خيالي يوماً رمضانياً مجيداً : رائحة الشوربة على النار ، والبقدونس المقطع ، واللحم المفروم ( وهو يتطقطق ) ، وماء الزهر في طبق الحلوى ، وهدير المكيف ، والحلق الناشف ، و الطاقة التي بدأت تخور في نهاية اليوم .

وهنا يأتي دور الذكور في المساعدة : أناديهم لتعبئة دوارق المياه ، وشيء خاص بزمزم بعد تبخيره بالمستكة ، وثالث لمشروب الفيمتو الرمضاني الشهير ، ورابع حديث أضفناه مؤخراً لتانج البرتقال كل ذلك نرصه بحرص في الفريزر الكبير ليكون مثلجاً عند الإفطار ..

وبعد ذلك يأتي دور تعبئة التمر .. أنا أحب الصقعي أو سكري عنيزة الضخم لو توفر ، وأولادي يحبون السكري ( المرقد ) فنعبئ من النوعين لإرضاء كافة الأذواق .

وبين هذا وذاك يهربون لإكمال لعبة الكمبيوتر التي ( حطوها على ستارت ) دون إتمام عملهم فأناديهم مرة ثا*نية لإعطائهم محاضرة في إتقان العمل وأن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه..

في العصر الرمضاني يأتيني كل يوم الابن الصغير الذي بدأ للتو في التعود على الصيام مخبراً أنه بدأ منذ اللحظة في الصوم !!

ومنذ أن يخبرني هذا الولد بذلك إلى أن يؤذن المغرب ، يكون قد طلب مني ما لا يقل عن خمس مرات أن ( يكنسل ) صيام اليوم ويبدأ من غد ، فقط ليشرب فنجاناً من الفيمتو البارد ، أو تتناول ملعقة من مفرومة السمبوسك ، أو لأنه عطشان ، أو لأنها نسيت أن ( تتسحر ) قبل العصر !

وأظل في أخذ ورد مع هذا الصغير إلى أن يؤذن المغرب فأتنفس الصعداء أن : هذا يوم آخر انقضى.

في المساء يكون الجو الرمضاني الرهيب بسماع أصوات الأئمة في المساجد المجاورة تختلط في قراءات مختلفة في صلاة التراويح ، كثيرمنه اقراءات سريعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة حتى يبدؤوا بدعاء القنوت ، ويتخلل ذلك كله أصوات الألعاب النارية ( الطراطيع ) التي يبدأ موسمها في أواخر شهر شعبان ، وأصوات الأطفال وهم يتجمعون في الشارع أمام لعبة ( الفرفيرة ) التي نصبها أحدهم ليلعب أطفال الحي ومراهقوه ( وربما بعض الزائرين من الأحياء المجاورة ) مقابل مبلغ مالي بسيط ، أو أمام عربية لبيع البليلة والذرة .

رمضان هو الشهر الوحيد الذي لا أجد فيه غضاضة من إرسال ولدي الصغير الذي يبلغ العاشرة إلى البقالات المجاورة في الثانية عشر ليلاً ، إذ جميع الدكاكين مفتوحة ، وحركة الشارع مستمرة ، وكأن الوقت لا يزال الثامنة مساء .

كم من أشياء لا نجد لذتها ولا فرحتها إلا في رمضان .

يكفيني الشعور بالسلام النفسي ..

أتراه من إحساسي الشخصي بتصفيد الشياطين ؟

أم أن هناك سكينة فعلاً في رمضان ، تجعلنا نتمنى لو كانت أيامنا كلها رمضان ؟

رمضان اقترب ..

فاللهم سلمنا إلى رمضان وتسلمه منا ..

Read Full Post »

بدأ العد التنازلي لوصول شهر رمضان ..

الحبيب المرتقب ، الذي يحل علينا ونحن في أوج حاجتنا إليه ، ويرحل عنا ونحن لا نزال نتمسك به ونريده ، وهذا من أسرار مكانته العظمى في قلوبنا : التغلي !!

شوفوا ..

لن أتكلم عن روحانيات رمضان لأن ليس من منهجي إلقاء محاضرات في مدونتي ، وإنما هي خواطر وبعض الهراءات التي أجد فيها نوع من المتعة لتذكرها واستطعام طعومها في حلقي ، ولعل كثيراً منكم يشاركني هذه المتع .

اقترب شهر رمضان ، وبدأت الذكريات والخيالات  بالتزاحم عل عقلي..

هناك أشياء معينة مرتبطة برمضان لا تكاد تجدها إلا فيه .

في ذهني أنا هناك ومضات رمضانية تنتمي إلى زمن الطفولة لا أزال أذكرها بحذافيرها رغم تقادم الزمان.

تبدو في عقلي كصور بالأبيض والأسود ..

ولكن من يخالفني في أن صور الأبيض والأسود هي الأجمل على الإطلاق ، خاصة ولو كانت مقضومة الأطراف وتحمل في أركانها عبق الماضي وعبيره ، حينما كنا صغاراً .

أحب أن أقوم بعملية تنشيط الذاكرة في استجلاب مثل هذه الذكريات ، فبعد الكيماوي يُعد ذلك عملية هامة جداً .

في رمضان الطفولة كنا نستيقظ بعد الظهر بقليل لنصلي ونقرأ شيئاً من القرآن ثم نمضي فترة العصر في مشاهدة برامج الأطفال الرمضانية : جراندايزر و الدوق فليت ، شركان شركون ( الي له أربع عيون ، لخزّك ، وتقول له : ممنون ممنون ) ، و( أقشر أقيشر يبي مصباحه ، راح وتعنى لقى تفاحة ) في حين تتعالى رائحة شوربة الكويكر والتي كانت أمي قلما تصنعها إلا في رمضان ، فأصبحت معروفة عندنا باسم : شوربة رمضان .

في رمضان الطفولة كانت رائحة السمبوسك واللقيمات تطيش عقولنا قرب المغرب حين يبلغ منا الجوع والعطش مبلغه ، فنصبح بالفعل مثل ( توم القط ) حين يسيل لعابه على صدره إذا ما رأى طعاماً شهياً ..

كانت أمي تعد السمبوسك عصراً ( وللعلم فإن هناك أكلة هندية تماثلها تدعى samosa وتحشى بالخضار المفلفلة ، ولا أعلم أهي أصل السمبوسك التي نعرفها أم أنها شبيهتها فقط ) وكنت أساعدها بطريقتي الخاصة : أرص حبات السمبوسك في الصينية ، وأناولها ما تحتاجه من الأدوات ،  وآكل اللحم المفروم كلما غفلت عيناها عني !!

 وكانت أمي تحب الاستماع إلى الإذاعة أثناء إعداد وجبة الإفطار ، وكان يبث فيها في ذلك الوقت من اليوم البرنامج الاجتماعي الفكاهي ” عباس وعباسية ” فأظل أستمع له بشغف وأغفل عما تطلبه مني أمي .

وأحياناً كان أبي رحمه الله يفاجئني برحلة إلى ( البلد ) لشراء الفول ..

حسناً .. لا أريد أن أبدو مبالِغة للضرورة النثرية ، وفي الحقيقة أن هذا الأمر حدث فيما تعترف به ذاكرتي مرة واحدة فقط .

ذهبت إلى ( البلد ) وهناك كان الانبهار التام ..

روائح اللقيمات والسمبوسك تختلط مع رائحة عوادم السيارات ، الحلاوة اللوزية والحمصية الملونة معروضة بشكل يغري قلوب الأطفال الصغار على شاكلتي ، البسطات التي تبيع المأكولات الشعبية  المختلفة ، جرار الفول الساخن بالسمن البري  ، ودكاكين الشريك ..

في رمضان الطفولةكانت تعرض الفوازير التي كنت أشترك فيها سنوياً ولم أفز فيها قط ، ولا أدري هل هذا لأن حظي كان يخونني ، أو لأني لم أكن أرسل الإجابات أصلاً .

فوازير رمضان الطاهرة البريئة ، البعيدة عن الإسفاف والمجون الذي نراه في الفوازير الحديثة ..

فوازير رمضان التي تكاد تكون قمة في السذاجة إذا ما قورنت بما يُعرض الآن في ( شهر الخير ).

هل من قرائي من هو من جيل : ( شي مدور فيه حب أحمر يطلع إيه ؟ رمانة رمانة ) ؟

جيل الفساتين المنفوشة زاهية الألوان وحركات اليد التي لا تكاد تختلف في جميع الأناشيد : الأصبع الذي ينزلق طولياً على الخد ( دلالة على جمال الشيء ) ، واليد التي تنفتح يمنة أو يسرة ( دلالة على : هنا وهناك ) ، واليدان اللتان تنفتحان معاً ( للدلالة على اتساع العالم ) !!

في بيتنا كان نظام الإفطار كالتالي : تناول الماء المبخر بالمستكة و التمر فقط قبل أداء صلاة المغرب جماعة مع أبي رحمة الله عليه ، ثم مشاهدة برنامج محمد علي الطنطاوي ..

وعلى الرغم من حبي لهذا البرنامج لعفوية الشيخ المحببة إلا أن الأصوات التي كانت تصدر من بطني الصغيرة تمنع ذهني في كثير من الأحيان من متابعة ما يقول ..

وأظل أتململ وأقطع الوقت ذهاباً وإياباً إلى المطبخ للتأكد من عدد حبات السمبوسك ومقدار الشوربة وعصير قمر الدين وسلامة كؤوس الكسترد والجيلي في الثلاجة .

وفي المساء كانت أصوات الأئمة في قراءة التراويح تتعالى في الأجواء لتبث الرهبة في القلوب ، ويالها من روحانية .

لكن يغفر الله لنا ، كنا نمضي هذه الأوقات أمام جهاز الكمبيوتر ( الأتاري وقتئذ ) أو العروض السخية من البرامج الرمضانية ( المخصوصة لشهر الخير ) ..

فإذا ما حل الليل الموغل في ( الليلية والوقت المتأخر ) أصدرت أمي أوامرها بالخلود للنوم ..

طبعا كان ذلك في السن الذي كنا لا نزال ننصاع فيه للأوامر ، وأما حين راهقنا ، فقد نفضت أمي يدها عنا وصارت تتركنا لتنام هي مع الوعيد الشديد ألا نصدر أصواتاً تزعجها في نومها الخفيف ، فقط لنمضي الوقت في أشياء أكثر إثارة : المزيد من اللعب بالأتاري ، ومشاهدة المزيد من البرامج الرمضانية والتي اقتصرت في بيتنا على برامج القناة السعودية الأولى نظراً للطف الله بنا وعدم قدرتنا على استقبال القنوات المصرية التي كان يستقبلها عامة أهل جدة في ذلك الوقت بواسطة المستقبلات المقوية .

وقبل الفجر بساعة كانت أمي توقظنا لتناول طعام السحور ، والذي كان يعد بمثابة الغداء في الأيام العادية : رز وإيدام وسلطة وما إلى ذلك ..

حتى اليوم لا أعرف كيف كنا نستطيع تناول طعاماً دسماً فور الاستيقاظ من النوم .

ولكني أعتقد أن سن الطفولة والشباب يفعل الكثير من الأعاجيب .

يكفي أنه يفلح في تحسين أي ذكرى أو أكلة أو أو مناسبة .

هل لي أن أطمع في أن تكتبوا لي تعليقاتكم عن رمضان زمان بالنسبة لكم ؟

Read Full Post »

قبل قرابة الخمس سنوات خرج خالد من بيتي يوم زواجه وكأن قطعة من قلبي انتزعت انتزاعاً .

واليوم ، وبعد سويعات قليلة سيغادر سهل بيتي إلى جدة ليعمل في مكتب المحاماة الخاص بجده في فترة الإجازة الصيفية ، ولا أدري لعلها إرهاصات بقرب مغادرته البيت تماماً للسفر في بعثة أو زواج أو شيء من هذا القبيل .

حمداً لله أنه لا يقرأ تدويناتي .

تدوينة اليوم قد يكون فيها الكثير من المأساوية ، وعليكم أن تحتملوني وتواسوني لأن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم .

ألم أذكر من قبل أن بعض الناس يحبون أن يظلوا في وضعية الحزن ( مود الحزن ) وأنهم يجدون في ذلك نوعاً من الرومانسية ؟

حسناً .. لعلي سخرت منهم فابتلاني الله اليوم بأن أكون مثلهم ..

منذ أن علمت بالخبر البارحة وأنا في كآبة ودموع .

حياتي مرتبطة جداً بأولادي الثلاثة الكبار : خالد وسهل وفاطم .

قضيت معهم شبابي ، وجربت فيهم وسائل التربية وحماس المربين .

على الرغم من أني كنت أعاقبهم عقوبات لا هوادة فيها إذا هم أخطؤوا إلا أني كنت أشعر بحبهم لي وهم صغار ..

كانت الفروقات العمرية بينهم طفيفة : سنتان بين خالد وسهل ، وأكثر من السنة بقليل بين سهل وفاطم  ، وثلاث وعشرين سنة بينها وبيني .

كنت أجد الكثير من المتعة في تعليمهم وتوجيههم ، وكنت أفرح بتعليقاتهم اللماحة الذكية على القصص التي أحكيها لهم ، والتي اكتسبوها – التعليقات لا القصص – بفضل الله من كثرة القراءة حيث لم نسمح بوجود التلفزيون والذي كان أبوهم يسميه : المفسديون .

كانوا يلعبون سوياً ، وإذا ما أزعجوني كنت أوجههم لترتيب ألعابهم التي بعثروها ، فيذهب ثلاثتهم لترتيبها ، فقط لينتهي الأمر باندماجهم في لعبة جديدة تمنحني ساعة أخرى من الهدوء .

كان هؤلاء الثلاثة يصنعون عالمي ..

كانوا كالألوان الزاهية التي تضفي إلى حياتي رونقاً وجمالاً .

اليوم .. خروج سهل يدمي فؤادي .

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ مدونتي .

أظل أذكر نفسي بأنه لابد أن يخرج في يوم من الأيام ..

كلهم لابد أن يخرج ، منهم من سيبحث عن رزقه ، ومنهم من ستتزوج ، وهذه هي الحياة ..

لم تربهم يا هناء ليظلوا في بيتك أبد الدهر ..

ولكنه شعور قتّال ..

اعذروني لارتباك حروفي وتبعثر كلماتي ، ولكني مشوشة الذهن بالفعل .

تتجاذبني مشاعر جياشة من الحزن والخوف من المستقبل ، والأسى لسفره .. وبعض من فقدان الرغبة في الحياة ..

أشعر بأن الهموم تكاثرت علي ، وخروج سهل الذي يساعدني في تربية أخوانه يقصم ظهري ..

حينما كان سهل في الثانوية ، وكان متفرغاً لي تقريباً ، يبرني ويؤنسني مع فاطم – بعد زواج خالد –  ويكون لي الدرع الذي أحمي به نفسي من قرف الصغار الذين راهقوا فيصرخ عليهم لو آذوني ، ويوجههم لمساعدتي ، كنت أمازحه دائماً وأقول له : لا تتزوج وتتركني لهؤلاء الأوباش ، فيضحك ويطمئنني بأنه لن يحدث ..

وأضحك وأمني نفسي بحياة طويلة في هدوء وراحة .

ولكن من قال أن الحياة تستقر على نمط واحد ؟

ها هي الأيام تمر ، ويكبر سهل ، ويتخرج من الجامعة ، ويصبح عمله أو إكمال دراسته لازماً ..

وما أفضل من مكتب جده للمحاماة ليتدرب على العمل فيه إن كان ينوي أن يعمل مستشاراً قانونياً ؟

حينما أخبرني بذلك البارحة ظللت أستمع إليه وعلى فمي ابتسامة بلهاء ، وقلبي يحرك رأسه بشدة في غير تصديق : لا .. وتتركني وحدي مع هؤلاء الأوباش ؟

لم أعد كالسابق ..

السرطان التهم نصف طاقتي ، وتربية المراهقين الجدد في هذا الزمن المتعب تلتهم النصف الآخر .

سهل كان يدي اليمنى بالفعل ، ويدي اليمنى اليوم تنفصل عني .

إذا خرب الدي إس إل ننادي : يا سهل .

إذا أزعجني المراهقون الجدد بتمردهم وسوء أدبهم ناديت : يا سهل .

إذا لم أجد من يوصلني لصديقتي أو لدرسي بحثت عن سهل ..

إذا احتجت لعمل متقن في ابتياع شيء ما يوافق رغباتي فما لذلك إلا سهل .

سهل دائماً يملأ الفراغات ..

واليوم سهل سيترك فراغاً كبيراً في قلبي ..

حمداً لله أنه لا يقرأ مدونتي .

وفي الركن الخلفي من عقلي يرتفع صوت حكيم رصين : وإلى متى ستضعينه تحت جناحك ؟

لابد أن يذهب ويبحث عن مستقبله ..

لابد أنه سيتزوج في يوم من الأيام أو يسافر لإكمال دراسته ويتركك ..

لاتكوني مبالغة في (مود الحزن ) وانظري كما تعودت في نعم الله وألطاف الله .

هو لن يتركك نهائياً ..

هو لم يمت للمزيد من الدقة ..

فقط سيغادر المنزل ليبني حياة جديدة  خاصة به.

وهل أنجبته ليكون امتداداً لحياتك ؟ ليكون كتاباً في مكتبتك أو قطة تتسلين بها ؟

أليس ذلك هودورك كأم ؟

أهز رأسي ، وأقول : كلام صحيح وجميل ..

ولكن الفراق مؤلم ومر كالعلقم .

سبحان الله .. في الحين الذي يتقلب الوالد على جمر الغضا من ألم الفراق والانفصال ، يكون الولد في غاية الحماس والنشاط والرغبة في خوض التجربة لحد الثمالة ..

حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ تدويناتي .

لاحظت أن الكتابة في وسط الأحداث تكون مأساوية للغاية وباكية ، أما بعد انقضائها فتكون متفائلة ومرحة وفيها الكثير من الرضا بقضاء الله ..

هذا طبيعي .. كالعجين ، يدخل الفرن ليخرج حلوى لذيذة شهية مبهجة ..

أنا الآن أكتب لكم من وسط الفرن !

منذ البارحة أمشي وقد أثقل كاهلي الخبر ..

أمشي وكأني عجوز في السبعين ففي ساعات الأسى أشعر بأني عجوز عجوز .

في  الحقيقة أني لا أتخيل أن تخلو داري من سهل ، وربما في القريب تذهب فاطم كذلك ..

وأبدأ حياة جديدة متعبة مع المراهقين الجدد بلا معين ، ولا صحة قوية تساعدني ..

” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ” ..

 ” يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد”. كان يأوي إلى الله تعالى ..

هناء ..

من أعانك على تربية المراهقين القدامى سيعينك حتماً على المراهقين الجدد ، بل وربما سيكون ذلك أسهل لو أحسنت الظن بالله ..

لا شك أن أقدار الله كلها خير ، وأن هناك الكثير من الحسنات التي سينطوي عليها مغادرة سهل .

ماهي ؟ لن نعرف الآن ..

ولكن لابد من وجود الثقة بقضاء الله وحكمته وعلمه ..

لابد من إحسان الظن به تعالى  .

صحيح ..

لكنني حالياً لا أرى إلا الأسى ..

ربما يتحسن وضعي مساء ..

أحتاج إلى السفر في رحلة إلى عالم النسيان حتماً ..

أحتاج للمزيد من التركيز .

Read Full Post »

تدوينة اليوم لا فائدة لها على الإطلاق ، ولكنكم أصبحتم جزءاً من حياتي ، فأحببت أن أضحككم معي . لا أعرف إذا كنت ستضحكون أو لا ، ولكني سأرجو ذلك .

من بضعة أشهر اكتسبت ابنتي الصغرى شمس والبالغة من الأعوام أربعاً ونصف ، عادة جديدة . لا أستطيع أن أصفها بالسيئة ولا بالحسنة ، إذ يمكن  وصفها بالاثنين معاً وذلك بحسب الحال .

صارت طالبة مدرسة وهي لما تدخل المدرسة بعد . تنام من الثامنة مساء مع أختها لطيفة وتستيقظ معنا فجراً ، وتظل مستيقظة حتى موعد نومها مساء .

لك أن تتخيل بعدما ينصرف الأولاد إلى مدارسهم وأعزم على العودة مجدداً للنوم ماذا تفعل شمس في هذه السويعات ؟

إليك نظامنا اليومي في هذه الفترة فقط لتتخيل الوضع : أستيقظ لصلاة الفجر وأوقظ الأولاد ، فيبدأ مسلسل ( ترزيع أبواب الحمامات ) والتحدث بصوت مرتفع مفترضين أن على جميع من في الدار الاستيقاظ ، فتشرق شمسي بالطبع ..

تشرق شمسي ساطعة ما شاء الله ، ( طبعاً فقد نامت منذ الثامنة مساء ) وتلعب مع أخوتها وتتحكى معهم وتودعهم عند ذهابهم للمدارس والجامعات من شباك حجرتي مع تأكيدهم عليها ألا تصرخ في الشارع : ( جيبوا لي حلاوة معاكم ) .

أظل بعد ذهابهم مستيقظة بعض الوقت لأقرأ القرآن أو أتفقد منتداي أو أذاكر ، وفي هذه الأثناء تكون شمسي بجواري تلعب بالأيبود أو تحكّي نفسها من كتبها ، أو تظل تلح علي بترك ما بيدي لأحكي لها حكاية .

فإذا ما انتهيت من عملي واستلقيت تحت غطائي والنوم يداعب جفناي بقوة  تظل شمس تصرخ فوق رأسي  ( أبغى حكاية ) ..

 أحياناً أتمكن من إعطائها ما تريد : حكاية سريعة وملفقة أسكتها بها ، وأحياناً يكون النعاس قد بلغ مني مبلغاً كبيراً فأرفض .

اليوم كان من تلك الأيام التي رفضت فيها أن أحكي لها حكاية لأني أريد أن أنام وقتاً كافياً قبل أن أستيقظ مجدداً للمذاكرة ، فالامتحانات على الأبواب ، والطالبة التي في سن جدتي عندها 7 مواد في هذا الفصل تبلغ 25 ساعة ، وأظل أتحسر على أوقات الفراغ الماضية واستيقاظ الظهيرة ، التي صرت أملؤها دراسة واستذكاراً ..

خرجت عن الموضوع ؟ عذراً . لعلي أحكي بعض شجون الدراسة في تدوينة أخرى.

المهم أني قررت أن أنام ورفضت كل محاولات شمس في أن أحكي لها حكاية ،فقررت هي أن تحكي .

سألتني : تريدين حكاية الزرافة ؟

قلت : نعم ( وأنا لم أحك لها أي حكاية عن أي زرافة من قبل فلا أدري من أين أتت بها ) .

قالت : والصياد والأصدقاء ؟

قلت : نعم ( وأقول في نفسي : أي شيء الله يرحم أمك ، فقط دعيني أنام )!

قالت : والنزمة ؟ ( النجمة )

قلت : نعم ، هيا بسرعة .

فقالت ( وسأكتب لكم كيف تلفظت ، وانتبهوا جيداً لتشكيل الكلمات )

كين يا ميكين ، في قديم …… النزمين ( تستهبل ) ، ثم نظرت إليّ لترى وقع هذه ( الظرافة ) عليّ ، فلم تر مني إلا انسحاباً تدريجياً لعالم الغيبوبة .

أكملت : لأ ، كين يا ماكين وسالف العصر والأوين ، كان في زرافتيْن .. وبطتيْن .. ونزمتيْن .. وصديقتين ..  وبنتيْن ، و..

وهنا قاطعتها : ماهذه الحكاية (البايخة) ؟

فقالت متأثرة : ( ليش تقولي بايخة ؟ أنا ما أقول عن الي تحكيني بايخة ) !

فقلت : لكن حكايتك بايخة بالفعل ، وأنا لا أحكي لك : كان فيه زرافتين وبطتين  ونجمتين وتوتة توتة خلصت الحدوتة .

قالت محتجة : ما حأقول توتة توتة .. ما خلصت الحكاية .

قلت باستسلام : حسنا ، أكملي .

وأغلقت عيناي مرة ثانية لأنام وذهني يعمل : كم هي فرحة بهذا ( الغثا ) الذي تقوله وتفعله بتذاكي ، تحسب أنها تبهرني بظرفها وخفة دمها .. يا ترى ، ألا نفعل نحن أحياناً مثلهم ؟

نخطئ في تصرفاتنا أو أقوالنا أو مزاحنا ونحسب أنفسنا وسيمين ورائعين في حين يرانا محدثونا في قمة الغثاثة ؟

بدأت أنسحب مرة ثانية إلى عالم الغيبوبة تحت رتابة صوت شمس وهي تعيد اللازمة ( الحكاياتية ) :كين يا ما كين … الخ .

وجلست تحكي عن الزرافة  التي جاء الصياد ليصطادها بالبندقية ..

ما هذا !!

 أصبحت حكايات شمس عنيفة في هذه الأيام ، فمرة أكل الذئب البطة ، والمرة الثانية ، أكلت البطة السمكة ..

 وزادت هي في دراما الموقف عندما قالت : إن البطة الأم  بكت وقالت : اااااه يابنتيييييي ..

 يا الله .. ماهذه السوداوية ..

 أنا لا أحكي لها حكايات عنيفة كهذه ، فمن أين تأتي بهذه الأفكار ؟

والآن الصياد يريد أن ( يقتل ) الزرافة ..

 عندها اعترضت على الحكاية وقلت لها أني لا أحب حكاياتك ، فقررت للتو تغيير الحكاية .

أعادت المتلازمة مرة أخرى ، وللمرة الثالثة أغلقت عيناي لأنام ،  وسمعتها تقول : كان فيه زرافة ، وبعدين زا ( جاء ) ال… المين ؟ الصياد وقال للزرافة : هوه هوه يا زرافة ، أنا أمك !

 فتحت عيني بدهشة وسألتها : الصياد صار أم الزرافة ؟

 فقالت بثقة : ايوة .. خلاص لا تقاطعيني .. وبعدين كانت الزرافتيْن ( يلعبوتان ) …

( يلعبوتان ) ظنت أنها بذلك تثني الفعل ، فجاءت به مثنى مجموعاً ( من زود التحمس للكلام بالفصحى ) ، فضحكت بقوة مع محاولة شديدة لكتماني الضحك ، فكانت النتيجة أن فتحتي أنفي كانتا تفتحان وتغلقان بسرعة ، فحانت منها التفاتة على صوت ضحكي المكتوم وقطعت حكايتها ونظرت إليّ مندهشة ، وأشارت إلى أنفي وقالت: واااه ، ( خشمك ) !!

هنا انهارت آخر معاقلي وحصوني وانفجرت ضاحكة بصوت مرتفع وساهم التوتر والنعاس في زيادة جرعة الضحك ، فنظرت إليّ بحرج  واستهجان ، ثم غضب وأدارت ظهرها  وقالت : (خلاص ، مافي حكاية )  وغطت وجهها بالغطاء . وأنا مستغرقة في ضحكي مما زادها استياء فصارت تقول غاضبة : بلا  ضَحَك !!

حتى تمالكت نفسي بعد 3 دقائق وسكتّ .. وحاولت أن أرضيها بالقبلات والأحضان ، حتى رضيت ..

وعادت إلى حكايتها …

ألا أيها الصبح الطويل ألا انجلي !!

وعدت إلى نومي .. وأخيراً وبعد طول انتظار رددت شمسي متلازمة النهاية :توتة توتة ، خلصت الحدوتة ..حلوة والا مفلوتة ؟

 قلت وأنا لا أكاد أفتح فمي من النعاس : مفلوتة ..

فسألت : ( مزبوطة ؟)

فأومأت برأسي ، وغرقت في نوم عمييييييييق .

Read Full Post »

27 ربيع الأول /13 مارس :

Aaaaah, Home sweet home !  ،

التعليق : بعد عودتي من الجرعة الثالثة إلى المدينة ، وقتها فاض قلبي شوقاً وحنيناً إلى بيتي وروتيني وحياتي الأولى التي لعلي لم أحمد الله عليها بما فيه الكفاية ، فشاء الله أن يعلمني قيمتها لأثني عليه بها ثناء حسناً !

 

13ربيع الثاني /29 مارس:

غداً سأفقد عضواً ولد معي ، وعاش 43 سنة .. سأفتقده حقاً ، لكن بالتأكيد العافية أجمل ، والسلام النفسي الذي كنت سأعيشه وأفتقده الآن أجمل ، وظني بالله أن يعافيني ويبدلني خيراً مما أخذ مني لهو أجمل الجميع . إلى لقاء قريب أيها الأحبة .. سامحوني لو أخطأت بحق أحدكم .. أسأل الله أن يجمعنا في الدنيا على خير ، وفي الجنة إخواناً على سرر متقابلين .. أوصيكم بالصلاة وتقوى الله ، ولا تنسوني من الدعاء ( حتى لو ما مت ) .. أحبكم !!

التعليق : لا أشك أن مشاركتي هذه حشدت الأدمع في عين كل من قرأها . ولكن يومها كان الحزن العميق يجتاح صدري . أحسست في البداية أن هذا فقد هذا العضو كفقد أحد أولادي ، كيف لا وهو قطعة مني حقيقة لا مجازاً ، وأي قطعة .. هذا العضو الذي تشعر المرأة بفقده أنها لم تعد امرأة .. أحياناً  لا تفلح كل مستحضرات التجميل وكلمات الثناء أن تعيد الثقة بعد فقدان هذا العضو .

يومها بكيت ، قمت إلى المرآة ونظرت إلى نفسي .. هذه آخر مرى يا هناء ترين هذا المنظر .. بعد غد سيكون شكل آخر .. كيف سيكون ؟ لا أعرف ..

غالباً مروع .. لن تصل الخيالات إلى الحقيقة أبداً ..

 هل فكرت يوماً كيف سيبدو شكلك بعين واحدة ؟ أو بأذن واحدة ؟ أو بأنفين ؟ مهما تخيلت فلن تقارب الحقيقة لا في شكلك ولا في انفعالاتك . استغفرت الله .. خفت أن يرى الله في قلبي تسخطاً وعدم رضا ، فهو إن كان أخذ فقد أعطى من قبل كثيراً ، ولئن ابتلى فقد عافى من قبل كثيراً .. وتفكرت كيف أعطاني حب أهلي وصديقاتي ..

 وفي نهاية المطاف يا هناء لا ينبغي أن يكون شعورك : أحقاً سأفقد ثديي ؟ ولكن ينبغي أن يكون :سينقذ ذلك حياتي بإذن الله .

 كتبت فاطم التي كانت في المدينة رداً على المشاركة : لا تقولي كدا  ، عافيتك من جد أهم .. رح تقومي أحسن , وكل شيء حيكون أفضل . رح نكون معاك بقلوبنا وأرواحنا وكل الناس بتدعي لك . أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .. أنا واثقة إنو حأشوفك الربوع بإذن الله – تحقيقاً لا تعليقاً – لكن بس كدا أقول : سامحيني يا أمي .. سامحيني على كل شعرة بيضا كانت في راسك ، وعلى كل دمعة نزلتها لك ، وعلى كل بحة صوت سببتها لحلقك . روحي يا أمي تفداك ، ولو يا أمي  بيدي آخذ منك كل شيء يتعبك وأعطيكي عافيتي ، وسلامتك يا أمي هي سلامتي .

 

15 ربيع الثاني : 31 مارس :

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .. كان الله عند ظني ، بل وأعظم ، فهو الكريم اللطيف الودود . جزاكم الله خيراً يا كل الأحبة الذين وقفوا معي وساندوني بسؤالهم ودعائهم ومحبتهم .. أسأل الله العظيم أن يعظم لكم أجراً ويزيدكم من فضله .

 وفي تلك الفترة قمت بإنشاء مجموعة في الفيسبوك أسميتها : النعم المنسية

 

النعم المنسية : 19 ربيع الثاني / 4 إبريل :

 من النعم المنسية : نعمة التمطع .. أسألوني .. لذيذة هي النشوة التي نتلقفها عند نهاية ” التمطيعة ” الطويلة والتي ننفض بها عن أبداننا أثر الكسل والوسن ، ولكن عندما يعجز المرء عن فرد إحدى يديه أو رجليه بالكامل بسبب إعاقة فيهما مؤقتة أو دائمة فإن اللذة تكون مبتورة ، تماماً كالتثاؤب المقطوع، وعندها تزفر متحسراً على أيام العافية ، فاللهم غفراً ، اللهم حمداً .

التعليق : لا يحتاج التعليق إلى مزيد تعليق ! بعد العملية بأربعة أيام كانت يدي شبه ملتصقة إلى جانبي .. مشدودة ، متألمة نوعاً ما ، يابسة – إن صح التعبير – .. وكان التعب الناتج عن العملية لا يزال ضارباً أطنابه في خلايا جسدي .. كانت عضلاتي كلها تتوق للتمطع وتتحرق إليه ، ولكن يدي المتيبسة ما كانت لتعطي جسدي هذه اللذة المنشودة ، فكانت ( التمطيعات ) قصيرة ومبتورة تماماً كعرس غاب عنه فرد مهم من أفراد العائلة فساد جو الفرح حزناً مكبوتاً .

 

النعم المنسية : 21 ربيع الثاني / 6 ابريل :
 

من النعم المنسية ( وياللعجب ) نعمة الألم..

نعم ، نعمة الألم .. ذلك أن الجسم قد يكون واهناً بعد عملية جراحية ما أو في فترة النقاهة فإذا لم يشعر بالألم لمضى صاحبه في مرحه سادراً يقوم ويذهب ويتحرك ، ولا يفجؤه إلا إغماءة أو رجوع المرض لإنهاكه جسمه .لو كان ثمة ألم لحده ذاك الألم من كثرة الحركة ولاستراح وتعافى بإذن الله ..( ونحن اللي بنشتكي من الألم !!)

 

26 ربيع الثاني /11 إبريل :

ورجعنا لك يا كيماوي تاني .. اللهم تقبلني في الصابرين حتى تمنّ علي بالشفاء التام ، والحمد لله على ما قدمت وأخرت .

التعليق : بعد انتهاء العملية كان مقرراً أن أُعطى 4 جرعات أخرى من كيماوي ما .. ولما عانيت الأمرين من  الكيماوي الأول ، فكان مجرد ذكر لفظة ( كيماوي ) تبعث في نفسي الغثيان والقرف .

 

30 ربيع الثاني /14ابريل :

وفجأة ، وبعد طول توجس وترقب ……. لغوا عني الكيماوي ، هييييييييييييييييه ،  الحمد لله . بس لا تفرحوا .. مؤقتاً إلى أن نشوف نتيجة  أشعة العظام الثانية ، وحتى ذلك الحين عندنا فرصة للعيش بسلام وهناءة بعيداً عن الغثيان والقرف .. الحمد لك يا ربي .

التعليق :يومها كان موعدي مع الطبيب ، ولكن طبيبي كان مسافراً فأدخلوني على طبيب آخر أراد أن  يعرف ما الذي جد في موضوع البقع التي وجدوها سابقاً في مواضع من عظامي ، فألغى الكيماوي مؤقتاً وطلب إجراء أشعة المسح النووي للعظام . وللحق ، فقد كانت فرصة عظيمة للاستمتاع ببعض الأيام مع أهلي وأصدقائي ، هانئة مطمئنة قبل أن نستأنف رحلة التعب .

 

2 جمادى الأول /16 ابريل :

زاد شوقي للمدينة والحبيب , لي ذكرته كل أيامي تطيب ، لأن ذكره يسعد القلب الحزين ، في المدينة ليتنا طول السنين .. وحشتيني يا مدينة :”(

التعليق : لا تعليق .. فحب المدينة متربع في وسط قلبي ، كيف وأنا الآن صرت أسافر عنها كثيراً ..

هواؤها ، عبيرها ، جوها كل ذلك أشعر به وكأنه قطعة من الجنة ، وانا الآن أفتقده للغاية .

 

7جمادى الأول /21 إبريل :

أنا المدينة من في الكون يجهلني ، ومن تراه درى عني وما شغلا … آآآآآآه يا مدينة ، وحشتيني .

 

2جمادى الثاني/ 16 مايو:

عندما يهاجمك الألم من كل عضلة ومفصل ، ألم ممض يرغمك على الأنين ، تعلم كم كنت في يوم تعيش ناعم البال لا تحاصرك أية تنغيصات أو أوجاع إلا ما كان من ترف العيش الذي خفت وطأته ذلك اليوم شيئاً ما .

التعليق : في اليوم الثالث بدأت أشعر بالخمول وفقدان الشهية ، كما أن لساني أضحى مراً مريضاً يجد مراً به الماء الزلالا ، وصرت أتناول إبر فقدان المناعة بكل احترافية كمريض سكر يتناول إنسولينه بثقة .

 

 النعم المنسية : 5 جمادى الثاني/ 19 مايو :

عندما يموج بك الوجع كموج البحر ، حتى تفقدي التركيز لأكثر من دقيقتين في أي تسبيح أو دعاء أواستغفار .. حتى تطلبي المعونة من صديقة أن تذكرك بالصبر والاحتساب .. حتى تكادي تفقدين حسن الظن بالله ، يتجلى اسم الله الرحيم ، اللطيف ، الودود ، ليمهلك ، فتلتقطي أنفاسك وتستعيدي حسن الظن والتصبر ، فتحمدي الله أن أكثر ما يرينا الله من أسمائه هي أسماء الرحمة واللطف .

التعليق : في اليوم الرابع فار التنور ..

اندلعت عليّ الآلام في جسمي من كل عضلة ومفصل ، آلام لم تمر عليّ من قبل في حياتي..

لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها أليمة  .

 كانت هذه الآلام من تأثيرات التاكسوتير الجانبية و التي حذرتني منها الطبيبة ، و من إبر المناعة كما ذكر لي الطبيب فيما بعد، لكني لم أفكر أبداً أن يكون ثمة شيء مثل هذا .

 كنت أتوجع بشدة وأئن على الدوام وتشتت ذهني ..

كنت أحاول أن أستجمع ذهني لأصبر ، لأحتسب ، لأستغفر ، لكنه لا يستقيم لي لأكثر من دقيقتين ثم يمضي بعيداً عني ، وكأن في ذهني عشرات المواضيع التي عليه أن يفكر فيها في فترة زمنية محدودة..

كانت الآلام تستمر لعشر ساعات أو أكثر ، و كنت لا أشتهي الطعام أبداً ..

 وكنت أصلي وأنا جالسة بسبب الدوار والتعب الشديد الذي يمنعني من الوقوف .

مع كل الآلام التي تعصف بي قرأت في إحدى المنتيات عن تجارب بعض المريضات مع السرطان ، ومعاناة أشخاص مع الكيماوي ..

 مع آلام السرطان نفسه ..

 مع الموت؟؟

 وأنا بين هذا وذاك تعاني عضلاتي آلاماً كألم المخاض ..

 وكأن كل عضلة ومفصل رحم يطلق  ..

آآآه .. أنا الآن أتوجع وأنا على سريري المريح ، وأراجع أفضل مستشفيات المملكة ، ولا أكاد أطيق الألم الذي يعصف بي ، فكيف لو اجتمع معه خوف وتقتيل وتشريد .. نعم من الممكن أن يكون هذا .. قد يشاء الله فيبتليني مثلهم .. يا رب أستغفر الله ..

حاولت أن أركز ..

 أن أستغفر ..

 أن أصبر ، لكنه الشتات ..

عقلي كالطير السارح لا يريد أن يثبت ..

 أسرعت عندها للهاتف وحادثت صديقتي عفاف وأنا أئن من الألم وقلت لها لاهثة : عفاف ، أريدك أن تصبريني .. لا أستطيع أن أركز .. لا أريد أن أسيء  الظن بالله .. أنا متعبة، متألمة ، لكني لا أريد أن أجزع ، صبريني ..

 فوعظتني موعظة بليغة مختصرة هملت لها أدمعي واهتز لها قلبي..

ذكرتني بالأجر المترتب على ” الشوكة يشاكها ” فكيف بمثل هذا المرض مع ما يصحبه من آلام نفسية وجسدية ..

ذكرتني بالعبودية ، وأن العبد عليه أن يصبر على قضاء الله ، فإن فعل كان في ذلك رفعته ، وسداد الله تعالى له ..

وعادت لتذكرني بالأجر .. أحسب أن لا شيء يمكن أن يصبّر المريض في بلائه إلا تذكر أن هذا البلاء قد يكون كفارات ورفع درجات ..

جزاها الله خيراً ، وضعت قدمي على أول الطريق ، وهفا قلبي إلى ربي ..

نعم يا رب ..

أنا أعلم أنك حكيم في كل ما تصنع، وأنك رحيم في كل أقدارك ، وأنك لطيف .. فيا رب أرني مواطن لطفك وأنزل علي رحماتك أنا الآن في أمس الحاجة لها ..

 أنت ربي وأنا أمتك ، وهذا موقف العبودية ، أن تصنع بي ما تشاء وأن أصبر وأتقبل ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.. أعني يا رب لأرضى ..

أنظر فلا أرى الا وجوه أبنائي القلقة ، ونظراتهم الغائمة المتفحصة ، ألا زلت أعاني ؟ بعضهم كان يهرب من البيت لئلا يرى الأم القوية الشامخة التي نادراً ماكانت تشتكي ، هي الآن تئن بصوت مرتفع لأنها لا تستطيع لصوتها كتماناً !!

 حاولت في الحقيقة أن أخفض من صوتي لكن الألم كان فوق طاقتي على الكتمان .

 

النعم المنسية : 5 جمادى الثاني/ 19 مايو :

الحمد لله .. انجلت العاصفة وانقضى صخبها المؤلم ، وانقشعت السحب الثقيلة  المتراكمة ، وسكنت الرياح المزمجرة وصفا موج البحر ، ولاحت الشمس سافرة ترسل أشعتها الديعة لتغطي الكون الذي ماج ، فتسكّنه وتخبيره : كم هي عظيمة نعمة الله أن كان أكثر ما يرينا من أسمائه ” الرحيم ، الودود واللطيف . كم هي عظيمة نعمة العافية .

التعليق :

كنت قد هاتفت الطبيب  وبعد أخذ ورد سمح لي بتناول بروفين ، فأخذته وشهدت التناقص العجيب للألم حتى انزاح عني 95% منه في خمس وأربعين دقيقة فقط، تماماً كالحامل التي وضعت حملها وانزاحت عنها آلام الطلق ..

 ألم أقل أن عضلاتي كانت تشهد مخاضاً ؟

 أحسست أن الدنيا ابتسمت لي أخيراً ..

 أحسست كم أن الوجود مشرق وجميل..

أحسست أني أريد أن أظل رهينة هذه الراحة للأبد .

 عندها صفا ذهني ..

 ودارت عليّ نفسي اللوامة ..

 وأنت التي كدت تسيئين الظن بالله ؟

 أتحسبين أن الله لا يعلم ماذا يفعل ؟

ابتهجت نفسي وامتلأت بحب الله تعالى .. عندما طال الألم، وكدت أفقد حسن الظن بالله وكاد عقلي يطيش نالني وابل من رحمة الله أنقذني . يومها تذكرت قوله تعالى : ” حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أتاهم نصرنا ” .. فسري عني .. نعم ، حتى الرسل قد يستيئسون ، ويظنون أن الله تاركهم لكن الله الرحيم عند تلك النقطة من الصبر والشدة والخوف يأتيهم بنصره .. أنا كذلك ، كاد ظني بالله يخذلني ، وفقدت التركيز من شدة الوجع عندها أتتني رحمة الله لترفع عني الألم ويصفو ذهني ، وأستعيد حسن ظني بالله .. الحمد لله على النعمة .. على نعمة .. أن الله ربي !!

 

17 جمادى الثاني /31 مايو :

يوم الأربعاء بداية إعصار الآلام الثاني .. يا رب أعني وكن معي . ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين .. دعواتكم يا جماعة الخير ولا تنسوني من دعائكم ولا تنسوا أن تتصلوا علي وتسألوا عني ، وإذا ما قدرتوا أرسلوا لي رسائل تشجيع ، ولو تقدروا تجيبوا لي هدايا ، وإذا ماكان عندكم سواقين أعطيكم رقم الحساب حقي << إيش تبغى دي ؟؟

التعليق : وتوالت التعليقات بالدعاء بالسلامة .

 فقلت : شكراً للجميع على كل المشاعر الحلوة التي فعلا made my day .. يمكن ما أقدر أرد عليكم قريباً بسبب التكسير المعروف . الي يضحّك أن الدواء اسمه تاكسوتير ، أحس أنه على وزن ال تك سير ( التكسير ) .

 

13 رجب/25 يونيو :

كتبت فاطم : إلهي يسعدك وما يحرمني منك .. ومييين الي ما يقول إنك أعظم شيء في ذا العالم بعد ربنا .

فعلقت : يا رب يخليكي  انت لي ، وكيف يهنا لي عيش او يطيب لي طعام وأنت بعيد عني يا قلب قلبي .. عشان كدة أنا تعبانة اليومين دي << لااااا ، مو عشان الكميو يعني ؟

 

2رمضان/12 أغسطس :

صورت هذه الصورة بالجوال الجديد htc الذي أهدانيه أولادي

 

وعلقت : هذه الصورة سميتها :وقت الدواء لأن فيها زيت زيتون وزمزم وحبة سودا وعسل ، ولو تحصلت على شيخ يرقي يمكن كنت حطيته ، خخخ .

 

15شوال/24 سبتمبر  :

أولادي ، أروى ، ساري ، ميش ، خوخة ، سوس ، هندو ( بنات أخواني ) ، عزو (أخي) ، سناء (سلفتي) .. من غيركم كيف حتكون حياتي ؟ أنتم أكبر نعمة أنعمها الله علي ، في هذا الوقت بالذات.

 

16ذو القعدة/ 24 أكتوبر :

من سنة تقريباً كان الاكتشاف الخطير ، الذي قلب موازين كثيرة في حياتي ..أحقاً مرت سنة منذ أن اكتشفت مرضي ومررت بمراحل العلاج المتعددة والمتعبة بحق ؟يااااه ، كم تمضي أعمارنا ونحن في غينا سادرون ..اللهم غفراً .. اللهم حمداً .. بكرة آخر يوم لي في الإشعاعي ، وبعده أرجو أن أكون breast cancer survivor

التعليق : علقت أبلة وداد : ما شاء الله عليك يا هناء ، انت أشياء كثيرة سيرفايفور

 

16ذو القعدة /24 أكتوبر :

إلى كل من آزرني وشجعني ودعا لي وأدخل في قلبي الفرح والسعادة .. شكراً لكم ، فبعد الله الرحيم الجليل لكم الفضل في شفائي .. بحبكم ومساندتكم تمكنت من تخطي أصعب مرحلة .. الله يخليكم لي ويعطيكم حتى يرضيكم ..

 

وأخيراً ..

ها أنذا ، بعد مرور سنة كاملة على الحدث الأعظم في حياتي : عملية الاستئصال .. أنا بينكم ، لا زلت بفضل من الله أتلقى الدعم اللا محدود من أمي وأولادي ، وأخواني وبناتهم ، وصديقاتي في المنتدى وخارجه ، وهنا في المدونة .

مرة أخرى .. أشكركم يا كل من ساعدني لأكون (ناجية ) ..وأسأل الله أن لا يريكم مكروهاً في أحبتكم ، وأن يغدق عليكم عظيم الفضل والغنى .

Read Full Post »

لسبب ما ، اضطررت قبل يومين أن أفتح صفحة جداري في الفيسبوك لأتفقد شيئاً كتبته قبل سنة ونصف تقريباً .. فمررت على ذكريات كثييييرة .

كنت أقرأ  ماض انقضى ولازالت آثاره محفورة في قلبي ، ولا أظنها تُمسح .

أحببت أن تشاركوني قراءة ماضيّ قبل سنة ونصف من الآن .. هي الآن ذكريات ، ولكنها كانت قبل سنة ونصف لا شيء إلا الحقيقة الناصعة .

إذا أحسست أن هذه ذكريات لا تهمك بحال ، فيمكنك إغلاق الصفحة ببساطة تامة ، ولكني لا أنصحك بذلك ..

هذه يوميات مريضة سرطان ، ولا أعتقد أنك ستجد الكثير من هذه اليوميات كل يوم . هذه خلاصة مشاعر ومعاناة وآمال وتفاؤل وإحباطات في صفحات معدودة ..

عموماً .. أنت وشأنك !

ولمن يقرأ تدوينتي هذه أعتذر بشدة عن بعض التعليقات العامية ، فقد نقلت لكم ماضيّ بأمانة تامة ، بكل ما فيه من عفوية ..

 

 6 ذو القعدة 1430 /25 أكتوبر 2009 :

معليش ما أبغى أنكد عليكم ، بس أبغى أشارككم خاطرة .. اليوم صاحب خالد في الجامعة توفي يمكن في حادث .. وحقيقة أثر فيّ جداًَ ، أولاً عشان أمه ، خاصة وأن أبوه توفي من 4-5 سنوات تقريباً وهو كبير أمه ، ثانياً لأنه لسه صغير .. أنا شبهت الموضوع بالطالب اللي بيمتحن وتنسحب منه ورقة  الاختبار فجأة .. لو كان مذاكر كويس حيكتب كل الي يعرفه بسرعة قبل ما تنسحب منه الورقة .. ولو ما كان مذاكر كويس حيتلكك في الكتابة ويضيع عليه الوقت وتنسحب منه الورقة والله يعلم إيش كتب .. والنتيجة يوم القيامة للأسف .. خلاصة الموضع : الدنيا حلوة وممتعة ، لذلك هي فتنة .. لا تملؤوا قلوبكم بكثرة المباحات عشان لا تصعب عليكم المستحبات والفرائض .. روضوا أنفسكم على الطاعة وترك ما لا يلزم من المباحات .. مين يدري متى تنسحب ورقته ؟

التعليق : كتبت هذه المشاركة وقد اكتشفت الورم الكبير في صدري وأجريت فحوصات الكشف المبكر ، ولما تظهر النتيجة بعد .. ولكني كنت متوجسة نوعاً ما .

 

6 ذو الحجة 1430/23 نوفمبر 2009 :

الحمد لله على حسن تقدير الله بعباده .. الحمد لله على ما أعطى ومنع ، وإن كان منع فقد أعطى قبله كثيراً ، وإن كان ابتلى فقد عافى قبله كثيراً .

التعليق :  عرفت بالخبر بعد ظهور نتائج العينة ، ولكن لم يعرف أحد إلا أولادي الكبار وأخي عزام فقط .

 

18ذو الحجة / 5ديسمبر

أقدار الله كلها خير . وما يدري العبد لعل الله تعالى يريد ببلائه أن يبلغه منزلة في الجنة ما كان له أن يبلغها بعمله وحده ، إما لشدة تقصيره في الطاعات ، وإما لعلو المنزلة التي يريد الله أن يبلغه إياها ، فلير الله من عبده الصبر و الرضا و السكنة ، وليكن من دعائه أن يصبره الله على الصبر .

التعليق : بقية أخواني وبناتهم عرفوا بالأمر وبدأ الخبر بالانتشار في المحيط الضيق .. كنت أبغي تصبير نفسي بما كنت أكتبه على جداري . أخاطب الآخرين وفي الحقيقة كنت أخاطب نفسي في المقام الأول .

 

8 محرم / 25 ديسمبر

أهدتني ابنة خالتي قلبا قوياً أيقونة strong heart على جداري ، فقلت : شكراً لولا مرررة .. أنا فعلاً أحتاج من هذه النوعية من القلوب الكثير جداً ..

التعليق : بدأت من حولي حملة : الدعم النفسي لمريض السرطان .. بدأت أتلقى مظاهر الحب التي كانت تدخل السرور على قلبي فعلاً .

 

10 محرم / 27 ديسمبر

لما يقول النبي صلى الله علين وسلم مخاطباً ربه العلي العظيم  والشر ليس إليك ، ثم نواجه أشياء نحن نكرهها ، فهذا الأشياء قطعاً خير لنا رغم أنوفنا ، ولكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله .

 

10 محرم / 27 ديسمبر :

يالله ، آخر يومين صرت أحب البمبى مع أني كنت سابقاً من محتقريه نوعاً ما ( مع اعتذاري لكل بنات أخواني الي يحبوا البمبى ) الفيس بوكي كله صار عندي بمبى .. يا أحسن أهل ويا أفضل هدية من الله .. أسأل الله يخليكم لي ويحفظ لكم ولمن تحبون الصحة والهداية ( والعقل خخخ ) .

التعليق : انتشر الخبر رسمياً الآن وبدأت “أداوم” في مستشفى الحرس الوطني بجدة للقيام بالفحوصات اللازمة استعداداً لتلقي العلاج ، وحوّل كل معارفي في الفيس صورهم التعريفية إلى الشريط الساتاني البمبى فصار جداري بحق بهجة لقلبي ..

 

17محرم 1431 /3يناير 2010

كتبت فاطم والتي كانت في المدينة مع باقي أخوتها : كل شيء في الحياة يفتقدك ويفتقد بصمتك .. حتى الفيس بوك بينحرم منك .. أحووبيك يا أمي هناء .

التعليق : لا  تسل عن التعليقات التي تلقيتها من أقاربي رداً على فاطم ، وكنت قد أنشأت مدونة في ذلك الوقت أكتب فيها كل ما يجد معي لأفرغ جميع انفعالاتي وخوفي في الكتابة أولاً ، ولأطمئن أحبتي عليّ ثانياً ولأستمتع بكل مشاعر الحب والدعم الذي أغدقه علي هؤلاء الرائعون . وللتذكير فقط ، فإن أول جرعة كيماوي كانت في اليوم التالي  .

 

6 صفر / 21 يناير :

الحمد لله على كل حال .. الخريف في شعري بدأ .. احتمال تشوفوا النيولوك الجديد قريباً .. أتحداكم تسووا زيي .

التعليق : وبالطبع ، توالت التعليقات المطمئنة والمشجعة ، فكتبت رداً على مي التي قالت لي ضاحكة أن الخريف بدأ عندها منذ فترة ومعه سنو فليكس ( قشرة ) : ميو ، الخريف الفعلي عندنا ، الأشجار يطيح شعرها وتوسخه لنا المكان :  الأحواض والبانيو والبلاط والكابات ، وحتى شمس فجأة تلاقي في فمها شعر ، وتعالي شوفي القرف وأنواعه ، وتززززعق : يعععع إلى أن أشيله .

ورددت على أبلة وداد التي واستني أنه سينبت لي شعر جديد إن شاء الله : أبلة وداد ، الحمد لله ، متعنا بالشعر 43 سنة ، ما صار شيء لو حرمنا منه كم شهر .. ما يكون إذاً معنى قولنا : إنا لله ؟؟

 

9 صفر /21 يناير

ياسلاااااااااام ، أما الدنيا مهوية من فوق بشكككككل ، خخخخخخ .

فقالت ريم : عمة ، نحبك بشعر ومن غير شعر .. وتوالت تعليقات جميلة ، ولن أمل من ترديد جملتي الأثيرة في تدوينة اليوم ( وتوالت التعليقات الجميلة ) لأنها تصف الواقع الذي لا شيء غيره . فرددت عليم :

الحمد لله على كل حال .. و الله صدقوني أني مرتاحة بهذا البلاء لأنه مقدور عليه ، غايته شوية حزن وغم يزول بالاستغفار والدعاء وصدق اللجأ إلى الله ومحاولة الرضى عن الله لأنك إما أن ترضي وتقعدي مريضة ، أو تسخطي وبرضك تقعدي مريضة فإيش الأحسن ؟ ولعل من الإيجابيات الدنيوية أن الواحد يسترجع ذكريات المحبة الي كان يشاركها مع أهله أيام كنا صغار .

 

14 صفر/ 26 يناير

ياااارب أنحف مع كل هذا الغثيان وقلة  الشهية على الكل .. نفسي أفهم أنا بأتخن ليييش وأنا ممنوعة من كل القودييييز .. يا رب والله أنا راضية عنك فارض عني ، ونحفني من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة .

14 صفر / 29 يناير :

وعععع على الطعم ، بالضبط زي طعم البنادول لمذا يذوب في الفم ويبقى .. الحمد لله على كل حال .. احمدوا ربكم على العافية واعملوا على أن تكون إيمانياتكم مرتفعة لو -لا قدر الله – صار لكم شيء تقدروا تصبروا .

التعليق : كان هذا بعد الجرعة الثانية بأربعة أيام .

15صفر / 30 يناير :

سبحان الله ، كأن الورم ماني لاقيته .. أنا متأكدة لو كان إحساسي مضبوط أنه مش من الكيماوي ، ولكن من الرقية والزيت والزمزم و الدعاء ورقية الأحباب لي .. شيء عجيب والله .. الحمد لله .

 

23 صفر/ 6 فبراير :

أنظر حولي فأرى من كان صغيراً بالأمس أضحى اليوم كبيراً ، ومنهم من وهن عظمه ورق جلده ، ومنهم من اضطرب عقله ، وأنسى أن أنظر لنفسي إذ لا أزال أذكرها تتنطط والضفائر من حولها ، وأغفل أن سنة الله في الأيام تسري علي كما سرت عليهم .. لكن من طبع ابن آدم أنه يرى القذى في أعين الناس ولا يرى الجذع في عينه ، وهذه لعمر الله مصيبة، إذ لا يستيقظ ابن آدم إلا ويجد نفسه ممدداً ورجلاه إلى القبلة ، وقد فات الوقت .

 

5ربيع الأول /19 فبراير

بعد الكيماوي صرت أكره اللون البرطآني على أحمر ، وععععععععععع

التعليق : كان نوع العلاج الكيماوي الذي تناولته في تلك الفترة ac والمكون من مركبي الأدريمايسين الأحمر اللون ، و السيتوكسين ، وكل من جرب هذا الكيماوي يعرف جيداً مدى الغثيان الذي يسببه من أي طعام تم تناوله أو شم رائحته أثناء فترة حقنه .. شيء أعظم من الوحم !!

 

8 ربيع الأول / 22 فبراير

كنت خارجة من المستشفى أمس ، وأنا بأدخل السيارة لمحت لوحة  السيارة التي كانت جنبنا ، وضحكت لأنها كانت تعبر بشددددة عن شعوري وقتها .. لم أتمالك نفسي من التصوير بسرعة قبل أن يقبضوا علينا بتهمة محاولة سرقة السيارة أو تصوير المبنى أو أي تهمة .

 

 

اقرأ التدوينة التالية ، تجد رابطها في أعلى الصفحة 👆

 

 

 

 

 

 

– يتبع –

Read Full Post »

قرأت القصة التالية في أحد كتب سلسلة شوربة الدجاج التي أحبها  وهو بعنوان Chicken Soup for The Breast Cancer Survivor’s Soul . كما تعلمون ، يسيطر علي هاجس القراءة في كتب سرطان الثدي هذه الأيام ، بحثاً عن معلومة مفيدة أو خاطرة جميلة تنفعني في المقاومة والصمود ، وتفيدني في مشروع الكتب التي أعزم على تأليفها بعون الله .

 تروي صاحبة القصة موقفاًً حدث معها أثناء ركوبها الحافلة في طريقها ومجموعة من مريضات السرطان إلى المركز الطبي لتلقي جلسات العلاج الإشعاعي ، وعلى مقاعد الحافلة جرى بين “كاثرين ” وبين إحدى الراكبات هذا الحوار :

الراكبة : هل الذي بيدك مسجل الووك مان ؟ ( نوع من المسجلات الصغيرة المحمولة )

كاثرين : نعم .. لقد ابتاعه لي زوجي منذ أن بدأت ركوب هذه الحافلة .

الراكبة : يبدو أنك تمتلكين رجلاً وأي رجل !

كاثرين : نعم ، أنت محقة ، وأنا أقدره جداً .

الراكبة : رباه ، يبدو أن علي أن أقتني أحد هؤلاء .

كاثرين : لا تتركي هذا التفكير مطلقاً ، قد يكون بانتظارك خلف زاوية ما .

الراكبة : عم تتحدثين ؟

كاثرين : عن احتمالية العثور على زوج .

الراكبة : زوج !! لا أريد أي زوج يا عزيزتي .. لقد جربت أحدهم فعلاً .. كنت أتحدث عن اقتناء جهاز ووك مان .. الآن ، هاذا ما أسميه مفيداً .

حسناً .. أرجو أن لا أُتهم بأني أقول أن الأزواج غير مفيدين .. الراكبة من قالت هذا لست أنا ، وما أنا إلا ناقلة  .

لكن هل لأحد منكم أن يخبرني لماذا انتشرت حالات الطلاق بين الأزواج الكبار في الفترة الأخيرة ؟ بعد عشرة سنوات طويلة مليئة بالدموع والنجاحات والذكريات الجميلة والتعيسة على حد سواء ..

 ماالذي يحصل يا جماعة ؟

لن أتطرق إلى الأسباب فلست عالمة اجتماع ، ولكني أتحدث عن سبب واحد فقط وهو : قلة الوفاء بين الطرفين ..

كلما قرأت عن حب رسول الله صلى عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها يسيطر عليّ جو فاتن خلاب من الرومانسية التي يفتقدها الكثير من الزوجات .

اقرؤوا معي هذا الحب الرقيق الذي كان يكتنف قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

 تقول عائشة رضي الله عنها – وهي التي كانت أحب الناس إلى قلب رسول الله – : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : ” إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ” .

وحكت لنا عائشة رضي الله عنها أن هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنهما استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارتاع لذلك ، أي أنه عرف تذكر استئذان خديجة لتشابه صوتيهما ، فقال : “اللهم هالة ” ، فغرت ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها “، تقصد نفسها .. وإنما وصفت خديجة بأنها حمراء الشدقين للدلالة على كبر سن خديجة رضي الله عنهما حتى تساقطت أسنانها وخلفت فماً لا يبدو منه إلا حمرة اللثة .

وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول :” أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة ” فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إني قد رزقت حبها “!!

أواه من هذا الحب الساحر ..

“إني قد رزقت حبها ” .

منذ أيام قرأت بيت شعر لامرئ القيس في معلقته يقول :

أغرك مني أن حبك قاتلي       وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ

فأطربني أشد الطرب ، وهززت رأسي بانتشاء ، وقلت : الله ، ما هذه الرومانسية ؟

لكن لما قرأت قول النبي صلى لله عليه وسلم يقول ” إني قد رزقت حبها ” ، شعرت بأن هذه  العلاقة هي ( الرومانسية الصح )  .

 لمسة الوفاء هذه تأسرني !

لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم  لصويحبات خديجة ، ولما قال عنها ما قال ، هل كانت هي في الحجرة المجاورة تستمع وتزهو على ضرائرها بقوله ، أم كانت ميتة في قبرها ؟

لم غارت عائشة وهي البكر الصغيرة المدللة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أحب الناس إليه ، قال : ” عائشة ” .. لم غارت من حمراء الشدقين ؟

هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب في خديجة شبابها ومالها وجاهها ، أم جذبه إليها حنوها وحدبها ومساندتها له ؟

هذه امرأة قدمت الكثير لهذا الشاب اليافع .. كانت له أماً قبل أن تكون زوجة ..

شملته برعايتها وحبها ودعمها .

أتراه نسي صنيعها لما كذبه الناس وصدقته ، وكفروا به وآمنت ، وحرموه فواسته بمالها ؟

لم ينس فضلها ، لذا كافأها على كل جميلها بأن رعى ودادها  ، فلم يكدر خاطرها بضرة، وكان يكثر من ذكرها بالخير حتى غارت منها حبيبته  ، وكان يكرم أختها وصويحباتها ( حمراوات الأشداق ) مع أنها بذاتها لم تعد على وجه الأرض  ،فأي حب ، وأي وفاء وأي رومانسية ؟

 شيء يدمي الفؤاد في الحقيقة إذا ما قلبت ناظرك في حال كثير من الأزواج ووجدتهم بعد كل هذه السنين يكتشف أنه كان ( مطموراً في الحياة ) مع زوجه وأولاده المزعجين “فيتصرف” !

 أو أن زوجه قد هرمت ولم يعد بها قوة لتخدمه كما كانت تفعل : “فيتصرف” !

أو أنه استغنى واشتد عوده ولم تعد زوجه تليق به ،  ” فيتصرف ” !

أين الوفاء ؟

لكني – ويالفرحتي – وجدت صورة منه في هذا الزمن ..

 قريب لي أمضى مع شريكة حياته ما يزيد عن النصف قرن ، كانت له نعم المعين في دراسته ، وعمله .

 صبرت على الغربة أحياناً ، وعلى الوحدة أحياناً أخرى ، فلما كبر سنها وكثرت أسقامها ، كان دائماً إلى جوارها ، يمسك بيدها ، ويهمس في أذنها بكلمات لاتسمعها لكن تستطيع أن تخمنها في احمرار وجهها .. وإذا علمت أن هذا الرجل كان وسيماً وكما يقال ( جِنتل ) ، في حين أن زوجته جرت عليها سنن الله في العجز والهرم فإنه يزداد عجبك ..

حتى كان اليوم الذي دخلت فيه زوجته في غيبوبة استمرت قرابة السنة ..

كان يزورها يومياً في المستشفى ، يكلمها بصوت مرتفع لتسمعه ، ويمسح خدها برقة ، ويلاطفها بالكلام ، ويقرأ لها سورة الكهف في كل جمعة لأنه كان متيقناً أنها تسمعه ، وتقرأ معه ..

رفض محاولات تزويجه ، فهو ليست له إلا حبيبة واحدة .. ولا يريد أن يكدر خاطرها ، حتى لو كانت في غيبوبة لا تدرك شيئاً مما حولها .

كنت أراه يقف إلى جوارها على قدميه الساعات الطوال يقرأ عليها ، ويرقيها ، ويحادثها ، فإذ لم ترد عليه كنت تشعر بحيرته ، ولهفته عليها وقلقه حتى توفاها الله ..

كنت أنظر إلى قصة الحب هذه ، وأقول في نفسي : هذه الرومانسية الصح !!

Read Full Post »

فتحت الفيس بوك منذ دقائق أتفقد ( الرعية ) قبل أن أخلد للنوم مرة ثانية بعد ان أديت صلاة الفجر ، فوجدت هذه الكلمات :

 بكيت وهل بكاء القلب يجدي
فراق أحبتي وحنين وجدي
فما معنى الحياة إذا افترقنا
وهل يجدي النحيب فلست أدري
فلا التذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشواق تتركني لنومي

فراق أحبتي كم هزوجداني

وحتى لقائهم سأظل أبكي

سأظل أبكي

سأظل أبكي

ومعها بكيت ..

كانت هذه كلمات الصبوحة ، أخت خالد بالرضاعة ، وقد غادرت البلاد في بعثة إلى كندا الأسبوع الماضي ..

بدري يا صباح .. مشوارك طويل ..

في الحياة العادية يظل قلبك يبحث عن مأوى دافئ لينعم بدفء العواطف .. عن ظل وارف يبرد عليه بعضاً من لهيب الوحدة والعجز .. عن السكن ، عن السكينة ، عن كل ما تشاء من معاني الانضمام والحب وما يحفز على العيش ..

 ولكنه في الغربة : ليس له إلا الشتات .. إلا الشتات ..

في البداية تكون الإثارة .. كل شيء حولك ممتع ومشوق .. حزم الحقائب ، التسوق لآخر لحظة ، حفلات الوداع حيث الكثير من الطعام وذرف الدموع ..

ثم ركوب الطائرة وما يرافقه من إثارة قد تكون جديدة جداً عند بعض الناس : ارتداء الملابس الخاصة بالسفر ، قائمة الطعام المميزة في الطائرة ، الفيلم ، صراخ  الأطفال وقلقهم ، النوم المتقطع الممتلئ أحلاماً وردية مخططة بالرمادي لحياة جميلة تحلق فيها بضع مئين من علامات الاستفهام .

ثم يتلو ذلك ساعات الانبهار ، وقد تكون أياماً ، أو شهوراً ..

 انبهار بكل شيء ، بالنظام ، بالطبيعة الخلابة ، بالناس ( الزوق ) خفيفي الظل ( حتى في بريطانيا ) ، حتى الجو له رائحة مميزة وجميلة كرائحة الثياب الجديدة من تلك المحلات الراقية .

وتمضي الأيام قدماً ، وتتقادم الأشياء الجديدة ، وتذبل معاني الانبهار أمام أول مرض ، أو  وحم ، أو حاجة يُفتقد لها الأهل ..

حينها تبدأ الدنيا بالاسوداد ..

حينها يشعر المغترب ببصيص حنين إلى وطنه وأهله ..

 يؤلمه فؤاده إذا ما علم باجتماع أحبته ، وهو في الطرف الآخر من العالم وحيداً ، فريداً ، يتسلى بحل المعادلات أو تشذيب أشجار الحديقة !

وتقرصه الغربة قرصاً موجعاً إذا ما كانت ثمة مناسبة سعيدة في وطنه .. قد يكون عرساً أو خطبة لا تأتي إلا مرة في واحد في العمر ، أو لعله مولود جديد له رائحة الصبا والشوق ، يتوق أن يحمله بين يديه ويمرغ وجهه في رقبته ، فلا يجد إلا برنامج ” السكايب ” وأفلام الفيدو تريه هذا المخلوق الجديد كيف يكون ، وتلك الحفلة كيف مرت .

وتكون القاصمة إذا بلغه نبأ مرض أحد أفراد العائلة ، خاصة لو كان كبيراً في السن .. يحذر الموت ، وما هو بتاركه .. يجن جنونه .. يريد أن يتواجد .. أن ينعم معه بآخر اللحظات .. أن يجتر بين أحضانه ذكريات الطفولة .. أن يتشبث قدر استطاعته بآخر رمق من حنو ورعاية .. ولكن تمضي الأيام ويُنصب الشاهد وتموت الذكريات فلا يبقى في النفس إلا صبابة من حنين وإحساس باليتم وفقدان الكل .

لكن المغترب إن كان فقد الكل ، فقد وجد ذاته ..المفترض أن يكون وجد ذاته ..

الغربة تبني ثقة المرء بنفسه ، إذ عليه أن يقوم بكل الأشغال وحده .. لم يعد ثمة أهل أو أقارب يمكنه الاعتماد عليهم ..

لم يبق إلا الله ثم اعتماده على نفسه ..

في الغربة ، يربي المرء أولاده كيفما يشاء دون تدخل من جدة حانية أو جار فضولي ..

في الغربة  ، تتقارب مصالح الزوجين وتتحد آلامهما ومخاوفهما فيعضدان بعضهما البعض وتقوى حياتهما .

في الغربة ، يتعلم المرء كيف يتأدب ويحترس من التصرفات الخاطئة لأنه غريب ، والغريب لابد أن يحتشم ليُحترم .

في الغربة يتعلم الغريب العادات الحسنة التي لم يحسن بلده أن يعلمه إياها فيرجع ليعلمها ذويه وقومه..

في الغربة الكثير من المحاسن .. أقصد ، يفترض أن يكون فيها الكثير من المحاسن والتي لن تفلح في إظهار آثارها إلا أن يحسن المغترب تبنيها في حياته ، وإلا فإنه لا يستفيد ..

نعم .. الغربة مؤلمة ، حارقة ، مريرة ، لكنها كأي بلاء من الله فيها ألطاف ، يحسن بنا أن نبحث عنها ، وننظر إليها بعين العرفان والحمد ، فقط لنعيش غربتنا ببعض من سعادة ، وشيء من هناء ..

وحتى ذلك الحين يا صباح ، ويا ليال ، ويا سارة ، ويا رغد ، ابك قليلاً ثم كفكفي دمعك وافتحي نافذة قلبك ..

أطلي بروحك على المرج الأخضر القريب واملئي صدرك بعبق الحياة ..

Read Full Post »

كنت قد ذكرت في تدوينة سابقة أمر شرائي لكتاب “التربية الذكية” ، والذي ألفه د. لاري جيه كوينج ، وذكرت أني لن أشرع في قراءته حتى أنتهي من الكتب المصطفة بجانب سريري والتي تنتظر بشوق فراغي منها ، لأصنفها في موقع goodreads بأنها قد قُرئت .

لكني في الحقيقة كنت كثيراً ما أختلس النظر إليه من بين باقي الكتب ، أفتحه ، أقلب صفحاته ، أقرأ فهرسه ، تراودني نفسي للبدء في قراءته ، ثم أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وأرجعه حيث كان ، وأصرف النظر عن همي .

وأخيراً ، في ليلة مظلمة ( لم تمر بي أبداً ليلة مضيئة ، هل مرت بأحدكم ؟ ) باردة ، لذت فيها بفراشي ، وتمددت بعد عناء يوم طويل تحت الغطاء الدافئ ، وعلى ضوء مصباح السرير ( كما يسمونه في كتالوج إيكيا ) ، تجاسرت ومددت يدي إليه وقرأت ما كُتب على الغلاف الخلفي :

إن نظام التربية الذكية :

  • يلغي الحاجة إلى التوبيخ والانتقاد .
  • يجعل أطفالك يفعلون ما تطلبه منهم من أول مرة ( لا بد أنك تمزح ) !
  • يضع نهاية للمشاجرات والمشاحنات وأساليب الأطفال الوقحة في الكلام .
  • ينهي مشكلات الواجب المدرسي .
  • يجعلهم يذهبون إلى النوم في الموعد المقرر لذلك .
  • وأكثر من ذلك بكثير .

ياااه .. ياله من كلام يدغدغ المشاعر .. أأحلم بأن يكون بيتي المدينة الفاضلة ؟

عندها قررت أن أتخذ خطوة إيجابية تجاه هذا الكتاب ، فبدأت بالتهامه بعيني سريعاً ..

لا أريد أن أضيع وقتي ووقتكم في وصف كم كان الكتاب رائعاً ، إضافة إلى أني أود الاحتفاظ بهذه التعابير الأدبية لمناسبات أخرى حتى لا أكرر نفسي . كما أني لا أريد أن أفوت عليكم فرصة قراءة هذا الكتاب ولكني سأكتفي بنقل بعض النقاط التي أعجبتني جداً .

  • إن أطفالنا في الأحوال العادية لا يأتون بأفعال شنيعة وبشعة ، وما يفعلونه لا يعدو في حقيقة الأمر كونه مجرد سلوكيات عادية، لكنها تتكرر منهم الكثير و الكثير من المرات – كقيامهم بترك الأطباق المتسخة أمام جهاز التلفزيون ، ويُضاف إليها الرد بوقاحة، وعدم الاستيقاظ أو النوم في الأوقات المحددة ، وسائر التصرفات السلبية مما يدفع بنا أحياناً إلى حافة الجنون .
  • لا يجب أن ندخل في مجادلات مع أبنائنا للوقوف على القواعد التي تحكم نظام الأسرة ، لذا كان من الضروري أن تكون هناك قواعد مكتوبة تحكم النظام داخل الأسرة كي تمضي الأمور بانسيابية وسهولة ( أحكام على غرار : يمنع فتح الكمبيوتر بعد الساعة العاشرة والنصف مساء ، ويجب احترام الكبير ، وممنوع الكذب ، ويمنع فتح التلفازقبل الذهاب إلى المدرسة ) .
  • القاعدة الأولى التي كان معمولاً بها في أسرتي عندما كنت صغيراً تقول : ” ممنوع التحدث بطريقة تخلو من الاحترام ” ، وفي فترة الخمسينيات والستينيات لم يكن مسموحاً للأبناء بأن يعاملوا آباءهم بطريقة تخلو من الأدب والاحترام ، كذلك لم يكن مسموحاً لهم تحت أي ظرف من الظروف أن يتعاملوا مع المدرسين بهذه الطريقة ( التي تخلو من الأدب والاحترام ) .
  • في كل مرة يسمح فيها للطفل بأن يتعامل بوقاحة مع شخص ما فإنه يفقد قدراً من احترامه لهذا الشخص ، وتكرار حدوث هذه المواقف يجعل الطفل يفقد احترامه لهذا الشخص بالتدريج إلى أن يفقد احترامه له بالكلية .وبمجرد أن يحدث ذلك يصبح هذا الطفل على مشارف مرحلة فقدان السيطرة عليه وبالتالي يكون التعامل معه أمراً في  غاية الصعوبة .
  • إني أعتقد أننا كآباء لدينا السلطة لكي نمنح أبناءنا من آن لآخر بعض الحرية فيما يتعلق بممارسة سلوكياتهم الرديئة ، ولكننا إذا فعلنا ذلك كثيراً فإنهم حينئذ يتعلمون أن بإمكانهم التصرف بحرية تامة وهم يتمتعون بالحصانة اللازمة في ظل غياب أية عواقب تترتب على سلوكياتهم السيئة ( ترى الكاتب أمريكي ، هه ؟ )
  • في بعض الأحيان أتصور أن أبناءنا يعتقدون أن هدفهم في الحياة هو أن يوضحوا لآبائهم كيف أنهم يطبقون في تربيتهم أساليب خاطئة تفتقر إلى الحكمة !! ولذلك كثيراً ما تسمعهم يؤكدون على ذلك بقولهم : إننا لا نرى أحداً من أصدقائنا يفعل أبواه مثلما تفعلان !! ( هممممم .. أين سمعت هذه الجملة من قبل ؟ )
  • عندما يترك الآباء أبناءهم يفلتون من العواقب الناجمة عن سوء سلوكهم فإنهم يفعلون ذلك لأحد سببين : الأول ، لأنهم يحبون أبناءهم حباً شديداً ويريدون أن يقنعوا أنفسهم أن الأبناء قد تعلموا بالفعل درساً مناسباً وأنهم لن يكرروا سلوكهم السيء مرة ثانية ( هل يتحدث عنا هذا الشخص ؟ ) ، والثاني ، لأن الجلبة الشديدة التي يحدثها الأبناء استجابة للعقاب تجعل الآباء يستسلمون بسهولة ولا يكملون ما بدؤوه . وأؤكد أن على الآباء أن يفكروا طويلاً قبل إسقاط عواقب السوكيات السيئة عن الأبناء ، فما ينطوي عليه هذا التصرف من رقة هي رقة مزعومة ، فعلى الرغم من أني أدرك كم صعب هو على الآباء أن يشاهدوا أبناءهم وهم يشعرون بالندم على أخطائهم وبالألم الذي يسببه لهم العقاب الناتج عنهما ، فإني أدرك أن الأصعب من ذلك أن ينتهي بك الحال بطفل أصبح خارج نطاق السيطرة ، فقط لأنك تركته يفلت من العقاب .
  • هل من الصواب أن نكافئ أطفالنا على السوك الحسن من جانبهم ؟

الجواب : بالتأكيد ، طالما أن هذه المكافآت لن تتحول بمرور الوقت إلى ما يشبه الرشوة .. من الصواب تماماً أن تخبر أطفالك بطريقة عادية أنك سوف تكافئهم بشيء مميز لأنهم في الآونة الأخيرة كانوا طيبي السلوك ( زمن ماض ) ، ولكن الخطأ أن تقول لهم أنك سوف تكافئهم إذا ما سلكوا سلوكاً حسناً ( فعل الشرط للزمن المستقبل) فهذه تعتبر رشوة .

  • التحدي والعناد هما أكثر الاستجابات شيوعاً وتكراراً لمحاولات فرض النظام وتحقيق الانضباط ، و السبب في ذلك أن الأطفال – خاصة من هم في سن المراهقة – يعرفون أن التشاجر والتشاحن مع الآباء بما فيه الكفاية كفيل بأن يجعل الآباء يرفعون الراية البيضاء ويتوقفون عن محاولاتهم لفرض الانضباط حتى لا يشتعل المنزل بالخلافات .
  • كثير من الآباء يرتكبون خطأ كبيراً بانتقادهم لأبنائهم ممن هم على مشارف مرحلة المراهقة ، عندما يتصرف هؤلاء الأبناء بطريق مثيرة للغضب ، فهذا الأمر لا يؤدي إلا إلى تدمير ثقة الأطفال في أنفسهم وتدمير علاقاتهم بآبائهم. فالآباء الذين يتصرفون بحكمة هم من يتجنبون النقد  ويركزون بدلاً من ذلك على الجوانب الإيجابية .

لم تنته الأفكار الجيدة في الكتاب ، إذ هو مليء بها ، وأجزم أني لم أسئ التصرف حينما دفعت ثمنه .. لن أخبركم بالمزيد لأن حقوق الطبع محفوظة ولأني أريدكم أن تطلعوا على روعة هذا الكتاب ..

والآن ، هل أطمع من قرائي الكرام ترك آراءهم حول  ما قرأوه في هذه التدوينة .. هل توافقون كلام المؤلف أم أن لديكم أراء خاصة .. أتحفونا!!

Read Full Post »

قرأت في إحدى المدونات الأمريكية لأحد الآباء مقالاً يتحدث فيه عن توجهه الذي تبناه والذي أراه – شخصياً – شذوذاً في المجتمع الأمريكي . كان أحد الرجال الذين يعارضون بشدة ( التدييت ) ، وهذا مصطلح أسأل الله اللطيف أن لا نحتاجه قريباً في مجتمعنا ، والذي يقوم ( المصطلح لا المجتمع ) على تسخير الكلمة الانجليزية واستخراج فعلاً عربياً منها ، على وزن ( شيّك عليه ) من check  إذا أراد أن يراجع شيئا و ( قوْقله ) من google it  إذا بحث في النت على شيء ما ، و( كنسل ) الحجز مثلاً من cancel إذا ألغاه .

 فهذا الأب كان أحد معارضي أن ( تديّت) من dating أن تواعد الفتاة رجلاً ما قبل الزواج .. وذكر أشياء عجيبة فعلاً ، منها أن ابنته أهدته مرة قميصاً رياضياً ( تي شيرت ) مكتوب عليه D.A.D.D. ، والذي يعني Dads Against Daughters Dating آباء ضد تدييت البنات ، وجدته ب 11 دولاراً فسألته عما إذا كان يرغب في أن تشتريه له ، فطلب منها اثنين .. يقول : كلما ارتديته كان أحد الآباء يقترب مني ويسألني من أين أتيت به ، فأجيب فخوراً : أهدتني إياه ابنتي الكبرى .

وذكر أن زوجته كانت تدرس البنات في المنزل حالما يبلغن السن التي يكون بإمكانهن فيها مواعدة الفتيان منعاً لذلك . وحين يكبرن قليلاً فإنهن ينتظمن في كلية ذكر اسمها لا تبعد كثيراً عن بيتهم ، حيث يقوم بتوصليهن قبل أن يذهب لعمله ، وبعد الانتهاء من محاضراتهن فإنهن ينتظرنه في المكتبة ( !!) حتى ينتهي من دوام العمل ثم يأخذهن في طريق العودة ، ليؤدين واجباتهن المدرسية، ويتناولن العشاء ثم يشاهدوا جميعاً فيلم السهرة .

كما ذكر كيف فعل بالأولاد في الحفل الراقص في مدرسة ابنته حين كانت في الصف الإعدادي الأول حيث أتيحت له فرصة مرافقتها إذ كانت مسؤولة في مجلس الطلاب بالمدرسة وطلبت منه المساعدة ففعل بسرور . جثم على منصة الاستاد الرياضي يراقب بعينين كالصقر الراقصين حتى إذا ما وجد بعض النظرات غير المريحة لأحد هؤلاء الطلاب في الصف الثالث الإعدادي فإنه كان يتقدم إليه نافشاً صدره وفي عينيه نظرة بادرة قاتلة وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة هائلة ، كل ذلك كان كفيلاً ببث عدم الراحة في قلب ذاك الجريء ، فيفترق الراقصان حتى يقف كل منهما في الطرف الآخر من الاستاد .. نعم ، هكذا يكون هذا الأب قد أدى عمله !! ويعتبر نفسه سفيراً عن كل الآباء الذين لم تتح لهم الفرصة لحضور هذا الحفل الراقص ، وأن حضوره هو كان بمثابة رسالة لكل هؤلاء الفتية الصغار : أن  لا تقتربوا من بناتنا ، وإلا ..

وأخيراً يختم بوصية للآباء فيقول : لابد أن نعتني ببعضنا .. إذا رأيت متأنقاً ( وغداً ) في المول يراوغ إحدى الفتيات فعندها ستكون مهمتك أن تتدخل .. ألن تحب أن يتولى أحد الدفاع عن بناتك لو لم تكن موجوداً ؟ توجه إليه واطلب منه أن يكف عن ذلك .  اعرض عليه أن تتصل بأبيها ، لابد أنها عندئذ ستستميت في الهرب .. اطلب الشرطة إذا لزم الأمر .. اخرجوا أيها الرجال .. فلتكن لكم وقفة !!

 

انتهت التدوينة .. وقرأت التعليقات التي تلتها .. ولبثت ملياً بعدها أفكر .. هذا الرجل ليس مسلماً .. وليس عربياً .. والذين علقوا مشجعين وبعضهم أمهات طالبن بتي شيرت مكتوب عليه : أمهات ضد تدييت البنات ليسوا كذلك أيضاً . هذا الرجل يصلح أن يكون من أعضاء الهيئة ..

 ثم قارنت بحال مزعجة آخذة في التزايد في مجتمعنا .. بين بناتنا في مرحلة المتوسطة والثانوية .. هل تتخيلون ؟ بنات في سن الثالثة عشر والرابعة عشر يواعدون فتياناً بالدس عن أهليهم ، أو بعلمهم ، فلم يعد هذا عيباً عندهم .. تفتخر الواحدة بأن لها أصدقاء وأنها تخرج معهم ، وأكاد أكذّب من يحكي لي هذه الحكايا ولكنهن يكنّ أحياناً صديقات شخصيات لهن ..

وأسترجع ذكرى ضبابية قديمة علاها بعض الغبار عن بعض صديقات الثانوية اللاتي كن يستمتعن برؤية الدهشة وعدم التصديق تعلو وجهي وهن يحكين لي عن مغامراتهن في ( الكباين ) وفي السفريات .. وأنا مصعوقة .. أين الأهل ؟ أين الأم ؟ ثم لا ألبث أن أكذبهن في نفسي وأقنع نفسي أنها لا تعدو أن تكون محاولات طفولية ساذجة لاختراق عالم الكبار بأي طريقة كانت ، ولو كانت عن طريق تشويه السمعة .

والآن ومع تواتر كل هذه القصص عن (تدييت ) بنات المدارس أصيح  بعنف : أين الأهل ؟ أين تعليم البنات رقابة الله ؟ ماذا تفعلون ببناتكم ؟ تعلفوهن وتكسوهن وتتركوهن بعد ذلك غنيمة للرائحين والقادمين ؟ حينما تتركون البنات يتمشين مع لداتهن في المولات ألا يهمكم أن تعرفوا ماذا يفعلن ؟ حينما ترسلوا لهن السائقين في ساعات متأخرة من الليل ألا تسألونهن لماذا تأخرن ؟ حينما تختلي بناتكم الساعات الطويلة مع الهاتف المحمول ألا تؤلمكم قلوبكم ؟

فقط أقول : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً .

نريد من هذا الرجل أن يقدم عندنا ويعطي دورة في سياسته ، لعل بعض المستغربين يقتنع لو وجد أشقر ذا عيون زرقاء يعلمه كيف يحافظ على شرف بناته..

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »