Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘السرطان’

لسبب ما ، اضطررت قبل يومين أن أفتح صفحة جداري في الفيسبوك لأتفقد شيئاً كتبته قبل سنة ونصف تقريباً .. فمررت على ذكريات كثييييرة .

كنت أقرأ  ماض انقضى ولازالت آثاره محفورة في قلبي ، ولا أظنها تُمسح .

أحببت أن تشاركوني قراءة ماضيّ قبل سنة ونصف من الآن .. هي الآن ذكريات ، ولكنها كانت قبل سنة ونصف لا شيء إلا الحقيقة الناصعة .

إذا أحسست أن هذه ذكريات لا تهمك بحال ، فيمكنك إغلاق الصفحة ببساطة تامة ، ولكني لا أنصحك بذلك ..

هذه يوميات مريضة سرطان ، ولا أعتقد أنك ستجد الكثير من هذه اليوميات كل يوم . هذه خلاصة مشاعر ومعاناة وآمال وتفاؤل وإحباطات في صفحات معدودة ..

عموماً .. أنت وشأنك !

ولمن يقرأ تدوينتي هذه أعتذر بشدة عن بعض التعليقات العامية ، فقد نقلت لكم ماضيّ بأمانة تامة ، بكل ما فيه من عفوية ..

 

 6 ذو القعدة 1430 /25 أكتوبر 2009 :

معليش ما أبغى أنكد عليكم ، بس أبغى أشارككم خاطرة .. اليوم صاحب خالد في الجامعة توفي يمكن في حادث .. وحقيقة أثر فيّ جداًَ ، أولاً عشان أمه ، خاصة وأن أبوه توفي من 4-5 سنوات تقريباً وهو كبير أمه ، ثانياً لأنه لسه صغير .. أنا شبهت الموضوع بالطالب اللي بيمتحن وتنسحب منه ورقة  الاختبار فجأة .. لو كان مذاكر كويس حيكتب كل الي يعرفه بسرعة قبل ما تنسحب منه الورقة .. ولو ما كان مذاكر كويس حيتلكك في الكتابة ويضيع عليه الوقت وتنسحب منه الورقة والله يعلم إيش كتب .. والنتيجة يوم القيامة للأسف .. خلاصة الموضع : الدنيا حلوة وممتعة ، لذلك هي فتنة .. لا تملؤوا قلوبكم بكثرة المباحات عشان لا تصعب عليكم المستحبات والفرائض .. روضوا أنفسكم على الطاعة وترك ما لا يلزم من المباحات .. مين يدري متى تنسحب ورقته ؟

التعليق : كتبت هذه المشاركة وقد اكتشفت الورم الكبير في صدري وأجريت فحوصات الكشف المبكر ، ولما تظهر النتيجة بعد .. ولكني كنت متوجسة نوعاً ما .

 

6 ذو الحجة 1430/23 نوفمبر 2009 :

الحمد لله على حسن تقدير الله بعباده .. الحمد لله على ما أعطى ومنع ، وإن كان منع فقد أعطى قبله كثيراً ، وإن كان ابتلى فقد عافى قبله كثيراً .

التعليق :  عرفت بالخبر بعد ظهور نتائج العينة ، ولكن لم يعرف أحد إلا أولادي الكبار وأخي عزام فقط .

 

18ذو الحجة / 5ديسمبر

أقدار الله كلها خير . وما يدري العبد لعل الله تعالى يريد ببلائه أن يبلغه منزلة في الجنة ما كان له أن يبلغها بعمله وحده ، إما لشدة تقصيره في الطاعات ، وإما لعلو المنزلة التي يريد الله أن يبلغه إياها ، فلير الله من عبده الصبر و الرضا و السكنة ، وليكن من دعائه أن يصبره الله على الصبر .

التعليق : بقية أخواني وبناتهم عرفوا بالأمر وبدأ الخبر بالانتشار في المحيط الضيق .. كنت أبغي تصبير نفسي بما كنت أكتبه على جداري . أخاطب الآخرين وفي الحقيقة كنت أخاطب نفسي في المقام الأول .

 

8 محرم / 25 ديسمبر

أهدتني ابنة خالتي قلبا قوياً أيقونة strong heart على جداري ، فقلت : شكراً لولا مرررة .. أنا فعلاً أحتاج من هذه النوعية من القلوب الكثير جداً ..

التعليق : بدأت من حولي حملة : الدعم النفسي لمريض السرطان .. بدأت أتلقى مظاهر الحب التي كانت تدخل السرور على قلبي فعلاً .

 

10 محرم / 27 ديسمبر

لما يقول النبي صلى الله علين وسلم مخاطباً ربه العلي العظيم  والشر ليس إليك ، ثم نواجه أشياء نحن نكرهها ، فهذا الأشياء قطعاً خير لنا رغم أنوفنا ، ولكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله .

 

10 محرم / 27 ديسمبر :

يالله ، آخر يومين صرت أحب البمبى مع أني كنت سابقاً من محتقريه نوعاً ما ( مع اعتذاري لكل بنات أخواني الي يحبوا البمبى ) الفيس بوكي كله صار عندي بمبى .. يا أحسن أهل ويا أفضل هدية من الله .. أسأل الله يخليكم لي ويحفظ لكم ولمن تحبون الصحة والهداية ( والعقل خخخ ) .

التعليق : انتشر الخبر رسمياً الآن وبدأت “أداوم” في مستشفى الحرس الوطني بجدة للقيام بالفحوصات اللازمة استعداداً لتلقي العلاج ، وحوّل كل معارفي في الفيس صورهم التعريفية إلى الشريط الساتاني البمبى فصار جداري بحق بهجة لقلبي ..

 

17محرم 1431 /3يناير 2010

كتبت فاطم والتي كانت في المدينة مع باقي أخوتها : كل شيء في الحياة يفتقدك ويفتقد بصمتك .. حتى الفيس بوك بينحرم منك .. أحووبيك يا أمي هناء .

التعليق : لا  تسل عن التعليقات التي تلقيتها من أقاربي رداً على فاطم ، وكنت قد أنشأت مدونة في ذلك الوقت أكتب فيها كل ما يجد معي لأفرغ جميع انفعالاتي وخوفي في الكتابة أولاً ، ولأطمئن أحبتي عليّ ثانياً ولأستمتع بكل مشاعر الحب والدعم الذي أغدقه علي هؤلاء الرائعون . وللتذكير فقط ، فإن أول جرعة كيماوي كانت في اليوم التالي  .

 

6 صفر / 21 يناير :

الحمد لله على كل حال .. الخريف في شعري بدأ .. احتمال تشوفوا النيولوك الجديد قريباً .. أتحداكم تسووا زيي .

التعليق : وبالطبع ، توالت التعليقات المطمئنة والمشجعة ، فكتبت رداً على مي التي قالت لي ضاحكة أن الخريف بدأ عندها منذ فترة ومعه سنو فليكس ( قشرة ) : ميو ، الخريف الفعلي عندنا ، الأشجار يطيح شعرها وتوسخه لنا المكان :  الأحواض والبانيو والبلاط والكابات ، وحتى شمس فجأة تلاقي في فمها شعر ، وتعالي شوفي القرف وأنواعه ، وتززززعق : يعععع إلى أن أشيله .

ورددت على أبلة وداد التي واستني أنه سينبت لي شعر جديد إن شاء الله : أبلة وداد ، الحمد لله ، متعنا بالشعر 43 سنة ، ما صار شيء لو حرمنا منه كم شهر .. ما يكون إذاً معنى قولنا : إنا لله ؟؟

 

9 صفر /21 يناير

ياسلاااااااااام ، أما الدنيا مهوية من فوق بشكككككل ، خخخخخخ .

فقالت ريم : عمة ، نحبك بشعر ومن غير شعر .. وتوالت تعليقات جميلة ، ولن أمل من ترديد جملتي الأثيرة في تدوينة اليوم ( وتوالت التعليقات الجميلة ) لأنها تصف الواقع الذي لا شيء غيره . فرددت عليم :

الحمد لله على كل حال .. و الله صدقوني أني مرتاحة بهذا البلاء لأنه مقدور عليه ، غايته شوية حزن وغم يزول بالاستغفار والدعاء وصدق اللجأ إلى الله ومحاولة الرضى عن الله لأنك إما أن ترضي وتقعدي مريضة ، أو تسخطي وبرضك تقعدي مريضة فإيش الأحسن ؟ ولعل من الإيجابيات الدنيوية أن الواحد يسترجع ذكريات المحبة الي كان يشاركها مع أهله أيام كنا صغار .

 

14 صفر/ 26 يناير

ياااارب أنحف مع كل هذا الغثيان وقلة  الشهية على الكل .. نفسي أفهم أنا بأتخن ليييش وأنا ممنوعة من كل القودييييز .. يا رب والله أنا راضية عنك فارض عني ، ونحفني من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة .

14 صفر / 29 يناير :

وعععع على الطعم ، بالضبط زي طعم البنادول لمذا يذوب في الفم ويبقى .. الحمد لله على كل حال .. احمدوا ربكم على العافية واعملوا على أن تكون إيمانياتكم مرتفعة لو -لا قدر الله – صار لكم شيء تقدروا تصبروا .

التعليق : كان هذا بعد الجرعة الثانية بأربعة أيام .

15صفر / 30 يناير :

سبحان الله ، كأن الورم ماني لاقيته .. أنا متأكدة لو كان إحساسي مضبوط أنه مش من الكيماوي ، ولكن من الرقية والزيت والزمزم و الدعاء ورقية الأحباب لي .. شيء عجيب والله .. الحمد لله .

 

23 صفر/ 6 فبراير :

أنظر حولي فأرى من كان صغيراً بالأمس أضحى اليوم كبيراً ، ومنهم من وهن عظمه ورق جلده ، ومنهم من اضطرب عقله ، وأنسى أن أنظر لنفسي إذ لا أزال أذكرها تتنطط والضفائر من حولها ، وأغفل أن سنة الله في الأيام تسري علي كما سرت عليهم .. لكن من طبع ابن آدم أنه يرى القذى في أعين الناس ولا يرى الجذع في عينه ، وهذه لعمر الله مصيبة، إذ لا يستيقظ ابن آدم إلا ويجد نفسه ممدداً ورجلاه إلى القبلة ، وقد فات الوقت .

 

5ربيع الأول /19 فبراير

بعد الكيماوي صرت أكره اللون البرطآني على أحمر ، وععععععععععع

التعليق : كان نوع العلاج الكيماوي الذي تناولته في تلك الفترة ac والمكون من مركبي الأدريمايسين الأحمر اللون ، و السيتوكسين ، وكل من جرب هذا الكيماوي يعرف جيداً مدى الغثيان الذي يسببه من أي طعام تم تناوله أو شم رائحته أثناء فترة حقنه .. شيء أعظم من الوحم !!

 

8 ربيع الأول / 22 فبراير

كنت خارجة من المستشفى أمس ، وأنا بأدخل السيارة لمحت لوحة  السيارة التي كانت جنبنا ، وضحكت لأنها كانت تعبر بشددددة عن شعوري وقتها .. لم أتمالك نفسي من التصوير بسرعة قبل أن يقبضوا علينا بتهمة محاولة سرقة السيارة أو تصوير المبنى أو أي تهمة .

 

 

اقرأ التدوينة التالية ، تجد رابطها في أعلى الصفحة 👆

 

 

 

 

 

 

– يتبع –

Read Full Post »

انتبهي

70% من الحالات المصابة بسرطان الثدي في المملكة تُكتشف في مرحلة متأخرة مقارنة بـ 30% في الولايات المتحدة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

مجتمع طُهر

منتدَى ناشِيء وَ مجتمَع يضُم مريْضات السرَطان و صديقاتهنّ ..

سَاهموا معنَا بالكلِمة الطّيبة ، وَ الابتسَامةِ المشْرِقة ، و الدّعم النفسِي و المعْنوي ..

اقْرَءوا قِصَصَنا ، و اسمعوا نصَائِحنا و تعلّموا مِن تجارُبنا

نقدّم يَد العَون لكلّ مَريض و مُعافى ..

و نحُاول جَاهدِينَ أن ننشُر ثقافَة مرضْ السرطَان بِأنوَاعه من أَعراضهِ الأوليّة وحتى نهايَة دورة العِلاج بإذنِ الله

سَتجدُون بَيننا المبدعِة و الكَاتِبة و المصمّمة و المَرحة و المنُجزة وَ الرّسامة و الطبَاخة

فنَحنُ شَخصيّات ” مُميزة ” مرّت بنَا ذِكرى ” مُميزة ” أيضاً ، وَ ذهبتْ إلى غَير عوده بإذن الله ، وَلم تَقف بِوجهنا العقبَات ..

فَـ هُنا

المزْنُ الّذي يَهْطلُ عَلَى أَروَاحِنَا ليَعْتَليْها الطُهْر ..

لـ يُنَقّيْهَا كَمَا البَرَد ..

و يَغْسِلُ عَنْهَا وَشْمَ ” الجُرْعَات ” ..

هُنا .. تهَمِسُ آمَالُنَا في أُذُنِ الآلاَمِ ، أَنِ ابْتَهِلِي حَمْدَاً وَ شُكْرَاً ..

نمَلِكُ بَيْنَ جَوَانِحنَا بَرِيْدَاً مُزْدَحِمَاً بِرَسَائِلٍ جَذْلَى ، وَ عَدَدَاً لا يُحْصَى مِنْ أَطْوَاقِ اليِاسَمِيْن ..

إنّهَا غَيْرُ مُخَصّصَةٍ للبَيْع ! وَلَكِنّنَا نَهَبُهَا لكِ كَلَحْنِ عَذْبٍ يَصْدَحُ بِالأُمْنِيَات ..

ليَكُنْ فَألُنَا الطُهْرُ مِنْ كُلّ ذَنْبٍ ، وَ دُعَاؤنَا لكِ

( تَغَشْتكِ الطّهَارّة ، وَ لا بَأسْ لا بَأسْ كفّارَة )

بِرُوحِكِ المُلْهَمَةِ نَفْخَرُ ، فَتَفَضّلِي بِالتّسْجِيْلِ هُنَا ..

http://www.m-tohr.com/vb/

ولا تنسوا بأن التسجيل معنا يدخل على قلوبنا السرور

فهنيئاً لكم بأجور ميسور

ساهموا معنا في نشره

Read Full Post »

حينما أصبت بالسرطان ، كأنما كانت إصابتي هزة أيقظتني من نومة عميقة .. استيقظت لأرى نفسي محاطة بالجمال .. نعم الله حولي في كل مكان وأنا لا أدري .. الآن فقط ، حينما فقدت بعضها ، علمت أي فضل من الله كنت غارقة فيه .

أنشأت لذلك مجموعة ( بعض الناس يحب أن يسميها “قروب” ، إغراقاً في ” الكوالة”) في الفيس بوك وسميتها : النعم المنسية ، وهذا رابطها فيما لو أحببت الانضمام إليها

http://www.facebook.com/home.php?sk=2361831622#!/group.php?gid=114830981862557  .

ولعل أبرز هذه النعم التي لم نلق لها كثير بال نعمة الاستمتاع بالطعام ، وهي النعمة التي أجزم أنه يشترك في فقدها جميع من يتناول العلاج الكيماوي ، والذي يعد أطول أنواع علاجات السرطان زمناً ، وأشدها وطأة ..

قد يكون كلامي مختلف التأثير على من يقرؤه ، فبعضكم قد يجد فيه تذكيراً لأيام سوداء قاحلة لا يود تذكرها .. وبعضكم قد يراها تذكيراً لنعم افتقدها في وقت مضى من حياته ولم يكن يشكرها من قبل .. وبعضكم قد لا يعنيه الأمر من قبل ولا من بعد لأنه لم يمر بمثل ما مررت به ، وغاية ما في الأمر أنه يفقد بعض التذوق إذا ما أصيب بزكام قوي .. ولهذا الصنف الثالث أقول : لا بأس ، تابع معي تدوينتي لعلك تعلم ما أنت فيه من النعم التي لم تتعب نفسك في التفكير فيها من قبل .

قبل أن أبدأ في العلاج الكيماوي أخبرني طبيبي أن الورم من مستقبلات الإستروجين الموجبة estrogen receptor positive ، حيث يكون شديد الحساسية لهرمون الإستروجين في الجسم ، وهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم.. ولهذا فإنه منعني من تناول أي مصدر من مصادر هرمون الإستروجين قطعاً للمادة التي يتغذى عليها الورم ..

وكانت الفاجعة بالنسبة لي يوم أن منعني الطبيب من ( بعض ) المأكولات التي يدخل فيها هذا الهرمون .. منعني من تناول الدواجن واللحوم ومشتقات الحليب والبيض فقط .. فقط ؟؟ أذكر جيداً أنه لما ذكر قائمة الممنوعات تساءلت في تعاسة عما أبقاه مسموحاً لي بتناوله .. أنا لا أحب السمك أبداً ، ولست من عشاق الخضروات ولا الفاكهة ، فإلى متى سأستمر في تناول لحوم الغنم ( والتي كانت الوحيدة التي سمح بها ) ؟ هل سأقوى على تناولها يومياً .

فجأة اشتهيت دجاج الشواية وسندويشات كودو ( دجاج ) ، وطبق السليق الرهيب ( دجاج وحليب وسمن بلدي ) ، وطبق البيض بالجبن ( التابو الثنائي : بيض وجبن وربما ينضاف إليها الزبدة ) .. ولكن يبدو أن هذه أشياء ستختفي من قائمة طعامي لفترة مؤقتة ، ليحل محلها البروكلي والفلفل الملون ، والزنجبيل والشاي الأخضر !!

أذكر أن أخي بعد تلك الأيام قدم لزيارتنا من ينبع ، وحملت زوجته لي من أطايب الطعام ” الصحي ” والمراد : المسموح لي به . صنعت لي طبق العيش باللحم من مفرومة الغنم ، وبضع كعكات بدون بيض ، وخبزاً خالياً من البيض كذلك .

أبقيت العيش باللحم لحالات الطوارئ حينما كنت أجوع ولا أجد ما يسد جوعي ، فقد ولى زمن سندوتشات ( جبن الكاسات ) وأكواب اللبن ..

كما اشتريت نصف دزينة من البرجر بلحم الغنم وجمدتها في الفريزر إلى جانب كيلوات من لحم الأوصال المشوي ..

فجأة أحسست أني مللت البرجر والأوصال واللحم بعد أن كانت في يوم ما طعامي المفضل .

ثم أني لما بدأت بتناول العلاج الكيماوي ac ، عرفت أني كنت في نعيم قبل أيام ، وأن حزني وتعاستي كانت ( لعب أطفال ) .. حينما بدأ تغير طعم الفم ورفضت الغدد اللعابية إفراز الكمية المعهودة من اللعاب ، بل و تضافرت معها جهود حليمات التذوق في الثورة على الطعوم ، فصارت تعطيني مذاقات مزيفة وثائرة ..

أحياناً تطالبني حليمات التذوق بتناول ( أكل أحمر فيه مرق ) ، فأطلب من فاطم أن تهيء لي إيدام بطاطس بدون دجاج ولا لحم لأتناوله مع الرز الأبيض والسلطة .. ويسيل لعابي وأنا أتخيل الطعم الجميل ويمتلئ قلبي حبوراً وفرحاً لملاقاة وجبة طلبها لساني شخصياً  ، ولكن تكون الصدمة حينما أتذوق اللقيمات الأولى فأجد هذه الحليمات تعاندني كالأطفال فترفض هذا الطعم .. ماذا تريدين إذاً ؟ هل تريدين طعماً أقل حموضة ، أو أكثر ملوحة أو أشد ليونة أم ماذا ؟ أتساءل بخيبة أمل ثم أترك طبقي شبه ممتلئ وأقوم لأبحث عن طعام جديد نافع .

فإذا اجتمع مع هذا الطعم غير المقبول إلحاحاً من جانب أمي أو أخوتي على تناول ما لا أحبه أصلاً من الطعام كالبروكلي أو الخضروات لفائدتها ، فإن هذا – لعمر الله – هو التعذيب بعينه ..

وأحياناً كان لساني يلعب معي ويعطيني طعماً زائفاً لنفسه دون أن أتناول أي طعام ، فكنت أشعر بطعم الأسبرين المذاب في فمي ، ويعلم أبناء جيلي جيداً سوء هذا الطعم حينما كنا نصاب بالانفلونزا ونحن أطفال ، فكانت أمهاتنا تذيب الحبة في ملعقة ماء ثم تجرعننا إياه .. فارتبط هذا المذاق الكريه بالحمى والمرض .

ولما بدأت جلسات العلاج الكيماوي taxotere أيقنت أن ما جرى معي أيام ac كان مداعبة ثقيلة من لساني ، فقط ليتحول الأمر الآن إلى جد ..

كنت لا أتمكن من تناول أي طعام في الأيام الخمسة الأولى حتى أني كنت أفقد في أول كل جلسة ثلاثة كيلوجرامات ، وكانت أمي تتوسل إلي لتناول المزيد من الطعام والذي كان لا يزيد بحال من الأحوال عما تأكله شمسي .. كنت لا أشتهي شيئاً في البداية ، ثم تطور الأمر ليتحول إحساس الطعام في فمي كالقماش .. وأخيراً كان هذا القماش سيء الطعم ، فينتهي بي الأمر لتركي الطعام بالكلية ..

حتى الماء كنت لا أجده مستساغاً .. أما زمزم ، فانس الموضوع !!

وإذا ما دعيت إلى العشاء عند إحدى صديقاتي أبكي على الأطلال .. أطلال حليمات التذوق ( الصاحية ) والتي كانت تعرف أن ما ألوكه الآن هو قطعة بيتزا لا شراب ابنتي القديم .

وسمعت في تلك الفترة محاضرة للشيخ أبي إسحاق الحويني يتكلم في قناة الحكمة عن الطعام وكيف أن المريض لا يكاد يجد طعماً لشيء ، ثم حكى عن شخص قال لحكيم : ما أطيب هذا الطعام ! فقال الحكيم : إنما طيبته العافية .

أذكر يومها كنت مستلقية على الأريكة باسترخاء وكسل وفتور ، فلما سمعت قولته فكأنما وقعت على كنز .. اعتدلت في جلستي ، واتسعات حدقتاي وأصغيت لكلامه ونفسي تحدثني : فعلاً ، إنما تطيبه العافية ، لا الملح ولا السكر .. وأخذت أهز رأسي بطرب وأنا أكرر لنفسي : الله ! إنما طيبته العافية .. ولولا خشية اتهامي بالعته لقلت : ياليل يا عين .

واليوم ، حينما أشتهي شيئاً ، فأذوقه ، فأجده كما أشتهيته تحملني الذكرى إلى تلك الأيام ( والتي لن أصفها بالسعيدة ولا التعيسة ) وأحمد الله على العافية التي فقدتها لفترة من الزمن .. الآن بإمكاني أن أتخيل البيتزا المقرمشة الأطراف ، الغنية بالصلصة الحمراء والمغطاة بالجبن الذائب ، و كعك الشوكولاتة المغطى بطبقة ثخينة من كريمة الشوكولاتة ، فأجد تفاصيل الطعوم واضحة لا تقبل اللبس ، الحامض والمالح والحلو ، كلها معتدلة لا يطغى طعم على الآخر ..

صدقوني .. الآن أجد أن مجرد ذكر هذه الأطعمة ووصفها يثير في نفسي الكثير من المتعة والبهجة فكيف بتناولها !

أخوتي في عالم الكيماوي ممن لم يمن الله عليهم بالشفاء بعد .. اصبروا .. ففرج الله قريب !

Read Full Post »

حينما كتبت ذاك الفصل من كتابي والذي سميته ” صديقتي الفاتنة سارة ” ، كنت أقصد به ذكر الحدث الجميل الذي مررت به ، والذي قدّر الله أن تكون بطلته صديقتي سارة ، في وقت تداعت علي آلام جسدية ونفسية كثيرة نشأت من جلسات الكيماوي المتلاحقة ، وأمور أخرى .

 أعجبني جداً محتواه ، وأعجبني أكثر عنوانه – ولا تعجب من إعجابي بصنعي ، فأرجو أن لا يكون ذلك غروراً ، وإنما هو تماماً كإعجاب ربة المنزل الماهرة بطبقها ، وإعجاب المهندس بديكور منزله الذي أنشأه– ولكن بعدها تردد في ذهني : كم من الفاتنات اللاتي قابلت في فترة مرضي هذه ؟ كم من الفاتنات أدخلن السرور على قلبي ؟ في إحدى التعليقات على تدوينة ” صديقتي الفاتنة سارة ” ذكرتُ أن الفاتنة عندي هي التي تبذل جهدها ووقتها ونفسها لمساعدة الغير ، وعلى هذا كانت حياتي العام الماضي ملأى بالفاتنات .. خلدت إحداهن – سارة – في أحد فصول كتابي ، والباقيات لسن بأقل منها وإن لم أذكرهن .

هناك ، في ذاكرتي ، مساحات واسعة شاسعة من الفضل لأهل الفضل ، قدموه لي بعفوية وتلقائية ، إما لأنهم على هذا جُبلوا ، أو لأنهم رأوا ما لإدخال السرور على قلب المسلم من أجر ..

اليوم ، حينما تلقيت نتيجة أشعتي الأخيرة والتي أظهرت خلو عظامي بفضل الله تعالى ومنته من المرض أرسلت بهاتفي الجوال لعدد من الأشخاص الذين كانوا يبدون اهتماماً كبيراً بنتيجة الأشعة أبشرهم بفضل الله علي .. وفي خلال عشر دقائق تلقيت من الرسائل النصية عدداً مماثلاً لما أرسلته وفوقها بعض المكالمات كلها تهنئ وتبرّك وتدعو الله بإسباغ النعمة عليّ وعلى ذريتي ، ومنهن من بكت من الفرح ، ومنهن من بشرت أهلها ، ومنهم من رتب لي ولائم .. وأنا بين هذا وذاك ، تغرورق عيني بالدموع امتناناً لهذا السيل الجارف من المشاعر الجميلة والعواطف الفياضة ..

عندها فكرت .. لابد من تدوينة شكر ، أشكر لكل هؤلاء الناس فضلهم ودفء مشاعرهم التي غمروني بها في أوقات كانت  أسناني تصطك فيها من شدة برد الظروف المحيطة آنذاك ، وكنت أشكو جدب القلب من الأمل أحياناً ، ومن ضيق الإحساس بالوحدة أحياناً أخرى .. فكانت مشاعرهم تمسح بيدها الحانية على قلبي الضعيف فيقوى بإذن الله عندما يعرف أن هناك ، في هذا العالم ، ما تزال مجموعة كبيرة من الناس تستحق أن تعيش لأجلها ، وأن تكافح المرض لأنها تقف وراءك وتشجعك وتبث في قلبك التفاؤل والمحبة .

هناك فايزة التي كانت تدعو ابنتي لطيفة عندها – لما غبت عنها لتلقي جلسات الكيماوي – تمسح على رأسها وتحتفي بها وتداعبها في وقت كانت فيه لطيفة تشكو من حالة ( ما عندك أحد ) !! أي جميل حمّلته فايزة ظهري بفعلها هذا ؟ هي تنعم بعيش هانئ بأخلاقها الجميلة ( الله يبارك لها ) وأنا أحيا تحت وطأة هذا الجميل الذي أسأل الله الكريم أن يجزيها عني خير الجزاء .

ونادية .. مرة ثانية ؟ نعم ثانية وثالثة وعاشرة وألف .. ألم أقل أنها وأهلها هم أهلي في المدينة ؟ تخجلني بإطرائها وثنائها علي ، تخجلني بتواضعها وخدمتها لي ، وتفانيها في إشعاري بالأهمية .. مرة أخرى أقول – وهذا للفائدة – كم من الخير تفعل لو أدخلت السرور على قلوب الناس ، وبالذات مريض السرطان ، الذي لا يفتأ يشعر بثقله على أحبابه والمجتمع ، وكثير منهم يشعر بالتعاسة وقرب انتهاء الحياة ، فتكون الكلمة الحسنة والمعاملة الجميلة والهدية الصغيرة والدعوة البسيطة غير المتكلفة مع جمع من الأصدقاء من أكثر الأمور المشعرة بأهمية هذا المريض والمنشطة لاستعادته زمام نفسه اليائسة مرة أخرى بإذن الله .

مروة .. بكرمها وحسن ضيافتها ، وإصرارها الدائم على زيارتها وحسن ظنها بي ..

ما عساي أن ( أحس فيه ) وهي تقول بلهجتها السورية المحببة ( أنت يا هناء حتة من ألبي ، الي بيألمك بيألمني ) .. أرسلتها لي رسالة نصية في تلك الليلة التي علمَت فيها بخبر مرضي ، ولم تجد الشجاعة الكافية لمواجهتي بما علمت ، لعلها إذ فعلت لفتحت عليّ وعليها سيولاً من الدموع .. صبرتني على بلائي وذكرتني بماضيّ القريب الذي كنت أطلب فيه العلم وأربي أولادي عليه .. أشعرتني أن هذا البلاء الذي أصابني كان نعمة من الله يريد بها تعالى أن يتمّ بها عليّ باقي نعمه بتكفيره للسيئات وبرفعه للدرجات .

بعض بنات منتداي الحبيب في سؤالهن عني واهتمامهن بأمر نتيجتي ، ثم استعمال ألفاظ صغيرة شديدة العذوبة وقوية في الإفصاح عما في القلب : ملح التجمع ، روح التجمع ، قلب التجمع .. فيزهو قلبي ويختال  أن هؤلاء – بفضل الله – يحببنني ..

بدرية التي أعطتني في أول مرضي زجاجة كبيرة من زيت السمسم المقروء عليه ، لينا التي لم تنسني من طيب طعامها ورقيتها لي في أيام الكيماوي العصيبة ، لمياء التي كانت تعرض علي سائقها إذا ما احتجته بأريحية تُغبط عليها ، أهلي المحبون الذين تتهاوى أمامهم كل صور الحب والوفاء ..

كل هذه الأمور تثير في نفسي – إذا ما أمعنت فيها التفكير – عجباً كبيراً من هذه النفس البشرية التي تحب الاهتمام ، وتسقي أرضها المزهرة المشاعر الإيجابية .. كاذب من يدعي أنه لا يهتم بحب الناس أو ثناؤهم ، وحزين من يرفض هذا الحب والاهتمام ، وبخيل من يضن بإظهارهما ..

علمتني كل هذه الصور وأمثالها أن أخرج من ( وضعية أبي الهول ) المغرقة في الصمت ، وأبدأ في التفاعل مع الناس ، فقط لأدخل السرور على قلوبهم ،كما أدخل كل هؤلاء الرائعين على قلبي السرور وأشعروني بالبهجة والمتاع .. أشكر من يستحق الشكر ، وأثني على من يسعده الثناء – وكلنا ذاك الرجل – وأحيي الأمل في قلب الكسير بكلمات نابعة من القلب ..

كلنا نحتاج إلى إغداق الكثير من المشاعر الجميلة لنستلمها في يوم من الأيام ، في وقت قد نكون فيه بأمس الحاجة إليها .. والجميل في الأمر أن هذا أمر لا يكلف الكثير من الجهد أو الوقت أو المال .. فقط ، أخرج عن صمتك وأطلق لمشاعرك العنان ، و-صدقني- هي التي ستقودك إلى الطريق الصحيح ..

 

Read Full Post »

أيامي القليلة الماضية مروج من العطاء ، خضراء  ، عطرة ، اغترفتها من بحور كرم نادية وأهلها .. أعجب لهذا الرزق الذي يمن الله به على بعض عباده ، إذ يعينهم على إدخال السرور في قلوب غيرهم .. وكيف لا يكون رزقاً والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال : ” أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ” حسنه الألباني .

اليوم كان اجتماعي معهم في مزرعتهم ، ومعنا صديقات حبيبات كذلك.. تناولنا إفطاراً هو أشبه بالغداء ، في جلسة حميمة أضفت على قلبي الكثير من السعادة والحبور .. كنت أنظر بعيني ويسرح فكري بعيداً .. في أمور شتى .. فكرت في نعم الله على العبد ، وكيف أننا مقصرين في شكر النعمة .. هذه الجلسة اللطيفة في البستان الأخضر ، مع أصدقاء أعزاء ، أليست من النعيم ؟ ساعات قضيتها في قمة الاستمتاع أتقلب في ضيافة هؤلاء الأكارم ، هديل تضيفني ، ونادية تخدمني ، وأبلة فايزة ( والدتهما ) تشعرني بالأهمية والتعظيم لكل كلمة أقولها وكأني شيخة مشائخ المدينة .. كل ذلك يصدر منهن بتلقائية وبساطة ، لعلهن دون أن يشعرن بمدى السرور الذي أحدثنه في نفسي .. دائماً أقول : الغريب والمريض يحتاج دائماً إلى اهتمام الغير ، وأنا كلاهما .. تفكرت في نعمة الله عليهن يهذا الكرم وتلك الأريحية ، وتفكرت في نعمة الله علي بصداقتي لهن .

لماذا يعجز الكثير من الناس عن إظهار مشاعرهم الإيجابية مع أن ذلك لا يكلفهم شيئاً كثيراً .. لماذا  يحجم الكثير من الناس عن إبداء هذه المشاعر إلا إذا رجوا من وراء ذلك مصلحة ما .. ألا تكفيهم السعادة التي يرونها في عين الطرف الآخر .. هل تحجرت قلوبهم عن ممارسة مثل هذا النوع من الفرح بإدخال السرور على قلوب الغير . كم منا من انعقد لسانه عن قول الجميل من الكلام سواء كان ثناء أو شكراً أو مجاملة صادقة ، حارماً بذلك نفسه وغيره لذة المشاعر الإيجابية إما خشية الاتهام بالعين أو الحسد ، أو لمجرد الكسل الخالص وجمود المشاعر وأنانية اللسان .

ماذا سأخسر لو شكرت رئيسة اللجنة المراقبة في اليوم الأخير من امتحانات الدورة التأهيلية للطفها وتواضعها وابتسامتها المريحة ؟ ماذا سأخسر لو رأيت إحدى صديقاتي في زيارة وقد تزينت فأحسنت فأخبرها كم تبدو جميلة . ماذا سأخسر لوحملت لصديقتي هدية صغيرة أذكرها بها كم أنا أحبها ومعتزة بصداقتها ، قد  لا تتجاوز العشرة ريالات ، ولكن الشعور بأن هذا الشخص تذكرني في وقت ما هو في الحقيقة شعور رائع . للأسف ، شحيحون نحن في أشياء كثيرة ليس أعظمها المال .

فكرت في نعمة الله علي باستطعام الطعام .. لا أنسى كيف كنت في أيام الكيماوي مثل هذا الوقت تماماً في العام الماضي .. كنت أتمثل قول المتنبي : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا !! وأعجب من هذه الدقة في اختيار الألفاظ .. فعلاً .. كنت أجد المرارة في الماء العذب النمير .. مرارة كانت تحول بيني وبين تناول الطعام والشراب أحياناً .. أنظر إلى الصنوف المتنوعة مما لذ وطاب ، وتشتهيه نفسي غاية الاشتهاء ، وأملأ ناظري بهذا المنظر الجميل ، حتى إذا ما ذقت منه لقمة واحدة احتجت عليّ براعم التذوق بشدة رافضة بكل عناد تلقي المزيد .. فيرتد إلي طرفي خاسئاً وهو حسير !! وأظل متحسرة على كل هذا الطعام الذي فاتني ( خاصة لو كنت مدعوة ) ، ومتعجبة في الوقت ذاته : سبحان الله ! كأنه أمر مفروغ منه أن  نجد للطعام طعماً ..أمرلا نقاش فيه ولا جدل ، فإذا غاب عنا هذا الطعم أو حُرمنا لذته شعرنا وكأنما منعنا الله حقاً من حقوقنا .. كم مرة حمدنا الله وأثنينا عليه لهذه النعمة التي أولاناها ؟نعم ، نحن نحمد الله تعالى على أن رزقنا الطعام ، لكن هل حمدناه على أن وجدنا لهذا الطعام مذاقاً سائغاً واستمتعنا بطيب طعمه ؟

فكرت في نعمة الروتين .. في هذه الجلسة تناقل الحاضرون قصص المحتجزين في سيول جدة .. وكالعادة طار ذهني بعيداً ليتخيل موقف هؤلاء المحتجزين والمتضررين .. لعل إحداهن كانت ساخطة على بيتها ذي الجدار المتشقق والدهان المتقشر ، خجلة من استقبال صويحباتها فيه ، فماذا حل بالدار ؟ لعل أحدهم كان يشتكي من الملل لأن اليوم مثل البارحة ومثلهما الغد ، فإذا هو (غارق )اليوم في (إثارة)  شديدة ، محتجزاً في سيارة يهددها جرف السيول . لعل مراهقاً كان يتأفف من هذه الشمس القوية ، ويتسخط من جونا الصحراوي ، فإذا به يرى المطر الباريسي البديع وهو يعانق طرقاً  وأنفاق لا تليق إلا بهجر وواحات لا مدينة كانت تنعت يوماً – زوراً – بعروس البحر الأحمر .

كم منا من يشكر نعم الله ، هذه الصغيرة التي اعتادها المرء ؟ النوم حينما تقرر أن تنام ، قضاء الحاجة بدون أدوية ، أن يدخل عليك أبناؤك سليمين معافين في الواحدة والنصف ظهراً في أيام الدراسة  لأن هذا موعد رجوعهم اليومي ، أن تغلق عليك بابك لاتخاف إلا الله والقط الذي يتمشى على جدار المنزل ..

هل أدينا شكر الوالدين ببرهما ؟ هل أدينا شكر الأصدقاء المحبين بالدعاء لهم ؟ هل أدينا شكر تذكير الله لنا بالإحسان بالمزيد من الإحسان لأنفسنا وللخلق ؟

كيف شكرنا نعمة الانترنت .. بالمقاطع المحرمة ؟ كيف شكرنا نعمة الحاجبين ( واسألوا مريضات السرطان عن هذه النعمة بالذات ).. بالنمص ؟ كيف شكرنا نعمة الغنى .. بغمط الناس ؟ كيف شكرنا نعمة الجمال .. بإبدائه لمن لا يحل لهم رؤيته ؟

إنا لله .. شرنا إلى الله صاعد ، وفضله إلينا نازل ..نستغفر الله من الزلل والخطل ، ومن سوء القول والعمل .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب ربي وترضى على كل شيء ؛ على نبضات القلب بتوحيدك وعلى أن كنت أنت لي رباً ..على نعمة الحواس السليمة ، ومظاهر الجمال من حولي والتي طالما غفلت عن وجودها  في حياتي .. على حرارة أنفاس أولادي تخالط شغاف فؤادي ، على بركة وجود أمي في حياتي .. وعلى وعلى وعلى ….وعلى أن جعلت نادية وأهلها  لي أهلاً !!

Read Full Post »

البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟

الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟

أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..

 ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .

أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..

أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .

حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .

بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة  ، وقد علته حمرة بسيطة.

 أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..

 ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟

صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
 فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .

قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد  والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..

تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .

انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .

أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .

Read Full Post »

هذه التدوينة عبارة عن أحد فصول كتابي الذي سيصدر قريباً بإذن الله  واسمه : الحياة الجديدة ، أيامي مع سرطان الثدي  .. وقد اخترت لكم هذا الفصل ، لأني أحبه كثيراً ، وعشت أحداثه بسعادة لذيذة .. أرجو أن تستمتعوا بقراءته كما استمتعت أنا بأحداثه .

دخلت العشر الأواخر ، وفكرة الإفطار في الحرم تلح علي منذ عشرة أعوام ، إلا أن ظروفي مع أولادي لم تكن تسمح لي بذلك ، فهم لا يرغبون بتناول الإفطار في الحرم ، وأنا لا أحبذ فكرة تناول الوجبة الرئيسية خارج المنزل، بعيداً عن أفراد العائلة .

الآن ، أنا وحدي .. أولادي صاروا يتناولون طعام الإفطار في الحرم مع ( السفرة ) ..

أتراني أستطيع أن أفطر في الحرم ؟ كنت كلما أنتظر أذان المغرب أمام شاشة التلفاز ، وأشاهد الجموع الغفيرة وهي تتناول إفطارها في تكافل وود ، وكلٌ يدعو الآخر لمشاركته ( الشريك ) أو ( الحيسة ) ، ويصبون القهوة لبعضهم البعض ، وأمام كل واحد منهم علبة اللبن الزبادي ، ينثر عليها ( الدقة ) ويقلبها بالملعقة ثم يتناولها بتلذذ ،  تهفو نفسي لمشاركتهم هذا الجو الرحيم..

كل يوم كنت أقول : الله .. نفسي أفطر في الحرم .

 وكل يوم كان خالد يقول : أوديكي بكرة ..

وكل يوم كنت أتراجع عن الفكرة لعدم رغبتي في الذهاب من الساعة الخامسة لأجد مكاناً .. لم يكن بمقدوري أن أجلس على هيئة واحدة لأكثر من نصف ساعة .. كما تعلمون .. رجلي اليمنى تؤلمني جداً..

لكن لما دخلت العشر الأواخر ، وازداد غياب أولادي بسبب ( السفرة ) و التهجد ، فكرت جدياً هذه المرة ..

حادثت صديقتي سارة .. وأخبرتها برغبتي .. فتواعدنا ليلة الثالث والعشرين في مكان معين تفطر فيه مع بعض معارفها.

ويبدو أن خطئي الأكبر كان خروجي من البيت في السادسة إلا ربعاً .. لما وصلنا إلى الحرم ، كانت مواقف السيارات السفلية قد أُغلقت لامتلائها ، والشوارع مزدحمة بالناس وهم يتجهون إلى الحرم ومعهم في أيديهم زواداتهم ..

كان خالد يبحث جاهداً عن مدخل من هنا وهناك يقربنا إلى الحرم حتى لا أضطر إلى المشي لمسافة طويلة، وأنا أراقب الناس ، مبهورة ، تتلاحق أنفاسي من الإثارة ..

 أخيراً بعد انتظار طال سأفطر في الحرم . حيثما نظرت كانت الجموع الغفيرة تتجه إلى وجهة واحدة .. مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بأيديهم زجاجات الماء ، أو صناديق التمور، أو بضع حبات من ( الشريك ) .

ولكننا لا نكاد نجد طريقاً .. فهاتفت سارة وأخبرتها أن الشوارع مزدحمة جداً ، وقد لا أتمكن من الوصول، إلا أنها توسلت إلي .. نعم هكذا حرفياً ، توسلت إلي أن أحاول جاهدة الاقتراب قدر الإمكان وأخذت تدعو لي أن أجد  منفذاً ، فكان إلحاحها عليّ بالمجيء دافعاً لأن أطلب من خالد المزيد من المحاولات ..

 كان خالد يرفض أن أنزل بعيداً رفضاً تاماً لعلمه بسرعة تعبي ، ولشدة الازدحام في هذه المنطقة، فكان يخشى علي من التعب ، ومن العدوى .

( خلاص ، أنزلي هنا يا أمي ، هذا أكثر ما أستطيعه )  بهذه الكلمات أيقظني خالد من شرود ذهني  .. نظرت ، فوجدت أننا نقف عند الباب الخلفي لإحدى الفنادق التي تطل على الحرم . نزلت بسرعة وعبرت من الباب الخلفي للباب الأمامي ، حيث  الساحة .. وأمامي الحرم !!

يا الله ، كم أحب الحرم .. كلما أمر به تهفو نفسي إليه ، وأقول : آآآه ، وحشني الحرم ..

أخيراً أنا هنا ؟ بعد غياب قرابة السبعة أشهر قبل  أول جلسة كيماوي ..

أحقاً أنا هنا لأفطر في الحرم .. أخيراً !!

الناس كنحل في خلية .. الساحة تغص بالصائمين وقد افترشوا السفر بانتظار الأذان .. رائحة رز ولحم تنبعث من زاوية، وفي أخرى رائحة ( الشريك) تسيل اللعاب ..

أين أنت يا سارة ؟ اتصلت عليها فحددت لي مكان اللقاء أمام بوابة قسم النساء بدون الأطفال..

شققت طريقي لها بين الزحام حتى إذا ما وجدتها ، كان علينا أن نشق طريقاً آخر لنصل إلى مكان سفرتها والتي كانت في أول صف في هذا المربع ، وفي أقصى اليمين ..

نظرت فإذا المكان ممتلئ لآخره .. وكما نقول ( ممتلئ حتى عينه ).. ولو شئت لقلت ( حتى شعره)..كيف يا سارة بالله عليك تريدينا أن نصل إلى هناك ؟

ولكن بالإرادة والتصميم نفعل المستحيل .. صارت تمشي تقودني وأنا أمشي وراءها ألهث .. تعبت من المشي .. وأحياناً أغطي أنفي وفمي باللثام ، وأحياناً أخرى أرفعه لأنه يكتم أنفاسي ، وذهني يحاول أن يبحث بين خلايا مخي التي صدئت بفعل الكيمو عن حديث ينهى عن تخطي الرقاب .. أكان الحديث في النهي عن تخطي الرقاب أثناء الصلاة أو تخطيها مطلقاً ؟

أحسست الآن بشعور طرزان ، فذاك كان يتنقل من شجرة إلى شجرة ، وأنا كنت أتبع سارة وأعبر السُفَر ، لم يكن مشياً في الواقع، كان يشبه القفز والمشي على الحبل .. أتخطى الرقاب وأحاول تفادي المشي على السفر التي يضع الناس عليها طعامهم ، أقف على رجل واحدة ، وأمد الثانية لأبعد ما أستطيعه في الجهة الأخرى من السفرة المعترضة ، وقد أفقد التوازن وأضطر إلى الاتكاء على إحدى النساء ..  ندوس على أقدام البعض أحياناً ، وتصطدم أرجلنا ببعض الكؤوس أو صحون التمر فنقلبها أحياناً أخرى ، وأنا بين هذا وذاك لا أزال أردد : أوه أنا آسفة ، سامحوني ، طريق لو سمحتوا ، شوية شوية ..

وفي منتصف الطريق التفتت لي سارة وكأنها مستكشف عظيم منطلق في سبر أغوار طريق جديد يوصل إلى أرض الفردوس، فرأتني غارقة في لهاثي وأنا أحمل حقيبتي وكيساً به حذائي ..

سارة طبعاً خفيفة الوزن ، وأنا ما شاء الله جيدة !! ومعي حمل لا بأس به في يدي .. فمدت يدها والتقطت مني حملي غير مبالية ياحتجاجي ، وقالت لي مشفقة من العدوى : ” وددت يا هناء لو تلثمت”.. وأكملت سيرها حتى وصلنا أخيراً إلى المكان المنشود ، في أول صف في هذا المربع .

أجلستني سارة على كرسيها الوثير حتى ألتقط أنفاسي وأخذت تعد الإفطار وتعرف صديقاتها علي بقولها : هذه هناء صديقتي ، وهي تفطر في الحرم لأول مرة ..فرحبن بي بحرارة وكلٌ تسارع لعرض ما عندها من طعام ، وسارة تقول : (نفك ريقنا أولاً ، ثم نأكل ) ..

قدمت لي ثلاث تمرات من عجوة المدينة الفاخرة ، وصبت لي كأس زمزم ( مبخّر ) من ثلاجتها، وجلسنا ندعو بعد أداء تحية المسجد ..

أذن المؤذن ونظرت سريعاً خلفي ، لأرى الجموع الغفيرة منهمكة في تناول الإفطار .. يا الله .. كم أحب هذا المنظر .. المنظر الذي كان دوماً يشدني ، ها أنا فيه الآن .. يا فرحتي !!

أرى في سفرتي الأخوات وهن يصببن ماء زمزم من الثلاجات لبعضهن البعض ،  ثم القهوة من الدلال التي أتوا بها من المنزل ، في جو غاية في الروعة والبهاء .. وبين الحين والآخر تأتي امرأة أو فتاة من السفرة المجاورة تطلب ماء مثلجاً، أو تمراً معيناً والأخوات يبذلن ذلك بكل فرح وسرور..

أنظر وأتعجب .. لو كانت هذه أخلاقنا خارج الحرم وخارج رمضان ، هل بقي مسكين أو فقير ؟

أقيمت الصلاة .. كان المسجد في لغط كبير ، إذ لا زال بعض الناس يأكلون ، ومنهم من كان ينظف منطقته من الفتات والعلب والكؤوس البلاستيكية ، فلما قرأ الإمام الفاتحة ، خفتت الأصوات بسرعة ملحوظة حتى لم  تعد تسمع إلا صوت سعلة هنا أو بكاء طفل هناك ..

ولما أمّن الناس ، شعرت بالمسجد يرتج بالتأمين بهدير يبعث القشعريرة في النفس .

سبحان الله ، ما  أعظم الصلاة في تعليمها المسلم النظام .. لكن المشكلة لا تكمن في الشعائر وإنما تكمن في النفوس  التي تعجب من تناقضها .. فحين تراها غاية في التنظيم والترتيب في الصلاة ، تجدها هي هي غاية في الإهمال و الفوضى خارجها .

انتهت الصلاة ، ومدت السفر ثانية لتناول الطعام .

حسناً ، لم يكن طعاماً بالطريقة التي قد تخطر في بالك .. لم تكن ثمّ شوربة وسمبوسة ولقيمات وعصير توت ، فهذه إن شئتها تجدها بالخارج .. في الساحة .. هناك مع الرز واللحوم والدجاج..

 لكن هنا لم يكن إلا الشريك والفتوت واللبن الزبادي و الدقة . يرشون الدقة فوق اللبن الزبادي ثم يقلّبونها ويتناولونها إما بالملعقة ، أو بالشريك .

قالت سارة : ” تمكنت من إدخال اللبن الذي تحبينه لك ” .. وأخرجت من حقيبتها زجاجة لبن متوسطة ، وأردفت : “خسارة ، كنت أود أن أجد اللبن المنزوع الدسم أو قليله ..كادت المفتشة التي عند الباب أن تأخذه مني ورفضت إدخاله في البداية ، لكني أخبرتها أن اللبن لصديقتي وهي مريضة ، وأن هذه أول مرة تفطر في الحرم ، فسمحت لي ” وضحكت ..

 ثم أخرجت صحناً بلاستيكياً مغلفاً فيه جبن القشقوان الأثيرة لدي ، وقالت :”  الحمد لله أنها لم تلحظ الجبن ” .. وتناولت قطعة كبيرة من الفتوت ، قطعتها من المنتصف وحشتها بالجبن ونثرت عليها بسخاء من الدقة التي صنعتها والدتها وناولتني إياها ..

كم أسرتني سارة بمعروفها .. مثل سارة يُخدم .. فهي حاصلة على السند في القرآن الكريم من الشيخ إبراهيم الأخضر أحد أئمة الحرم النبوي القدماء ، وعندها خمس قراءات.. وكثير من النساء يقصدنها ليقرأن عليها بعضاً من الآيات فتصحح لهن قراءتهن .. كما أنها من عائلة عريقة وثرية ، فمثلها في الحقيقة يُخدم.. وها هي الآن ، تؤثرني بمقعدها المريح وتجلس على الأرض أو على كرسي صغير ،  وتصنع لي طعامي ، وتناولني ما أحتاج من قبل أن أطلبه ، تقرأ نظراتي ، وتخمن ما أريد ..

وأنا غارقة في خجلي منها . لا أحب أن أضايق أحداً بأن آخذ مكانه أو طعامه أو أتعبه معي ، ولكنها فعلت كل هذه الأمور ببساطة شديدة وعفوية محببة ، جعلتني أهتف أخيراً : سارة .. سأكتب اسمك في كتابي .. فضحكت، وقالت : إذن أكتبي ( ذهبت إلى الحرم مع صديقتي  الفاتنة سارة ) !!

Read Full Post »

أحببت أن أشارككم إحساسي الغريب هذا ..

منذ أن أصبت بالسرطان واضطررت إلى زيارة المستشفى كثيراً ، صرت أكثرمن سماع لفظة ” يا خالة ” تقال لي . أحياناً من أناس أجزم أنهم يكبرونني سناً ، ولكن انحناءة الظهر بعد الكيماوي ، والعباءة التي على الرأس ، وتوكئي على خالد ، كل أولئك كان يقول للناس : ( سيبوكم منها ) .. انها خالة فعلاً ،.

لم يكن يشفع لي الكتاب الانجليزي الذي  يطل من حقيبتي ، ولا لكنتي الأمريكية التي استعملتها مع الممرضات  بإيعاز من عقلي الباطن لإبهارهن ولدفع صفة ( الخالة ) عن نفسي ، ولا فائدة  ، فقد برمجن أنفسهن على الرد بعربية مهشمة  .

أنا خالة ؟ الله يهديكم .. الآن علمت أن جل الطرائف التي خرجت تسخر من كراهية المرأة لمعرفة عمرها – كانت حقيقية . وأنا التي كنت أحسب نفسي ( غير ) !!

اذكر أني دخلت مرة على طبيب شاب ينوب طبيبي الأصلي، أعتقد أنه يكبر خالدي بثلاث سنوات أو أربع ، ما أن جلست حتى بادرني فقال : خير يا أختي ،..

هممت بالفرح ، ولكنه وأد هذا الشعور في نفسي لما لمح هيئتي الخارجية ( الخاليّة ) فقال مستدركاً : يا خالة ..

تنهدت في سري ، وقلت : آه ، يا فرحة ما تمت !

سألني وأجبته ، ثم بدأ يتبسط في الحديث معي بعض الشيء ، ثم تبسط معي أكثر ، ثم قال : يا خالة هناء أبغى منك طلب .. ثم تحدث ، وقال : أصل المسألة يا خالة هناء ، وياخالة هناء ويا خالة هناء، حتى كدت أقول له : أبشر يا ولدي يا حبيبي !!!

ما هؤلاء البشر ؟

أنا خالة ؟

لولا أني لا أحب الكلمة لقلت له ( خلخل ضروسك )!

خرج الطبيب لاستشارة الطبيب الأصلي ، فقلت باستنكار لسهل الذي كان مرافقي : أنا خالة؟

لا ، وخالة هناء ؟ كأنه ابن أختي !!

فقال : لابد أنه استغرب من اسمك .. ماهذه الخالة التي اسمها هناء ؟ هو معتاد على خالة فاطمة مثلاً أو خالة صالحة ، لكن خالة هناء ، أنا أقولها لك أنها غريبة ..

جلست أفكر ، أهي غريبة فعلاً ؟ لا أعتقد أن والدته من فئة لمار وراما ومايا ، لكن بإمكانها أن تكون من فئة رشا وسلوى وسهى .. إذاً هناء ليست شديدة الغرابة !

المضحك في الأمر هو شعوري بأني لست خالة ..

نعم ، أنا أرى بوضوح الشعر الأبيض الذي كسا رأسي ، كما أرى انحناءة الظهر الخفيفة – حتى بعد انتهاء الكيماوي –  وأشعر بآلام المفاصل التي تدفعني إلى العرج الخفيف كلما قمت من جلسة طويلة ، ولكني على الرغم من هذا لا أشعر بأني أستحق أن أكون خالة .

 همممم .. ممكن أبلة ..

لا زلت أشعر أني صغيرة ، نفسها تلك الفتاة ذات الضفائر التي تلعب الكرة الطائرة في مدرستها دار الحنان ..

الفتاة ذات القيد المياس ( مع أني الآن في الحقيقة أبعد الناس عن هذا الوصف ) ، والمواهب المتعددة .

أشعر أني صغيرة لدرجة أني منذ خمس سنوات قابلت امرأة عند إحدى صديقاتي : تجلس على الأرض متربعة ، وقيامها صعب ، وسمينة نوعاً ما ، وترتدي الطرحة  ، وسنّاها الأماميتان مفلجتان ..

 سألتني عن حالي ، فقلت لها : الحمد لله يا خالة ، وكيفك انت ؟

لا بد أنها كانت ستصاب بالجلطة لما سمعتني أخاطبها بالكلمة المكروهة ..

في الحقيقة أني أنا من كنت سأصاب بالجلطة لما رأيت ابنتها الكبرى تناولها طفلاً صغيراً لم يتجاوز السنتين عرفت فيما بعد أنه ولدها ..

نعم .. ولد الخالة !!

شهقت في نفسي من الخجل .. هذه المرأة لا تكبرني بأكثر من عشر سنوات ، ثم أنا ( أخلخلها ) ؟

ما الذي حملني على الاعتقاد أنني لا أكبر وكل الناس يكبرون ؟

لماذا يتوقف الزمان عندي عند نقطة الشباب والصحة الريانة والقوام الممشوق والشعر الأسود ، فأفترض أن أم عبد العزيز وأم عبد الله خالات ، في حين أن أم خالد شابة ، لكن كنيتها كبرتها !! لماذا أعتقدني ( إن صح التعبير ) لازلت أعيش في المرحلة الخضراء ، في حين أني دخلت حقيقة في المرحلة البرتقالية ، خاصة مع مرضي الذي يسرع بي الخطا للمرحلة الصفراء والتي تسبق الفناء ؟

في الحقيقة أحاول أن أكون واقعية ، أعي حقيقة أمري دون إغراق في تفاؤل يخرج الذهن عن دائرة الواقع والحقيقة الضروريتين للتصرف الصحيح .

متشائمة ؟

لا ، بفضل الله ورحمته ..

كيف يتشاءم من يظل يتذوق حلاوة لطف الله وحكمته في كل حياته ؟

حين أمرض تأتيني ألطاف الله ببر أولادي وحب أهلي وصديقاتي ، والدواء النافع بإذن الله ، وفوق هذا وذاك لطفه تعالى بي أن لا يزال يريني مواطن لطفه ، ولم يتركني لنفسي وشيطاني يخبطانني في سوء الظن به سبحانه ، أو في يأس وقنوط من رحمته ..

 لن يعود الشباب إلا في الجنة ..

وحتى ذلك الحين فلأقنع بلفظة خالة !!

Read Full Post »

هذه قصة استوحيتها من مشهد وقع أمامي أيام جلسات الإشعاعي .. لأم وابنتها الكبيرة .. كبيرة حقاً ولعل هذا ما كان يؤلم :

 

اليوم موعدي لأخذ العلاج الإشعاعي .. منذ أن أصبت بسرطان القولون وأنا أتخبط تحت وطأة العلاجات ؛ عمليات ، كيماوي ، إشعاعي ، أدوية  ..

يا رب ، ارحمني ، فقد أنهكت كل هذه العلاجات  جسدي الواهن ..

ولكن ، أين من كل هذا ما يعانيه قلبي .. الآن.. صرت أشغل أبنائي وبناتي معي .. خمسة أيام من كل أسبوع ، لخمسة أسابيع متواصلة .. أحدهم يوصلني إلى المستشفى ، والأخرى تدخل معي وتنتظرني بالخارج إلى أن أكمل الجلسة ..

كم هو ممض الألم الذي أجد في قلبي حين أستحوذ على وقت أولادي وأفكارهم .. لا أريد أن أشغلهم .. عندهم من المشاغل والهموم ما يكفي لتأريقهم ..

 أرى التأفف يتقافز بشغب من عيني ابنتي الكبرى إحسان ، وهي تطقطق بجوالها تلعب أو تكتب رسالة ، في حين أحدثها أنا عن مخاوفي من التأخير عن الموعد أو أن لا تكون “بدور” فنية الإشعاعي اللطيفة في دوامها .. أسألها عن حال ابنتها العروس التي أصيبت مؤخراً بالانفلونزا  ، فتغمغم بشيء لم يتبينه سمعي الثقيل ، فإذا عاودت سؤالها أجابتني : أففف ،  كويسة يا أمي ، كويسة !!

أصمت .. مسكينة .. قلبها على ابنتها يتمزق .. لهذا أجد صوتها جافاً معي  .. لهذا أجدها نافذة الصبر وهي تقودني على مقعدي المتحرك إلى غرفة العلاج .. لهذا أجدها تنهرني أحياناً إذا ما أكثرت عليها طلب الجلوس لترتاح ، لهذا أجدها متلهفة للرجوع إلى البيت فلا يكاد السائق ينزلني في بيتي حتى تحثه بسرعة على الانطلاق إلى بيتها .

مسكينة .. أنا أقدر ظرفها ، فمواعيد جلساتي في الثالثة عصراً .. وقت رجوع الأولاد من المدارس ، ووقت الغداء ، ووقت الراحة والقيلولة ..جزاها الله خيراً !! تتعب كثيراً إحسان من أجلي !!  يالله ، اجزها خيراً على إحسانها لي !!

لكن لا أدري ما سر هذه الخيالات التي أضحت تراودني .

 كلما أسمع نبرة غريبة في صوت إحسان لا أفهمها ( يبدو أنها نبرة الحزن على ابنتها العروس ) تتداعى إلى ذهني صور باهتة .. قديمة .. بالأبيض والأسود هي ، وبعضها مقطعة الأطراف .. تفوح منها رائحة القدم ، ولكنها بحق رائحة زكية ، عذبة .. فيها حب وعواطف ومشاعر جياشة .. رائحة تغمر قلبي بالسكينة والجمال ..

 إحسان وهي صغيرة .. تحبو كالحمل الصغير ، حلوة المحيا ، بسن واحدة ، تغري من يراها أن يلثمها .. تقترب مني ثم تقع على وجهها عند قدمي فتبكي ، فيكاد قلبي لها أن يطير .. أحملها وأشمها وأعتنقها وأقبلها ..

إحسان وهي مراهقة .. أنظر إليها وقد رهقتها تغيرات الهرمونات .. عصبية ، سريعة الثورة ، وسريعة الرضا والصفح .. كثيرة شرود الذهن ، حالمة .. ووحيدة .. يتألم قلبي لها ، ولكني سرعان ما أعود وأقنع نفسي أنها تغيرات مؤقتة كسحابة صيف لن تلبث وتنقشع .

إحسان وهي عروس .. جميلة في ثوبها الأبيض الذي بعت بعضاً من ذهبي لأبتاعه لها .. لترضى .. قلبي يبكي وشفتاي تضحكان وأنا أزفها لزوجها تحت أنوار كاميرات التصوير وأنظار الفضوليات من المدعوات . أخشى عليها العين ، ولؤم الحماة ، وقسوة الزوج ، ووطأة الحياة ، وفراقها عني .

وهاهي الآن ، بعد أن صارت أماً لعروس ، عانت من نفس ما عانيت .. هي الآن ابنتي الكبرى ، ترافقني لجلسات الإشعاعي ، خمسة أيام من كل أسبوع لخمسة أسابيع متصلة .. تركت زوجها وأولادها والغداء والراحة بعد يوم عمل مرهق في إدارة مدرسة ثانوية ، تركته لتصحبني إلى المستشفى ..

يبدو أن ذهنها مشغول بابنتها .. فقد غضبت الأسبوع الماضي لما ألححت عليها أن تعطي ورقة الموعد ” للسستر ” في مكتب الاستقبال خشية ضياع الموعد ، ونهرتني البارحة لما ألححت عليها أن تجلس لتريح قدميها المصابتين بالدوالي ، وكل يوم تمر علي لا تكاد تضحك في وجهي إلا لماماً !

رب أرح قلبها كما تريحني ! واشف ابنتها لتستعيد إحسان ضحكتها الصافية !

Read Full Post »

« Newer Posts