Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘الأمل’

قبل أيام فاجأني أولادي بدعوة على العشاء في إحدى مطاعم المدينة حيث احتفلوا بمرور سنة كاملة على استئصال الورم السرطاني الذي ضربني في صدري .

كعادتي ، لا أتفاعل مع الحدث بشكل كامل للوهلة الأولى ، وإنما أعيش من الحدث – فرحته أو تعاسته – لحظات ثم أخزنه في أرفف الذاكرة ليتم ارتشافه على مهل فيما بعد ، والتلذذ بحلاوته أو مرارته ..

سنة مرت منذ إجراء العملية ؟ سبحان الله وكأنها شهور قليلة ..

الحدث كان قريباً جداً حتى كأني لا أزال أشم رائحة المستشفى وأعيش أحداث الحكاية .

جلست أتأمل ، ومن هنا كانت هذه التدوينة ..

قبل قرابة الثلاثين سنة ، اطلعت على تقرير صحفي يحكي – موثقاً بالصور – حكاية رجل أصيب بالسرطان الذي شوه وجهه ، فأجريت له عملية تجميل ..

كان التقرير مثيراً بكل الألوان الغنية للصور ..

ولما كنت أمتلك قلماً أدبياً لا بأس به لمن كانت في مثل سني فقد دعوت الله –بخراقة تامة – أن أصاب بالسرطان ، ثم أُشفى منه ، ثم أكتب في تجربتي كتاباً أحكي فيه معاناتي !!

والآن .. وبعد مرور ثلاثين سنة أصبت بالسرطان فعلاً ، وكتبت كتاباً أحكي فيه معاناتي . وبقي الجزء الثالث من الدعاء أنتظره أن يتحقق ..

هل هذا هو ما يدعى الأمل ؟

لا أحب هذه الأسماء التي تدّعي الحكمة والرصانة ..

هناك أسماء – في نظري – أقرب إلى القلب ..

أنا أسميه إحسان ظن بالله .

حينما أكون في مأزق – مثل مرضي هذا – وأعلم يقيناً أن الله تعالى لو شاء أن لا أُشفى فلن تفلح كل العلاجات الكيماوية وجميع أنواع الاستئصال في معالجتي ، ثم أسمع وأقرأ كل آيات الترغيب بدعاء الرحيم القدير على كل شيْ ..

فإذا لم أحسن الظن به تعالى أنه سيشفيني ، فقد خبت وخسرت إذاً .

إن من أسباب كثير من تعاستنا أننا نظن بالله تعالى الظن السيء .

لا نتوقع أن تشملنا رحمات الله في أمور كثيرة كنجاح أو توفيق في عمل أو زواج ، أو رزق وغيره لأن شأننا في أعيننا لهو أقل بكثير من أن يحقق الله مرادنا ، ونغفل أن في هذا النمط من التفكير إساءة ظن بالله تعالى ، وأننا إذا كان قللنا من شأن أنفسنا ، فقد قللنا كذلك من قدر الله تعالى إذا اعتقدنا أنه يُدعى ثم لا يستجيب ، ويُرجى فلا يحقق المبتغى ، ويُتوكل عليه ثم هو يخذل من توكل عليه ، وتُظن فيه ظنون الجاهلين به وبقدره جل وعلا ..

ظنوناً نستنكف في كثير من الأحيان –كبشر – أن نلحقها ببعض البشر .. وانظر لتعلم صدق قولي التهافت على أبواب الملوك طلباً في وصلهم ، وعلى أعتاب عيادات الأطباء العظام طمعاً في شفائهم

حينما تلّقى إبراهيم عليه السلام الأمر الإلهي بترك هاجر رضي الله عنها وابنها إسماعيل عليه السلام في ذاك المكان المقفر الخالي من الناس على الحقيقة ..

في الظلام الدامس حين يحل الليل ..

امرأة وصبيها في مكان أحسن ما يقال في وصفه أنه : موحش !

حتى هو ، الرجل ، لم يكن يستطيع – تبعاً للأوامر – أن يبقى معها ليذود عنها إذا ما احتاجت له .

تركها ومضى ..

هكذا بكل بساطة ..

جرت خلفه .. تشبثت به .. تقافزت أمامه وهي تكاد تجن : يا إبراهيم ، أين تتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء ، فيمضي في طريقه ولا يلتفت إليها .

عندها تضيء نقطة ما في عقلها : آلله أمرك بهذا ؟ فيجيب أخيراً أن نعم .

فتقول وقد اطمأنت لمراد الله : إذا لا يضيعنا .

نعم .. هي آمنت به ، وعملت صالحاً ، فكيف يضيعها ؟

 ألا يكره الله تعالى مساءة عبده الصالح ؟

 فلماذا يخذلها بتركها تموت جوعاً وعطشاً ، بل وهلعاً في هذا المكان المقفر؟ أهكذا يكافئ الشكور الصالحين ؟

مشى إبراهيم عليه السلام حتى ابتعد تماماً ، ثم أنه صعد مرتفعاً وتوجه نحو البيت ، ودعا بلهفة الوالد الذي ترك قطعة من قلبه في هذ المكان : ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ،  فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ” .

كان الوادي موحشاً ليس فيه شجرة مثمرة ، والخوف قتّال .

فكيف كان الله تعالى ؟

هل كان لهم كما أراداه ؟

بل كان لهم فوق ما أراداه .. ” أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ” .. فأمنهما من خوفهما ورزقهما زمزم ، طعام طعم وشفاء سقم ، وجعلها ماء مباركة ، ثم أنه تعالى بسط الأمن على منطقة الخوف فجعلها حرماً آمناً إلى يوم القيامة لا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ، وجعل هذا الوادي الأجرد مكاناً مباركاً يجبى إليه الثمرات من مختلف بقاع العالم .

فما تنعم به مكة وما حولها من الأمن والرخاء لهو ظن إبراهيم عليه السلام وهاجر رضي الله عنها بالله تعالى .

والناظر إلى أحوال الأنبياء ، وهم أشد الناس بلاء وأحسنهم ظناً بالله ، يرى العجب في حسن ظنهم ذلك مع شدة بلائهم ، ولا أريد أن أقلب التدوينة إلى محاضرة أو درس، ولكن أحياناً نقرأ بعض القصص والآيات في أوقات تصير قلوبنا أشبه ما تكون بالشجرة الذابلة ، فتنزل عليها كالغيث وتبعث الحياة في خلاياها لتحيى من جديد .

عندما غاب يوسف عليه السلام ، الابن الأثير والحبيب إلى قلب يعقوب عليه السلام ، وطال غيابه سنين طويلة ، لم يفقد حسن الظن بالله تعالى أن يلم شمله مع ابنه ، ولم تفلح الأيام الكثيرة وتتابعها في خلخلة هذه العقيدة القوية في رب البرية . فلما بلغه خبر إيقاف ابنيه الآخرين بأمر من عزيز مصر ، تولى عنهم وقال : يا أسفى على يوسف ، فابيضت عيناه من الحزن , عندها أنكر عليه من حوله هذا التعلق ( بالأمل ) فقالوا : ” تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ” ..

كان كلام هؤلاء الناس كفيلاً بفت عضد يعقوب وفقده حسن الظن بالله تعالى ، لكن الله وعده موعدة في تلك الرؤيا التي رآها يوسف الحبيب حين كان يرتع في مرابع صباه تحت كنف والده ، وهاهو الوالد الآن ينتظر إنجاز تلك الموعدة  وحتى ذلك الحين فإنه يشكو بثه وحزنه إلى الله .

لو كان غيره ، كيف كان يكون الحال ؟

لو كنا نحن من أصيب بمصابه أكنا لا نزال نحسن الظن أنه تعالى سيستجيب دعاءنا بلم الشمل ، أو كنا نيأس ونترك العمل ؟

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلحقت بهما قريش فاختبئا ، كاد قلب أبي بكر ينفطر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تظفر به ، فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام بكل ثقة وإحسان ظن بالحي الذي لا يموت الذي يراه حين يقوم وتقلبه في الساجدين : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قالها وقريش الآن في هذه اللحظة فوق رؤوسهم تبحث عليهم ، وأبو بكر يقول : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا .

وقد وعى أبو بكر هذا الدرس .. وعلم أن الله عند ظن عبد به .

فقد روى عمر رضي الله عنه لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إلَىَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمّ مَدّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ: “اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي! اللّهُمّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ! اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ!” ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ، مَادّاً يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتّىَ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَىَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ، فَإنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ..

ماذا كانت النتيجة ؟

” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ” .

كيف أمكن لأبي بكر أن يحسن الظن بالله وهو يرى أن المسلمين في بدر كانوا 300 ضعاف جياع ، يواجهون ألفاً من الكفار بأعتادهم وأفراسهم ؟

ولكنه علم من الله مالم نفلح – بكل ما أوتينا من علم وقدرة مادية – في علمه .

إذا دعوت الله ثم تقاصرت همتك على الإلحاح بالدعاء لاستبطائك الإجابة فهذا من إساءة الظن .

إذا دعوت الله ثم تفكرت نفسك المخذلة : كيف يستجيب لي الله دعائي وأنا عاص ، فهذا من إساءة الظن بالله .

إذا أصابك البلاء أياً كان نوعه ، فأحسن الظن بالله ، واعلم أنه تعالى قادر أن يكشف ضرك أو يجلب لك ما ينفعك ..

فقط اخرج عن صمتك ، وليهف قلبك إلى روضة غناء تأنس فيها بحسن ظنك بقدير رحيم .

وحتى ذلك الحين فإني أتفيأ ظلال حسن ظني بالله أن يتمم علي وعلى أخواتي في منتدى طهر الشفاء التام ويجعل ما أصابنا كفارات ورفع درجات .

Read Full Post »

27 ربيع الأول /13 مارس :

Aaaaah, Home sweet home !  ،

التعليق : بعد عودتي من الجرعة الثالثة إلى المدينة ، وقتها فاض قلبي شوقاً وحنيناً إلى بيتي وروتيني وحياتي الأولى التي لعلي لم أحمد الله عليها بما فيه الكفاية ، فشاء الله أن يعلمني قيمتها لأثني عليه بها ثناء حسناً !

 

13ربيع الثاني /29 مارس:

غداً سأفقد عضواً ولد معي ، وعاش 43 سنة .. سأفتقده حقاً ، لكن بالتأكيد العافية أجمل ، والسلام النفسي الذي كنت سأعيشه وأفتقده الآن أجمل ، وظني بالله أن يعافيني ويبدلني خيراً مما أخذ مني لهو أجمل الجميع . إلى لقاء قريب أيها الأحبة .. سامحوني لو أخطأت بحق أحدكم .. أسأل الله أن يجمعنا في الدنيا على خير ، وفي الجنة إخواناً على سرر متقابلين .. أوصيكم بالصلاة وتقوى الله ، ولا تنسوني من الدعاء ( حتى لو ما مت ) .. أحبكم !!

التعليق : لا أشك أن مشاركتي هذه حشدت الأدمع في عين كل من قرأها . ولكن يومها كان الحزن العميق يجتاح صدري . أحسست في البداية أن هذا فقد هذا العضو كفقد أحد أولادي ، كيف لا وهو قطعة مني حقيقة لا مجازاً ، وأي قطعة .. هذا العضو الذي تشعر المرأة بفقده أنها لم تعد امرأة .. أحياناً  لا تفلح كل مستحضرات التجميل وكلمات الثناء أن تعيد الثقة بعد فقدان هذا العضو .

يومها بكيت ، قمت إلى المرآة ونظرت إلى نفسي .. هذه آخر مرى يا هناء ترين هذا المنظر .. بعد غد سيكون شكل آخر .. كيف سيكون ؟ لا أعرف ..

غالباً مروع .. لن تصل الخيالات إلى الحقيقة أبداً ..

 هل فكرت يوماً كيف سيبدو شكلك بعين واحدة ؟ أو بأذن واحدة ؟ أو بأنفين ؟ مهما تخيلت فلن تقارب الحقيقة لا في شكلك ولا في انفعالاتك . استغفرت الله .. خفت أن يرى الله في قلبي تسخطاً وعدم رضا ، فهو إن كان أخذ فقد أعطى من قبل كثيراً ، ولئن ابتلى فقد عافى من قبل كثيراً .. وتفكرت كيف أعطاني حب أهلي وصديقاتي ..

 وفي نهاية المطاف يا هناء لا ينبغي أن يكون شعورك : أحقاً سأفقد ثديي ؟ ولكن ينبغي أن يكون :سينقذ ذلك حياتي بإذن الله .

 كتبت فاطم التي كانت في المدينة رداً على المشاركة : لا تقولي كدا  ، عافيتك من جد أهم .. رح تقومي أحسن , وكل شيء حيكون أفضل . رح نكون معاك بقلوبنا وأرواحنا وكل الناس بتدعي لك . أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه .. أنا واثقة إنو حأشوفك الربوع بإذن الله – تحقيقاً لا تعليقاً – لكن بس كدا أقول : سامحيني يا أمي .. سامحيني على كل شعرة بيضا كانت في راسك ، وعلى كل دمعة نزلتها لك ، وعلى كل بحة صوت سببتها لحلقك . روحي يا أمي تفداك ، ولو يا أمي  بيدي آخذ منك كل شيء يتعبك وأعطيكي عافيتي ، وسلامتك يا أمي هي سلامتي .

 

15 ربيع الثاني : 31 مارس :

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .. كان الله عند ظني ، بل وأعظم ، فهو الكريم اللطيف الودود . جزاكم الله خيراً يا كل الأحبة الذين وقفوا معي وساندوني بسؤالهم ودعائهم ومحبتهم .. أسأل الله العظيم أن يعظم لكم أجراً ويزيدكم من فضله .

 وفي تلك الفترة قمت بإنشاء مجموعة في الفيسبوك أسميتها : النعم المنسية

 

النعم المنسية : 19 ربيع الثاني / 4 إبريل :

 من النعم المنسية : نعمة التمطع .. أسألوني .. لذيذة هي النشوة التي نتلقفها عند نهاية ” التمطيعة ” الطويلة والتي ننفض بها عن أبداننا أثر الكسل والوسن ، ولكن عندما يعجز المرء عن فرد إحدى يديه أو رجليه بالكامل بسبب إعاقة فيهما مؤقتة أو دائمة فإن اللذة تكون مبتورة ، تماماً كالتثاؤب المقطوع، وعندها تزفر متحسراً على أيام العافية ، فاللهم غفراً ، اللهم حمداً .

التعليق : لا يحتاج التعليق إلى مزيد تعليق ! بعد العملية بأربعة أيام كانت يدي شبه ملتصقة إلى جانبي .. مشدودة ، متألمة نوعاً ما ، يابسة – إن صح التعبير – .. وكان التعب الناتج عن العملية لا يزال ضارباً أطنابه في خلايا جسدي .. كانت عضلاتي كلها تتوق للتمطع وتتحرق إليه ، ولكن يدي المتيبسة ما كانت لتعطي جسدي هذه اللذة المنشودة ، فكانت ( التمطيعات ) قصيرة ومبتورة تماماً كعرس غاب عنه فرد مهم من أفراد العائلة فساد جو الفرح حزناً مكبوتاً .

 

النعم المنسية : 21 ربيع الثاني / 6 ابريل :
 

من النعم المنسية ( وياللعجب ) نعمة الألم..

نعم ، نعمة الألم .. ذلك أن الجسم قد يكون واهناً بعد عملية جراحية ما أو في فترة النقاهة فإذا لم يشعر بالألم لمضى صاحبه في مرحه سادراً يقوم ويذهب ويتحرك ، ولا يفجؤه إلا إغماءة أو رجوع المرض لإنهاكه جسمه .لو كان ثمة ألم لحده ذاك الألم من كثرة الحركة ولاستراح وتعافى بإذن الله ..( ونحن اللي بنشتكي من الألم !!)

 

26 ربيع الثاني /11 إبريل :

ورجعنا لك يا كيماوي تاني .. اللهم تقبلني في الصابرين حتى تمنّ علي بالشفاء التام ، والحمد لله على ما قدمت وأخرت .

التعليق : بعد انتهاء العملية كان مقرراً أن أُعطى 4 جرعات أخرى من كيماوي ما .. ولما عانيت الأمرين من  الكيماوي الأول ، فكان مجرد ذكر لفظة ( كيماوي ) تبعث في نفسي الغثيان والقرف .

 

30 ربيع الثاني /14ابريل :

وفجأة ، وبعد طول توجس وترقب ……. لغوا عني الكيماوي ، هييييييييييييييييه ،  الحمد لله . بس لا تفرحوا .. مؤقتاً إلى أن نشوف نتيجة  أشعة العظام الثانية ، وحتى ذلك الحين عندنا فرصة للعيش بسلام وهناءة بعيداً عن الغثيان والقرف .. الحمد لك يا ربي .

التعليق :يومها كان موعدي مع الطبيب ، ولكن طبيبي كان مسافراً فأدخلوني على طبيب آخر أراد أن  يعرف ما الذي جد في موضوع البقع التي وجدوها سابقاً في مواضع من عظامي ، فألغى الكيماوي مؤقتاً وطلب إجراء أشعة المسح النووي للعظام . وللحق ، فقد كانت فرصة عظيمة للاستمتاع ببعض الأيام مع أهلي وأصدقائي ، هانئة مطمئنة قبل أن نستأنف رحلة التعب .

 

2 جمادى الأول /16 ابريل :

زاد شوقي للمدينة والحبيب , لي ذكرته كل أيامي تطيب ، لأن ذكره يسعد القلب الحزين ، في المدينة ليتنا طول السنين .. وحشتيني يا مدينة :”(

التعليق : لا تعليق .. فحب المدينة متربع في وسط قلبي ، كيف وأنا الآن صرت أسافر عنها كثيراً ..

هواؤها ، عبيرها ، جوها كل ذلك أشعر به وكأنه قطعة من الجنة ، وانا الآن أفتقده للغاية .

 

7جمادى الأول /21 إبريل :

أنا المدينة من في الكون يجهلني ، ومن تراه درى عني وما شغلا … آآآآآآه يا مدينة ، وحشتيني .

 

2جمادى الثاني/ 16 مايو:

عندما يهاجمك الألم من كل عضلة ومفصل ، ألم ممض يرغمك على الأنين ، تعلم كم كنت في يوم تعيش ناعم البال لا تحاصرك أية تنغيصات أو أوجاع إلا ما كان من ترف العيش الذي خفت وطأته ذلك اليوم شيئاً ما .

التعليق : في اليوم الثالث بدأت أشعر بالخمول وفقدان الشهية ، كما أن لساني أضحى مراً مريضاً يجد مراً به الماء الزلالا ، وصرت أتناول إبر فقدان المناعة بكل احترافية كمريض سكر يتناول إنسولينه بثقة .

 

 النعم المنسية : 5 جمادى الثاني/ 19 مايو :

عندما يموج بك الوجع كموج البحر ، حتى تفقدي التركيز لأكثر من دقيقتين في أي تسبيح أو دعاء أواستغفار .. حتى تطلبي المعونة من صديقة أن تذكرك بالصبر والاحتساب .. حتى تكادي تفقدين حسن الظن بالله ، يتجلى اسم الله الرحيم ، اللطيف ، الودود ، ليمهلك ، فتلتقطي أنفاسك وتستعيدي حسن الظن والتصبر ، فتحمدي الله أن أكثر ما يرينا الله من أسمائه هي أسماء الرحمة واللطف .

التعليق : في اليوم الرابع فار التنور ..

اندلعت عليّ الآلام في جسمي من كل عضلة ومفصل ، آلام لم تمر عليّ من قبل في حياتي..

لا أستطيع أن أصفها إلا بأنها أليمة  .

 كانت هذه الآلام من تأثيرات التاكسوتير الجانبية و التي حذرتني منها الطبيبة ، و من إبر المناعة كما ذكر لي الطبيب فيما بعد، لكني لم أفكر أبداً أن يكون ثمة شيء مثل هذا .

 كنت أتوجع بشدة وأئن على الدوام وتشتت ذهني ..

كنت أحاول أن أستجمع ذهني لأصبر ، لأحتسب ، لأستغفر ، لكنه لا يستقيم لي لأكثر من دقيقتين ثم يمضي بعيداً عني ، وكأن في ذهني عشرات المواضيع التي عليه أن يفكر فيها في فترة زمنية محدودة..

كانت الآلام تستمر لعشر ساعات أو أكثر ، و كنت لا أشتهي الطعام أبداً ..

 وكنت أصلي وأنا جالسة بسبب الدوار والتعب الشديد الذي يمنعني من الوقوف .

مع كل الآلام التي تعصف بي قرأت في إحدى المنتيات عن تجارب بعض المريضات مع السرطان ، ومعاناة أشخاص مع الكيماوي ..

 مع آلام السرطان نفسه ..

 مع الموت؟؟

 وأنا بين هذا وذاك تعاني عضلاتي آلاماً كألم المخاض ..

 وكأن كل عضلة ومفصل رحم يطلق  ..

آآآه .. أنا الآن أتوجع وأنا على سريري المريح ، وأراجع أفضل مستشفيات المملكة ، ولا أكاد أطيق الألم الذي يعصف بي ، فكيف لو اجتمع معه خوف وتقتيل وتشريد .. نعم من الممكن أن يكون هذا .. قد يشاء الله فيبتليني مثلهم .. يا رب أستغفر الله ..

حاولت أن أركز ..

 أن أستغفر ..

 أن أصبر ، لكنه الشتات ..

عقلي كالطير السارح لا يريد أن يثبت ..

 أسرعت عندها للهاتف وحادثت صديقتي عفاف وأنا أئن من الألم وقلت لها لاهثة : عفاف ، أريدك أن تصبريني .. لا أستطيع أن أركز .. لا أريد أن أسيء  الظن بالله .. أنا متعبة، متألمة ، لكني لا أريد أن أجزع ، صبريني ..

 فوعظتني موعظة بليغة مختصرة هملت لها أدمعي واهتز لها قلبي..

ذكرتني بالأجر المترتب على ” الشوكة يشاكها ” فكيف بمثل هذا المرض مع ما يصحبه من آلام نفسية وجسدية ..

ذكرتني بالعبودية ، وأن العبد عليه أن يصبر على قضاء الله ، فإن فعل كان في ذلك رفعته ، وسداد الله تعالى له ..

وعادت لتذكرني بالأجر .. أحسب أن لا شيء يمكن أن يصبّر المريض في بلائه إلا تذكر أن هذا البلاء قد يكون كفارات ورفع درجات ..

جزاها الله خيراً ، وضعت قدمي على أول الطريق ، وهفا قلبي إلى ربي ..

نعم يا رب ..

أنا أعلم أنك حكيم في كل ما تصنع، وأنك رحيم في كل أقدارك ، وأنك لطيف .. فيا رب أرني مواطن لطفك وأنزل علي رحماتك أنا الآن في أمس الحاجة لها ..

 أنت ربي وأنا أمتك ، وهذا موقف العبودية ، أن تصنع بي ما تشاء وأن أصبر وأتقبل ، فمن رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط.. أعني يا رب لأرضى ..

أنظر فلا أرى الا وجوه أبنائي القلقة ، ونظراتهم الغائمة المتفحصة ، ألا زلت أعاني ؟ بعضهم كان يهرب من البيت لئلا يرى الأم القوية الشامخة التي نادراً ماكانت تشتكي ، هي الآن تئن بصوت مرتفع لأنها لا تستطيع لصوتها كتماناً !!

 حاولت في الحقيقة أن أخفض من صوتي لكن الألم كان فوق طاقتي على الكتمان .

 

النعم المنسية : 5 جمادى الثاني/ 19 مايو :

الحمد لله .. انجلت العاصفة وانقضى صخبها المؤلم ، وانقشعت السحب الثقيلة  المتراكمة ، وسكنت الرياح المزمجرة وصفا موج البحر ، ولاحت الشمس سافرة ترسل أشعتها الديعة لتغطي الكون الذي ماج ، فتسكّنه وتخبيره : كم هي عظيمة نعمة الله أن كان أكثر ما يرينا من أسمائه ” الرحيم ، الودود واللطيف . كم هي عظيمة نعمة العافية .

التعليق :

كنت قد هاتفت الطبيب  وبعد أخذ ورد سمح لي بتناول بروفين ، فأخذته وشهدت التناقص العجيب للألم حتى انزاح عني 95% منه في خمس وأربعين دقيقة فقط، تماماً كالحامل التي وضعت حملها وانزاحت عنها آلام الطلق ..

 ألم أقل أن عضلاتي كانت تشهد مخاضاً ؟

 أحسست أن الدنيا ابتسمت لي أخيراً ..

 أحسست كم أن الوجود مشرق وجميل..

أحسست أني أريد أن أظل رهينة هذه الراحة للأبد .

 عندها صفا ذهني ..

 ودارت عليّ نفسي اللوامة ..

 وأنت التي كدت تسيئين الظن بالله ؟

 أتحسبين أن الله لا يعلم ماذا يفعل ؟

ابتهجت نفسي وامتلأت بحب الله تعالى .. عندما طال الألم، وكدت أفقد حسن الظن بالله وكاد عقلي يطيش نالني وابل من رحمة الله أنقذني . يومها تذكرت قوله تعالى : ” حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا أتاهم نصرنا ” .. فسري عني .. نعم ، حتى الرسل قد يستيئسون ، ويظنون أن الله تاركهم لكن الله الرحيم عند تلك النقطة من الصبر والشدة والخوف يأتيهم بنصره .. أنا كذلك ، كاد ظني بالله يخذلني ، وفقدت التركيز من شدة الوجع عندها أتتني رحمة الله لترفع عني الألم ويصفو ذهني ، وأستعيد حسن ظني بالله .. الحمد لله على النعمة .. على نعمة .. أن الله ربي !!

 

17 جمادى الثاني /31 مايو :

يوم الأربعاء بداية إعصار الآلام الثاني .. يا رب أعني وكن معي . ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين .. دعواتكم يا جماعة الخير ولا تنسوني من دعائكم ولا تنسوا أن تتصلوا علي وتسألوا عني ، وإذا ما قدرتوا أرسلوا لي رسائل تشجيع ، ولو تقدروا تجيبوا لي هدايا ، وإذا ماكان عندكم سواقين أعطيكم رقم الحساب حقي << إيش تبغى دي ؟؟

التعليق : وتوالت التعليقات بالدعاء بالسلامة .

 فقلت : شكراً للجميع على كل المشاعر الحلوة التي فعلا made my day .. يمكن ما أقدر أرد عليكم قريباً بسبب التكسير المعروف . الي يضحّك أن الدواء اسمه تاكسوتير ، أحس أنه على وزن ال تك سير ( التكسير ) .

 

13 رجب/25 يونيو :

كتبت فاطم : إلهي يسعدك وما يحرمني منك .. ومييين الي ما يقول إنك أعظم شيء في ذا العالم بعد ربنا .

فعلقت : يا رب يخليكي  انت لي ، وكيف يهنا لي عيش او يطيب لي طعام وأنت بعيد عني يا قلب قلبي .. عشان كدة أنا تعبانة اليومين دي << لااااا ، مو عشان الكميو يعني ؟

 

2رمضان/12 أغسطس :

صورت هذه الصورة بالجوال الجديد htc الذي أهدانيه أولادي

 

وعلقت : هذه الصورة سميتها :وقت الدواء لأن فيها زيت زيتون وزمزم وحبة سودا وعسل ، ولو تحصلت على شيخ يرقي يمكن كنت حطيته ، خخخ .

 

15شوال/24 سبتمبر  :

أولادي ، أروى ، ساري ، ميش ، خوخة ، سوس ، هندو ( بنات أخواني ) ، عزو (أخي) ، سناء (سلفتي) .. من غيركم كيف حتكون حياتي ؟ أنتم أكبر نعمة أنعمها الله علي ، في هذا الوقت بالذات.

 

16ذو القعدة/ 24 أكتوبر :

من سنة تقريباً كان الاكتشاف الخطير ، الذي قلب موازين كثيرة في حياتي ..أحقاً مرت سنة منذ أن اكتشفت مرضي ومررت بمراحل العلاج المتعددة والمتعبة بحق ؟يااااه ، كم تمضي أعمارنا ونحن في غينا سادرون ..اللهم غفراً .. اللهم حمداً .. بكرة آخر يوم لي في الإشعاعي ، وبعده أرجو أن أكون breast cancer survivor

التعليق : علقت أبلة وداد : ما شاء الله عليك يا هناء ، انت أشياء كثيرة سيرفايفور

 

16ذو القعدة /24 أكتوبر :

إلى كل من آزرني وشجعني ودعا لي وأدخل في قلبي الفرح والسعادة .. شكراً لكم ، فبعد الله الرحيم الجليل لكم الفضل في شفائي .. بحبكم ومساندتكم تمكنت من تخطي أصعب مرحلة .. الله يخليكم لي ويعطيكم حتى يرضيكم ..

 

وأخيراً ..

ها أنذا ، بعد مرور سنة كاملة على الحدث الأعظم في حياتي : عملية الاستئصال .. أنا بينكم ، لا زلت بفضل من الله أتلقى الدعم اللا محدود من أمي وأولادي ، وأخواني وبناتهم ، وصديقاتي في المنتدى وخارجه ، وهنا في المدونة .

مرة أخرى .. أشكركم يا كل من ساعدني لأكون (ناجية ) ..وأسأل الله أن لا يريكم مكروهاً في أحبتكم ، وأن يغدق عليكم عظيم الفضل والغنى .

Read Full Post »

لسبب ما ، اضطررت قبل يومين أن أفتح صفحة جداري في الفيسبوك لأتفقد شيئاً كتبته قبل سنة ونصف تقريباً .. فمررت على ذكريات كثييييرة .

كنت أقرأ  ماض انقضى ولازالت آثاره محفورة في قلبي ، ولا أظنها تُمسح .

أحببت أن تشاركوني قراءة ماضيّ قبل سنة ونصف من الآن .. هي الآن ذكريات ، ولكنها كانت قبل سنة ونصف لا شيء إلا الحقيقة الناصعة .

إذا أحسست أن هذه ذكريات لا تهمك بحال ، فيمكنك إغلاق الصفحة ببساطة تامة ، ولكني لا أنصحك بذلك ..

هذه يوميات مريضة سرطان ، ولا أعتقد أنك ستجد الكثير من هذه اليوميات كل يوم . هذه خلاصة مشاعر ومعاناة وآمال وتفاؤل وإحباطات في صفحات معدودة ..

عموماً .. أنت وشأنك !

ولمن يقرأ تدوينتي هذه أعتذر بشدة عن بعض التعليقات العامية ، فقد نقلت لكم ماضيّ بأمانة تامة ، بكل ما فيه من عفوية ..

 

 6 ذو القعدة 1430 /25 أكتوبر 2009 :

معليش ما أبغى أنكد عليكم ، بس أبغى أشارككم خاطرة .. اليوم صاحب خالد في الجامعة توفي يمكن في حادث .. وحقيقة أثر فيّ جداًَ ، أولاً عشان أمه ، خاصة وأن أبوه توفي من 4-5 سنوات تقريباً وهو كبير أمه ، ثانياً لأنه لسه صغير .. أنا شبهت الموضوع بالطالب اللي بيمتحن وتنسحب منه ورقة  الاختبار فجأة .. لو كان مذاكر كويس حيكتب كل الي يعرفه بسرعة قبل ما تنسحب منه الورقة .. ولو ما كان مذاكر كويس حيتلكك في الكتابة ويضيع عليه الوقت وتنسحب منه الورقة والله يعلم إيش كتب .. والنتيجة يوم القيامة للأسف .. خلاصة الموضع : الدنيا حلوة وممتعة ، لذلك هي فتنة .. لا تملؤوا قلوبكم بكثرة المباحات عشان لا تصعب عليكم المستحبات والفرائض .. روضوا أنفسكم على الطاعة وترك ما لا يلزم من المباحات .. مين يدري متى تنسحب ورقته ؟

التعليق : كتبت هذه المشاركة وقد اكتشفت الورم الكبير في صدري وأجريت فحوصات الكشف المبكر ، ولما تظهر النتيجة بعد .. ولكني كنت متوجسة نوعاً ما .

 

6 ذو الحجة 1430/23 نوفمبر 2009 :

الحمد لله على حسن تقدير الله بعباده .. الحمد لله على ما أعطى ومنع ، وإن كان منع فقد أعطى قبله كثيراً ، وإن كان ابتلى فقد عافى قبله كثيراً .

التعليق :  عرفت بالخبر بعد ظهور نتائج العينة ، ولكن لم يعرف أحد إلا أولادي الكبار وأخي عزام فقط .

 

18ذو الحجة / 5ديسمبر

أقدار الله كلها خير . وما يدري العبد لعل الله تعالى يريد ببلائه أن يبلغه منزلة في الجنة ما كان له أن يبلغها بعمله وحده ، إما لشدة تقصيره في الطاعات ، وإما لعلو المنزلة التي يريد الله أن يبلغه إياها ، فلير الله من عبده الصبر و الرضا و السكنة ، وليكن من دعائه أن يصبره الله على الصبر .

التعليق : بقية أخواني وبناتهم عرفوا بالأمر وبدأ الخبر بالانتشار في المحيط الضيق .. كنت أبغي تصبير نفسي بما كنت أكتبه على جداري . أخاطب الآخرين وفي الحقيقة كنت أخاطب نفسي في المقام الأول .

 

8 محرم / 25 ديسمبر

أهدتني ابنة خالتي قلبا قوياً أيقونة strong heart على جداري ، فقلت : شكراً لولا مرررة .. أنا فعلاً أحتاج من هذه النوعية من القلوب الكثير جداً ..

التعليق : بدأت من حولي حملة : الدعم النفسي لمريض السرطان .. بدأت أتلقى مظاهر الحب التي كانت تدخل السرور على قلبي فعلاً .

 

10 محرم / 27 ديسمبر

لما يقول النبي صلى الله علين وسلم مخاطباً ربه العلي العظيم  والشر ليس إليك ، ثم نواجه أشياء نحن نكرهها ، فهذا الأشياء قطعاً خير لنا رغم أنوفنا ، ولكن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة الله .

 

10 محرم / 27 ديسمبر :

يالله ، آخر يومين صرت أحب البمبى مع أني كنت سابقاً من محتقريه نوعاً ما ( مع اعتذاري لكل بنات أخواني الي يحبوا البمبى ) الفيس بوكي كله صار عندي بمبى .. يا أحسن أهل ويا أفضل هدية من الله .. أسأل الله يخليكم لي ويحفظ لكم ولمن تحبون الصحة والهداية ( والعقل خخخ ) .

التعليق : انتشر الخبر رسمياً الآن وبدأت “أداوم” في مستشفى الحرس الوطني بجدة للقيام بالفحوصات اللازمة استعداداً لتلقي العلاج ، وحوّل كل معارفي في الفيس صورهم التعريفية إلى الشريط الساتاني البمبى فصار جداري بحق بهجة لقلبي ..

 

17محرم 1431 /3يناير 2010

كتبت فاطم والتي كانت في المدينة مع باقي أخوتها : كل شيء في الحياة يفتقدك ويفتقد بصمتك .. حتى الفيس بوك بينحرم منك .. أحووبيك يا أمي هناء .

التعليق : لا  تسل عن التعليقات التي تلقيتها من أقاربي رداً على فاطم ، وكنت قد أنشأت مدونة في ذلك الوقت أكتب فيها كل ما يجد معي لأفرغ جميع انفعالاتي وخوفي في الكتابة أولاً ، ولأطمئن أحبتي عليّ ثانياً ولأستمتع بكل مشاعر الحب والدعم الذي أغدقه علي هؤلاء الرائعون . وللتذكير فقط ، فإن أول جرعة كيماوي كانت في اليوم التالي  .

 

6 صفر / 21 يناير :

الحمد لله على كل حال .. الخريف في شعري بدأ .. احتمال تشوفوا النيولوك الجديد قريباً .. أتحداكم تسووا زيي .

التعليق : وبالطبع ، توالت التعليقات المطمئنة والمشجعة ، فكتبت رداً على مي التي قالت لي ضاحكة أن الخريف بدأ عندها منذ فترة ومعه سنو فليكس ( قشرة ) : ميو ، الخريف الفعلي عندنا ، الأشجار يطيح شعرها وتوسخه لنا المكان :  الأحواض والبانيو والبلاط والكابات ، وحتى شمس فجأة تلاقي في فمها شعر ، وتعالي شوفي القرف وأنواعه ، وتززززعق : يعععع إلى أن أشيله .

ورددت على أبلة وداد التي واستني أنه سينبت لي شعر جديد إن شاء الله : أبلة وداد ، الحمد لله ، متعنا بالشعر 43 سنة ، ما صار شيء لو حرمنا منه كم شهر .. ما يكون إذاً معنى قولنا : إنا لله ؟؟

 

9 صفر /21 يناير

ياسلاااااااااام ، أما الدنيا مهوية من فوق بشكككككل ، خخخخخخ .

فقالت ريم : عمة ، نحبك بشعر ومن غير شعر .. وتوالت تعليقات جميلة ، ولن أمل من ترديد جملتي الأثيرة في تدوينة اليوم ( وتوالت التعليقات الجميلة ) لأنها تصف الواقع الذي لا شيء غيره . فرددت عليم :

الحمد لله على كل حال .. و الله صدقوني أني مرتاحة بهذا البلاء لأنه مقدور عليه ، غايته شوية حزن وغم يزول بالاستغفار والدعاء وصدق اللجأ إلى الله ومحاولة الرضى عن الله لأنك إما أن ترضي وتقعدي مريضة ، أو تسخطي وبرضك تقعدي مريضة فإيش الأحسن ؟ ولعل من الإيجابيات الدنيوية أن الواحد يسترجع ذكريات المحبة الي كان يشاركها مع أهله أيام كنا صغار .

 

14 صفر/ 26 يناير

ياااارب أنحف مع كل هذا الغثيان وقلة  الشهية على الكل .. نفسي أفهم أنا بأتخن ليييش وأنا ممنوعة من كل القودييييز .. يا رب والله أنا راضية عنك فارض عني ، ونحفني من غير ضراء مضرة ولا فتنة مضلة .

14 صفر / 29 يناير :

وعععع على الطعم ، بالضبط زي طعم البنادول لمذا يذوب في الفم ويبقى .. الحمد لله على كل حال .. احمدوا ربكم على العافية واعملوا على أن تكون إيمانياتكم مرتفعة لو -لا قدر الله – صار لكم شيء تقدروا تصبروا .

التعليق : كان هذا بعد الجرعة الثانية بأربعة أيام .

15صفر / 30 يناير :

سبحان الله ، كأن الورم ماني لاقيته .. أنا متأكدة لو كان إحساسي مضبوط أنه مش من الكيماوي ، ولكن من الرقية والزيت والزمزم و الدعاء ورقية الأحباب لي .. شيء عجيب والله .. الحمد لله .

 

23 صفر/ 6 فبراير :

أنظر حولي فأرى من كان صغيراً بالأمس أضحى اليوم كبيراً ، ومنهم من وهن عظمه ورق جلده ، ومنهم من اضطرب عقله ، وأنسى أن أنظر لنفسي إذ لا أزال أذكرها تتنطط والضفائر من حولها ، وأغفل أن سنة الله في الأيام تسري علي كما سرت عليهم .. لكن من طبع ابن آدم أنه يرى القذى في أعين الناس ولا يرى الجذع في عينه ، وهذه لعمر الله مصيبة، إذ لا يستيقظ ابن آدم إلا ويجد نفسه ممدداً ورجلاه إلى القبلة ، وقد فات الوقت .

 

5ربيع الأول /19 فبراير

بعد الكيماوي صرت أكره اللون البرطآني على أحمر ، وععععععععععع

التعليق : كان نوع العلاج الكيماوي الذي تناولته في تلك الفترة ac والمكون من مركبي الأدريمايسين الأحمر اللون ، و السيتوكسين ، وكل من جرب هذا الكيماوي يعرف جيداً مدى الغثيان الذي يسببه من أي طعام تم تناوله أو شم رائحته أثناء فترة حقنه .. شيء أعظم من الوحم !!

 

8 ربيع الأول / 22 فبراير

كنت خارجة من المستشفى أمس ، وأنا بأدخل السيارة لمحت لوحة  السيارة التي كانت جنبنا ، وضحكت لأنها كانت تعبر بشددددة عن شعوري وقتها .. لم أتمالك نفسي من التصوير بسرعة قبل أن يقبضوا علينا بتهمة محاولة سرقة السيارة أو تصوير المبنى أو أي تهمة .

 

 

اقرأ التدوينة التالية ، تجد رابطها في أعلى الصفحة 👆

 

 

 

 

 

 

– يتبع –

Read Full Post »

انتبهي

70% من الحالات المصابة بسرطان الثدي في المملكة تُكتشف في مرحلة متأخرة مقارنة بـ 30% في الولايات المتحدة

 

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

مجتمع طُهر

منتدَى ناشِيء وَ مجتمَع يضُم مريْضات السرَطان و صديقاتهنّ ..

سَاهموا معنَا بالكلِمة الطّيبة ، وَ الابتسَامةِ المشْرِقة ، و الدّعم النفسِي و المعْنوي ..

اقْرَءوا قِصَصَنا ، و اسمعوا نصَائِحنا و تعلّموا مِن تجارُبنا

نقدّم يَد العَون لكلّ مَريض و مُعافى ..

و نحُاول جَاهدِينَ أن ننشُر ثقافَة مرضْ السرطَان بِأنوَاعه من أَعراضهِ الأوليّة وحتى نهايَة دورة العِلاج بإذنِ الله

سَتجدُون بَيننا المبدعِة و الكَاتِبة و المصمّمة و المَرحة و المنُجزة وَ الرّسامة و الطبَاخة

فنَحنُ شَخصيّات ” مُميزة ” مرّت بنَا ذِكرى ” مُميزة ” أيضاً ، وَ ذهبتْ إلى غَير عوده بإذن الله ، وَلم تَقف بِوجهنا العقبَات ..

فَـ هُنا

المزْنُ الّذي يَهْطلُ عَلَى أَروَاحِنَا ليَعْتَليْها الطُهْر ..

لـ يُنَقّيْهَا كَمَا البَرَد ..

و يَغْسِلُ عَنْهَا وَشْمَ ” الجُرْعَات ” ..

هُنا .. تهَمِسُ آمَالُنَا في أُذُنِ الآلاَمِ ، أَنِ ابْتَهِلِي حَمْدَاً وَ شُكْرَاً ..

نمَلِكُ بَيْنَ جَوَانِحنَا بَرِيْدَاً مُزْدَحِمَاً بِرَسَائِلٍ جَذْلَى ، وَ عَدَدَاً لا يُحْصَى مِنْ أَطْوَاقِ اليِاسَمِيْن ..

إنّهَا غَيْرُ مُخَصّصَةٍ للبَيْع ! وَلَكِنّنَا نَهَبُهَا لكِ كَلَحْنِ عَذْبٍ يَصْدَحُ بِالأُمْنِيَات ..

ليَكُنْ فَألُنَا الطُهْرُ مِنْ كُلّ ذَنْبٍ ، وَ دُعَاؤنَا لكِ

( تَغَشْتكِ الطّهَارّة ، وَ لا بَأسْ لا بَأسْ كفّارَة )

بِرُوحِكِ المُلْهَمَةِ نَفْخَرُ ، فَتَفَضّلِي بِالتّسْجِيْلِ هُنَا ..

http://www.m-tohr.com/vb/

ولا تنسوا بأن التسجيل معنا يدخل على قلوبنا السرور

فهنيئاً لكم بأجور ميسور

ساهموا معنا في نشره

Read Full Post »

فتحت الفيس بوك منذ دقائق أتفقد ( الرعية ) قبل أن أخلد للنوم مرة ثانية بعد ان أديت صلاة الفجر ، فوجدت هذه الكلمات :

 بكيت وهل بكاء القلب يجدي
فراق أحبتي وحنين وجدي
فما معنى الحياة إذا افترقنا
وهل يجدي النحيب فلست أدري
فلا التذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشواق تتركني لنومي

فراق أحبتي كم هزوجداني

وحتى لقائهم سأظل أبكي

سأظل أبكي

سأظل أبكي

ومعها بكيت ..

كانت هذه كلمات الصبوحة ، أخت خالد بالرضاعة ، وقد غادرت البلاد في بعثة إلى كندا الأسبوع الماضي ..

بدري يا صباح .. مشوارك طويل ..

في الحياة العادية يظل قلبك يبحث عن مأوى دافئ لينعم بدفء العواطف .. عن ظل وارف يبرد عليه بعضاً من لهيب الوحدة والعجز .. عن السكن ، عن السكينة ، عن كل ما تشاء من معاني الانضمام والحب وما يحفز على العيش ..

 ولكنه في الغربة : ليس له إلا الشتات .. إلا الشتات ..

في البداية تكون الإثارة .. كل شيء حولك ممتع ومشوق .. حزم الحقائب ، التسوق لآخر لحظة ، حفلات الوداع حيث الكثير من الطعام وذرف الدموع ..

ثم ركوب الطائرة وما يرافقه من إثارة قد تكون جديدة جداً عند بعض الناس : ارتداء الملابس الخاصة بالسفر ، قائمة الطعام المميزة في الطائرة ، الفيلم ، صراخ  الأطفال وقلقهم ، النوم المتقطع الممتلئ أحلاماً وردية مخططة بالرمادي لحياة جميلة تحلق فيها بضع مئين من علامات الاستفهام .

ثم يتلو ذلك ساعات الانبهار ، وقد تكون أياماً ، أو شهوراً ..

 انبهار بكل شيء ، بالنظام ، بالطبيعة الخلابة ، بالناس ( الزوق ) خفيفي الظل ( حتى في بريطانيا ) ، حتى الجو له رائحة مميزة وجميلة كرائحة الثياب الجديدة من تلك المحلات الراقية .

وتمضي الأيام قدماً ، وتتقادم الأشياء الجديدة ، وتذبل معاني الانبهار أمام أول مرض ، أو  وحم ، أو حاجة يُفتقد لها الأهل ..

حينها تبدأ الدنيا بالاسوداد ..

حينها يشعر المغترب ببصيص حنين إلى وطنه وأهله ..

 يؤلمه فؤاده إذا ما علم باجتماع أحبته ، وهو في الطرف الآخر من العالم وحيداً ، فريداً ، يتسلى بحل المعادلات أو تشذيب أشجار الحديقة !

وتقرصه الغربة قرصاً موجعاً إذا ما كانت ثمة مناسبة سعيدة في وطنه .. قد يكون عرساً أو خطبة لا تأتي إلا مرة في واحد في العمر ، أو لعله مولود جديد له رائحة الصبا والشوق ، يتوق أن يحمله بين يديه ويمرغ وجهه في رقبته ، فلا يجد إلا برنامج ” السكايب ” وأفلام الفيدو تريه هذا المخلوق الجديد كيف يكون ، وتلك الحفلة كيف مرت .

وتكون القاصمة إذا بلغه نبأ مرض أحد أفراد العائلة ، خاصة لو كان كبيراً في السن .. يحذر الموت ، وما هو بتاركه .. يجن جنونه .. يريد أن يتواجد .. أن ينعم معه بآخر اللحظات .. أن يجتر بين أحضانه ذكريات الطفولة .. أن يتشبث قدر استطاعته بآخر رمق من حنو ورعاية .. ولكن تمضي الأيام ويُنصب الشاهد وتموت الذكريات فلا يبقى في النفس إلا صبابة من حنين وإحساس باليتم وفقدان الكل .

لكن المغترب إن كان فقد الكل ، فقد وجد ذاته ..المفترض أن يكون وجد ذاته ..

الغربة تبني ثقة المرء بنفسه ، إذ عليه أن يقوم بكل الأشغال وحده .. لم يعد ثمة أهل أو أقارب يمكنه الاعتماد عليهم ..

لم يبق إلا الله ثم اعتماده على نفسه ..

في الغربة ، يربي المرء أولاده كيفما يشاء دون تدخل من جدة حانية أو جار فضولي ..

في الغربة  ، تتقارب مصالح الزوجين وتتحد آلامهما ومخاوفهما فيعضدان بعضهما البعض وتقوى حياتهما .

في الغربة ، يتعلم المرء كيف يتأدب ويحترس من التصرفات الخاطئة لأنه غريب ، والغريب لابد أن يحتشم ليُحترم .

في الغربة يتعلم الغريب العادات الحسنة التي لم يحسن بلده أن يعلمه إياها فيرجع ليعلمها ذويه وقومه..

في الغربة الكثير من المحاسن .. أقصد ، يفترض أن يكون فيها الكثير من المحاسن والتي لن تفلح في إظهار آثارها إلا أن يحسن المغترب تبنيها في حياته ، وإلا فإنه لا يستفيد ..

نعم .. الغربة مؤلمة ، حارقة ، مريرة ، لكنها كأي بلاء من الله فيها ألطاف ، يحسن بنا أن نبحث عنها ، وننظر إليها بعين العرفان والحمد ، فقط لنعيش غربتنا ببعض من سعادة ، وشيء من هناء ..

وحتى ذلك الحين يا صباح ، ويا ليال ، ويا سارة ، ويا رغد ، ابك قليلاً ثم كفكفي دمعك وافتحي نافذة قلبك ..

أطلي بروحك على المرج الأخضر القريب واملئي صدرك بعبق الحياة ..

Read Full Post »

حينما أصبت بالسرطان ، كأنما كانت إصابتي هزة أيقظتني من نومة عميقة .. استيقظت لأرى نفسي محاطة بالجمال .. نعم الله حولي في كل مكان وأنا لا أدري .. الآن فقط ، حينما فقدت بعضها ، علمت أي فضل من الله كنت غارقة فيه .

أنشأت لذلك مجموعة ( بعض الناس يحب أن يسميها “قروب” ، إغراقاً في ” الكوالة”) في الفيس بوك وسميتها : النعم المنسية ، وهذا رابطها فيما لو أحببت الانضمام إليها

http://www.facebook.com/home.php?sk=2361831622#!/group.php?gid=114830981862557  .

ولعل أبرز هذه النعم التي لم نلق لها كثير بال نعمة الاستمتاع بالطعام ، وهي النعمة التي أجزم أنه يشترك في فقدها جميع من يتناول العلاج الكيماوي ، والذي يعد أطول أنواع علاجات السرطان زمناً ، وأشدها وطأة ..

قد يكون كلامي مختلف التأثير على من يقرؤه ، فبعضكم قد يجد فيه تذكيراً لأيام سوداء قاحلة لا يود تذكرها .. وبعضكم قد يراها تذكيراً لنعم افتقدها في وقت مضى من حياته ولم يكن يشكرها من قبل .. وبعضكم قد لا يعنيه الأمر من قبل ولا من بعد لأنه لم يمر بمثل ما مررت به ، وغاية ما في الأمر أنه يفقد بعض التذوق إذا ما أصيب بزكام قوي .. ولهذا الصنف الثالث أقول : لا بأس ، تابع معي تدوينتي لعلك تعلم ما أنت فيه من النعم التي لم تتعب نفسك في التفكير فيها من قبل .

قبل أن أبدأ في العلاج الكيماوي أخبرني طبيبي أن الورم من مستقبلات الإستروجين الموجبة estrogen receptor positive ، حيث يكون شديد الحساسية لهرمون الإستروجين في الجسم ، وهذا يعني أن الخلايا السرطانية تستمر في النمو طالما أن هذه الهرمونات متوفرة في الجسم.. ولهذا فإنه منعني من تناول أي مصدر من مصادر هرمون الإستروجين قطعاً للمادة التي يتغذى عليها الورم ..

وكانت الفاجعة بالنسبة لي يوم أن منعني الطبيب من ( بعض ) المأكولات التي يدخل فيها هذا الهرمون .. منعني من تناول الدواجن واللحوم ومشتقات الحليب والبيض فقط .. فقط ؟؟ أذكر جيداً أنه لما ذكر قائمة الممنوعات تساءلت في تعاسة عما أبقاه مسموحاً لي بتناوله .. أنا لا أحب السمك أبداً ، ولست من عشاق الخضروات ولا الفاكهة ، فإلى متى سأستمر في تناول لحوم الغنم ( والتي كانت الوحيدة التي سمح بها ) ؟ هل سأقوى على تناولها يومياً .

فجأة اشتهيت دجاج الشواية وسندويشات كودو ( دجاج ) ، وطبق السليق الرهيب ( دجاج وحليب وسمن بلدي ) ، وطبق البيض بالجبن ( التابو الثنائي : بيض وجبن وربما ينضاف إليها الزبدة ) .. ولكن يبدو أن هذه أشياء ستختفي من قائمة طعامي لفترة مؤقتة ، ليحل محلها البروكلي والفلفل الملون ، والزنجبيل والشاي الأخضر !!

أذكر أن أخي بعد تلك الأيام قدم لزيارتنا من ينبع ، وحملت زوجته لي من أطايب الطعام ” الصحي ” والمراد : المسموح لي به . صنعت لي طبق العيش باللحم من مفرومة الغنم ، وبضع كعكات بدون بيض ، وخبزاً خالياً من البيض كذلك .

أبقيت العيش باللحم لحالات الطوارئ حينما كنت أجوع ولا أجد ما يسد جوعي ، فقد ولى زمن سندوتشات ( جبن الكاسات ) وأكواب اللبن ..

كما اشتريت نصف دزينة من البرجر بلحم الغنم وجمدتها في الفريزر إلى جانب كيلوات من لحم الأوصال المشوي ..

فجأة أحسست أني مللت البرجر والأوصال واللحم بعد أن كانت في يوم ما طعامي المفضل .

ثم أني لما بدأت بتناول العلاج الكيماوي ac ، عرفت أني كنت في نعيم قبل أيام ، وأن حزني وتعاستي كانت ( لعب أطفال ) .. حينما بدأ تغير طعم الفم ورفضت الغدد اللعابية إفراز الكمية المعهودة من اللعاب ، بل و تضافرت معها جهود حليمات التذوق في الثورة على الطعوم ، فصارت تعطيني مذاقات مزيفة وثائرة ..

أحياناً تطالبني حليمات التذوق بتناول ( أكل أحمر فيه مرق ) ، فأطلب من فاطم أن تهيء لي إيدام بطاطس بدون دجاج ولا لحم لأتناوله مع الرز الأبيض والسلطة .. ويسيل لعابي وأنا أتخيل الطعم الجميل ويمتلئ قلبي حبوراً وفرحاً لملاقاة وجبة طلبها لساني شخصياً  ، ولكن تكون الصدمة حينما أتذوق اللقيمات الأولى فأجد هذه الحليمات تعاندني كالأطفال فترفض هذا الطعم .. ماذا تريدين إذاً ؟ هل تريدين طعماً أقل حموضة ، أو أكثر ملوحة أو أشد ليونة أم ماذا ؟ أتساءل بخيبة أمل ثم أترك طبقي شبه ممتلئ وأقوم لأبحث عن طعام جديد نافع .

فإذا اجتمع مع هذا الطعم غير المقبول إلحاحاً من جانب أمي أو أخوتي على تناول ما لا أحبه أصلاً من الطعام كالبروكلي أو الخضروات لفائدتها ، فإن هذا – لعمر الله – هو التعذيب بعينه ..

وأحياناً كان لساني يلعب معي ويعطيني طعماً زائفاً لنفسه دون أن أتناول أي طعام ، فكنت أشعر بطعم الأسبرين المذاب في فمي ، ويعلم أبناء جيلي جيداً سوء هذا الطعم حينما كنا نصاب بالانفلونزا ونحن أطفال ، فكانت أمهاتنا تذيب الحبة في ملعقة ماء ثم تجرعننا إياه .. فارتبط هذا المذاق الكريه بالحمى والمرض .

ولما بدأت جلسات العلاج الكيماوي taxotere أيقنت أن ما جرى معي أيام ac كان مداعبة ثقيلة من لساني ، فقط ليتحول الأمر الآن إلى جد ..

كنت لا أتمكن من تناول أي طعام في الأيام الخمسة الأولى حتى أني كنت أفقد في أول كل جلسة ثلاثة كيلوجرامات ، وكانت أمي تتوسل إلي لتناول المزيد من الطعام والذي كان لا يزيد بحال من الأحوال عما تأكله شمسي .. كنت لا أشتهي شيئاً في البداية ، ثم تطور الأمر ليتحول إحساس الطعام في فمي كالقماش .. وأخيراً كان هذا القماش سيء الطعم ، فينتهي بي الأمر لتركي الطعام بالكلية ..

حتى الماء كنت لا أجده مستساغاً .. أما زمزم ، فانس الموضوع !!

وإذا ما دعيت إلى العشاء عند إحدى صديقاتي أبكي على الأطلال .. أطلال حليمات التذوق ( الصاحية ) والتي كانت تعرف أن ما ألوكه الآن هو قطعة بيتزا لا شراب ابنتي القديم .

وسمعت في تلك الفترة محاضرة للشيخ أبي إسحاق الحويني يتكلم في قناة الحكمة عن الطعام وكيف أن المريض لا يكاد يجد طعماً لشيء ، ثم حكى عن شخص قال لحكيم : ما أطيب هذا الطعام ! فقال الحكيم : إنما طيبته العافية .

أذكر يومها كنت مستلقية على الأريكة باسترخاء وكسل وفتور ، فلما سمعت قولته فكأنما وقعت على كنز .. اعتدلت في جلستي ، واتسعات حدقتاي وأصغيت لكلامه ونفسي تحدثني : فعلاً ، إنما تطيبه العافية ، لا الملح ولا السكر .. وأخذت أهز رأسي بطرب وأنا أكرر لنفسي : الله ! إنما طيبته العافية .. ولولا خشية اتهامي بالعته لقلت : ياليل يا عين .

واليوم ، حينما أشتهي شيئاً ، فأذوقه ، فأجده كما أشتهيته تحملني الذكرى إلى تلك الأيام ( والتي لن أصفها بالسعيدة ولا التعيسة ) وأحمد الله على العافية التي فقدتها لفترة من الزمن .. الآن بإمكاني أن أتخيل البيتزا المقرمشة الأطراف ، الغنية بالصلصة الحمراء والمغطاة بالجبن الذائب ، و كعك الشوكولاتة المغطى بطبقة ثخينة من كريمة الشوكولاتة ، فأجد تفاصيل الطعوم واضحة لا تقبل اللبس ، الحامض والمالح والحلو ، كلها معتدلة لا يطغى طعم على الآخر ..

صدقوني .. الآن أجد أن مجرد ذكر هذه الأطعمة ووصفها يثير في نفسي الكثير من المتعة والبهجة فكيف بتناولها !

أخوتي في عالم الكيماوي ممن لم يمن الله عليهم بالشفاء بعد .. اصبروا .. ففرج الله قريب !

Read Full Post »

دخل إلى الحجرة تتقدمه عكازه الفاخرة ، يتوكأ عليها ، يمشي بوهن يحاذر السقوط .. جلس على أريكته الوثيرة بجانب قطته الشيرازية البيضاء .. نظرت إليه بعينيها الناعستين ثم أسندت رأسها على يدها وأكملت نومها . ألم كوخز الكهرباء يسري في رجليه .. هذا الألم يعاوده بين الفينة والفينة ولا يدري ما سببه ، ولا يريد أن يدري ! خلع نظارته وجعل يمسح عدساتها بمنديل كان جانبه ، ثم أرجع رأسه للخلف فالتقت عيناه بالصورة المعلقة في صدر المجلس .. صورة كبير فخمة لرجل وسيم نوعاً ما ، فارع الطول بثياب العمل ، خوذة المهندسين البيضاء في يده ، ومن خلفه يبدو المشروع الكبير الذي أدخله إلى مصاف الأغنياء ؛ المنتجع السياحي الرائع والذي ظل حديث الصحف لأعوام عديدة . لم يكن يرى الصور جيداً ، فالغبش أضحى رفيقه منذ أن أصيبت عيناه بالماء الأبيض من عدة أعوام . شعر فجأة بجفاف في حلقه .. نادى بصوته الواهن على زوجته عدة مرات قبل أن تأتيه الخادمة : نعم بابا .. ماما مافي .. ماما سافر بيت ماما سهام ..نسيت بابا ؟ نعم نعم .. سافرت زوجته اليوم صباحاً لتزور ابنتهما التي تقطن في مدينة أخرى ..كيف نسي ؟ لابد أن النسيان قد غدا أيضاً من رفقائه الدائمين هذه الأيام .. طلب منها ماء ثم عاد فأسند رأسه إلى الوراء يتأمل في هذه الصورة .. ويتعجب من هذه الدنيا .. فكر : لو كان يمثل في فيلم لتعالى صوت الموسيقى التصويرية الخافتة لتوحي كم هو حزين هذا الرجل .. ابتسم ساخراً من نفسه ومن خيالاته ، وحدث نفسه بصوت مرتفع : سبحان الله .. إيش هذي الدنيا ؟

 تلقائياً وبدون تفكير امتدت يده نحو ( الريموت ) وأشعل التلفاز .. على أي شيء ، أي شيء يمكن أن يطرد الأفكار الشريرة التي اعتادت على زيارته في الآونة الأخيرة .. وحين أقول الآونة الأخيرة ، فإني أقصد بها السنين الخمس الأخيرة .. فجأة ، شعر بالضعف والوهن ، فجأة شعر بالمرض , فجأة شعر بالـ.. وحدة !! هو يفهم لم يشعر بالضعف والوهن والمرض ، فهو قد جاوز السبعين حاملاً في يده حقيبة لا بأس بها ملأى بالأمراض : الضغط ، السكري ، الكلسترول ، التهابات متكررة في الرئة ، التهابات متكررة في المفاصل ، ماء أبيض في العينين ، لثة متقرحة بسبب تركيبة الأسنان التي تأبى أن يضبطها أي طبيب .. ولكن الوحدة .. لم يشعر بالوحدة وعنده زوج تهوى الثرثرة  إذا ما أتيحت لها الفرصة ، وخادمتان تشبهان مخدومتهما ، وتلفاز 50 بوصة يتربع بوقار أمام أريكته الأثيرة ، والكثير من المجلات والصحف اليومية تملأ حياته بعدما طلب التقاعد من خمس سنوات ليرتاح على حد زعمه .. أتراه وجد الراحة ؟

هو يشعر أنه هذه الراحة هي التي أتعبته . فجأة وجد نفسه خالياً من العمل ، كان يصحو يومياً وينهض من سريره ، فقط ليتمدد ثانية على الأريكة أمام التلفاز ، يتابع المباريات والبرامج الإخبارية ، ويقرأ الصحف والمجلات ، وينقضي النهار ليعود ليلاً وينام في سريره .. وبين هذا وذاك الكثير من المشاجرات مع زوجته وسائقه وخادمه، الكثير من الأفكار الشريرة التي تأخذ بمجامع فكره لسويعات قبل أن يقوم بمحاولة واهنة لطردها . تمر بعقله صور سريعة ، لكنها معبرة ، عن الماضي الجميل .. حين كان مشهوراً ، ومحبوباً من الناس لوسامته ، وكرمه و.. ماله وشهرته .. كثير ممن حوله كان يعلق معرفته الوثيقة بهذا الشخص وساماً على صدره لتُفتح أمامه أبواب كبيرة من الاهتمام والرعاية . هو درس وعمل بجد وتفان وإخلاص حتى وصل إلى ما كان ينشده من نجاحات ، بل وأكثر .. وبالتأكيد كان لابد من دفع ثمن لهذا النجاح .. والثمن المعتاد هو الأسرة .

كان كثير الغياب عن أسرته ، وفي الوقت ذاته كان نافد الصبر في تربيته لأولاده .. فكان يعاملهم بالكثير من الجفاء لأن إسباغ الحنان يستلزم وقتاً ، والوقت في حياته يساوي ذهباً وألماساً والمزيد من الترف والرفاهية .. و مع شدة كرمه المادي معهم ، إلا أنه كان شحيحاً بعواطفه ، فلا يذكر متى احتضن ابنه الأكبر ، ولعله قبّل بناته عدة مرات بعد أن كبرن .. أما الزوجة ، فقد خصها بأنواع  الازدراء والقرف لأنه كان يراها دون مستواه التعليمي بمراحل بعيدة .

 لا يعرف كم من المرات – لعلها تعد بالعشرات – أراد أحد أبنائه المراهقين أن يفصح له عن خوفه من تحرشات بعض ( البلطجية ) من الطلاب في مدرسته ، أو مروجي المخدرات ، أو عصابات الأزقة تعترض طريقه أثناء خروجه من المدرسة إذا تأخر السائق ، فخاف من بطشه ، وبلع سره في بطنه وسكت .. لا يعرف كم من المرات احتاجت إحدى بناته حضناً وقبلات وكلمات إطراء من رجل لترضي أنوثتها ، فوجدت أن الرجل الوحيد الذي بإمكانه أن يفعل ذلك مشغول ، أو مشغول.. وفي أحسن الأحوال : مشغول !!

تقاريرهم المدرسية توقعها أمهم بتوقيع الأب الذي أتقنت تزويره للحاجة ، المستشفيات لا تعرف وجهه إلا عند ولادة الأم ، وغير ذلك فلا دخل له إلا بالدفع .. قرأ مرة في الورقة الخلفية من إحدى كراريس المدرسة لابنته نادية : ( أبغى بابا يكون بابا ، مو مكينة صراف ) ، فرمى بالكراس بعيداً وهو يحدث نفسه بحنق : ( أهلك نفسي لأجلكم أيتها الحيوانات ) .

تحلق حوله صغاره مرة في محاولة يائسة منهم لجذب اهتمامه ، عله يكرم أحدهم بقبلة أو حضن دافئ وإن كان سريعاً .. الحق أنه حاول مجاراتهم إلا أنه لم يحتمل الأمر لأكثر من عشر دقائق ، ضاق بعدها ذرعاً بإزعاجهم ، فصرخ بهم : خلاااااص ، اذهبوا بعيداً .. يا الله ، متى تتزوجون وأرتاح من إزعاجكم .. ليرتفع صوت زوجته ” الجاهلة ” تذكره : لا تقل ذلك  أبا فلان .. سيأتي يوم تتمنى وجودهم بجانبك .. يرمقها بالازدراء المعهود وينهض مغادراً ” الإزعاج” ..

سمع مرة من خلف الباب المغلق حواراً سريعاً بين ابنه الكبير وأمه ، هي تقنعه بمدى حب أبيه لهم لكنه مشغول بتوفير الرزق الرغيد لهم ، وهو يقول بصوت – فكر كم يبدو مضحكاً مفتعل الخشونة بسبب بلوغه حديثاً ، وللغصة الكبيرة التي كانت بسبب البكاء ربما ، أو لعلها الحساسية .. أم أن أخاه هو المصاب بالحساسية – : لا نريد ألعاباً غالية ، ولا سيارات متجددة .. نريد أباً نشعر في ظله بالأمان .. نريد أباً يناقشنا كأب ما نفعل إزاء مشاكلنا ، أحلامنا ، اختياراتنا المدرسية والجامعية .. و… عندها غادر موقعه لأنه مستعجل ويريد اللحاق بالاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة ، همس بحنق بين أسنانه : ( مافش فايدة ) .. حيوانات !!

سنين مرت ، وتزوج البعض ، وسافر البعض الآخر للعمل أو الدراسة ، وخلا البيت الكبير إلا منه ومن زوجه .. ومع تقدمها في السن صارت شرسة .. ما بالها ( هذي الحرمة ) ؟ أكلمها فترد لي الكلمة أربعاً .. أنتقدها فتهوج في وجهي .. ما الذي تغير؟ أنا – عن نفسي -كما أنا .. لم أتغير أبداً ، ولكن ما بالها هي ؟ ( صاحية هي ؟ )

ومر المزيد من السنين وطلب التقاعد من الشركة لأنه يريد أن يرتاح بقية أيامه خاصة بعد إصابته ببعض الأمراض ، ويريد أن ينعم بمجالسة أولاده وأحفاده .. أولاد ؟ أحفاد ؟ ما معنى هاتين الكلمتين ؟ الآن فقط انتبه أنهم ما كانوا يزورونه إلا في الأعياد .. صحيح أنهم كلهم خارج المدينة ، لكن الطائرات ما أبقت عذراً لأحد بعدم الزيارة .. الآن فقط انتبه أن والدتهم هي التي كانت تزورهم كثيراً وتقضي عندهم أياماً طويلة .. الآن فقط انتبه إلى أنه يحتاجهم جداً .. نعم .. يحتاج لأن يخدموه ، ويؤنسوه في الليالي الشتوية الطويلة .. يحتاج لرؤية أحفاده ليحكي لهم بعضاً من قصص العصامية التي بنت حياته العملية .. يحتاج لأحضان بناته تدفئ قلبه المسن .. يحتاج بعضاً من استجلاب الذكريات السعيدة .. ذكريات سعيدة ؟ مامعنى هاتين الكلمتين ؟ يبدو أنه صار أعجمياً في الآونة الأخيرة .. أي ذكريات سعيدة ؟ هو لا يذكر عن أولاده إلا أنهم كانوا دائماً في حجراتهم يلعبون بالألعاب الغالية التي يغدقها عليهم أو متحلقين حول والدتهم عديمة الثقافة تحكي لهم قصة ما . هم لا يذكرون عن أبيهم إلا ازدرائه الواضح لأمهم ( أحب المخلوقات إلى قلوبهم الصغيرة ) ، وجملته الأثيرة : ( بأشتغل لكم يا حيوانات ) !! فأي ذكريات سعيدة عساها أن تستجلب ؟

نار بدأت صغيرة تتأجج في قلبه وهو يقلب صورهم .. في ذات الوقت الذي بدأت فيه آلام الشيخوخة بالزحف إلى جسده .. يعتصر قلبه حينما يسمع أصدقائه يحكون عن آخر قفشات أولادهم أو يقلدون لثغات ألسنة أحفادهم اللذيذة ، أو احتفاء زوجات أبنائهم به ، أو دعوة أزواج بناتهم له في رحلة القارب الفاخر، أو قضاء عطلة الأسبوع في الطائف .. مرة واحدة استلزمت جهداً جهيداً من نفسه المصابة بداء الكبرياء حين رفع السماعة على ابنته سهام والتي تعتبر أكثرهم براً بأبيها ، وقال : وحشتوني يا سهام .. وحشني أخوانك .. تعالوا مبكراً هذه المرة .. تعالوا من منتصف رمضان .. أفطروا عندي كلكم هذه السنة .. البيت يسعكم كلكم كما تعلمين .. أريد أن أملأ عيني برؤيتكم أجمعين .. أريد أن أشمكم وأحضنكم .. أريد أن أشبع من صحبتكم قبل أن أموت ..

لايعرف أن سهام بكت بكاء حاراً وهي تسمع هذه الكلمات ، ونفسها تهتف من عمق سحيق بداخل صدرها ( ليه مو من بدري هذا الكلام يا بابا ) ؟ لا يعرف أن سهام وأمها حاولتا كثيراً مع أخوتها لكنهم تعذروا بأعذار شتى .. ما كنت لتقنع أحداً ذا لب .. ولكنها كانت كافية لتسكت ذاك الصوت الرتيب القبيح في قلوبهم : كما تدين تدان !! وفعلاً ، لم يأت مبكراً في تلك السنة إلا سهام وأولادها .. بل إن بعض أولاده لم يحضر عشاء العيد لانشغاله بمؤتمرات مهمة خارج البلاد .. وفي الشهور التالية أبت عليه كبرياؤه أن يطلب رؤية أولاده وأحفاده مجدداً ، ولكن النار الصغيرة التي في قلبه كانت تزداداً اشتعالاً .. كان يشعر بها تلتهم شيئاً ما في قلبه .. ثم تزحف لصدره .. أحياناً يتخيل أنه يضم إليه ولده الأصغر فينتبه على نفسه وهو يعتصر الوسادة الصغيرة بيده .. يشعر بفراغ كبير في منطقة الصدر .. يريد أن يضم شيئاً .. فيضم الوسادة الحمراء ، ولكنها للأسف لا تفي ولا بربع الغرض ..

ارتفع صوت أنشودة ما في القناة التي فتحها .. رفع عينيه الباكيتين إلى التلفاز، شده هذا المنظر ، منظر الأب الوحيد الذي تركه ابنه ليسافر .. مسح عينيه بأصابعه المعروقتين ليتمكن من الرؤية بوضوح ، ومضى يتابع المقطع ، وشيئاً فشيئاً  نما في نفسه  برعم أمل صغير صغير ..

 

Read Full Post »

حينما كتبت ذاك الفصل من كتابي والذي سميته ” صديقتي الفاتنة سارة ” ، كنت أقصد به ذكر الحدث الجميل الذي مررت به ، والذي قدّر الله أن تكون بطلته صديقتي سارة ، في وقت تداعت علي آلام جسدية ونفسية كثيرة نشأت من جلسات الكيماوي المتلاحقة ، وأمور أخرى .

 أعجبني جداً محتواه ، وأعجبني أكثر عنوانه – ولا تعجب من إعجابي بصنعي ، فأرجو أن لا يكون ذلك غروراً ، وإنما هو تماماً كإعجاب ربة المنزل الماهرة بطبقها ، وإعجاب المهندس بديكور منزله الذي أنشأه– ولكن بعدها تردد في ذهني : كم من الفاتنات اللاتي قابلت في فترة مرضي هذه ؟ كم من الفاتنات أدخلن السرور على قلبي ؟ في إحدى التعليقات على تدوينة ” صديقتي الفاتنة سارة ” ذكرتُ أن الفاتنة عندي هي التي تبذل جهدها ووقتها ونفسها لمساعدة الغير ، وعلى هذا كانت حياتي العام الماضي ملأى بالفاتنات .. خلدت إحداهن – سارة – في أحد فصول كتابي ، والباقيات لسن بأقل منها وإن لم أذكرهن .

هناك ، في ذاكرتي ، مساحات واسعة شاسعة من الفضل لأهل الفضل ، قدموه لي بعفوية وتلقائية ، إما لأنهم على هذا جُبلوا ، أو لأنهم رأوا ما لإدخال السرور على قلب المسلم من أجر ..

اليوم ، حينما تلقيت نتيجة أشعتي الأخيرة والتي أظهرت خلو عظامي بفضل الله تعالى ومنته من المرض أرسلت بهاتفي الجوال لعدد من الأشخاص الذين كانوا يبدون اهتماماً كبيراً بنتيجة الأشعة أبشرهم بفضل الله علي .. وفي خلال عشر دقائق تلقيت من الرسائل النصية عدداً مماثلاً لما أرسلته وفوقها بعض المكالمات كلها تهنئ وتبرّك وتدعو الله بإسباغ النعمة عليّ وعلى ذريتي ، ومنهن من بكت من الفرح ، ومنهن من بشرت أهلها ، ومنهم من رتب لي ولائم .. وأنا بين هذا وذاك ، تغرورق عيني بالدموع امتناناً لهذا السيل الجارف من المشاعر الجميلة والعواطف الفياضة ..

عندها فكرت .. لابد من تدوينة شكر ، أشكر لكل هؤلاء الناس فضلهم ودفء مشاعرهم التي غمروني بها في أوقات كانت  أسناني تصطك فيها من شدة برد الظروف المحيطة آنذاك ، وكنت أشكو جدب القلب من الأمل أحياناً ، ومن ضيق الإحساس بالوحدة أحياناً أخرى .. فكانت مشاعرهم تمسح بيدها الحانية على قلبي الضعيف فيقوى بإذن الله عندما يعرف أن هناك ، في هذا العالم ، ما تزال مجموعة كبيرة من الناس تستحق أن تعيش لأجلها ، وأن تكافح المرض لأنها تقف وراءك وتشجعك وتبث في قلبك التفاؤل والمحبة .

هناك فايزة التي كانت تدعو ابنتي لطيفة عندها – لما غبت عنها لتلقي جلسات الكيماوي – تمسح على رأسها وتحتفي بها وتداعبها في وقت كانت فيه لطيفة تشكو من حالة ( ما عندك أحد ) !! أي جميل حمّلته فايزة ظهري بفعلها هذا ؟ هي تنعم بعيش هانئ بأخلاقها الجميلة ( الله يبارك لها ) وأنا أحيا تحت وطأة هذا الجميل الذي أسأل الله الكريم أن يجزيها عني خير الجزاء .

ونادية .. مرة ثانية ؟ نعم ثانية وثالثة وعاشرة وألف .. ألم أقل أنها وأهلها هم أهلي في المدينة ؟ تخجلني بإطرائها وثنائها علي ، تخجلني بتواضعها وخدمتها لي ، وتفانيها في إشعاري بالأهمية .. مرة أخرى أقول – وهذا للفائدة – كم من الخير تفعل لو أدخلت السرور على قلوب الناس ، وبالذات مريض السرطان ، الذي لا يفتأ يشعر بثقله على أحبابه والمجتمع ، وكثير منهم يشعر بالتعاسة وقرب انتهاء الحياة ، فتكون الكلمة الحسنة والمعاملة الجميلة والهدية الصغيرة والدعوة البسيطة غير المتكلفة مع جمع من الأصدقاء من أكثر الأمور المشعرة بأهمية هذا المريض والمنشطة لاستعادته زمام نفسه اليائسة مرة أخرى بإذن الله .

مروة .. بكرمها وحسن ضيافتها ، وإصرارها الدائم على زيارتها وحسن ظنها بي ..

ما عساي أن ( أحس فيه ) وهي تقول بلهجتها السورية المحببة ( أنت يا هناء حتة من ألبي ، الي بيألمك بيألمني ) .. أرسلتها لي رسالة نصية في تلك الليلة التي علمَت فيها بخبر مرضي ، ولم تجد الشجاعة الكافية لمواجهتي بما علمت ، لعلها إذ فعلت لفتحت عليّ وعليها سيولاً من الدموع .. صبرتني على بلائي وذكرتني بماضيّ القريب الذي كنت أطلب فيه العلم وأربي أولادي عليه .. أشعرتني أن هذا البلاء الذي أصابني كان نعمة من الله يريد بها تعالى أن يتمّ بها عليّ باقي نعمه بتكفيره للسيئات وبرفعه للدرجات .

بعض بنات منتداي الحبيب في سؤالهن عني واهتمامهن بأمر نتيجتي ، ثم استعمال ألفاظ صغيرة شديدة العذوبة وقوية في الإفصاح عما في القلب : ملح التجمع ، روح التجمع ، قلب التجمع .. فيزهو قلبي ويختال  أن هؤلاء – بفضل الله – يحببنني ..

بدرية التي أعطتني في أول مرضي زجاجة كبيرة من زيت السمسم المقروء عليه ، لينا التي لم تنسني من طيب طعامها ورقيتها لي في أيام الكيماوي العصيبة ، لمياء التي كانت تعرض علي سائقها إذا ما احتجته بأريحية تُغبط عليها ، أهلي المحبون الذين تتهاوى أمامهم كل صور الحب والوفاء ..

كل هذه الأمور تثير في نفسي – إذا ما أمعنت فيها التفكير – عجباً كبيراً من هذه النفس البشرية التي تحب الاهتمام ، وتسقي أرضها المزهرة المشاعر الإيجابية .. كاذب من يدعي أنه لا يهتم بحب الناس أو ثناؤهم ، وحزين من يرفض هذا الحب والاهتمام ، وبخيل من يضن بإظهارهما ..

علمتني كل هذه الصور وأمثالها أن أخرج من ( وضعية أبي الهول ) المغرقة في الصمت ، وأبدأ في التفاعل مع الناس ، فقط لأدخل السرور على قلوبهم ،كما أدخل كل هؤلاء الرائعين على قلبي السرور وأشعروني بالبهجة والمتاع .. أشكر من يستحق الشكر ، وأثني على من يسعده الثناء – وكلنا ذاك الرجل – وأحيي الأمل في قلب الكسير بكلمات نابعة من القلب ..

كلنا نحتاج إلى إغداق الكثير من المشاعر الجميلة لنستلمها في يوم من الأيام ، في وقت قد نكون فيه بأمس الحاجة إليها .. والجميل في الأمر أن هذا أمر لا يكلف الكثير من الجهد أو الوقت أو المال .. فقط ، أخرج عن صمتك وأطلق لمشاعرك العنان ، و-صدقني- هي التي ستقودك إلى الطريق الصحيح ..

 

Read Full Post »

حينما عرفت بخبر إصابتي بالسرطان ، خشيت على أمي خشية شديدة .. أخبركم نزراً يسيراً عن نفسي .. أنا الابنة الصغرى والوحيدة لأمي . توفي والدي رحمه الله وأنا في العاشرة , ولأمي ابن مراهق يكبرني بخمس سنوات .. لك أن تتخيل كيف عانت أمي لتربي مراهقين عنيدين وحدها . كانت أمي شديدة التعلق بي ، ولما تزوجت سافرت مع زوجي إلى مقر عمله ، وهكذا أمضيت أربعاً وعشرين سنة بعيدة عنها ، أزورها فقط في الإجازات والأعياد ..

في الآونة الأخيرة قبل أن أصاب بمرضي لاحظت أن أمي كانت تطيل النظر إليّ . تغافلني وتنظر في وجهي وكأنها تملأ عينيها من صورتي . كنت أعرف أنها تراني – أنا ابنة الأربعين – تماماً كما أرى الآن شمسي الصغيرة .. أتوقع أنها كانت تتمنى لو تضمني وتشمني كما أفعل أنا بشمس ، ولكن للأسف ، لم يعتد – كلانا – على ذلك .

فلما أصبت بالسرطان ، لم أعلم كيف كنت لأمهد لها الأمر .. أخبرتها أني جئت لأكشف على ( وريم ) صغير اكتشفته في ثديي الأيسر ، وأنه غير مقلقي إلا أن أبا خالد مصر على استشارة الأطباء في جدة .. لا أدري كم من المرات زلت لساني وذكرت أنني أجريت أشعة في المدينة ، وعينة ، وأشعة أخرى . ولكن أمي كانت كالمنومة التي لا تريد أن تصدق إلا ما أملاه عليها عقلها .. عقلها أخبرها أن ما أصاب هناء ورم حميد ، بالضبط كالذي أصابها هي نفسها قبل أكثر من ثلاثين سنة ، وفي الثدي نفسه ، لذا فإنها لم تكن لتبدي اكتراثاً بهذا الجاثم على صدري ، وبدلاً من ذلك فقد أولت اهتماماً كبيراً للانفلونزا الخفيفة التي أصابتني خشية أن تكون انفلونزا خنازير خاصة وأنها أصابت البعض من عائلتي .

حاولت أن أعلمها بالخبر بروية .. كل يومين أعطيها معلومة جديدة ، وأسرب لها نبأً لم تكن تعلمه . حتى تكونت عندها صورة شبه واضحة عن إصابتي بالسرطان ، وياللعجب ، لم تبد انزعاجاً كما توقعت .. مجرد شعور بالحزن العميق والهم . ابتلعت أمي كل آلامها وأحزانها حتى لا تشعرني بالأسى على نفسي ، خاصة وأني كنت أمر ببعض المشاكل العائلية . كنت في هذه الفترة أحاول مضاعفة مرحي لئلا تشعر بهمي . نعم ، صحيح أني تقبلت الأمر بحمد الله ، ولكن لم يخل بالي من الهم والتفكير .. هذا أمر جديد في عائلتي . لا نعرف أحداً أصيب بهذا المرض هنا. السرطان .. يالها من كلمة لها رنين مزعج وغريب . هذا أمر يحدث للآخرين فقط ، فما باله يحدث لنا الآن ؟

 كنت أستغل كل دقائق انفرادنا ببعضنا لأحكي لها حكايات مضحكة، وأفتعل المرح لأصرف عن ذهنها التفكير بمرضي .. ولكن ماذا يُتوقع من أم تعرف أن ابنتها الوحيدة قد أصيبت بهذا البعبع ؟

أمي ليست طبيعية ، حتماً .. شهر مر حتى الآن ولم تصارحني بحقيقة مشاعرها أو تبكي .. أتراها لا زالت في مرحلة التكذيب ؟ أخشى عليها الانهيار النفسي .. لابد أن تبكي .. لا بد أن تتكلم . صمودها هذا ضباب رقيق يخفي وراءه جبالاً من الألم أخشى أن تتصدع ، ولكن متى ، وكيف ؟

حتى كان اليوم الذي كنا نتفرج فيه على التلفاز ، ورأت أمي لأول مرة أنشودة ( شفاء بسمة ) .. لا أزال أبكي حتى الآن كلما سمعت هذه الأنشودة .. وأكره أن أشاهد مقطعها التمثيلي بحضرة أحد إذ سرعان ما تفضحني دموعي وصوتي المخنوق بالعبرات .

 

كالعادة غصصت بهذا الشعور الذي لا أعرف سره حتى هذه اللحظة ودمعت عيناي .. أشحت بوجهي عن أمي كي لا ترى دمعتي ، ولكي لا أرى بكاءها .. لمحت وجهها قد احمر جداً ، وسمعت تسارع أنفاسها تحاول كبت شيء ما ، لم تغير أمي القناة كما توقعت ، ولكنها تسمرت أمام الشاشة وأرعت سمعها لكلمات النشيد الجميلة .. كلمات ملأى بالتفاؤل والأمل .

انتهى النشيد ، وزفرت أمي زفرة حارة تحاول بها أن تكفكف دمع قلبها . كالعادة غيرت الموضوع ..

في المساء .. أخبرت أمي عن عائلة تحتاج للصدقة لو كان عندها ما تبذله . فأخبرتني أن أذكرها قبل النوم .. سكتت برهة .. ثم قالت بصوت مرتجف : أخرجت ألف ريال .. صدقة ليشفيك الله من السرطان .. ثم انفجرت ببكاء مرير ، حار أودعت فيه عذابات الأيام الماضية .. السهر والقلق في الليل .. الدعاء الخاشع الخالص لله ربي أن يشفيني .. آلام الخوف من أن تنالني يد الموت وتُحرم من ابنتها الصغرى والوحيدة .. الموت .. الموت .. نعم . هذا ما كان يؤرقها ، فمتى كنا نعرف أن السرطان لا يميت ؟

بكت في حضني ، وبكيت معها ، لا على نفسي ، ولكن على هذه المرأة الضعيفة ، التي أضحى رأسها أبيض كالثلج ، وأوهن جسدها الضئيل العمر ومحن السنين ، وهاهي الآن تُصاب في فؤادها .

 أخيراً يا أمي .. أخرجت خبايا قلبك .. أفرغت شحنات الألم والخوف والقلق السالبة التي أرقتك الأيام الماضية .. الحمد لله .. هذا ما كنت أريده .. الآن فقط بإمكانك يا أمي أن ترعيني في مرضي .. والآن فقط اطمئننت عليك !

Read Full Post »

البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟

الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟

أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .

الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..

 ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .

أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..

أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .

حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .

بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة  ، وقد علته حمرة بسيطة.

 أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..

 ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟

صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
 فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .

قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد  والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..

تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .

انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .

أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »