تدوينة اليوم لا فائدة لها على الإطلاق ، ولكنكم أصبحتم جزءاً من حياتي ، فأحببت أن أضحككم معي . لا أعرف إذا كنت ستضحكون أو لا ، ولكني سأرجو ذلك .
من بضعة أشهر اكتسبت ابنتي الصغرى شمس والبالغة من الأعوام أربعاً ونصف ، عادة جديدة . لا أستطيع أن أصفها بالسيئة ولا بالحسنة ، إذ يمكن وصفها بالاثنين معاً وذلك بحسب الحال .
صارت طالبة مدرسة وهي لما تدخل المدرسة بعد . تنام من الثامنة مساء مع أختها لطيفة وتستيقظ معنا فجراً ، وتظل مستيقظة حتى موعد نومها مساء .
لك أن تتخيل بعدما ينصرف الأولاد إلى مدارسهم وأعزم على العودة مجدداً للنوم ماذا تفعل شمس في هذه السويعات ؟
إليك نظامنا اليومي في هذه الفترة فقط لتتخيل الوضع : أستيقظ لصلاة الفجر وأوقظ الأولاد ، فيبدأ مسلسل ( ترزيع أبواب الحمامات ) والتحدث بصوت مرتفع مفترضين أن على جميع من في الدار الاستيقاظ ، فتشرق شمسي بالطبع ..
تشرق شمسي ساطعة ما شاء الله ، ( طبعاً فقد نامت منذ الثامنة مساء ) وتلعب مع أخوتها وتتحكى معهم وتودعهم عند ذهابهم للمدارس والجامعات من شباك حجرتي مع تأكيدهم عليها ألا تصرخ في الشارع : ( جيبوا لي حلاوة معاكم ) .
أظل بعد ذهابهم مستيقظة بعض الوقت لأقرأ القرآن أو أتفقد منتداي أو أذاكر ، وفي هذه الأثناء تكون شمسي بجواري تلعب بالأيبود أو تحكّي نفسها من كتبها ، أو تظل تلح علي بترك ما بيدي لأحكي لها حكاية .
فإذا ما انتهيت من عملي واستلقيت تحت غطائي والنوم يداعب جفناي بقوة تظل شمس تصرخ فوق رأسي ( أبغى حكاية ) ..
أحياناً أتمكن من إعطائها ما تريد : حكاية سريعة وملفقة أسكتها بها ، وأحياناً يكون النعاس قد بلغ مني مبلغاً كبيراً فأرفض .
اليوم كان من تلك الأيام التي رفضت فيها أن أحكي لها حكاية لأني أريد أن أنام وقتاً كافياً قبل أن أستيقظ مجدداً للمذاكرة ، فالامتحانات على الأبواب ، والطالبة التي في سن جدتي عندها 7 مواد في هذا الفصل تبلغ 25 ساعة ، وأظل أتحسر على أوقات الفراغ الماضية واستيقاظ الظهيرة ، التي صرت أملؤها دراسة واستذكاراً ..
خرجت عن الموضوع ؟ عذراً . لعلي أحكي بعض شجون الدراسة في تدوينة أخرى.
المهم أني قررت أن أنام ورفضت كل محاولات شمس في أن أحكي لها حكاية ،فقررت هي أن تحكي .
سألتني : تريدين حكاية الزرافة ؟
قلت : نعم ( وأنا لم أحك لها أي حكاية عن أي زرافة من قبل فلا أدري من أين أتت بها ) .
قالت : والصياد والأصدقاء ؟
قلت : نعم ( وأقول في نفسي : أي شيء الله يرحم أمك ، فقط دعيني أنام )!
قالت : والنزمة ؟ ( النجمة )
قلت : نعم ، هيا بسرعة .
فقالت ( وسأكتب لكم كيف تلفظت ، وانتبهوا جيداً لتشكيل الكلمات )
كين يا ميكين ، في قديم …… النزمين ( تستهبل ) ، ثم نظرت إليّ لترى وقع هذه ( الظرافة ) عليّ ، فلم تر مني إلا انسحاباً تدريجياً لعالم الغيبوبة .
أكملت : لأ ، كين يا ماكين وسالف العصر والأوين ، كان في زرافتيْن .. وبطتيْن .. ونزمتيْن .. وصديقتين .. وبنتيْن ، و..
وهنا قاطعتها : ماهذه الحكاية (البايخة) ؟
فقالت متأثرة : ( ليش تقولي بايخة ؟ أنا ما أقول عن الي تحكيني بايخة ) !
فقلت : لكن حكايتك بايخة بالفعل ، وأنا لا أحكي لك : كان فيه زرافتين وبطتين ونجمتين وتوتة توتة خلصت الحدوتة .
قالت محتجة : ما حأقول توتة توتة .. ما خلصت الحكاية .
قلت باستسلام : حسنا ، أكملي .
وأغلقت عيناي مرة ثانية لأنام وذهني يعمل : كم هي فرحة بهذا ( الغثا ) الذي تقوله وتفعله بتذاكي ، تحسب أنها تبهرني بظرفها وخفة دمها .. يا ترى ، ألا نفعل نحن أحياناً مثلهم ؟
نخطئ في تصرفاتنا أو أقوالنا أو مزاحنا ونحسب أنفسنا وسيمين ورائعين في حين يرانا محدثونا في قمة الغثاثة ؟
بدأت أنسحب مرة ثانية إلى عالم الغيبوبة تحت رتابة صوت شمس وهي تعيد اللازمة ( الحكاياتية ) :كين يا ما كين … الخ .
وجلست تحكي عن الزرافة التي جاء الصياد ليصطادها بالبندقية ..
ما هذا !!
أصبحت حكايات شمس عنيفة في هذه الأيام ، فمرة أكل الذئب البطة ، والمرة الثانية ، أكلت البطة السمكة ..
وزادت هي في دراما الموقف عندما قالت : إن البطة الأم بكت وقالت : اااااه يابنتيييييي ..
يا الله .. ماهذه السوداوية ..
أنا لا أحكي لها حكايات عنيفة كهذه ، فمن أين تأتي بهذه الأفكار ؟
والآن الصياد يريد أن ( يقتل ) الزرافة ..
عندها اعترضت على الحكاية وقلت لها أني لا أحب حكاياتك ، فقررت للتو تغيير الحكاية .
أعادت المتلازمة مرة أخرى ، وللمرة الثالثة أغلقت عيناي لأنام ، وسمعتها تقول : كان فيه زرافة ، وبعدين زا ( جاء ) ال… المين ؟ الصياد وقال للزرافة : هوه هوه يا زرافة ، أنا أمك !
فتحت عيني بدهشة وسألتها : الصياد صار أم الزرافة ؟
فقالت بثقة : ايوة .. خلاص لا تقاطعيني .. وبعدين كانت الزرافتيْن ( يلعبوتان ) …
( يلعبوتان ) ظنت أنها بذلك تثني الفعل ، فجاءت به مثنى مجموعاً ( من زود التحمس للكلام بالفصحى ) ، فضحكت بقوة مع محاولة شديدة لكتماني الضحك ، فكانت النتيجة أن فتحتي أنفي كانتا تفتحان وتغلقان بسرعة ، فحانت منها التفاتة على صوت ضحكي المكتوم وقطعت حكايتها ونظرت إليّ مندهشة ، وأشارت إلى أنفي وقالت: واااه ، ( خشمك ) !!
هنا انهارت آخر معاقلي وحصوني وانفجرت ضاحكة بصوت مرتفع وساهم التوتر والنعاس في زيادة جرعة الضحك ، فنظرت إليّ بحرج واستهجان ، ثم غضب وأدارت ظهرها وقالت : (خلاص ، مافي حكاية ) وغطت وجهها بالغطاء . وأنا مستغرقة في ضحكي مما زادها استياء فصارت تقول غاضبة : بلا ضَحَك !!
حتى تمالكت نفسي بعد 3 دقائق وسكتّ .. وحاولت أن أرضيها بالقبلات والأحضان ، حتى رضيت ..
وعادت إلى حكايتها …
ألا أيها الصبح الطويل ألا انجلي !!
وعدت إلى نومي .. وأخيراً وبعد طول انتظار رددت شمسي متلازمة النهاية :توتة توتة ، خلصت الحدوتة ..حلوة والا مفلوتة ؟
قلت وأنا لا أكاد أفتح فمي من النعاس : مفلوتة ..
فسألت : ( مزبوطة ؟)
فأومأت برأسي ، وغرقت في نوم عمييييييييق .

0.000000
0.000000
Read Full Post »