البارحة دعتني نادية العزيزة إلى حضور تختيمة .. وماذا في ذلك ؟ ما الجديد في الأمر ؟
الجديد في الأمر أن هذه أول ختمة لصديقتي الفاتنة سارة ، أو بالأدق : أول إجازة تجيزها . تشعرون أنها مصطلحات شبيهة بالهيروغليفية ؟ ختمة وإجازة ؟
أنا أخبركم ، الإجازة في القرآن هي شهادة من الشيخ لطالبه بأنه قرأ عليه القرآن كاملاً غيباً مع التجويد والإتقان وأصبح مؤهلاً للإقراء . وهذه الإجازة تؤخذ عن طريق السند المتصل من الشيخ عن شيخه عن شيخه إلى أن يصل السند إلى الصحابي الذي أخذ عن النبي صلى الله عليه وسلم .
الآن نعود لقصتنا .. في البداية دعتني نادية لحضور حفل التختيم ، فتعذرت بأولادي الذين كنت أذاكر لهم مادة الانجليزي ، فالاختبارات كما تعلمون السبت ، ولكنها ألحت عليّ بالمجيء لأنها ( ستتنغص لي ) لو اجتمعن كلهن ولم أحضر أنا ..
ويا حب المرأة للخروج !! تشجعت بالطبع لأني أحب صديقاتي الرائعات وأحب تواجدي معهن وعلى رأسهن نادية التي أعتبرها بمثابة أختي الكبرى هنا في المدينة حيث لا أهل لي إلا هي وأهلها . استأذنت لي نادية من ربة المنزل في مجيئي فرحبت بي ترحيباً حاراً . وهكذا مرت علي بسيارتها وذهبنا معاً للتختيم .
أحب دائماً أن أتخيل نفسي مكان الآخرين .. دائماً أجد متعة في تصور مشاعر الغير ، في حالات الحزن والفرح والإثارة والملل . أشعر أني كلما فعلت ذلك فإني أعيش قصة جديدة .. وأحاول أن أستخلص من هذه المشاعر نعم الله عليّ . من الضروري أن تتعرف على نعم الله عليك لتتمكن من العيش بسعادة مهما تكالبت عليك المحن ..
أستطرد كثيراً ؟ لا بأس ، هذه من عاداتي السيئة التي أتحلى بها والتي لا أحاول أن أتخلص منها . ولكني أريدك فقط أن تعرف مشاعري .
حضرت سارة وكان ظاهراً عليها التوتر ، كما ظهر ذلك على هيفاء – الطالبة – نفسها .. ضحكت في سري وأنا أراقب تعابير وجهيهما .. ملت قليلاً عليهما وقلت : تبدوان كأنكما عريس وعروس في ليلة الزفاف !! يبدو أن دعابتي لم تفلح كثيراً في تخفيف توترهما ومضت هيفاء تعبث بأصابع يديها ، وسارة تضحك مع صديقتنا الأخرى تداري حقيقة مشاعرها ، وأنا ونادية بجانبهما ننعم بوقتنا وبمراقبتهما .
بدأت القراءة ، وساد المجلس الكبير هدوء طاغ ، في حين ارتفع صوت هيفاء يقرأ ابتداء من سورة الزلزلة .. صوتها يرتعش ، وعضلات وجهها ترتجف بخفة شديدة ، وقد علته حمرة بسيطة.
أعرف هذا الشعور .. حين يصمت الكل فقط ليسمع صوتك ، وتتطلع الأعين إليك وحدك ، يدق قلبك فتسمع دقاته في أذنيك ، ويندفع الدم إلى وجهك حتى تخاله سيفجّره ، في حين تتثلج أطرافك في تناقض عجيب مع حرارة وجهك .. مضت هيفاء في قرائتها مترسلة ، تقرأ الآيات المكية وأتصور في ذهني رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقرؤها على قريش الكافرة ..
ويح قريش .. رسول الله ، الصادق الأمين ، ذاك الرجل الرائع فداه أبي وأمي يقرأ عليهم قوارع القلوب وهم يسخرون بكل صلف وتحدي .. ألم تهزهم الآيات ؟ ألم تطيّر قلوبهم مشاهد القيامة؟ كيف صمدوا أمام روعة بيانها ولم تجث لهم قاماتهم القزمة وهم من هم في البلاغة والبيان .. أي عناد وكبر ملأ قلوب هؤلاء الملأ ؟
صحوت من تأملاتي وهيفاء تختم سورة الناس ، وارتفعت أصوات التكبير .. بكت من الفرح .. في حين ارتفع صوت سارة تدعو بدعاء ختم القرآن في رهبة وخشوع .
فلما انتهت قامت هيفاء تقبل سارة وتحضنها .. كلاهما تبكيان .. بل كلنا بكينا .. ما أجمل هذا الشعور الرائع بالإنجاز .. وأي إنجاز .. إنجاز أن تنهي حفظ القرآن متقناً ومجوداً ، فتستشعر أن الله تعالى يوم القيامة يقول لك : ارق وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها .. وإنجاز أن تقرئ طالباً نبيهاً القرآن فيقرِئه غيره فيكون لك من الأجر مثل ما لهؤلاء جميعاً في كل حرف من كتاب الله يقرؤونه .
قامت النساء تهنئنها ، في حين احتضنت سارة التي تلألأت عيناها بدموع الرهبة والفرح ، وقلت لها : مبارك يا شيخة الإجازة الأولى .. وفي الدقائق التالية شاهدت أجمل تعبير بالفرح .. أنشدت إحدى المدعوات أناشيد النجاح ، ثم أتي لها بدف فضربت عليه .. كدت أن أقوم لأني لا أحب الدف في غير العيد والنكاح ، إلا أن نادية قالت لي : يا هناء .. إنهن فرِحات !! هنا جلست مرة ثانية وقول الله تعالى يتردد في ذهني : ” قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا ، هو خير مما يجمعون ” .. فضل الله القرآن .. نعم .. هذا هو الفرح الحقيقي ، وإن كان الشرع قد أباح لنا الضرب بالدف في العيد والنكاح لما فيهما من فرح ، فوالله إن الفرح بختم القرآن لهو أعظم منهما ..
تطلعت إلى وجه الطالبة والبشر يغمر وجهها وغبطتُها .. غبطتها لقوة عزيمتها – بارك الله عليها- فهي ليست صغيرة في السن ، وإنما جدة .. نعم .. من فئة الخالات إياهن ( فضلا مراجعة تدوينة الخالة ) . ولكن كم من النساء تبلغ هذه السن وتعتقد أن دورهن في الحياة بعد أن تزوّج العيال هو التفرغ للزيارات والاجتماعات وتعويض النفس ما حُرمته من الخروج ومتع الحياة .. أما أن تفرغ نفسها لتحفظ القرآن مجوداً ، أو تنخرط في إحدى الجمعيات التطوعية لمساعدة المحاويج ، أو تطلب العلم ، فهذا لا تدركه إلا من وفقها الله لذلك .
انتهى حفل البارحة وفي نفسي قويت عزيمة مراجعة القرآن الذي حفظته من ثمان عشرة سنة دون أن أراجعه ، أولاً وأخيراً كانت مراجعة القرآن إحدى الأساسيات التي كانت تشبثني بالحياة كلما هممت أن أتراجع وأقرر الموت .
أريد أن أحصل على مثل فرحة هيفاء .. قريباً جداً .