كثير منا تقابله مواقف في حياته قد تكون سارة أو غير ذلك ، ويريد أن يهرب من مواجهتها .
لماذا يهرب من المواقف السارة ؟
لأي سبب .. قديكون الخجل أو الرهبة أو شدة الإثارة ويخشى أن تنفلت انفعالاته بما لا يحمدعقباه .
أسباب كثيرة .
وباعتقادي أن لكل إنسان طريقته في الهرب .
هناك من يهرب بالنوم ، أو باللجوء إلى الكتابة ، أو طرق أخرى ملتوية !
صغارنا حين ننظر إليهم بصرامة إذا ما أخطئوا كانوا يغمضون أعينهم يحسبون أنا لا نراهم كما أنهم لا يروننا .
والبدين يهرب من تأثره بالبدانة بأن يسخر من نفسه على الدوام ، من باب ( أنا أتتريق على نفسي لا أحد يتتريق علي ) ، وقل مثل ذلك في الطويل والقصير .
حين كنت صغيرة كان أبي رحمه الله يجمعنا لصلاة المغرب جماعة .
أذكر جيداً أني كنت في العاشرة تقريباً وكنت أقرأ قصة عن بلال بن رباح رضي الله عنه حين أمرتني أمي بالتجهز للصلاة .
طيب .. في الحقيقة لم أكن أحب صلاة الجماعة كثيراً ، ولعل سبب ذلك واضح .
لماذا تحرص بنت العاشرة على صلاة الجماعة في حين أن بإمكانها أن تؤديها منفردة في نصف دقيقة ؟
لذا كان لابد لي من الهروب ..
قلت لأمي بجدية : لا أستطيع الآن .. أنا أقرأ عن بلال بن رباح !!
قالي لي بحزم أكبر : قومي الآن .
قمت وأنا متعجبة و( مستصيبة ) ..
أستغفر الله .. أقول لكم أقرأ عن بلال بن رباح وتقولون لي : قومي صلي ؟
يعني ( إيش أفود ) ؟ التعرف على الصحابي والا الصلاة مثلاً ؟
انتم عجيبون !!
وفي القاهرة كان لي موقف آخر مشابه مع ابنة خالتي التي كنا في زيارة لهم .
طلبت مني أن أذرع الردهة جيئة وذهاباً بابنها الصغير أدفعه في عربيته لتنويمه .
ما هذا العمل الممل ؟
كان يصرخ ( كالكفتيرة ) .
عندها ( تذكرت ) أن أمي طلبت مني أن أصلي العصر ..
أخبرتها أني وددت لو استطعت مساعدتها ، ولكن أمي طلبت مني أن أصلي ، وتعلمين أن الصلاة يجب أداءها على الفور !!
طبعاً ذهبت وشعرت ( بحاجتي الروحية ) لتجديد وضوئي ، ثم بحثت لبرهة عن ( الشرشف ) الملقى فعلياً فوق السرير أمامي ، ثم صليت أربع ركعات خاشعات لا تسأل عن حسنهن وطولهن !!
هذه السن عجيبة بالفعل .
أقصد بين 8-10 سنوات .
فقط لإضحاككم أذكر هذه القصة .
أذكر أني في إحدى الأيام حين كنت في هذه المرحلة العمرية العجيبة غضبت من والديّ غضباً شديداً .
لاأذكر السبب .
ولكني قررت الانتحار !
دخلت الغرفة وأغلقت الباب بالمفتاح .
وانتظرت لينتهي الأكسجين فأموت ، وعندها سيكسر أبويّ الباب ويجدانني قد فارقت الحياة وقد ازرق وجهي اختناقاً ، فيموتان كمداً ..
وبذلك أكون قد انتقمت منهم !
تصبب العرق مني .. وبدأت أشعر بالدوار .
وفجأة غبت عن الوعي ..
للأسف أنه لم يكن إغماء .
وبعد ساعتين دقت أمي الباب بشدة وأيقظتني من نومي وأمرتني أن أفتح الباب حالاً ، وضيعت علي فرصة الانتحار الذهبية !
طبعا أستفيد من هذه القصص الآن حينما أرى ما الذي تفعله بي لطيفة وشمس .
فقط علي أن أتحلى بالمزيد من الصبر وأضع نفسي مكانهما وأتذكر الأيام الخوالي التي كنت آتي فيها لأمي بالعجائب .
تناولت لطيفة يوماً الغداء ثم قامت وغسلت يديها .
ولما انتبهت إلى أنها لم تستغرق في غسل يديها وقتاً طويلاً علمت أنها غسلتهما بالماء فقط ، فناديتها وسألتها : هل غسلت يديك ؟
قالت بثقة : نعم .
قلت : شميها !
فشمتها وقالت : الله ( ومدت بها صوتها ) .
في الحقيقة أني شككت في فراستي لوهلة .
هاهنا ثقة مفرطة بنظافة اليدين حتى أنها تقول ( الله ) بإعجاب .
ولكني صمدت فجأة وطلبت منها أن أشمها ..
طبعاً النتيجة معروفة ..
رائحة دجاج ورز ولبن وسلطة مجتمعة
والآن بعد أن كبرت كلما ضاقت بي الحال أو شعرت بالملل ، أو بالضغوط النفسية فإني لازلت أهرب.
ولكن لا للأسف ..
ليس إلى الصلاة والذكر ، ولكن إلى الطعام .
وهذا ما يسمى بالأكل العاطفي emotional eating
ولهذا فقد زاد وزني في الفصل الماضي ثمانية كيلوات ..
لن أقول أنها كلها بسبب الضغوط النفسية المصاحبة للاختبارات ، ولكن هناك العلاج الهرموني أيضاً والذي يسبب زيادة الوزن .
مالم أفلح في إتقان الهروب فيه هو حين يثني علي أحد ما .
لا يخلو المرء من أن يفعل شيئاً يستحق أن يثنى عليه ..
هي عندي طامة .
نعم .. أحب الثناء والمديح ، وكاذب من يقول أنه لا يحبه .
ولكني ( أحوس ) فيه بشدة .
أكرمني الله ببعض الصديقات اللواتي ( أخذن مقلباً جامداً ) فيّ .
أشعر أحياناً أنهم لا يدخرون جهداً في الثناء عليّ و (قطع رقبتي ) .
بعضهن كن يعتقدن أني عبد الله بن المبارك !
ووالله أني ليدخلني من الهم الكثير إذ لا أعرف كيف أتصرف ، وأظل أتمتم : الله المستعان ، الله المستعان ، أستغفر الله أستغفر الله .
فإن كان الثناء مواجهة ومشافهة فإنها الليلة الليلاء والبلية الدهماء .
ماذا أفعل بيدي ؟ هل أعقدهما ، أو أرسلهما ؟
هل أنظر في المتكلم أو المستمع أو في الأرض ؟
هل أبتسم ببلاهة أو أحرك رأسي كالحكماء وأقول برصانة : الحمد لله .
وتنقضي دقيقة الثناء كالدهر ، قبل أن أتنفس الصعداء ..
ثم حين تهدأ نفسي أجتر الكلمات التي قيلت ليستمتع قلبي بمذاقها الجميل .
هممم .
أكاد أقرأ ما يدور في أذهانكم ؟
تستجلب المدح بهذا الكلام ؟
طيب عادي ..
إذا أردتم أن تثنوا في المدونة فأهلا بكم ..
على الأقل لن أراكم وجهاً لوجه .
وإن فكرتم : كم هي صفيقة ، فعادي كذلك ..
لابد لمريضة السرطان أن تثني على نفسها أو تستجلب الثناء لتفرح ..
فمرضنا فيه الكثير من الأحزان ، ودوركم إدخال السرور على قلب المرضى .
وعلى هذا ..
فهل لكم ان تكتبوا لي عن هروبكم كيف يكون لتدخلوا بعض السرورعلى قلبي الكهل ؟
اكون لكم من الشاكرات : )
