اليوم أنهيت اختباراتي للدورة التأهلية بحمد الله ..
ماذا ؟ لا تعرفون أني أدرس أصلاً ؟ حسنا ً .. أخبركم منذ البداية .
في البداية كان الحلم القديم بإكمال دراستي ولكنه كعادة أي حلم يحترم نفسه : يزول حينما يريده صاحبه أن يتحول إلى حقيقة .. يستيقظ المرء ليكتشف أنه لا يزال على فراشه ولم يغادر مكانه ، وأن كل ما رآه كان عبارة عن حلم .. المضحك في الأمر أني كنت أرى نفسي في أحلامي الحقيقية وأنا أدرس الجامعة .. فأتنهد وأبتسم في نفسي هازئة وأقول : حتى أحلامي موضوعها حلمي الكبير ! وأقوم لأنفض عن ذهني هذه ( الكوابيس ) .
فلما أصبت بالسرطان وانخرطت في مراحل العلاج المتعبة جداً بما فيها من آلام وانخفاض طاقة وغثيان مستمر ، وبعض المشاكل العائلية ، كل أولئك كان يجعلني أحياناً أمر بفترة زهد في الحياة .. كنت أستلقي أحياناً إذا ما شعرت بتكالب الأمور عليّ ، فأسرح بفكري بعيداً وينطق ذهني دون لساني : آآآآآه ، ألا موت يباع فأشتريه فهذا العيش ما لا خير فيه ، ألا موت لذيذ الطعم يأتي يخلصني من العيش الكريه !!
إلا أني لاأطلق لنفسي العنان في الخوض في هذه الأفكار الشريرة فأرميها وراء ظهري ، فقط لأعيش بسلام .. كنت أشعر أني أحتاج إلى شيء جميل يشعرني بالرغبة في الحياة .. مع كل الأفكار المتزاحمة والآلام المنهكة لم تكن عندي الطاقة لأجلس مع نفسي وأقنعها بأن هناك طاعة الله أعيش من أجلها .. كنت أشعر أن الصبر على مرضي والرضا به طاعة كافية ، فلأمت الآن إذاً . شعرت بأن مظاهر الحياة تنسحب مني شيئاً فشيئاً ، وإن ظل ضميري يقاوم ويصرخ : لا تستسلمي يا هناء .. هناك الكثير من مباهج الحياة تستحق أن تعيشي لأجلها .. هناك أمك العطوف ، هناك أولادك المحبون ، هناك شمس حياتك المشرقة .. نوعاً ما استطعت بفضل الله تعالى أن أتمالك نفسي وأستعيد بعض زمام الأمر ، فلما عرضت عليّ نفسي فكرة الدراسة وتأليف كتاب يحكي عن تجربتي مع السرطان ليستفيد منه الناس وجدت هاتين الفكرتين قبولاً وانشراحاً في صدري ، وكان لهما أثراً عجيباً في طرحي للأفكار الغائمة عن ذهني واستعادة تمسكي بالحياة .
انضممت لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية في الدورة التأهيلية . أذكر أني في أول أيام الاختبارات دخلت المعهد العلمي حيث تُعقد الاختبارات .دخلت بنقابي إلى أن أتأكد من خلو المبنى من الرجال ، وعلى شفتيّ ابتسامة وفي قلبي مشاعر متضاربة .. هناك البهجة بدخول الاختبارات والإحساس بهذا الشعور الجميل بالإنجاز وحصد الثمار . هناك التعجب من طرافة الموقف إذ أني أختبر في نفس المبني الذي كان يدرس فيه أبنائي خالد وسهل قبل سنوات . هناك الشعور الغريب الذي لا أعرف كيف أصفه إذ أدخل لأداء اختبار مع طالبات منهن من هي في سن فاطمتي . حمدت الله أن كنت بنقابي لأن البسمة طالت قليلاً ، فخشيت أن يتهمني أحد بالعته !
مضت أيام الاختبارات جميلة وممتعة – بالنسبة لي أنا على الأقل – حتى كان اليوم .. اختبار الثقافة الإسلامية .. مادة في غاية السهولة ولا أحبها كثيراً لأني أرى أنها فلسفة ( زيادة عن اللزوم ) فكنت أؤخر مذاكرتها . قمت من نومي متأخرة ، أعددت الغداء بالكثير من التلكؤ ، تصفحت النت ، وضعت رداً أو اثنين في منتداي وصليت الظهر ثم شرعت في المذاكرة .. كانت الساعة الثانية ظهراً ، واختباري يبدأ في الرابعة .. بدأت أدرس واكتشفت أن هناك الكثير من ( المُلخبِطات ) .. أهداف وخصائص ومواضيع ، وتحت كل بند يندرج عدد من النقاط ، والكثير من التعاريف اللغوية والاصطلاحية وووو ..
وياللهول !! نمت وأكلت ولعبت والوقت يمضي ببطء مستهزئاً من قلة اكتراثي .. غرتني سهولة المادة وقدرتي ( السابقة ) على الحفظ السريع ، فلما رأيت الحقيقة بوجهها الناصع ، أدركت أني كنت كالأرنب المغرور الذي يسعى ليسبق السلحفاة المجتهدة ..
صارت عيناي تبتلع الأسطر بسرعة ، ثم تتجشؤها لتبتلعها ثانية .. يععع .. ماهذا التعبير المقرف ؟ لابد أنه من بقايا مادة البلاغة .. لابد أنها استعارة أو شيء من هذا القبيل .
أخيراً ذهبت لأداء الاختبار وقد تعلمت درساً لن أنساه .. أن المربين ضحكوا علينا بقصة الأرنب والسلحفاة ، وأنه في الحقيقة سبقها ولم تسبقه !!