تلقت آسفة خبر كونها عقيماً لن تنجب !
ينظر بأسى إلى قدمه المبتورة ويبتلع غصصاً وغصصاً محاولاً إظهار التجلد !
أقف أمام المرآة مكشوفة الجذع وأنظر إلى موضع الثدي المستأصل وأهز رأسي بمرارة !
تنتفض في مكانها وهي تقسم أنها سمعت صوت ابنها يلقي السلام .. ابنها الذي مات في حادث سيارة قبل أسبوع !
كم من الأمور المؤسفة مرت عليك أو على بعض ممن تعرف ؟
أمور من النوع الذي تستطيع أن تعبر عنه فعلاً بقولك : إنه خسارة .
هي أمور لا تستطيع أن تسترجعها إذا ما فقدتها .
هي أمور لا تعود .
بعد مرور سنة ونصف من استئصال ثديي للسرطان الذي أصابه ، لا زلت أتضايق من رؤية (شكلي).
هذا المكان المبتور يعطيني انطباعاً بالعَوَر !
سنة ونصف مرت ، تغلبت فيها بفضل الله على فكرة إصابتي بالسرطان .
واجهت ضغوطاً كثيرة من نفسي تطالب نفسي أن ترضخ لفكرة المرض ، وتسلم ، وتتقبل .
جربت أنواعاً مختلفة من التركيز ومحاولة التعايش فوفقني الله إلى ذلك .
إلا هذا الشكل ..
حتى الآن لم أستطع تقبله بأريحية .
لا زال هذا الشكل يضايقني ..
طيب والحل ؟
أحاول أن أرمي ضيقي وراء ظهري ، وهي عادة جديدة اكتسبتها بعد إصابتي بالمرض ( ولابد أن هناك كومة من القمائم تختبئ وراء ظهري ) ثم أركز قليلاً وأخاطب نفسي .
ولم سميت “دنيا” إذا ؟
ألم تسم “دنيا” لتدني منزلتها عند الله تعالى ، ولو كانت تساوي عنده جناح بعوضة ما أكرم كافراً منها بشربة ماء .
اصبري يا هناء اصبري .. فهناك أشياء حلُّها في الجنة ..
عندما علمت بخبر عقم إحدى معارفي ،كأنما طعنت في قلبي .
لا أقوله اعتراضاً ، وأستغفر الله إن فُهم ذلك مني ، ولكني تخيلت موقفها .
هذه امرأة حُرمت الذرية للأبد .
ستخرج من هذه الحياة دون أن تحظى بشعور الأمومة الممتع .
وأخرى تخطت سن الزواج ولم تحظ بمتعة السكن والمودة الزوجية ، وثالثة فقدت ابنها أو ابنتها للأبد ، ورابع بتر عضو منه ، وخامس سقط الركن الذي كان يستند إليه لسنين طويلة : زوج أو زوجة.
وقس على ذلك كثيراً .
طيب ، ما العمل ؟
أقول : العمل عمل ربنا .
علينا أن نتسم ببعض الحنكة والحصافة لنعيش .
ليست الحياة متعة واحدة إذا فاتت فاتت عليك الحياة .
إنما الحياة مزيج متناغم من المتع ، يكمل بعضها بعضاً ، فإذا فقدت بعضها فليس من الحكمة أبداً أن تنتهي حياتك في هذه النقطة .
اخرج وابحث عن متع أخرى تجبر ما فاتك.
وصدقني ، ستجد الكثير الكثير .
بعد تشخيص السرطان واستئصال ثديي كان يصيبني بعض الإحباط والكآبة أحياناً .
وكان ذلك شيء مزعج ، إذ عند تلك الأحايين أشعر بفقدان الرغبة في الحياة .
رأس صلعاء ، وثدي مبتور ، أستغفر الله ، ما هذا الشكل ؟
كان عليّ أن أعوض نفسي .. أن أجد أشياء أخرى تثير البهجة في نفسي لئلا تتحطم معنوياتي .
فتحت عيناي ، وأدهشتني الكمية الكبيرة من المتع التي بإمكاني – لو أردت – أن أصيب منها فتمتلئ حياتي ألواناً .
اكتشفت أن المشكلة ليست في البلاء ، وإنما في ولع المرء في امتلاك ما لا يملك .
نحسد الطيور على قدرتها على الطيران ، والأسماك على حياتها في الماء في حين نعاني من لهيب الصيف.
ذو العيال يغبط أخاه خالي الوفاض , وخالي الوفاض يتمنى بيتاً بصخب الطفولة مزدحم .
المبتعث يتمنى الرجوع إلى بلاده ( غالباً ) ، والقاعد يكاد يحسد المبتعث على حظه السعيد في الابتعاث، الخ …
هذه دعوة مني لإهداء نفسك السلام والطمأنينة بأن تعيش حياتك بما فيها من متع ودعك من ضيق الأفق .
وتذكر أن الطاهي الماهر هو من يفلح في أن يصنع مما عنده من المكونات طبقاً متميزاً .
0.000000
0.000000
Read Full Post »
قبل قرابة الخمس سنوات خرج خالد من بيتي يوم زواجه وكأن قطعة من قلبي انتزعت انتزاعاً .
واليوم ، وبعد سويعات قليلة سيغادر سهل بيتي إلى جدة ليعمل في مكتب المحاماة الخاص بجده في فترة الإجازة الصيفية ، ولا أدري لعلها إرهاصات بقرب مغادرته البيت تماماً للسفر في بعثة أو زواج أو شيء من هذا القبيل .
حمداً لله أنه لا يقرأ تدويناتي .
تدوينة اليوم قد يكون فيها الكثير من المأساوية ، وعليكم أن تحتملوني وتواسوني لأن هذه المدونة مشتركة بيني وبينكم .
ألم أذكر من قبل أن بعض الناس يحبون أن يظلوا في وضعية الحزن ( مود الحزن ) وأنهم يجدون في ذلك نوعاً من الرومانسية ؟
حسناً .. لعلي سخرت منهم فابتلاني الله اليوم بأن أكون مثلهم ..
منذ أن علمت بالخبر البارحة وأنا في كآبة ودموع .
حياتي مرتبطة جداً بأولادي الثلاثة الكبار : خالد وسهل وفاطم .
قضيت معهم شبابي ، وجربت فيهم وسائل التربية وحماس المربين .
على الرغم من أني كنت أعاقبهم عقوبات لا هوادة فيها إذا هم أخطؤوا إلا أني كنت أشعر بحبهم لي وهم صغار ..
كانت الفروقات العمرية بينهم طفيفة : سنتان بين خالد وسهل ، وأكثر من السنة بقليل بين سهل وفاطم ، وثلاث وعشرين سنة بينها وبيني .
كنت أجد الكثير من المتعة في تعليمهم وتوجيههم ، وكنت أفرح بتعليقاتهم اللماحة الذكية على القصص التي أحكيها لهم ، والتي اكتسبوها – التعليقات لا القصص – بفضل الله من كثرة القراءة حيث لم نسمح بوجود التلفزيون والذي كان أبوهم يسميه : المفسديون .
كانوا يلعبون سوياً ، وإذا ما أزعجوني كنت أوجههم لترتيب ألعابهم التي بعثروها ، فيذهب ثلاثتهم لترتيبها ، فقط لينتهي الأمر باندماجهم في لعبة جديدة تمنحني ساعة أخرى من الهدوء .
كان هؤلاء الثلاثة يصنعون عالمي ..
كانوا كالألوان الزاهية التي تضفي إلى حياتي رونقاً وجمالاً .
اليوم .. خروج سهل يدمي فؤادي .
حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ مدونتي .
أظل أذكر نفسي بأنه لابد أن يخرج في يوم من الأيام ..
كلهم لابد أن يخرج ، منهم من سيبحث عن رزقه ، ومنهم من ستتزوج ، وهذه هي الحياة ..
لم تربهم يا هناء ليظلوا في بيتك أبد الدهر ..
ولكنه شعور قتّال ..
اعذروني لارتباك حروفي وتبعثر كلماتي ، ولكني مشوشة الذهن بالفعل .
تتجاذبني مشاعر جياشة من الحزن والخوف من المستقبل ، والأسى لسفره .. وبعض من فقدان الرغبة في الحياة ..
أشعر بأن الهموم تكاثرت علي ، وخروج سهل الذي يساعدني في تربية أخوانه يقصم ظهري ..
حينما كان سهل في الثانوية ، وكان متفرغاً لي تقريباً ، يبرني ويؤنسني مع فاطم – بعد زواج خالد – ويكون لي الدرع الذي أحمي به نفسي من قرف الصغار الذين راهقوا فيصرخ عليهم لو آذوني ، ويوجههم لمساعدتي ، كنت أمازحه دائماً وأقول له : لا تتزوج وتتركني لهؤلاء الأوباش ، فيضحك ويطمئنني بأنه لن يحدث ..
وأضحك وأمني نفسي بحياة طويلة في هدوء وراحة .
ولكن من قال أن الحياة تستقر على نمط واحد ؟
ها هي الأيام تمر ، ويكبر سهل ، ويتخرج من الجامعة ، ويصبح عمله أو إكمال دراسته لازماً ..
وما أفضل من مكتب جده للمحاماة ليتدرب على العمل فيه إن كان ينوي أن يعمل مستشاراً قانونياً ؟
حينما أخبرني بذلك البارحة ظللت أستمع إليه وعلى فمي ابتسامة بلهاء ، وقلبي يحرك رأسه بشدة في غير تصديق : لا .. وتتركني وحدي مع هؤلاء الأوباش ؟
لم أعد كالسابق ..
السرطان التهم نصف طاقتي ، وتربية المراهقين الجدد في هذا الزمن المتعب تلتهم النصف الآخر .
سهل كان يدي اليمنى بالفعل ، ويدي اليمنى اليوم تنفصل عني .
إذا خرب الدي إس إل ننادي : يا سهل .
إذا أزعجني المراهقون الجدد بتمردهم وسوء أدبهم ناديت : يا سهل .
إذا لم أجد من يوصلني لصديقتي أو لدرسي بحثت عن سهل ..
إذا احتجت لعمل متقن في ابتياع شيء ما يوافق رغباتي فما لذلك إلا سهل .
سهل دائماً يملأ الفراغات ..
واليوم سهل سيترك فراغاً كبيراً في قلبي ..
حمداً لله أنه لا يقرأ مدونتي .
وفي الركن الخلفي من عقلي يرتفع صوت حكيم رصين : وإلى متى ستضعينه تحت جناحك ؟
لابد أن يذهب ويبحث عن مستقبله ..
لابد أنه سيتزوج في يوم من الأيام أو يسافر لإكمال دراسته ويتركك ..
لاتكوني مبالغة في (مود الحزن ) وانظري كما تعودت في نعم الله وألطاف الله .
هو لن يتركك نهائياً ..
هو لم يمت للمزيد من الدقة ..
فقط سيغادر المنزل ليبني حياة جديدة خاصة به.
وهل أنجبته ليكون امتداداً لحياتك ؟ ليكون كتاباً في مكتبتك أو قطة تتسلين بها ؟
أليس ذلك هودورك كأم ؟
أهز رأسي ، وأقول : كلام صحيح وجميل ..
ولكن الفراق مؤلم ومر كالعلقم .
سبحان الله .. في الحين الذي يتقلب الوالد على جمر الغضا من ألم الفراق والانفصال ، يكون الولد في غاية الحماس والنشاط والرغبة في خوض التجربة لحد الثمالة ..
حمداً لله أن سهلاً لا يقرأ تدويناتي .
لاحظت أن الكتابة في وسط الأحداث تكون مأساوية للغاية وباكية ، أما بعد انقضائها فتكون متفائلة ومرحة وفيها الكثير من الرضا بقضاء الله ..
هذا طبيعي .. كالعجين ، يدخل الفرن ليخرج حلوى لذيذة شهية مبهجة ..
أنا الآن أكتب لكم من وسط الفرن !
منذ البارحة أمشي وقد أثقل كاهلي الخبر ..
أمشي وكأني عجوز في السبعين ففي ساعات الأسى أشعر بأني عجوز عجوز .
في الحقيقة أني لا أتخيل أن تخلو داري من سهل ، وربما في القريب تذهب فاطم كذلك ..
وأبدأ حياة جديدة متعبة مع المراهقين الجدد بلا معين ، ولا صحة قوية تساعدني ..
” لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد ” ..
” يرحم الله لوطاً ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد”. كان يأوي إلى الله تعالى ..
هناء ..
من أعانك على تربية المراهقين القدامى سيعينك حتماً على المراهقين الجدد ، بل وربما سيكون ذلك أسهل لو أحسنت الظن بالله ..
لا شك أن أقدار الله كلها خير ، وأن هناك الكثير من الحسنات التي سينطوي عليها مغادرة سهل .
ماهي ؟ لن نعرف الآن ..
ولكن لابد من وجود الثقة بقضاء الله وحكمته وعلمه ..
لابد من إحسان الظن به تعالى .
صحيح ..
لكنني حالياً لا أرى إلا الأسى ..
ربما يتحسن وضعي مساء ..
أحتاج إلى السفر في رحلة إلى عالم النسيان حتماً ..
أحتاج للمزيد من التركيز .
0.000000
0.000000
Read Full Post »