Feeds:
المقالات
التعليقات

Posts Tagged ‘الأسرة’

دخل إلى الحجرة تتقدمه عكازه الفاخرة ، يتوكأ عليها ، يمشي بوهن يحاذر السقوط .. جلس على أريكته الوثيرة بجانب قطته الشيرازية البيضاء .. نظرت إليه بعينيها الناعستين ثم أسندت رأسها على يدها وأكملت نومها . ألم كوخز الكهرباء يسري في رجليه .. هذا الألم يعاوده بين الفينة والفينة ولا يدري ما سببه ، ولا يريد أن يدري ! خلع نظارته وجعل يمسح عدساتها بمنديل كان جانبه ، ثم أرجع رأسه للخلف فالتقت عيناه بالصورة المعلقة في صدر المجلس .. صورة كبير فخمة لرجل وسيم نوعاً ما ، فارع الطول بثياب العمل ، خوذة المهندسين البيضاء في يده ، ومن خلفه يبدو المشروع الكبير الذي أدخله إلى مصاف الأغنياء ؛ المنتجع السياحي الرائع والذي ظل حديث الصحف لأعوام عديدة . لم يكن يرى الصور جيداً ، فالغبش أضحى رفيقه منذ أن أصيبت عيناه بالماء الأبيض من عدة أعوام . شعر فجأة بجفاف في حلقه .. نادى بصوته الواهن على زوجته عدة مرات قبل أن تأتيه الخادمة : نعم بابا .. ماما مافي .. ماما سافر بيت ماما سهام ..نسيت بابا ؟ نعم نعم .. سافرت زوجته اليوم صباحاً لتزور ابنتهما التي تقطن في مدينة أخرى ..كيف نسي ؟ لابد أن النسيان قد غدا أيضاً من رفقائه الدائمين هذه الأيام .. طلب منها ماء ثم عاد فأسند رأسه إلى الوراء يتأمل في هذه الصورة .. ويتعجب من هذه الدنيا .. فكر : لو كان يمثل في فيلم لتعالى صوت الموسيقى التصويرية الخافتة لتوحي كم هو حزين هذا الرجل .. ابتسم ساخراً من نفسه ومن خيالاته ، وحدث نفسه بصوت مرتفع : سبحان الله .. إيش هذي الدنيا ؟

 تلقائياً وبدون تفكير امتدت يده نحو ( الريموت ) وأشعل التلفاز .. على أي شيء ، أي شيء يمكن أن يطرد الأفكار الشريرة التي اعتادت على زيارته في الآونة الأخيرة .. وحين أقول الآونة الأخيرة ، فإني أقصد بها السنين الخمس الأخيرة .. فجأة ، شعر بالضعف والوهن ، فجأة شعر بالمرض , فجأة شعر بالـ.. وحدة !! هو يفهم لم يشعر بالضعف والوهن والمرض ، فهو قد جاوز السبعين حاملاً في يده حقيبة لا بأس بها ملأى بالأمراض : الضغط ، السكري ، الكلسترول ، التهابات متكررة في الرئة ، التهابات متكررة في المفاصل ، ماء أبيض في العينين ، لثة متقرحة بسبب تركيبة الأسنان التي تأبى أن يضبطها أي طبيب .. ولكن الوحدة .. لم يشعر بالوحدة وعنده زوج تهوى الثرثرة  إذا ما أتيحت لها الفرصة ، وخادمتان تشبهان مخدومتهما ، وتلفاز 50 بوصة يتربع بوقار أمام أريكته الأثيرة ، والكثير من المجلات والصحف اليومية تملأ حياته بعدما طلب التقاعد من خمس سنوات ليرتاح على حد زعمه .. أتراه وجد الراحة ؟

هو يشعر أنه هذه الراحة هي التي أتعبته . فجأة وجد نفسه خالياً من العمل ، كان يصحو يومياً وينهض من سريره ، فقط ليتمدد ثانية على الأريكة أمام التلفاز ، يتابع المباريات والبرامج الإخبارية ، ويقرأ الصحف والمجلات ، وينقضي النهار ليعود ليلاً وينام في سريره .. وبين هذا وذاك الكثير من المشاجرات مع زوجته وسائقه وخادمه، الكثير من الأفكار الشريرة التي تأخذ بمجامع فكره لسويعات قبل أن يقوم بمحاولة واهنة لطردها . تمر بعقله صور سريعة ، لكنها معبرة ، عن الماضي الجميل .. حين كان مشهوراً ، ومحبوباً من الناس لوسامته ، وكرمه و.. ماله وشهرته .. كثير ممن حوله كان يعلق معرفته الوثيقة بهذا الشخص وساماً على صدره لتُفتح أمامه أبواب كبيرة من الاهتمام والرعاية . هو درس وعمل بجد وتفان وإخلاص حتى وصل إلى ما كان ينشده من نجاحات ، بل وأكثر .. وبالتأكيد كان لابد من دفع ثمن لهذا النجاح .. والثمن المعتاد هو الأسرة .

كان كثير الغياب عن أسرته ، وفي الوقت ذاته كان نافد الصبر في تربيته لأولاده .. فكان يعاملهم بالكثير من الجفاء لأن إسباغ الحنان يستلزم وقتاً ، والوقت في حياته يساوي ذهباً وألماساً والمزيد من الترف والرفاهية .. و مع شدة كرمه المادي معهم ، إلا أنه كان شحيحاً بعواطفه ، فلا يذكر متى احتضن ابنه الأكبر ، ولعله قبّل بناته عدة مرات بعد أن كبرن .. أما الزوجة ، فقد خصها بأنواع  الازدراء والقرف لأنه كان يراها دون مستواه التعليمي بمراحل بعيدة .

 لا يعرف كم من المرات – لعلها تعد بالعشرات – أراد أحد أبنائه المراهقين أن يفصح له عن خوفه من تحرشات بعض ( البلطجية ) من الطلاب في مدرسته ، أو مروجي المخدرات ، أو عصابات الأزقة تعترض طريقه أثناء خروجه من المدرسة إذا تأخر السائق ، فخاف من بطشه ، وبلع سره في بطنه وسكت .. لا يعرف كم من المرات احتاجت إحدى بناته حضناً وقبلات وكلمات إطراء من رجل لترضي أنوثتها ، فوجدت أن الرجل الوحيد الذي بإمكانه أن يفعل ذلك مشغول ، أو مشغول.. وفي أحسن الأحوال : مشغول !!

تقاريرهم المدرسية توقعها أمهم بتوقيع الأب الذي أتقنت تزويره للحاجة ، المستشفيات لا تعرف وجهه إلا عند ولادة الأم ، وغير ذلك فلا دخل له إلا بالدفع .. قرأ مرة في الورقة الخلفية من إحدى كراريس المدرسة لابنته نادية : ( أبغى بابا يكون بابا ، مو مكينة صراف ) ، فرمى بالكراس بعيداً وهو يحدث نفسه بحنق : ( أهلك نفسي لأجلكم أيتها الحيوانات ) .

تحلق حوله صغاره مرة في محاولة يائسة منهم لجذب اهتمامه ، عله يكرم أحدهم بقبلة أو حضن دافئ وإن كان سريعاً .. الحق أنه حاول مجاراتهم إلا أنه لم يحتمل الأمر لأكثر من عشر دقائق ، ضاق بعدها ذرعاً بإزعاجهم ، فصرخ بهم : خلاااااص ، اذهبوا بعيداً .. يا الله ، متى تتزوجون وأرتاح من إزعاجكم .. ليرتفع صوت زوجته ” الجاهلة ” تذكره : لا تقل ذلك  أبا فلان .. سيأتي يوم تتمنى وجودهم بجانبك .. يرمقها بالازدراء المعهود وينهض مغادراً ” الإزعاج” ..

سمع مرة من خلف الباب المغلق حواراً سريعاً بين ابنه الكبير وأمه ، هي تقنعه بمدى حب أبيه لهم لكنه مشغول بتوفير الرزق الرغيد لهم ، وهو يقول بصوت – فكر كم يبدو مضحكاً مفتعل الخشونة بسبب بلوغه حديثاً ، وللغصة الكبيرة التي كانت بسبب البكاء ربما ، أو لعلها الحساسية .. أم أن أخاه هو المصاب بالحساسية – : لا نريد ألعاباً غالية ، ولا سيارات متجددة .. نريد أباً نشعر في ظله بالأمان .. نريد أباً يناقشنا كأب ما نفعل إزاء مشاكلنا ، أحلامنا ، اختياراتنا المدرسية والجامعية .. و… عندها غادر موقعه لأنه مستعجل ويريد اللحاق بالاجتماع الطارئ لمجلس الإدارة ، همس بحنق بين أسنانه : ( مافش فايدة ) .. حيوانات !!

سنين مرت ، وتزوج البعض ، وسافر البعض الآخر للعمل أو الدراسة ، وخلا البيت الكبير إلا منه ومن زوجه .. ومع تقدمها في السن صارت شرسة .. ما بالها ( هذي الحرمة ) ؟ أكلمها فترد لي الكلمة أربعاً .. أنتقدها فتهوج في وجهي .. ما الذي تغير؟ أنا – عن نفسي -كما أنا .. لم أتغير أبداً ، ولكن ما بالها هي ؟ ( صاحية هي ؟ )

ومر المزيد من السنين وطلب التقاعد من الشركة لأنه يريد أن يرتاح بقية أيامه خاصة بعد إصابته ببعض الأمراض ، ويريد أن ينعم بمجالسة أولاده وأحفاده .. أولاد ؟ أحفاد ؟ ما معنى هاتين الكلمتين ؟ الآن فقط انتبه أنهم ما كانوا يزورونه إلا في الأعياد .. صحيح أنهم كلهم خارج المدينة ، لكن الطائرات ما أبقت عذراً لأحد بعدم الزيارة .. الآن فقط انتبه أن والدتهم هي التي كانت تزورهم كثيراً وتقضي عندهم أياماً طويلة .. الآن فقط انتبه إلى أنه يحتاجهم جداً .. نعم .. يحتاج لأن يخدموه ، ويؤنسوه في الليالي الشتوية الطويلة .. يحتاج لرؤية أحفاده ليحكي لهم بعضاً من قصص العصامية التي بنت حياته العملية .. يحتاج لأحضان بناته تدفئ قلبه المسن .. يحتاج بعضاً من استجلاب الذكريات السعيدة .. ذكريات سعيدة ؟ مامعنى هاتين الكلمتين ؟ يبدو أنه صار أعجمياً في الآونة الأخيرة .. أي ذكريات سعيدة ؟ هو لا يذكر عن أولاده إلا أنهم كانوا دائماً في حجراتهم يلعبون بالألعاب الغالية التي يغدقها عليهم أو متحلقين حول والدتهم عديمة الثقافة تحكي لهم قصة ما . هم لا يذكرون عن أبيهم إلا ازدرائه الواضح لأمهم ( أحب المخلوقات إلى قلوبهم الصغيرة ) ، وجملته الأثيرة : ( بأشتغل لكم يا حيوانات ) !! فأي ذكريات سعيدة عساها أن تستجلب ؟

نار بدأت صغيرة تتأجج في قلبه وهو يقلب صورهم .. في ذات الوقت الذي بدأت فيه آلام الشيخوخة بالزحف إلى جسده .. يعتصر قلبه حينما يسمع أصدقائه يحكون عن آخر قفشات أولادهم أو يقلدون لثغات ألسنة أحفادهم اللذيذة ، أو احتفاء زوجات أبنائهم به ، أو دعوة أزواج بناتهم له في رحلة القارب الفاخر، أو قضاء عطلة الأسبوع في الطائف .. مرة واحدة استلزمت جهداً جهيداً من نفسه المصابة بداء الكبرياء حين رفع السماعة على ابنته سهام والتي تعتبر أكثرهم براً بأبيها ، وقال : وحشتوني يا سهام .. وحشني أخوانك .. تعالوا مبكراً هذه المرة .. تعالوا من منتصف رمضان .. أفطروا عندي كلكم هذه السنة .. البيت يسعكم كلكم كما تعلمين .. أريد أن أملأ عيني برؤيتكم أجمعين .. أريد أن أشمكم وأحضنكم .. أريد أن أشبع من صحبتكم قبل أن أموت ..

لايعرف أن سهام بكت بكاء حاراً وهي تسمع هذه الكلمات ، ونفسها تهتف من عمق سحيق بداخل صدرها ( ليه مو من بدري هذا الكلام يا بابا ) ؟ لا يعرف أن سهام وأمها حاولتا كثيراً مع أخوتها لكنهم تعذروا بأعذار شتى .. ما كنت لتقنع أحداً ذا لب .. ولكنها كانت كافية لتسكت ذاك الصوت الرتيب القبيح في قلوبهم : كما تدين تدان !! وفعلاً ، لم يأت مبكراً في تلك السنة إلا سهام وأولادها .. بل إن بعض أولاده لم يحضر عشاء العيد لانشغاله بمؤتمرات مهمة خارج البلاد .. وفي الشهور التالية أبت عليه كبرياؤه أن يطلب رؤية أولاده وأحفاده مجدداً ، ولكن النار الصغيرة التي في قلبه كانت تزداداً اشتعالاً .. كان يشعر بها تلتهم شيئاً ما في قلبه .. ثم تزحف لصدره .. أحياناً يتخيل أنه يضم إليه ولده الأصغر فينتبه على نفسه وهو يعتصر الوسادة الصغيرة بيده .. يشعر بفراغ كبير في منطقة الصدر .. يريد أن يضم شيئاً .. فيضم الوسادة الحمراء ، ولكنها للأسف لا تفي ولا بربع الغرض ..

ارتفع صوت أنشودة ما في القناة التي فتحها .. رفع عينيه الباكيتين إلى التلفاز، شده هذا المنظر ، منظر الأب الوحيد الذي تركه ابنه ليسافر .. مسح عينيه بأصابعه المعروقتين ليتمكن من الرؤية بوضوح ، ومضى يتابع المقطع ، وشيئاً فشيئاً  نما في نفسه  برعم أمل صغير صغير ..

 

Read Full Post »

البارحة كان موعدي مع محاضرة للدكتور المبدع ميسرة طاهر .. لا أملّ أبداً من سماع هذا الرجل .. أشعر أنه يملك مخزوناً هائلاً من معرفة مشاكل الأسر وعلاجها ، كما أنه متحدث بارع . كثير من الناس عندهم معلومات رائعة وقد يكونون موسوعيين فعلاً ويعدون ثروة للأمة ، إلا أنهم يفتقرون تماماً لأساليب التشويق والتواصل مع الجمهور  ، فينتهي بك المطاف – إذا سمعت لمثل هؤلاء – إلى التثاؤب ثم التثاؤب ثم التثاؤب حتى تشعر أن مفصلي فكك سينفصلان ، ولولا بقية من حياء لغطيت وجهك بغطوتك ولعلا غطيطك ، ولا يشفع لهم عندئذ الكنوز المعلوماتية التي حوتها صدورهم أو أوراقهم . أما الدكتور ميسرة فهو – ما شاء الله – يملك بلا شك المادة العلمية الجيدة والطريقة الهادئة غير المنومة – يا للعجب – والتي تشد المستمع لآخر دقيقة من طرحه .

عنوان هذه الدورة : تنمية الحب العائلي ، وقد أقيمت في مركز الأمير سلطان الاجتماعي بالمدينة النبوية  ، وسأعرض لكم هنا أبرز النقاط التي تحدث عنها المحاضر ، لكن أذكر أولاً بأني حينما أستخدم كلمة ( الولد ) فإني أعني به الجنسين ، إذ أن الولد لغة يشمل الذكر والأنثى بخلاف الابن الذي يختص بالذكر، وإذا ذكرت الوالد فإنه أعني به الوالدة كذلك تفادياً للتطويل .

 تحدث المحاضر أولاً عن ما أسماه بمثلث السلام والذي رؤوس زواياه : السلام مع الله ، السلام مع الذات والسلام مع الآخرين ، وذكر أن على الوالدين تنمية الحب العائلي بينهم وبين أولادهم لوضعهم في هذا المثلث باقتدار ، وكل خلل يصيب الولد في أحد هذه الأركان الثلاثة فإن منشأه الأول بلا شك تقصير الوالدين ! كما شدد على أهمية حصول الولد على الثقة والاطمئنان من جهة والديه ليتمكن بعد ذلك من مصارحته بأي أمر مزعج مر به ويستنصحه ، ويقول أنه سمع مرات كثيرة من زبائنه المراهقين ممن تعرضوا لتحرشات جنسية أو تهديدات خطيرة بأنهم ما استطاعوا إخبار والديهم خشية الضرب !

ثم تطرق إلى أنواع الحب ، فقال أن هناك نوعين من الحب :

1-              الحب الحقيقي : وهو الذي يحب فيه محبوبه ( ولداً كان أو زوجاً ) حباً خالصاً من الشوائب ومن هوى النفس ، وأكثر ما يهم الحبيب أن يكون محبوبه مرتاحاً وسعيداً ، وأقوى ما يتجلى هذا الحب في حب الأم لطفلها الرضيع ، كما ضرب له مثلاً وهو حب النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة لما خيره بينه وبين أبيه فاختاره زيد على أبيه .

2-              الحب النرجسي : وسماه ” حب كشف الحساب ” ، ومثّل له بالوالد الذي ما يفتأ يذكر ولده بأنه حرم نفسه من التوسع في المعيشة والسفر ومن كذا وكذا ليأتي له بالمدرس الخصوصي أو الطلبات المعينة ، أو الأم التي امتنعت عن شراء كذا وكذا لتشتري لابنتها  الجوال الفلاني أو الحقيبة العلانية ، وهذا أمر منتشر في أغلب البيوت حتى أن بعض الأولاد لا يشعر بفضل أبيه عليه إلا في النفقة ولو كان يعلم المقدار الذي صرفه والده عليه لأداه له ليتخلص من مَنّه وأذاه .. كما أن هذا النوع من العطاء مقرون لا شعورياً بشعور : أنت حبيبي مادمت تسمع كلامي وتدور في فلكي ، فإذا خالف الولد رغبة الوالد التي لا تلائمه أو تضايقه اعتبر الوالد ذلك جحوداً ونكراناً للجميل . وما لا شك فيه أن الجحود مؤذي لنفس الوالد المعطاءة لكن هنا جعله الله علامة لتمييز النية الصادقة في الحب عن غيرها .

وقد شدد المحاضر على أهمية وجود رصيد من المحبة للوالد عند ولده لأن الولد إذا أحب الوالد حباً يملك عليه قلبه فإن هذا أدعى لأن يسمع الولد ويطيع ، أو على الأقل يخزن هذا الحب في الذاكرة والوجدان إلى أن يكبر ، وعندها يكون رد الدَين ، وغالباً فإن الوالد الذي لا يملك رصيداً كبيراً من المحبة في قلوب أولاده فسيُترك  ويُهمل ويُجفى ، والبادي أظلم .

ثم ذكر المحاضر تقنيات الحب :

  • النظرة : فينظر الوالد إلى عين الولد ، إلى البؤبؤ مباشرة ويكرر في ذهنه عدة مرات : أحبك ، أحبك ، وحتماً ستنتنقل هذه الرسالة عبر النظرات إلى قلب الآخر وسيشعر بها بلا ريب .
  • الكلمة : فلا ينادي الوالد ولده باسمه مجرداً ، وإنما يقرنه بلفظة جميلة: يا حبيبي ، يا عيوني ، يا قلبي .
  • القبلة : قلت : أن أحد الصحابة رأى النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقبل الحسن فقال : إن لي عشرة من  الولد ما قبلت  أحداً منهم ، فقال النبي الكريم :” إنه من لا يرحم لا يُرحم “.
  • الضمة ، فليس أحمل من أن يودع الوالد أو الأم الولد بضمة ودعوة ، أو أن تضم الوالدة الابنة أثناء جلوسها بجوارها .
  • اللمسة : وهذه تقنية عظيمة تساعد بشكل كبير في إذكاء الحب العائلي وزيادة رصيد المحبة التي تجعل الأولاد منضبطين في أغلب الأحيان. واللمسة قد تكون بالمسح على الشعر ، أو التربيت على الخد ، وذكر أن أفضل مناطق التربيت عند البنت : على الكتف ، وعند الابن : المنطقة التي تعلو الركبة مباشرة .. قلت : لا يعني هذا بالطبع أن يكون هذا التربيت في حال كان الولد واقفاً !! وإنما يتم ذلك وهو في وضع الجلوس ..
  • دثار الحب ، ويتم بعد إيواء الأولاد إلى فرشهم وهم في فترة السِنة قبل الاستغراق في النوم ، حيث يدخل الوالد على الولد ويقبله فإذا تململ الولد ( وقد يكون كبيراً أو مراهقاً ) ويسأل عن الأمر فيقول الوالد : لا شيء ، فقط أردت أن أغطيك لئلا تبرد ، ثم يشد عليه الغطاء . يقول أن الولد في هذه المرحلة من الوعي قد لا يتذكر الأمر بحذافيره إلا أنه يتخزن في وجدانه محبة لهذا الوالد .
  • اللقمة والشربة ، على أن يتخير الوالد ما يحبه الولد لا ما يحبه الوالد ، فيلقمه إياه ، كما لو كان الولد يحب عصيراً معيناً ، فتجهزه أمه له حال رجوعه إلى البيت ، أو تضع لقمة من  الطعام الذي تحبه ابنتها في فمها . قلت : قال رسول الله : “… فالمؤمن يؤجر في كل أمره حتى يؤجر في اللقمة يرفعها إلى في امرأته ” .
  • نبرة الحب : قد لا يكون كلام الوالد مع الولد سيئاً لكنه قد يكون جافاً بالحد الذي يكفي أن تزيد الهوة بينهما . قلت : أحياناً نقول لأحد أولادنا ونحن نتميز غيظاً منه : يا حبيبي افعل كذا ، وكأننا نقول : يا حبيبي الله ياخدك افعل كذا ! هذه تختلف بالتأكيد عن نبرة اللطف والحب التي لا تخطئها الأذن أبداً .
  • الدعاء له بالهداية والخير دائماً ولا ندعو عليهم أبداً .. وما نعجز نحن عن فعله فإن الله تعالى قادر عليه .
  • حفظ غيبة الأولاد .
  • الابتسامة ، فتحاول الأم المحافظة على البشاشة في وجه أولادها ، وقام بإجراء تجربة على متطوعين حيث طلب من الأول التقطيب بشدة ، ثم طلب منه أن يقول كلاماً جميلاً في حق امرأته و( يتغزل فيها ) ، فلم يستطع طبعاً ، وعلى رأيه ( ما يجي ! )  ، وطلب من الثاني أن يبتسم ( منشكحاً ) ثم طلب منه أن ( يهزئ ) امرأته أو ولده ، فلم يضبط الأمر بالتأكيد . فقال أن الوجه لو كان متبسماً على الدوام لاستطاعت الأم أن تقوم بكل التقنيات السابقة بكل سهولة ويسر .

المحاضرة كانت طويلة امتدت لأكثر من ثلاث ساعات تتخللها الكثير من القصص التي عاينها في عمله ولكننا كأننا كنا في غيبوبة لم نستفق منها إلا بانتهاء الوقت ، وأخيراً خرجت من المحاضرة وأنا أشعر أن المئتين وخمسين ريالاً التي دفعتها قبل دخولي كانت مجدية ومفيدة بحق .

Read Full Post »

هذه قصة استوحيتها من مشهد وقع أمامي أيام جلسات الإشعاعي .. لأم وابنتها الكبيرة .. كبيرة حقاً ولعل هذا ما كان يؤلم :

 

اليوم موعدي لأخذ العلاج الإشعاعي .. منذ أن أصبت بسرطان القولون وأنا أتخبط تحت وطأة العلاجات ؛ عمليات ، كيماوي ، إشعاعي ، أدوية  ..

يا رب ، ارحمني ، فقد أنهكت كل هذه العلاجات  جسدي الواهن ..

ولكن ، أين من كل هذا ما يعانيه قلبي .. الآن.. صرت أشغل أبنائي وبناتي معي .. خمسة أيام من كل أسبوع ، لخمسة أسابيع متواصلة .. أحدهم يوصلني إلى المستشفى ، والأخرى تدخل معي وتنتظرني بالخارج إلى أن أكمل الجلسة ..

كم هو ممض الألم الذي أجد في قلبي حين أستحوذ على وقت أولادي وأفكارهم .. لا أريد أن أشغلهم .. عندهم من المشاغل والهموم ما يكفي لتأريقهم ..

 أرى التأفف يتقافز بشغب من عيني ابنتي الكبرى إحسان ، وهي تطقطق بجوالها تلعب أو تكتب رسالة ، في حين أحدثها أنا عن مخاوفي من التأخير عن الموعد أو أن لا تكون “بدور” فنية الإشعاعي اللطيفة في دوامها .. أسألها عن حال ابنتها العروس التي أصيبت مؤخراً بالانفلونزا  ، فتغمغم بشيء لم يتبينه سمعي الثقيل ، فإذا عاودت سؤالها أجابتني : أففف ،  كويسة يا أمي ، كويسة !!

أصمت .. مسكينة .. قلبها على ابنتها يتمزق .. لهذا أجد صوتها جافاً معي  .. لهذا أجدها نافذة الصبر وهي تقودني على مقعدي المتحرك إلى غرفة العلاج .. لهذا أجدها تنهرني أحياناً إذا ما أكثرت عليها طلب الجلوس لترتاح ، لهذا أجدها متلهفة للرجوع إلى البيت فلا يكاد السائق ينزلني في بيتي حتى تحثه بسرعة على الانطلاق إلى بيتها .

مسكينة .. أنا أقدر ظرفها ، فمواعيد جلساتي في الثالثة عصراً .. وقت رجوع الأولاد من المدارس ، ووقت الغداء ، ووقت الراحة والقيلولة ..جزاها الله خيراً !! تتعب كثيراً إحسان من أجلي !!  يالله ، اجزها خيراً على إحسانها لي !!

لكن لا أدري ما سر هذه الخيالات التي أضحت تراودني .

 كلما أسمع نبرة غريبة في صوت إحسان لا أفهمها ( يبدو أنها نبرة الحزن على ابنتها العروس ) تتداعى إلى ذهني صور باهتة .. قديمة .. بالأبيض والأسود هي ، وبعضها مقطعة الأطراف .. تفوح منها رائحة القدم ، ولكنها بحق رائحة زكية ، عذبة .. فيها حب وعواطف ومشاعر جياشة .. رائحة تغمر قلبي بالسكينة والجمال ..

 إحسان وهي صغيرة .. تحبو كالحمل الصغير ، حلوة المحيا ، بسن واحدة ، تغري من يراها أن يلثمها .. تقترب مني ثم تقع على وجهها عند قدمي فتبكي ، فيكاد قلبي لها أن يطير .. أحملها وأشمها وأعتنقها وأقبلها ..

إحسان وهي مراهقة .. أنظر إليها وقد رهقتها تغيرات الهرمونات .. عصبية ، سريعة الثورة ، وسريعة الرضا والصفح .. كثيرة شرود الذهن ، حالمة .. ووحيدة .. يتألم قلبي لها ، ولكني سرعان ما أعود وأقنع نفسي أنها تغيرات مؤقتة كسحابة صيف لن تلبث وتنقشع .

إحسان وهي عروس .. جميلة في ثوبها الأبيض الذي بعت بعضاً من ذهبي لأبتاعه لها .. لترضى .. قلبي يبكي وشفتاي تضحكان وأنا أزفها لزوجها تحت أنوار كاميرات التصوير وأنظار الفضوليات من المدعوات . أخشى عليها العين ، ولؤم الحماة ، وقسوة الزوج ، ووطأة الحياة ، وفراقها عني .

وهاهي الآن ، بعد أن صارت أماً لعروس ، عانت من نفس ما عانيت .. هي الآن ابنتي الكبرى ، ترافقني لجلسات الإشعاعي ، خمسة أيام من كل أسبوع لخمسة أسابيع متصلة .. تركت زوجها وأولادها والغداء والراحة بعد يوم عمل مرهق في إدارة مدرسة ثانوية ، تركته لتصحبني إلى المستشفى ..

يبدو أن ذهنها مشغول بابنتها .. فقد غضبت الأسبوع الماضي لما ألححت عليها أن تعطي ورقة الموعد ” للسستر ” في مكتب الاستقبال خشية ضياع الموعد ، ونهرتني البارحة لما ألححت عليها أن تجلس لتريح قدميها المصابتين بالدوالي ، وكل يوم تمر علي لا تكاد تضحك في وجهي إلا لماماً !

رب أرح قلبها كما تريحني ! واشف ابنتها لتستعيد إحسان ضحكتها الصافية !

Read Full Post »

« Newer Posts