Feeds:
المقالات
التعليقات

Archive for the ‘نظرات ثاقبة’ Category

أكتب لكم هذه التدوينة من قاعة الانتظار في مطار المدينة إلى أن يتم النداء على رحلتي المتجهة إلى جدة لزيارة أمي الحبيبة قبل أن تبدأ الاختبارات ، فالطالبة التي في سن جدتي في شغل دائم هذه الأيام .. لم أكتب لكم شيئاً عن مذاكرتي بعد ، ولكني أعدكم بتدوينة قريبة عن هذا الأمر إن شاء الله ..

حضرنا في الوقت المناسب ، وكنت قد طبعت بطاقة الصعود إلى الطائرة منذ البارحة لئلا نتأخر .

عبد الله فرح للغاية ، بل يصدق عليه التعبير : يكاد يتشقق من الفرح .. يحب السفر بالطائرة جداً ، وكلما سافرنا إلى جدة بالسيارة يظل يندب حظه أن لم نسافر بالطائرة . اليوم حققت له أمنيته واتخذته محرماً لي .

حتى الآن فالخطوط السعودية التي تفخر بخدمتنا كانت دقيقة في موعدها ، وفي السابعة وخمس دقائق تم النداء على الرحلة ..

تعمدت التأخير حتى ينادى للرحلة النداء الثاني ، إذ أن كافة الركاب يتدافعون بعد النداء الأول للصعود إلى الطائرة وتمتلئ الحافلات ذات المقاعد القليلة . فاتقت مع عبد الله ألا نتجه إلى بوابة  الخروج إلا بعد أن يتم النداء الثاني أو الأخير للرحلة .

فعلاً ، تدافع كافة الركاب إلى البوابة بعد النداء الأول ، وبقي نزر قليل للنداء الثاني ، فتوجهنا للصعود ..

ركبت الحافلة وبفضل الله وجدت في المؤخرة ثلاثة أماكن فارغة جلست في أحدها وبجواري عبد الله . نظرت حولي ، وفي المقاعد الأخرى وجدت بعض النساء مع رجالهن من جنسيات غير عربية ، وبعض الرجال السعوديين .

بعد قليل دخلت امرأة وزوجها فهب رجلان من مقعديهما لتجلس المرأة ، فجلست ، وبعد قليل جلس بجوارها زوجها .

ثم دخلت امرأتان تسافران بمفرديهما ، ولبثا برهة ينظران حولهما ، هل من مقعد فراغ ؟ فاصطدمت أعينهما بمقاعد مليئة بالنساء وبعض الرجال الذين ظلوا ينظرون إليهما ببرود وبلا اكتراث ، فوكزت عبد الله بمرفقي وقلت له : قم لتجلس المرأتين ..

اعترض قليلا لكني قلت له بحزم : قم الآن بسرعة . فقام متبرماً وأشرت للمرأتين لتجلسا بجواري .

وهناألحت في ذهني فكرة المساواة .. سبحان الله ، النساء في بلدي لا تعجبهن فكرة خصوصية المرأة ، ويعتبرنها تخلفاً ، ويطالبن بالمساواة التامة بين الجنسين ! كل هذا ليتمكنّ من الخروج إلى المحافل والاختلاط بالرجال ، وقيادة السيارة !!

هناء !! انتبهي .. أنت الآن تتحدثين كما يتحدث المشايخ : اختلاط ، ومساواة وقيادة السيارة .. انتبهي ، فطريقة كلامك لن تعجب الكثيرين ، وقد يتوقفون عن قراءة مدونتك بعدما تتضح لهم ( توجهاتك الفكرية ) .

ولكن دعوني أخبركم شيئاً ..

بغض النظر عن  توجهاتي الفكرية  التي لن أناقشها الآن ، ولا فيما بعد ، فقد فكرت أننا قد نكون البلد الوحيد التي تقدم النساء في الأماكن العامة على الرجال .

كان في رحلتي جماعة ممن لا تخطئ الأذن لهجتهم البريطانية ، ولا العين لباسهم الهندي ، وربما بعض الأتراك أو الأجناس غير العربية الأخرى ، ومع ذلك لم يقم أحد من رجالهم للنسوة الواقفات ، في حين قام أولئك السعوديين ، ولامرأة غير عربية ، ثم هي من فئة ( الخالات ) إياهن ( حتى لا نتهم أحداً أنه فعل ذلك محابة لعيونها الجميلة التي تختبئ خلف نظارة  الشمس !!)

في إحدى تغريدات  التويتر كتب ابني مرة أننا البلد الوحيد في العالم الذي يمكن للمرأة أن تتخطى طابور الرجال في البيك لتأخذ طلبها ، ويمرر رجال المرور السيارة  عند نقاط التفتيش إذا كان فيها امرأة .. وأضيف ويقوم لها الرجال في حافلات المطار ، وتفتح لها الأبواب المغلقة في الدوائر الحكومية ..

لم أحك لكم ماذا جرى معي عندما أخذت الفسح الإعلامي لكتابي ؟

طيب ، سأحكي لكم طالما أني أنتظر ..

 لماذا أنتظر ؟ لأننا بعدما اتخذنا مقاعدنا وربطنا الأحزمة ، ووزعت الصحف ، أخبرونا أن ثمة عطل في الطائرة قد يؤخر الرحلة لساعة تقريباً ، ونزلنا مرة أخرى ..

ويا فرحة بدقة مواعيد الخطوط السعودية ما تمت ..

المهم أني اتجهت بعد ذلك إلى قاعة الانتظار ( وأسميها قاعة لتفخيمها وإلا فهي حجرة واسعة ذات أرضيةمن الباركيه ، تطقطق فيها الكعوب بشكل مزعج ، فتضطر للمشي فعلاً على أطراف الحذاء الأمامي ) .

اتجهت إلى قاعة الانتظار لأجلس بحريتي ، أكشف وجهي وأخلع قفازي وحذائي إن شئت وأتسلى بكتابة هذه التدوينة إلى أن يحين وقت الإقلاع مجدداً .

اعذروني على تشتت المواضيع ، ولكن عندي عادة سيئة ( هل انتبهتم ما أكثر هذه العادات السيئة التي أحظى بها  ) أني أكتب كما أتحدث ..

فلو كنتم أمامي أكلمكم شفهياً ، لكنت تنقلت بكم عبر المواضيع المختلفة في ذات الوقت . نحن نثرثر عموماً إلى أن يحين وقت إقلاعنا الجديد .

أعود إلى موضوع الفسح الإعلامي .. توجهت إلى مكتب وزارة الإعلام للمطبوعات مع ابني خالد ومعي نسختين من كتابي فطلبوا مني تعبئة استمارة ما في الدور السفلي .. وقفت برهة لم تتجاوز الربع دقيقة أنظر إليه وكأني بي ذهول .. أنزل مرة ثانية ؟ والله تعبت .. ثم هذا الحذاء يطقطق في الأرض السيراميك ويتردد صداه في أرجاء المبنى .. لا أحب ذلك .. ولا أعلم مالذي دعاني إلى ارتداء هذا الحذاء اليوم . فاستدرت لأخرج ،  عندها نادى الرجل خالداً وقال له : طيب تعالوا هنا .

وفتح لنا حجرة جانبية صغيرة جداً بها مكتب ، وأعطانا قلماً ، ثم أغلق علينا الباب بعد أن قال : تفضلوا ، خذوا راحتكم .

عبأت البينات المطلوبة ، ورجعنا إلى مدير قسم المطبوعات الذي تصفح الكتاب سريعاً وقال سأحاول أن أنهيه لكم في يومين لتستلموه قبل أن تسافروا إلى المدينة .

انصرفنا وأنا متعجبة من هذه السرعة في سير الأمور . قلت لخالد ونحن نتجه إلى السيارة : الآن كيف يقولون أن المرأة مهانة ومهمشة في السعودية  ؟ أنظر كيف تيسرت أمورنا بفضل الله تعالى ، هذا وأنا امرأة مسنة ولست شابة من ذوات العباءات المخصرة واللثام الذي يبدي أكثر مما يخفي ، والتغنج والتكسر في الحديث .

رجعنا إلى البيت ، وما أن خلعت العباءة حتى تلقيت اتصالاً من مدير مكتب المطبوعات يخبرني أنه قد تم مراجعة الكتاب وصدر الفسح الإعلامي !!

رباه !! هذا الذي أخبرونا أنه يستغرق أحياناً الشهرين ؟

لم يستغرق معي أكثر من نصف ساعة ..

أين دعاة المساواة من النساء ..

اخرجن للعمل في الكاشيرات وسكك الحديد ، وقدن السيارات ، وابقين واقفات في طوابير الفول والبيك والصراف ، وفي حافلات المطار.. وما رأيكن بإدراك الصلاة جماعة في المسجد ؟ أما عن نفسي ، فطالما أني لم أحتج إلى الوظيفة حاجة فعلية فأنا أفضل أن يقوم ذكور عائلتي بفعل كل الأشياء المتعبة خارج المنزل في حين أظل أنا في جو البيت المكيف ويكفيني من الهموم : ما أصنع على الغداء اليوم ؟

عفوا .. سأضطر للمغادرة ، فقد أُعلن عن طائرتي ..

Read Full Post »

جمعتني البارحة جلسة تعارف مع صديقات اينتي فاطم وأمهاتهن .

كانت المرأة تدخل ، وأخمن أم من هي لشبهها الواضح بابنتها التي رأيتها من قبل في بيتي.

عندها هتفت إحداهن بفاطم : تشبهين أمك كثيراً ..

جلس النساء يتحدثن ، في البداية جلست كل فتاة بجانب أمها ، وطفقت أراقب الأوجه وأحاول أن أميز أوجه التشابه ، حتى توقف نظري عند فلانة وأمها ، وهنا بدأت ألحظ الشبه البين بين المرأتين : إحداهما جميلة ، غضة ، ريانة العود ، حيوية ، والثانية تشبهها كثيراً ، لها ذات الجمال ، ولكن بدت عليها علامات السن : الخطوط الخفيفة عند العينين وفي جانبي الفم ، الجسد الذي أنهكه الحمل والولادة المتعددة ، وأثقلته السنين..

هممم .. ألهذا يا ترى يعرف البائعون أني “خالة” ؟ أتراه من انحناءة الظهر الخفيفة والمشية البطريقية ؟

تأملت الأم أكثر ..

 هاهي أمامي ، امرأة في منتصف العمر ، تشبهها ابنتها كثيراً .. لا بد أنها هي ذاتها كانت جميلة في يوم من الأيام ..

النظر إلى الأمهات وبناتهن يستهويني ..

هذه كانت مثل هذه في يوم من الأيام ..

تخيلت أني أرى الابنة بعد عشرين سنة ..

مهلاً مهلاً .. ماذا قالت تلك الفتاة ؟

هل قالت لفاطم : تشبهين أمك كثيراً ؟

نعم ، فعلاً .

فاطم تشبهني كما يقولون كثيرا ً .

وهنا نحا تفكيري منحى آخر .

في تلك الصديقة وأمها رأيتني ( إن صح التعبير ) وابنتي .

لا يستطيع الإنسان في كثير من الأحيان أن يرى نفسه ، جماله أو قبحه ، عذوبة ابتسامته أو قبح تقطيبته ، جميل أخلاقه أو سوء فعاله إلا إذا رأى مثلاً لذلك أمامه أو قام  أحد بتصويره بكاميرا فيديو مثلاً ..

البارحة رأيت مثالاً لي ولفاطم في تلك الصديقة وأمها .

عندها حولت تفكيري لنفسي .. أنا كذلك كنت صغيرة في يوم كما هي فاطم الآن ..

كنت حيوية ، نشيطة ، مرحة ، يصل صوت ضحكي في مدرستي إلى الفصل المجاور . أكاد لا أمشي ، ولكن كنت أثب وأجري , وأدور حول نفسي أحياناً كثيرة .

استمرت معي هذه الحيوية بعد أن كبرت ولكنها انتقلت من جسدي إلى مشاعري ..

لا زلت أشعر بأني فتاة ، مع أني جدة ..

لازلت أخطئ وأنادي بعض النساء : يا خالة لا لكبر سنهن ، ولكن لشعوري أني لا زلت تلك الفتاة ..

يومها تذكرت فلانة من صديقاتي ، كنت رأيتها آخر مرة قبل ما يقارب 18 سنة . ثم رأيتها قريباً في حفل زواج وذهلت ….

نفس الملامح والتقاسيم ، نفس القوام تقريباً ونفس كل شي ..

ولكن آثار السن ..

آه من آثار السن ..

أظنني ظللت أتأملها حتى شعرتْ بالخوف .

ولكني في الحقيقة كنت أتأمل نفسي في وجهها : هناء أنت ( كدة ) !

ترددت في ذهني لاشعورياً أغنية بريطانية كنت أسمعها أيام مراهقتي .. لا أذكر منها أي شيء إلا مقطعاً واحداً :

Life has changed remember when we were young ?

تغيرت الحياة ، أتذكر حينما كنا صغاراً ؟

ما فائدة هذه التدوينة ؟

لا أعلم في الحقيقة .

لعلها تذكرة لنفسي أن أستدرك ما فات ..

حينما كنت مثل هؤلاء البنات اللاتي كن أمامي البارحة كان بإمكاني فعل أشياء كثيرة نافعة .

كان بإمكاني أن أحسن استغلال حماس الشباب بشكل أفضل وأكثر إثماراً .

ولما كبرت واكتسبت شيئاً من الحكمة ، لعلي لم أنتهز الفرصة في تصحيح الأخطاء .

حتى مرضت بالسرطان ..

واجتمع علي الكبر والمرض .. أدركت حينها كم كنت مغبونة !

أنت لا تختلف معي أن للشباب دماء خاصة بهم تتحول تركيبتها المعنوية مع التقدم في السن ..

لست متأكداً كثيراً مما أقول ؟

إذاً تفكر معي في إقدام الشباب على فعل أشياء خطيرة في شبابهم ، ثم إحجامهم عنها تدريجياً حتى يمتنعوا عنها تماماً حينما يكبروا .

شغفهم البالغ بركوب ما يسمى بقطار الموت في مدينة الألعاب ، وكلما كان القطار أكثر تعقيداً وخطورة كانت الإثارة تصل الذروة .

ولوعهم الشديد بالإسراع في قيادة السيارات حتى تعجب : ألا يقيم هؤلاء وزناً لحياتهم ؟ ألا يخافون ؟

إقدام الفتيات على التزوج بأقرب عريس يبدو مناسباً مع وجود علامات فاضحة في حياته ، ولكنها تريد أن ” تجرب ” حياة الزوجية .

وأنا كأي “خالة” تحترم نفسها ( إذا كنت لا تعلم السبب في كثرة استعمال مصطلح الخالة فراجع متفضلاً تدوينة الخالة .. تحتاج بعض البحث ! ) يرتفع ضغطي إذا ما جاوز أبنائي 140كم /س أثناء السفر ، ويمتقع وجهي بشدة إذا ما صادفت طائرتي بعض المطبات الهوائية عندي سفري إلى جدة ( عجباً .. ألم أكن في يوم من الأيام أقطع المحيط الأطلسي بالطائرة في سفري إلى الولايات المتحدة  في حماس وتوثب؟) ، وإذا قرر السائق أن يقود السيارة خلف الخط الأصفر الجانبي بين السيارات وبين الحاجز الاسمنتي بسرعة 120 كم/س فإن أطرافي تتثلج وأشعر بالحاجة الشديدة للهواء ،

 أما قطار الموت ، فلم أكن أركبه وأنا صغيرة لأركبه الآن .

ترى مالذي ضيعته على نفسي حينما لم أحسن استغلال جريان دماء الشباب في جسدي ( أكره استعمال كلمة “عروقي”) .

شموعي بدأت بالذواء ولطالما كانت متوهجة ، ولكن إلى متى ؟

الآن أنظر إلى أمي ، وأرى كفيها المعروقتين تحتضن كف ابنتي الطرية فأحدّث نفسي: هكذا كانت كفي وهكذا ستؤول .

وإذا  كنت لم أحسن استغلال دماء الشباب ، فإن دمي الآن لم يفسد بعد ..
طالما في الصدر نفس يتردد فلم يتأخر الوقت بعد للتغيير الذي ننشد .

تغيير نحو الأفضل بالتأكيد لا للأسوأ ، وإلا فإني أعجب جداً من بعض النساء  في الخمسين اللاتي يكتشفن أنهن أضعن حياتهن في الجد وأن وقت اللهو قد حان الآن .

الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاهن به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلاً ..

لهو في الخمسين  ؟

ماذا بقي على النهاية ؟

حينما يعيش المرء أربعين سنة وهو في عافية وقد مضت سريعاً ثم يبدأ جسده بالاعتلال ، وظهره بالانحناء فيشعر أنه قد قصُر بضع سنتميترات ، ويقوم من سريره صباحاً فيعرج بضع خطوات قبل أن تعتدل مشيته ، هنا لابد أن يفكر ..

 هذي الأربعين سنة ، أصل الشباب والحيوية قد انقضت كغمضة عين ..

” أتذكر حينما كنا صغاراً ؟ ” ..

فكيف بما تبقى من سنين الكهولة واعتلالاتها إذا وضعنا في اعتبارنا حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين وأقلهم من يجوز ذلك” رواه الترمذي وابن ماجه وحسنه الشيخ الألباني .

غالباً لم تبق على النهاية إلا شيئاً يسيراً وقد أدركنا الوقت ..

لا بد أن نغير ..

لاينبغي أن نكرر الخطأ مرتين ..

لازالت هناك فرصة ..

Read Full Post »

مرحبا بكم ..

في البداية ، أعتذر عن هذا الغياب غير المقصود ، ولكن تعلمون كيف هي الإجازة ..

مع كل المشاغل والمشاوير التي يجب إتمامها وضيق الوقت العجيب ..

أريد أن أحكي لكم موقفاً مضحكاً مبكياً..

ذهبت إلى السوق في إحدى أيام الإجازة مع ابنة أخي ،وهناك سألت عن شيء ما ، فقال لها البائع : ما عندنا يا خالة .

نظرت إليّ ونظرت إليها وقد أشعلت كلمته في ذهني ( لمبة ) ما .

أين سمعت هذه الكلمة من قبل ؟

ضحكت رغماً عني وقلت لها : فضلاً ، راجعي تدوينة ( الخالة ) .

فقالت متذمرة مغتاظة : خلخل ضروسه .. أنا خالة ؟

نظرت إليها ملياً .. هاهي الآن ، فتاة في أول العشرين ، ومعها طفل صغير جداً ، كيف تكون خالة ؟

قلت لها بمرارة : هذا يا ابنتي لأنك ترتدين عباءة على الرأس !

سبحان الله .

هل أضحى الستر في بلدي دليلاً على كبر السن ؟

هل صار السفور والحجاب المتبرج علامة على الشباب والصبا ؟

ما الذي جرى عندنا ؟

كيف يكون هذا التدهور المريع في الستر والاحتشام ؟

كانت أمي – حفظها الله – تقول أن في أيام طفولتها لم يكن يبدو من المرأة شيئاً ولا ظفرها ، ثم مرت الأيام وهاهي صديقتي الفاتنة سارة تقول لي: نحتاج إلى إطلاق حملة في بلادنا نسميها (ستّرها)!!

راقت لي الفكرة جداً .

انظروا إلى العباءات الجديدة التي من المفترض أن تؤدي غرضاً معيناً ، فأدت جميع الأغراض إلا هذا الغرض .

وانظروا إلى التبرج المقيت عند موظفات الاستقبال في المستشفيات وما يصاحب ذلك من تبسط مع الموظفين وكأنهم أخوانهن : المكياج الكثيف ، الشعر الذي يبدو باستحياء من تحت غطاء رأس مزركش ، والبنطال الضيق الذي يستمد شرعيته من بلوزة يصفها البعض بأنها طويلة في حين لا تصل في الحقيقة إلى نصف الفخذ ..

مثل هذا التبرج تجده عن كثير من النساء في السوق وفي المستشفى ، العباءة الملونة إياها ، مقدمة الشعر الظاهرة من تحت غطاء الرأس الذي أدى غرضاً مزدوجاً في تغطية الشعر والفم وطرف الأنف فيما يسمى مجازاً : نقاب ! النظارة الشمسية التي كان الناس يلبسونها في زمان صباي في ضوء النهار خارجاً ، والآن صار النساء يلبسنها بداخل الأسواق والمباني وليت أحداً يخبرني بسبب آخر لذلك غير ( التكشيخ ) بالماركات ، وكأن ماركات الحقائب لا تكفي . ثم أنظر إلى أصابعهن المصبوغة بعناية ، فتحين مني نظرة إلى أقدامهن لأجدها تلقى نفس العناية والاهتمام في التلوين ، فأعجب : هل هؤلاء النساء يصلين أصلاً ؟

أفهم أن أجد بعض النساء ممن لم يمنعهن الحياء من الجهر بتلوين أظفارهن وكأنهم يخبرن الناس ( أن الدورة عليهم ) ، ولكن عندما يصبح الأمر شبه ظاهرة ، وأجد ثلاثاً أو أربعاً من الفتيات يتمشين معاً وكلهن صابغات أصابعهن فأحرص على ( التشييك ) على أقدامهن وأجدها مصبوغة كذلك أتساءل : هل صارت الصلاة كذلك من لزوم الخلخة كالستر والحجاب ؟

ثم انظروا إلى النساء في اجتماعاتهن الليلية تجدوا أن أكثرهن إلا من رحم الله تلبس ما قلت مساحته وغلا ثمنه ..

قطعة قماش تغطي منطقة الصدر والبطن فقط ، في حين خرج كل شيء آخر !

الظهر والصدر والفخوذ ، حقيقة كأنها ترتدي ( شلحة قصيرة ) ،فإذا أردت أن تكلمها في ذلك احتجت بأن عورة المرأة من السرة إلى الركبة ..

ولا أريد أن أناقش هذا القول ، فأنا لست بصدد كتابة موضوع فقهي ولكن أكتفي بالقول أن سوء الفهم إنما نشأ من الاعتقاد بأن العورة هي ما يجب ستره وأما غير العورة فلا يجب سترها وهذا غلط محض ، وكلام أهل العلم يوضح هذه الحقيقة فهم مع كون بعضهم يقول بأن عورة المرأة أمام المرأة من السرة إلى الركبة إلا أنهم يوجبون ستر غير ذلك مما هو خارج عن العورة .
فوجوب ستر أعضاء المرأة لا يؤخذ فقط من حكم عورتها ، لأن حد العورة قد يختلف فيه بين الفقهاء ، مثل الخلاف في الفخذ للرجل هل هو عورة أو ليس بعورة معروف ، ومع ذلك فجمهور الفقهاء على أن كشف الفخذين في الصلاة يبطلها .

عموماً ..

القلب ليحزن في الحقيقة ويخاف من تفشي ظاهرة التبرج والتكشف والتعري ، لأن الله سبحانه وتعالى إذا رأى من عبيده الاستخفاف بأوامره والالتهاء عن أداء حقوقه فإنه يغضب ، ولا نأمن عندئذ أن يعمنا بعقاب من عنده ، فيهلك الفاسقون لفسقهم ويهلك معهم الصالحون لتركهم الإنكار على هذا الفسق .

هممم …

أعتقد أني سأنضم إلى هذه الحملة لو ظهرت ..

ما رأيكم في التضامن معي ؟

Read Full Post »

قبل أيام فاجأني أولادي بدعوة على العشاء في إحدى مطاعم المدينة حيث احتفلوا بمرور سنة كاملة على استئصال الورم السرطاني الذي ضربني في صدري .

كعادتي ، لا أتفاعل مع الحدث بشكل كامل للوهلة الأولى ، وإنما أعيش من الحدث – فرحته أو تعاسته – لحظات ثم أخزنه في أرفف الذاكرة ليتم ارتشافه على مهل فيما بعد ، والتلذذ بحلاوته أو مرارته ..

سنة مرت منذ إجراء العملية ؟ سبحان الله وكأنها شهور قليلة ..

الحدث كان قريباً جداً حتى كأني لا أزال أشم رائحة المستشفى وأعيش أحداث الحكاية .

جلست أتأمل ، ومن هنا كانت هذه التدوينة ..

قبل قرابة الثلاثين سنة ، اطلعت على تقرير صحفي يحكي – موثقاً بالصور – حكاية رجل أصيب بالسرطان الذي شوه وجهه ، فأجريت له عملية تجميل ..

كان التقرير مثيراً بكل الألوان الغنية للصور ..

ولما كنت أمتلك قلماً أدبياً لا بأس به لمن كانت في مثل سني فقد دعوت الله –بخراقة تامة – أن أصاب بالسرطان ، ثم أُشفى منه ، ثم أكتب في تجربتي كتاباً أحكي فيه معاناتي !!

والآن .. وبعد مرور ثلاثين سنة أصبت بالسرطان فعلاً ، وكتبت كتاباً أحكي فيه معاناتي . وبقي الجزء الثالث من الدعاء أنتظره أن يتحقق ..

هل هذا هو ما يدعى الأمل ؟

لا أحب هذه الأسماء التي تدّعي الحكمة والرصانة ..

هناك أسماء – في نظري – أقرب إلى القلب ..

أنا أسميه إحسان ظن بالله .

حينما أكون في مأزق – مثل مرضي هذا – وأعلم يقيناً أن الله تعالى لو شاء أن لا أُشفى فلن تفلح كل العلاجات الكيماوية وجميع أنواع الاستئصال في معالجتي ، ثم أسمع وأقرأ كل آيات الترغيب بدعاء الرحيم القدير على كل شيْ ..

فإذا لم أحسن الظن به تعالى أنه سيشفيني ، فقد خبت وخسرت إذاً .

إن من أسباب كثير من تعاستنا أننا نظن بالله تعالى الظن السيء .

لا نتوقع أن تشملنا رحمات الله في أمور كثيرة كنجاح أو توفيق في عمل أو زواج ، أو رزق وغيره لأن شأننا في أعيننا لهو أقل بكثير من أن يحقق الله مرادنا ، ونغفل أن في هذا النمط من التفكير إساءة ظن بالله تعالى ، وأننا إذا كان قللنا من شأن أنفسنا ، فقد قللنا كذلك من قدر الله تعالى إذا اعتقدنا أنه يُدعى ثم لا يستجيب ، ويُرجى فلا يحقق المبتغى ، ويُتوكل عليه ثم هو يخذل من توكل عليه ، وتُظن فيه ظنون الجاهلين به وبقدره جل وعلا ..

ظنوناً نستنكف في كثير من الأحيان –كبشر – أن نلحقها ببعض البشر .. وانظر لتعلم صدق قولي التهافت على أبواب الملوك طلباً في وصلهم ، وعلى أعتاب عيادات الأطباء العظام طمعاً في شفائهم

حينما تلّقى إبراهيم عليه السلام الأمر الإلهي بترك هاجر رضي الله عنها وابنها إسماعيل عليه السلام في ذاك المكان المقفر الخالي من الناس على الحقيقة ..

في الظلام الدامس حين يحل الليل ..

امرأة وصبيها في مكان أحسن ما يقال في وصفه أنه : موحش !

حتى هو ، الرجل ، لم يكن يستطيع – تبعاً للأوامر – أن يبقى معها ليذود عنها إذا ما احتاجت له .

تركها ومضى ..

هكذا بكل بساطة ..

جرت خلفه .. تشبثت به .. تقافزت أمامه وهي تكاد تجن : يا إبراهيم ، أين تتركنا في هذا الوادي الذي لا أنس فيه ولا شيء ، فيمضي في طريقه ولا يلتفت إليها .

عندها تضيء نقطة ما في عقلها : آلله أمرك بهذا ؟ فيجيب أخيراً أن نعم .

فتقول وقد اطمأنت لمراد الله : إذا لا يضيعنا .

نعم .. هي آمنت به ، وعملت صالحاً ، فكيف يضيعها ؟

 ألا يكره الله تعالى مساءة عبده الصالح ؟

 فلماذا يخذلها بتركها تموت جوعاً وعطشاً ، بل وهلعاً في هذا المكان المقفر؟ أهكذا يكافئ الشكور الصالحين ؟

مشى إبراهيم عليه السلام حتى ابتعد تماماً ، ثم أنه صعد مرتفعاً وتوجه نحو البيت ، ودعا بلهفة الوالد الذي ترك قطعة من قلبه في هذ المكان : ” ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم ، ربنا ليقيموا الصلاة ،  فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ” .

كان الوادي موحشاً ليس فيه شجرة مثمرة ، والخوف قتّال .

فكيف كان الله تعالى ؟

هل كان لهم كما أراداه ؟

بل كان لهم فوق ما أراداه .. ” أو لم نمكن لهم حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقاً من لدنا ” .. فأمنهما من خوفهما ورزقهما زمزم ، طعام طعم وشفاء سقم ، وجعلها ماء مباركة ، ثم أنه تعالى بسط الأمن على منطقة الخوف فجعلها حرماً آمناً إلى يوم القيامة لا يقطع شجرها ولا ينفر صيدها ، وجعل هذا الوادي الأجرد مكاناً مباركاً يجبى إليه الثمرات من مختلف بقاع العالم .

فما تنعم به مكة وما حولها من الأمن والرخاء لهو ظن إبراهيم عليه السلام وهاجر رضي الله عنها بالله تعالى .

والناظر إلى أحوال الأنبياء ، وهم أشد الناس بلاء وأحسنهم ظناً بالله ، يرى العجب في حسن ظنهم ذلك مع شدة بلائهم ، ولا أريد أن أقلب التدوينة إلى محاضرة أو درس، ولكن أحياناً نقرأ بعض القصص والآيات في أوقات تصير قلوبنا أشبه ما تكون بالشجرة الذابلة ، فتنزل عليها كالغيث وتبعث الحياة في خلاياها لتحيى من جديد .

عندما غاب يوسف عليه السلام ، الابن الأثير والحبيب إلى قلب يعقوب عليه السلام ، وطال غيابه سنين طويلة ، لم يفقد حسن الظن بالله تعالى أن يلم شمله مع ابنه ، ولم تفلح الأيام الكثيرة وتتابعها في خلخلة هذه العقيدة القوية في رب البرية . فلما بلغه خبر إيقاف ابنيه الآخرين بأمر من عزيز مصر ، تولى عنهم وقال : يا أسفى على يوسف ، فابيضت عيناه من الحزن , عندها أنكر عليه من حوله هذا التعلق ( بالأمل ) فقالوا : ” تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضاً أو تكون من الهالكين ” ..

كان كلام هؤلاء الناس كفيلاً بفت عضد يعقوب وفقده حسن الظن بالله تعالى ، لكن الله وعده موعدة في تلك الرؤيا التي رآها يوسف الحبيب حين كان يرتع في مرابع صباه تحت كنف والده ، وهاهو الوالد الآن ينتظر إنجاز تلك الموعدة  وحتى ذلك الحين فإنه يشكو بثه وحزنه إلى الله .

لو كان غيره ، كيف كان يكون الحال ؟

لو كنا نحن من أصيب بمصابه أكنا لا نزال نحسن الظن أنه تعالى سيستجيب دعاءنا بلم الشمل ، أو كنا نيأس ونترك العمل ؟

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر فلحقت بهما قريش فاختبئا ، كاد قلب أبي بكر ينفطر خوفاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تظفر به ، فقال له رسول الله عليه الصلاة والسلام بكل ثقة وإحسان ظن بالحي الذي لا يموت الذي يراه حين يقوم وتقلبه في الساجدين : يا أبا بكر ، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟ قالها وقريش الآن في هذه اللحظة فوق رؤوسهم تبحث عليهم ، وأبو بكر يقول : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت قدميه لأبصرنا .

وقد وعى أبو بكر هذا الدرس .. وعلم أن الله عند ظن عبد به .

فقد روى عمر رضي الله عنه لَمّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ، نَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إلَىَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلاَثُمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلاً، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ اللّهِ صلى الله عليه وسلم الْقِبْلَةَ، ثُمّ مَدّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ: “اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي! اللّهُمّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي ! اللّهُمّ إنْ تَهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةُ مِنْ أَهْلِ الإِسْلاَمِ لاَ تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ!” ، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبّهِ، مَادّاً يَدَيْهِ، مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتّىَ سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَىَ مَنْكِبَيْهِ. ثُمّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ. وَقَالَ: يَا نَبِيّ اللّهِ كَذَاكَ مُنَاشَدَتَكَ رَبّكَ، فَإنّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ ..

ماذا كانت النتيجة ؟

” إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين ” .

كيف أمكن لأبي بكر أن يحسن الظن بالله وهو يرى أن المسلمين في بدر كانوا 300 ضعاف جياع ، يواجهون ألفاً من الكفار بأعتادهم وأفراسهم ؟

ولكنه علم من الله مالم نفلح – بكل ما أوتينا من علم وقدرة مادية – في علمه .

إذا دعوت الله ثم تقاصرت همتك على الإلحاح بالدعاء لاستبطائك الإجابة فهذا من إساءة الظن .

إذا دعوت الله ثم تفكرت نفسك المخذلة : كيف يستجيب لي الله دعائي وأنا عاص ، فهذا من إساءة الظن بالله .

إذا أصابك البلاء أياً كان نوعه ، فأحسن الظن بالله ، واعلم أنه تعالى قادر أن يكشف ضرك أو يجلب لك ما ينفعك ..

فقط اخرج عن صمتك ، وليهف قلبك إلى روضة غناء تأنس فيها بحسن ظنك بقدير رحيم .

وحتى ذلك الحين فإني أتفيأ ظلال حسن ظني بالله أن يتمم علي وعلى أخواتي في منتدى طهر الشفاء التام ويجعل ما أصابنا كفارات ورفع درجات .

Read Full Post »

ذهبت في الأسبوع الماضي إلى مدينة ينبع الصناعية وقمت بزيارة حديقة الزهور .

وهناك رأيت ما أطربني بحق : مساحة واسعة كالبساط من الزهور الملونة .

 

 

مشيت كالمسحورة أقلب نظري في هذه الزهور وأتعجب من هذا الجمال .

التقطت آلة التصوير وطفقت أصور كل ما أعجبني .

كان الجو يومها غائماً ، وبه لمسة باردة حانية ، فتمنيت لو استطعت أن  أدرج الجو في الصورة لتكتمل .

صورت الأحمر

 

والأبيض

 

 

 

والأصفر

 

حتى رأيت الروعة

مجموعات من الزهور البنفسجية التي أهيم بها ..

أخذت أصور وأتفكر في نعم الله على الإنسان في خلق الأشياء الجميلة التي تمتع حواسه .

فكرت أني مستعدة أن أبقى أمام هذه الزهور البنفسجية لساعات وساعات ، ولا بأس لدي إذا ما عدت إلى بيتي وطبعت الصورة مكبرة جداً وعلقتها في حجرة مكتبي أمام أريكتي الأثيرة لأستمتع بالنظر إليها .

هناك الكثير من المتع “الحسية ” التي يمكن للمرء أن يلجأ إليها ليمتع نفسه إذا ما ضاقت عليه أيامه أحياناً .

سأذكر بعضها ، وتفكر أنت في ما يمتعك ، وخبئ هذه الأفكار في محفظة ذاكرتك لتخرجها حين تحتاج إليها .

هل تذكر رائحة القهوة الطازجة ، عربية كانت أو افرنجية ..

جرب أن تدخل محمصة أو دكان لبيع القهوة ، واملأ صدرك بالعبق الجميل للقهوة الطازجة  ، تشعر بانتعاش لذيذ .

هناك أيضاً رائحة الخبز الطازج الذي يضرب به المثل فيقال للشخص العكر المزاج : ما يضحكش للعيش السخن . يااه ، ما أجمل هذه الرائحة ..

والأجمل أنها قد تجلب لذهنك متعة التخيل .. فتتخيل هذا الخبز مع قطعة من الجبن الفرنسي الأبيض ، أو لعله كوباً من الشاي بالنعناع .

لا تنس رائحة الرضيع .. رائحته جميلة حقاً ولو لم يتنظف .. رائحة البراءة والطهر .

أنا شخصياً أحب رائحة البقدونس المفروم إذ تحملني رائحته إلى أجواء رمضان في ساعات إعداد طعام الإفطار، خاصة لو انضاف إلى ذلك صوت الإمام في المسجد المجاور وهو يقرأ الدرس اليومي بعد صلاة العصر ، وصدح  جهاز التسجيل بصوت الشيخ محمد أيوب في إحدى قراءاته الرائعة ، وانبعثت من سطح الفرن رائحة اللحم المفروم و ( اللحمة المسلوقية).

تمتعني أيضاً أصوات تداخل الأئمة في المساجد المجاورة في صلاة العشاء ، إذ تجعلني أعيش ذات الأجواء السابقة ، فقط يكمن الاختلاف أن هذه الصلوات تذكر بصلاة التراويح .. فيهفو قلبي لذكر رمضان ، وينطلق لساني مبتهلاً إلى الله أن يعيده علي أعواماً عديدة ، ويعينني على صيامه وقيامه ، ويتقبله بعد ذلك مني .

أولادي يعجبهم جميعاً وبلا استثناء – فيما أعلمه – صوت غريب جداً .. صوت المكرونة الناضجة وهي تُقلب ، سواء كانت باللبن أو بالصلصة الحمراء .. لا أدري حقيقة ما هذا الذوق الغريب ، لكنهم مجمعون على أن هذا الصوت يثير في أنفسهم نشوة غريبة ! مضحك، أليس كذلك ؟

ماذا عن متعة التذوق ؟

هذه بالذات كتبت فيها تدوينة كاملة فلن أعيد ذكرها .

أما اللمس ، فهناك متعة أن تغوص يداك ورجلاك في الرمل الناعم في الأيام الربيعية أو الخريفية المائلة للبرودة ، فتعتريك النشوة حتى يقشعر لها بدنك .

أو أن تداعب أصابعك شعر قطك الغزير والطويل ( الشعر هو الغزير لا القط ! ) فتشعر من تحت أناملك بتلك الخرخرة الهادئة التي تخبرك كم هو مستمتع قطك بهذه المداعبة ..

وقد تناقلت بعض المواقع الأمريكية الاعتقادات أن خرخرة  القطط لها فوائد صحية للإنسان من حيث تخفيف التوترات وزيادة الاسترخاء بما تحدثه من اهتزازات متعددة الترددات .

 بل أن هناك بعض الدرسات التي أثبتت أن كبار السن الذين يملكون قططاً يعيشون عمراً أطول – بإذن الله – وتنخفض معدلات ضغط الدم لديهم عن غيرهم ممن لا يملكون حيوانات أليفة في البيت .

ويقسم البعض أن نوبات الصداع النصفي التي تجتاحهم تخف جداً إذا ما تمدد قط ( مخرخر ) إلى جانب رؤوسهم ..

 أياً ما كان ، إذا قررت أن تستعين بقط فلا تنس أن شعر القطط سيكون في كل مكان ، فوق المخدة ، في أسفل العباءة ، في أنفك وفمك أحياناً .. لا تقل أني لم أحذرك !

ملخص القول .. الحياة جميلة ، ولكن لابد أن نعيشها صح ( الآن ، أليس هذا اسم برنامج ؟ )

لاينبغي أن نقصر أنظارنا على البلاءات التي يصيبنا الله تعالى بها ..

هناك أشياء جميلة تستحق التوقف عندها ، والتأمل فيها ، لنعلم أن الله إن كان قد أخذ فقد أعطى كثيراً .. فنشكره على ما أعطانا ، ونصبر على ما فقدناه ، ونكون بذلك ممن يدخل في حديث النبي صلى الله عليه وسلم : ” عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير ، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن : إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ” رواه مسلم ، وبذلك نعيش حياتنا وما قسم الله لنا من رزق بسعادة ..

لاينبغي أن نكون كبعض الناس الذين يستهويهم أن يكونوا في مزاج النكد .. يحبون أن يشعروا بالحزن والبؤس فقط لأن الله تعالى لم يعطهم ما أرادوا بحذافيره ..

يذكروني هؤلاء بأولادي ..

كنت ألعب معهم لعبة ( إنسان حيوان ) ، فيطلبون مني حيواناً بحرف الفاء ، فأقول : فراشة ، فيجيبون : لالا ، فيل .. لالا .. فرس .. لالا .. ماذا إذاً ؟ فيجيبون : فقمة ..

لم يعجبهم جميع ما ذكرت ، لأنهم كانوا يريدون إجابة محددة ..

كذلك تلك النوعية من البشر .. لا تعجبهم كل نعم الله وآلائه لأنهم وضعوا أشياء محددة في أذهانهم ، فإذ لم يحققها الله لهم ، شعروا بالتعاسة والحرمان : عندهم كامري وهم يريدون لكزس . يعيشون في بيت إيجار وهو يريدون فيلا بدورين . يقضون إجازة الصيف في جدةو  الرياض وهم يرغبون في  أوروبا أو ماليزيا ..

لم ينتبهوا أن الله أعطاهم نعمة السكن ، والمركب ، والمتعة في حين حرمها غيرهم ..

وأنهم إن قضوا إجازاتهم في جدة والرياض ، فغيرهم يذهب إلى ذات المدن لتلقي علاجاً كيماوياً يسقط الشعر ويسبب الغثيان .

أيها البشر .. أربعوا على أنفسكم .. وعيشوا حياتكم بما أعطاكم الله برضا .. لتشعروا بالسعادة !

Read Full Post »

قرأت القصة التالية في أحد كتب سلسلة شوربة الدجاج التي أحبها  وهو بعنوان Chicken Soup for The Breast Cancer Survivor’s Soul . كما تعلمون ، يسيطر علي هاجس القراءة في كتب سرطان الثدي هذه الأيام ، بحثاً عن معلومة مفيدة أو خاطرة جميلة تنفعني في المقاومة والصمود ، وتفيدني في مشروع الكتب التي أعزم على تأليفها بعون الله .

 تروي صاحبة القصة موقفاًً حدث معها أثناء ركوبها الحافلة في طريقها ومجموعة من مريضات السرطان إلى المركز الطبي لتلقي جلسات العلاج الإشعاعي ، وعلى مقاعد الحافلة جرى بين “كاثرين ” وبين إحدى الراكبات هذا الحوار :

الراكبة : هل الذي بيدك مسجل الووك مان ؟ ( نوع من المسجلات الصغيرة المحمولة )

كاثرين : نعم .. لقد ابتاعه لي زوجي منذ أن بدأت ركوب هذه الحافلة .

الراكبة : يبدو أنك تمتلكين رجلاً وأي رجل !

كاثرين : نعم ، أنت محقة ، وأنا أقدره جداً .

الراكبة : رباه ، يبدو أن علي أن أقتني أحد هؤلاء .

كاثرين : لا تتركي هذا التفكير مطلقاً ، قد يكون بانتظارك خلف زاوية ما .

الراكبة : عم تتحدثين ؟

كاثرين : عن احتمالية العثور على زوج .

الراكبة : زوج !! لا أريد أي زوج يا عزيزتي .. لقد جربت أحدهم فعلاً .. كنت أتحدث عن اقتناء جهاز ووك مان .. الآن ، هاذا ما أسميه مفيداً .

حسناً .. أرجو أن لا أُتهم بأني أقول أن الأزواج غير مفيدين .. الراكبة من قالت هذا لست أنا ، وما أنا إلا ناقلة  .

لكن هل لأحد منكم أن يخبرني لماذا انتشرت حالات الطلاق بين الأزواج الكبار في الفترة الأخيرة ؟ بعد عشرة سنوات طويلة مليئة بالدموع والنجاحات والذكريات الجميلة والتعيسة على حد سواء ..

 ماالذي يحصل يا جماعة ؟

لن أتطرق إلى الأسباب فلست عالمة اجتماع ، ولكني أتحدث عن سبب واحد فقط وهو : قلة الوفاء بين الطرفين ..

كلما قرأت عن حب رسول الله صلى عليه وسلم لخديجة رضي الله عنها يسيطر عليّ جو فاتن خلاب من الرومانسية التي يفتقدها الكثير من الزوجات .

اقرؤوا معي هذا الحب الرقيق الذي كان يكتنف قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

 تقول عائشة رضي الله عنها – وهي التي كانت أحب الناس إلى قلب رسول الله – : ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة وما رأيتها ، ولكن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ، ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له : كأن لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول : ” إنها كانت وكانت ، وكان لي منها ولد ” .

وحكت لنا عائشة رضي الله عنها أن هالة بنت خويلد أخت خديجة رضي الله عنهما استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فارتاع لذلك ، أي أنه عرف تذكر استئذان خديجة لتشابه صوتيهما ، فقال : “اللهم هالة ” ، فغرت ، فقلت : ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيراً منها “، تقصد نفسها .. وإنما وصفت خديجة بأنها حمراء الشدقين للدلالة على كبر سن خديجة رضي الله عنهما حتى تساقطت أسنانها وخلفت فماً لا يبدو منه إلا حمرة اللثة .

وقالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول :” أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة ” فأغضبته يوماً فقلت : خديجة ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إني قد رزقت حبها “!!

أواه من هذا الحب الساحر ..

“إني قد رزقت حبها ” .

منذ أيام قرأت بيت شعر لامرئ القيس في معلقته يقول :

أغرك مني أن حبك قاتلي       وأنك مهما تأمري القلب يفعلِ

فأطربني أشد الطرب ، وهززت رأسي بانتشاء ، وقلت : الله ، ما هذه الرومانسية ؟

لكن لما قرأت قول النبي صلى لله عليه وسلم يقول ” إني قد رزقت حبها ” ، شعرت بأن هذه  العلاقة هي ( الرومانسية الصح )  .

 لمسة الوفاء هذه تأسرني !

لما أرسل النبي صلى الله عليه وسلم  لصويحبات خديجة ، ولما قال عنها ما قال ، هل كانت هي في الحجرة المجاورة تستمع وتزهو على ضرائرها بقوله ، أم كانت ميتة في قبرها ؟

لم غارت عائشة وهي البكر الصغيرة المدللة التي قال عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سئل عن أحب الناس إليه ، قال : ” عائشة ” .. لم غارت من حمراء الشدقين ؟

هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب في خديجة شبابها ومالها وجاهها ، أم جذبه إليها حنوها وحدبها ومساندتها له ؟

هذه امرأة قدمت الكثير لهذا الشاب اليافع .. كانت له أماً قبل أن تكون زوجة ..

شملته برعايتها وحبها ودعمها .

أتراه نسي صنيعها لما كذبه الناس وصدقته ، وكفروا به وآمنت ، وحرموه فواسته بمالها ؟

لم ينس فضلها ، لذا كافأها على كل جميلها بأن رعى ودادها  ، فلم يكدر خاطرها بضرة، وكان يكثر من ذكرها بالخير حتى غارت منها حبيبته  ، وكان يكرم أختها وصويحباتها ( حمراوات الأشداق ) مع أنها بذاتها لم تعد على وجه الأرض  ،فأي حب ، وأي وفاء وأي رومانسية ؟

 شيء يدمي الفؤاد في الحقيقة إذا ما قلبت ناظرك في حال كثير من الأزواج ووجدتهم بعد كل هذه السنين يكتشف أنه كان ( مطموراً في الحياة ) مع زوجه وأولاده المزعجين “فيتصرف” !

 أو أن زوجه قد هرمت ولم يعد بها قوة لتخدمه كما كانت تفعل : “فيتصرف” !

أو أنه استغنى واشتد عوده ولم تعد زوجه تليق به ،  ” فيتصرف ” !

أين الوفاء ؟

لكني – ويالفرحتي – وجدت صورة منه في هذا الزمن ..

 قريب لي أمضى مع شريكة حياته ما يزيد عن النصف قرن ، كانت له نعم المعين في دراسته ، وعمله .

 صبرت على الغربة أحياناً ، وعلى الوحدة أحياناً أخرى ، فلما كبر سنها وكثرت أسقامها ، كان دائماً إلى جوارها ، يمسك بيدها ، ويهمس في أذنها بكلمات لاتسمعها لكن تستطيع أن تخمنها في احمرار وجهها .. وإذا علمت أن هذا الرجل كان وسيماً وكما يقال ( جِنتل ) ، في حين أن زوجته جرت عليها سنن الله في العجز والهرم فإنه يزداد عجبك ..

حتى كان اليوم الذي دخلت فيه زوجته في غيبوبة استمرت قرابة السنة ..

كان يزورها يومياً في المستشفى ، يكلمها بصوت مرتفع لتسمعه ، ويمسح خدها برقة ، ويلاطفها بالكلام ، ويقرأ لها سورة الكهف في كل جمعة لأنه كان متيقناً أنها تسمعه ، وتقرأ معه ..

رفض محاولات تزويجه ، فهو ليست له إلا حبيبة واحدة .. ولا يريد أن يكدر خاطرها ، حتى لو كانت في غيبوبة لا تدرك شيئاً مما حولها .

كنت أراه يقف إلى جوارها على قدميه الساعات الطوال يقرأ عليها ، ويرقيها ، ويحادثها ، فإذ لم ترد عليه كنت تشعر بحيرته ، ولهفته عليها وقلقه حتى توفاها الله ..

كنت أنظر إلى قصة الحب هذه ، وأقول في نفسي : هذه الرومانسية الصح !!

Read Full Post »

فتحت الفيس بوك منذ دقائق أتفقد ( الرعية ) قبل أن أخلد للنوم مرة ثانية بعد ان أديت صلاة الفجر ، فوجدت هذه الكلمات :

 بكيت وهل بكاء القلب يجدي
فراق أحبتي وحنين وجدي
فما معنى الحياة إذا افترقنا
وهل يجدي النحيب فلست أدري
فلا التذكار يرحمني فأنسى
ولا الأشواق تتركني لنومي

فراق أحبتي كم هزوجداني

وحتى لقائهم سأظل أبكي

سأظل أبكي

سأظل أبكي

ومعها بكيت ..

كانت هذه كلمات الصبوحة ، أخت خالد بالرضاعة ، وقد غادرت البلاد في بعثة إلى كندا الأسبوع الماضي ..

بدري يا صباح .. مشوارك طويل ..

في الحياة العادية يظل قلبك يبحث عن مأوى دافئ لينعم بدفء العواطف .. عن ظل وارف يبرد عليه بعضاً من لهيب الوحدة والعجز .. عن السكن ، عن السكينة ، عن كل ما تشاء من معاني الانضمام والحب وما يحفز على العيش ..

 ولكنه في الغربة : ليس له إلا الشتات .. إلا الشتات ..

في البداية تكون الإثارة .. كل شيء حولك ممتع ومشوق .. حزم الحقائب ، التسوق لآخر لحظة ، حفلات الوداع حيث الكثير من الطعام وذرف الدموع ..

ثم ركوب الطائرة وما يرافقه من إثارة قد تكون جديدة جداً عند بعض الناس : ارتداء الملابس الخاصة بالسفر ، قائمة الطعام المميزة في الطائرة ، الفيلم ، صراخ  الأطفال وقلقهم ، النوم المتقطع الممتلئ أحلاماً وردية مخططة بالرمادي لحياة جميلة تحلق فيها بضع مئين من علامات الاستفهام .

ثم يتلو ذلك ساعات الانبهار ، وقد تكون أياماً ، أو شهوراً ..

 انبهار بكل شيء ، بالنظام ، بالطبيعة الخلابة ، بالناس ( الزوق ) خفيفي الظل ( حتى في بريطانيا ) ، حتى الجو له رائحة مميزة وجميلة كرائحة الثياب الجديدة من تلك المحلات الراقية .

وتمضي الأيام قدماً ، وتتقادم الأشياء الجديدة ، وتذبل معاني الانبهار أمام أول مرض ، أو  وحم ، أو حاجة يُفتقد لها الأهل ..

حينها تبدأ الدنيا بالاسوداد ..

حينها يشعر المغترب ببصيص حنين إلى وطنه وأهله ..

 يؤلمه فؤاده إذا ما علم باجتماع أحبته ، وهو في الطرف الآخر من العالم وحيداً ، فريداً ، يتسلى بحل المعادلات أو تشذيب أشجار الحديقة !

وتقرصه الغربة قرصاً موجعاً إذا ما كانت ثمة مناسبة سعيدة في وطنه .. قد يكون عرساً أو خطبة لا تأتي إلا مرة في واحد في العمر ، أو لعله مولود جديد له رائحة الصبا والشوق ، يتوق أن يحمله بين يديه ويمرغ وجهه في رقبته ، فلا يجد إلا برنامج ” السكايب ” وأفلام الفيدو تريه هذا المخلوق الجديد كيف يكون ، وتلك الحفلة كيف مرت .

وتكون القاصمة إذا بلغه نبأ مرض أحد أفراد العائلة ، خاصة لو كان كبيراً في السن .. يحذر الموت ، وما هو بتاركه .. يجن جنونه .. يريد أن يتواجد .. أن ينعم معه بآخر اللحظات .. أن يجتر بين أحضانه ذكريات الطفولة .. أن يتشبث قدر استطاعته بآخر رمق من حنو ورعاية .. ولكن تمضي الأيام ويُنصب الشاهد وتموت الذكريات فلا يبقى في النفس إلا صبابة من حنين وإحساس باليتم وفقدان الكل .

لكن المغترب إن كان فقد الكل ، فقد وجد ذاته ..المفترض أن يكون وجد ذاته ..

الغربة تبني ثقة المرء بنفسه ، إذ عليه أن يقوم بكل الأشغال وحده .. لم يعد ثمة أهل أو أقارب يمكنه الاعتماد عليهم ..

لم يبق إلا الله ثم اعتماده على نفسه ..

في الغربة ، يربي المرء أولاده كيفما يشاء دون تدخل من جدة حانية أو جار فضولي ..

في الغربة  ، تتقارب مصالح الزوجين وتتحد آلامهما ومخاوفهما فيعضدان بعضهما البعض وتقوى حياتهما .

في الغربة ، يتعلم المرء كيف يتأدب ويحترس من التصرفات الخاطئة لأنه غريب ، والغريب لابد أن يحتشم ليُحترم .

في الغربة يتعلم الغريب العادات الحسنة التي لم يحسن بلده أن يعلمه إياها فيرجع ليعلمها ذويه وقومه..

في الغربة الكثير من المحاسن .. أقصد ، يفترض أن يكون فيها الكثير من المحاسن والتي لن تفلح في إظهار آثارها إلا أن يحسن المغترب تبنيها في حياته ، وإلا فإنه لا يستفيد ..

نعم .. الغربة مؤلمة ، حارقة ، مريرة ، لكنها كأي بلاء من الله فيها ألطاف ، يحسن بنا أن نبحث عنها ، وننظر إليها بعين العرفان والحمد ، فقط لنعيش غربتنا ببعض من سعادة ، وشيء من هناء ..

وحتى ذلك الحين يا صباح ، ويا ليال ، ويا سارة ، ويا رغد ، ابك قليلاً ثم كفكفي دمعك وافتحي نافذة قلبك ..

أطلي بروحك على المرج الأخضر القريب واملئي صدرك بعبق الحياة ..

Read Full Post »

كنت البارحة أقلب في القنوات الفضائية المحافظة في رسيفر الفلك ، ووقعت على حلقة لحملة ركاز لعام 2009 والتي كانت ( الحملة لا الحلقة ) بعنوان ” فاز من حياته إنجاز ” .

كان المتحدث في هذه الحلقة الداعية : سلطان الدغيلبي وذكر في الحقيقة كلاماً جميلاً أعجبني ، وجاءت ابنتي لطيفة ذات السنوات التسعة تريد مني أن أغيّر لها على قناة الأطفال فرفضت ، فما كان منها إلا أن شدها حديثه فجلست حتى نهاية البرنامج .

ذكر الشيخ عدة أمثلة لإنجازات أفراد عاديين  وكيف أن المرء لابد أن تكون في حياته بعض الإنجازات  ..

تفكرت .. فعلاً .. كم عاش أي منا في هذه الحياة حتى الآن ؟ عشرون سنة ؟ ثلاثون؟ ستون ؟ ماذا أنجز في هذه السنين ؟

يخطئ من يظن أن الإنجازات لابد أن تكون على مستوى كبير ليصح أن نطلق عليها لفظة “إنجاز ” .. نعم ، المشاريع الكبيرة إنجازات بلا شك ، ولكن قليل دائم خير من كثير منقطع ، وهناك الكثير من الإنجازات التي يمكن لكل فرد منا عملها ، فقط لو ترسخ في ذهنه أنه مسلم ، والمسلم مأمور بالعمل البنّاء حيثما كان وكيفما كان ، ثم هو بعد ذلك سيكون مأجوراً على قدر الإنجاز الذي حققه ومدى تعديه إلى غيره ..

ألم يرتب النبي r الأجور على أفعال بسيطة ؟ ألم يحثنا على أفعال صغيرة أداء كبيرة أجراً ؟ خذ هذه الجملة الصالحة من الأحاديث النبوية :

عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :” كُلُّ سُلامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ ، يَعْدِلُ بَيْنَ الإثْنَيْنِ صَدَقَةٌ ، وَيُعِينُ الرَّجُلَ عَلَى دَابَّتِهِ فَيَحْمِلُ عَلَيْهَا أَوْ يَرْفَعُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إِلَى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ ، وَيُمِيطُ الأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ ” . رواه البخاري .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : “تبسمك في وجه أخيك لك صدقة ، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة ، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة ، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة ، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة ، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة “، رواه الترمذي وصححه الألباني .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه و سلم قال : ” إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها ” ، رواه البخاري في الأدب المفرد وصححه الألباني .

وهناك الكثير والكثير من الأحاديث الحاثة على الإنجازات ، أعرضت عن ذكرها تجنباً للتطويل الذي يكرهه قراء المدونات في العادة ، ولئلا تتحول تدوينتي إلى محاضرة مدرسية، واكتفيت بذكر ما سبق كأمثلة لبعض ما يمكن لجميع المسلمين المداومة على فعله لتكون حيواتهم سلسلة من الإنجازات المترابطة ويحظون بالفوز . لكن ألم تلحظوا معي أن أغلب ما ذكر من الأمثلة هي أفعال متعدية ، تتعدى نطاق الفاعل لتصل ببرها وإحسانها إلى الغير؟

في حياتي رأيت الكثير من هؤلاء ( المنجزين ) ..

هناك أمي حفظها الله وأطال في عمرها وأحسن عملها ، كانت تشتري الصوف وتشتغله بالصنارتين قمصاناً ( وجواكيت وسديريات ) ثم تدفع بمنتجاتها إليّ لأوزعه على من أعرف من المعوزين حينما كنت أقطن القصيم .. ولا يخفاك كيف هو برد القصيم !! كما يقولون ( يقص المسمار ) . وكانت تشتري الشرائط والورود وتصنع منها ( بكلاً ) للشعر تبيعها وتتصدق بثمنها ، فكانت تشغل وقتها وتتصدق .. ألا تذكركم بزوج النبي صلى الله عليه وسلم التي قال عنها لما سألته أزواجه : أينا أسرع بك لحوقاً ؟ قال: “أسرعكن لحاقاً بي أطولكن يداً ” ، رواه مسلم من حديث عائشة .

من كانت أطولهن يداً ؟ هذه إجابة أتركها لكم لتبحثوا عنها ، والبركة في العم قوقل  .

مساعدة من صديق : صفتها أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق !

وهناك إحدى صديقاتي التي اعتادت على التصدق بمبلغ ثابت خصصته لطلبة العلم رقيقي الحال في عنيزة .. لم يكن مبلغاً كبيراً ، اعتقد أنه مئة ريال شهرياً .. ولكني أعتقد أن المواظبة على استقطاع مبلغ مئة ريال من مصروف البيت شهرياً ( في وقت كانت المئة تشتري أشياء كثيرة ) هو إنجاز كبير ، إذ النفس لا تستنكف عن شراء تفاهات أو وجبات غذائية ( جنكية مصيرها إلى دورة المياه – أعزكم الله -) بمئة أو اثنتين او ثلاثة ، ولكن تضيق عينها ( النفس لا صديقتي طبعاً ) عن التصدق بهذه المئة .

 ثم أن هذه الصديقة مرت بضائقة مالية شديدة لمشاكل حدثت مع زوجها في عمله ورغم ذلك لم تنقطع هذه الصدقة .. نعم ، ضعفت بعض الشيء ، ولكني كنت كلما أرى صديقتي كانت تدس في يدي مبلغاً ما ، وكأني بها تقتطعه من ما كانت تنوي شراءه لنفسها من ثياب أو طعام تستمتع به .. ثم مضت الأيام ، وتحسن وضع زوجها المالي بفضل الله ، وعادت حياتها رغيدة -بارك الله فيها – ، وما أحسب ذلك إلا من تلك الصدقة ( التي علمت  عنها ، ومالا أعلمه أنا يعلمه الله ) .

هناك صديقة أخرى ، عندها الكثير من العيال ، وكانت تتوق لحفظ القرآن ، إلا أن مشاغل عيالها وطلبات زوجها الكثيرة وبيتها الكبير كان يمنعها من ذلك ، فطلبت من زوجها خادماً تساعدها فأجابها ، فكانت تقول لي : لو جاءتني الخادم فسيسألني الله تعالى عن الوقت الذي سيتبقى لي فارغاً ( وهو كثير ) ، لذا لابد أن أستغل وجودها وأحفظ القرآن وأراجعه وأطلب العلم .. فكانت تحفظ يومياً ثلاثة أوجه من القرآن حتى أتمت حفظ القرآن ثم طلبت العلم وصارت داعية مشهورة في بلدتها إلى أن توفاها الله تعالى منذ بضع سنوات ، رحمها الله ورفع درجتها في الجنة .

ما رأيكم في إنجاز إحدى النساء التشاديات التي كانت تساعدني في البيت  . كانت تعمل لدي باليومية منذ ثمان عشرة سنة ، وكانت تعلم أني أطلب العلم وألقي المحاضرات .. فكانت منذ أن تطأ بيتي في أول النهار إلى أن تغادره في آخر النهار تكون في خدمة العلم .. كانت تطبخ وتغسل وتكوي وتنتبه على صغاري ، بل وتحمل فاطمتي ذات السنتين على ظهرها كعادة الأفارقة إذا بكت وأرادت النوم ، وتغلق عليّ باب مكتبي لأتفرغ لتحضير درس الليلة وتقول : أنا لا أحسن طلب العلم ولا إعطاء الدروس والمحاضرات ، لكن بإمكاني أن أساعدك لتتمكني أنت من فعل ذلك ! سبحان من فقهها !!

أما شيخي الشيخ محمد بن صالح العثيمين ، فما أدراك ما الشيخ ابن عثيمين .. حياة عظيمة حافلة بالإنجازات ، وآثاره تراها في التسجيلات والمكتبات ، وفي الدعاة والمشائخ الشباب الذين تتلمذوا عليه مباشرة أو من خلال أشرطته .. كم من الناس اهتدى بعد ضلال بسبب هذا الرجل العملاق ؟ كم من الأجور تكتب له يومياً ؟ كم من الدرجات سيعلو في الجنة ؟ أهناك فوز أعظم من هذا ؟

أحكي لكم عن شيء واحد فقط رأيته أثناء سكني في عنيزة .. كنت أرى ( الشيّاب ) الذين زوجوا أولادهم وتقاعدوا من أعمالهم يجتمعون يومياً ثللاً أمام دار أحدهم ، (يتقهوون ويسولفون ) من بعد صلاة العصر وحتى ( الأخير ) أي صلاة العشاء ، ثم يرجع كل منهم لداره ، يتناول عشاءه وينتهي يومه .

أما الشيخ رحمه الله ، فكنت أراه يذهب يومياً ( لا أراه يومياً ، ولكنه كان يذهب يومياً ، للدقة فقط ! ) من منزله إلى مسجده بعد صلاة العصر ، يمشي أحياناً ويركب السيارة أحياناً أخرى ، ليلقي درساً بعد الصلاة ، كان وقتها يشرح رياض الصالحين ( وهو كتاب رائع حوى ألواناً من الفوائد عجيبة وبأسلوب سهل وسلس ) ، ثم كان يذهب بعد المغرب ليلقي دروساً في شرح بلوغ المرام أو شرح زاد المستقنع ، ثم يصلي العشاء ويلقي دروساً في شرح البخاري ومسلم والكافي من الفقه الحنبلي .. هو نفس الوقت الذي كان يقضيه أولئك الشيبان في تناول القهوة والكلام الفارغ غالباً .. وأقول : سبحان مقسم الأرزاق .. هذا الرجل العظيم أراد الله به خيراً فرزقه الفقه في الدين فكانت حياته بستاناً أخضرا بهيجاً ينشر الظل الرائق  ويعطي الثمار الريّا ، ثم هو من قبل ومن بعد بهجة للناظرين ، وأولئك ……

هناك الكثير من الأمثلة التي أستطيع أن أضربها لإنجازات أفراد عاديين مروا في حياتي .. لا تحتاج إلى كثير مال ، أو كبير موهبة .. تحتاج فقط نية حسنة في التقرب إلى الله ، ومتابعة لشرعه لئلا تفضي إلى معصية أو بدعة فيسيء من حيث أراد الإحسان ، ثم همة يبدأ بتدريبها كالطفل الصغير لتقوى حتى يصير ذا نفس كبيرة يتعب في مراده جسمه ، وما ألذه من تعب .

هيا انهض ، وحقق بعض الإنجازات في حياتك .. لا ليذكرك الناس بخير ، ولكن لتشرف بأن تحوي نفساً منجزة بين ضلعيك ، ولتكون عند الله كبيراً ، ثم لتحظ بالفوز ، هنا وهناك ..

Read Full Post »

قرأت في إحدى المدونات الأمريكية لأحد الآباء مقالاً يتحدث فيه عن توجهه الذي تبناه والذي أراه – شخصياً – شذوذاً في المجتمع الأمريكي . كان أحد الرجال الذين يعارضون بشدة ( التدييت ) ، وهذا مصطلح أسأل الله اللطيف أن لا نحتاجه قريباً في مجتمعنا ، والذي يقوم ( المصطلح لا المجتمع ) على تسخير الكلمة الانجليزية واستخراج فعلاً عربياً منها ، على وزن ( شيّك عليه ) من check  إذا أراد أن يراجع شيئا و ( قوْقله ) من google it  إذا بحث في النت على شيء ما ، و( كنسل ) الحجز مثلاً من cancel إذا ألغاه .

 فهذا الأب كان أحد معارضي أن ( تديّت) من dating أن تواعد الفتاة رجلاً ما قبل الزواج .. وذكر أشياء عجيبة فعلاً ، منها أن ابنته أهدته مرة قميصاً رياضياً ( تي شيرت ) مكتوب عليه D.A.D.D. ، والذي يعني Dads Against Daughters Dating آباء ضد تدييت البنات ، وجدته ب 11 دولاراً فسألته عما إذا كان يرغب في أن تشتريه له ، فطلب منها اثنين .. يقول : كلما ارتديته كان أحد الآباء يقترب مني ويسألني من أين أتيت به ، فأجيب فخوراً : أهدتني إياه ابنتي الكبرى .

وذكر أن زوجته كانت تدرس البنات في المنزل حالما يبلغن السن التي يكون بإمكانهن فيها مواعدة الفتيان منعاً لذلك . وحين يكبرن قليلاً فإنهن ينتظمن في كلية ذكر اسمها لا تبعد كثيراً عن بيتهم ، حيث يقوم بتوصليهن قبل أن يذهب لعمله ، وبعد الانتهاء من محاضراتهن فإنهن ينتظرنه في المكتبة ( !!) حتى ينتهي من دوام العمل ثم يأخذهن في طريق العودة ، ليؤدين واجباتهن المدرسية، ويتناولن العشاء ثم يشاهدوا جميعاً فيلم السهرة .

كما ذكر كيف فعل بالأولاد في الحفل الراقص في مدرسة ابنته حين كانت في الصف الإعدادي الأول حيث أتيحت له فرصة مرافقتها إذ كانت مسؤولة في مجلس الطلاب بالمدرسة وطلبت منه المساعدة ففعل بسرور . جثم على منصة الاستاد الرياضي يراقب بعينين كالصقر الراقصين حتى إذا ما وجد بعض النظرات غير المريحة لأحد هؤلاء الطلاب في الصف الثالث الإعدادي فإنه كان يتقدم إليه نافشاً صدره وفي عينيه نظرة بادرة قاتلة وقد ارتسمت على جبينه تقطيبة هائلة ، كل ذلك كان كفيلاً ببث عدم الراحة في قلب ذاك الجريء ، فيفترق الراقصان حتى يقف كل منهما في الطرف الآخر من الاستاد .. نعم ، هكذا يكون هذا الأب قد أدى عمله !! ويعتبر نفسه سفيراً عن كل الآباء الذين لم تتح لهم الفرصة لحضور هذا الحفل الراقص ، وأن حضوره هو كان بمثابة رسالة لكل هؤلاء الفتية الصغار : أن  لا تقتربوا من بناتنا ، وإلا ..

وأخيراً يختم بوصية للآباء فيقول : لابد أن نعتني ببعضنا .. إذا رأيت متأنقاً ( وغداً ) في المول يراوغ إحدى الفتيات فعندها ستكون مهمتك أن تتدخل .. ألن تحب أن يتولى أحد الدفاع عن بناتك لو لم تكن موجوداً ؟ توجه إليه واطلب منه أن يكف عن ذلك .  اعرض عليه أن تتصل بأبيها ، لابد أنها عندئذ ستستميت في الهرب .. اطلب الشرطة إذا لزم الأمر .. اخرجوا أيها الرجال .. فلتكن لكم وقفة !!

 

انتهت التدوينة .. وقرأت التعليقات التي تلتها .. ولبثت ملياً بعدها أفكر .. هذا الرجل ليس مسلماً .. وليس عربياً .. والذين علقوا مشجعين وبعضهم أمهات طالبن بتي شيرت مكتوب عليه : أمهات ضد تدييت البنات ليسوا كذلك أيضاً . هذا الرجل يصلح أن يكون من أعضاء الهيئة ..

 ثم قارنت بحال مزعجة آخذة في التزايد في مجتمعنا .. بين بناتنا في مرحلة المتوسطة والثانوية .. هل تتخيلون ؟ بنات في سن الثالثة عشر والرابعة عشر يواعدون فتياناً بالدس عن أهليهم ، أو بعلمهم ، فلم يعد هذا عيباً عندهم .. تفتخر الواحدة بأن لها أصدقاء وأنها تخرج معهم ، وأكاد أكذّب من يحكي لي هذه الحكايا ولكنهن يكنّ أحياناً صديقات شخصيات لهن ..

وأسترجع ذكرى ضبابية قديمة علاها بعض الغبار عن بعض صديقات الثانوية اللاتي كن يستمتعن برؤية الدهشة وعدم التصديق تعلو وجهي وهن يحكين لي عن مغامراتهن في ( الكباين ) وفي السفريات .. وأنا مصعوقة .. أين الأهل ؟ أين الأم ؟ ثم لا ألبث أن أكذبهن في نفسي وأقنع نفسي أنها لا تعدو أن تكون محاولات طفولية ساذجة لاختراق عالم الكبار بأي طريقة كانت ، ولو كانت عن طريق تشويه السمعة .

والآن ومع تواتر كل هذه القصص عن (تدييت ) بنات المدارس أصيح  بعنف : أين الأهل ؟ أين تعليم البنات رقابة الله ؟ ماذا تفعلون ببناتكم ؟ تعلفوهن وتكسوهن وتتركوهن بعد ذلك غنيمة للرائحين والقادمين ؟ حينما تتركون البنات يتمشين مع لداتهن في المولات ألا يهمكم أن تعرفوا ماذا يفعلن ؟ حينما ترسلوا لهن السائقين في ساعات متأخرة من الليل ألا تسألونهن لماذا تأخرن ؟ حينما تختلي بناتكم الساعات الطويلة مع الهاتف المحمول ألا تؤلمكم قلوبكم ؟

فقط أقول : الحمد لله الذي عافانا مما ابتلاهم به وفضلنا على كثير ممن خلق تفضيلاً .

نريد من هذا الرجل أن يقدم عندنا ويعطي دورة في سياسته ، لعل بعض المستغربين يقتنع لو وجد أشقر ذا عيون زرقاء يعلمه كيف يحافظ على شرف بناته..

Read Full Post »

أيامي القليلة الماضية مروج من العطاء ، خضراء  ، عطرة ، اغترفتها من بحور كرم نادية وأهلها .. أعجب لهذا الرزق الذي يمن الله به على بعض عباده ، إذ يعينهم على إدخال السرور في قلوب غيرهم .. وكيف لا يكون رزقاً والنبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال : ” أحب الأعمال إلى الله سرور تدخله على مسلم ” حسنه الألباني .

اليوم كان اجتماعي معهم في مزرعتهم ، ومعنا صديقات حبيبات كذلك.. تناولنا إفطاراً هو أشبه بالغداء ، في جلسة حميمة أضفت على قلبي الكثير من السعادة والحبور .. كنت أنظر بعيني ويسرح فكري بعيداً .. في أمور شتى .. فكرت في نعم الله على العبد ، وكيف أننا مقصرين في شكر النعمة .. هذه الجلسة اللطيفة في البستان الأخضر ، مع أصدقاء أعزاء ، أليست من النعيم ؟ ساعات قضيتها في قمة الاستمتاع أتقلب في ضيافة هؤلاء الأكارم ، هديل تضيفني ، ونادية تخدمني ، وأبلة فايزة ( والدتهما ) تشعرني بالأهمية والتعظيم لكل كلمة أقولها وكأني شيخة مشائخ المدينة .. كل ذلك يصدر منهن بتلقائية وبساطة ، لعلهن دون أن يشعرن بمدى السرور الذي أحدثنه في نفسي .. دائماً أقول : الغريب والمريض يحتاج دائماً إلى اهتمام الغير ، وأنا كلاهما .. تفكرت في نعمة الله عليهن يهذا الكرم وتلك الأريحية ، وتفكرت في نعمة الله علي بصداقتي لهن .

لماذا يعجز الكثير من الناس عن إظهار مشاعرهم الإيجابية مع أن ذلك لا يكلفهم شيئاً كثيراً .. لماذا  يحجم الكثير من الناس عن إبداء هذه المشاعر إلا إذا رجوا من وراء ذلك مصلحة ما .. ألا تكفيهم السعادة التي يرونها في عين الطرف الآخر .. هل تحجرت قلوبهم عن ممارسة مثل هذا النوع من الفرح بإدخال السرور على قلوب الغير . كم منا من انعقد لسانه عن قول الجميل من الكلام سواء كان ثناء أو شكراً أو مجاملة صادقة ، حارماً بذلك نفسه وغيره لذة المشاعر الإيجابية إما خشية الاتهام بالعين أو الحسد ، أو لمجرد الكسل الخالص وجمود المشاعر وأنانية اللسان .

ماذا سأخسر لو شكرت رئيسة اللجنة المراقبة في اليوم الأخير من امتحانات الدورة التأهيلية للطفها وتواضعها وابتسامتها المريحة ؟ ماذا سأخسر لو رأيت إحدى صديقاتي في زيارة وقد تزينت فأحسنت فأخبرها كم تبدو جميلة . ماذا سأخسر لوحملت لصديقتي هدية صغيرة أذكرها بها كم أنا أحبها ومعتزة بصداقتها ، قد  لا تتجاوز العشرة ريالات ، ولكن الشعور بأن هذا الشخص تذكرني في وقت ما هو في الحقيقة شعور رائع . للأسف ، شحيحون نحن في أشياء كثيرة ليس أعظمها المال .

فكرت في نعمة الله علي باستطعام الطعام .. لا أنسى كيف كنت في أيام الكيماوي مثل هذا الوقت تماماً في العام الماضي .. كنت أتمثل قول المتنبي : ومن يك ذا فم مر مريض يجد مراً به الماء الزلالا !! وأعجب من هذه الدقة في اختيار الألفاظ .. فعلاً .. كنت أجد المرارة في الماء العذب النمير .. مرارة كانت تحول بيني وبين تناول الطعام والشراب أحياناً .. أنظر إلى الصنوف المتنوعة مما لذ وطاب ، وتشتهيه نفسي غاية الاشتهاء ، وأملأ ناظري بهذا المنظر الجميل ، حتى إذا ما ذقت منه لقمة واحدة احتجت عليّ براعم التذوق بشدة رافضة بكل عناد تلقي المزيد .. فيرتد إلي طرفي خاسئاً وهو حسير !! وأظل متحسرة على كل هذا الطعام الذي فاتني ( خاصة لو كنت مدعوة ) ، ومتعجبة في الوقت ذاته : سبحان الله ! كأنه أمر مفروغ منه أن  نجد للطعام طعماً ..أمرلا نقاش فيه ولا جدل ، فإذا غاب عنا هذا الطعم أو حُرمنا لذته شعرنا وكأنما منعنا الله حقاً من حقوقنا .. كم مرة حمدنا الله وأثنينا عليه لهذه النعمة التي أولاناها ؟نعم ، نحن نحمد الله تعالى على أن رزقنا الطعام ، لكن هل حمدناه على أن وجدنا لهذا الطعام مذاقاً سائغاً واستمتعنا بطيب طعمه ؟

فكرت في نعمة الروتين .. في هذه الجلسة تناقل الحاضرون قصص المحتجزين في سيول جدة .. وكالعادة طار ذهني بعيداً ليتخيل موقف هؤلاء المحتجزين والمتضررين .. لعل إحداهن كانت ساخطة على بيتها ذي الجدار المتشقق والدهان المتقشر ، خجلة من استقبال صويحباتها فيه ، فماذا حل بالدار ؟ لعل أحدهم كان يشتكي من الملل لأن اليوم مثل البارحة ومثلهما الغد ، فإذا هو (غارق )اليوم في (إثارة)  شديدة ، محتجزاً في سيارة يهددها جرف السيول . لعل مراهقاً كان يتأفف من هذه الشمس القوية ، ويتسخط من جونا الصحراوي ، فإذا به يرى المطر الباريسي البديع وهو يعانق طرقاً  وأنفاق لا تليق إلا بهجر وواحات لا مدينة كانت تنعت يوماً – زوراً – بعروس البحر الأحمر .

كم منا من يشكر نعم الله ، هذه الصغيرة التي اعتادها المرء ؟ النوم حينما تقرر أن تنام ، قضاء الحاجة بدون أدوية ، أن يدخل عليك أبناؤك سليمين معافين في الواحدة والنصف ظهراً في أيام الدراسة  لأن هذا موعد رجوعهم اليومي ، أن تغلق عليك بابك لاتخاف إلا الله والقط الذي يتمشى على جدار المنزل ..

هل أدينا شكر الوالدين ببرهما ؟ هل أدينا شكر الأصدقاء المحبين بالدعاء لهم ؟ هل أدينا شكر تذكير الله لنا بالإحسان بالمزيد من الإحسان لأنفسنا وللخلق ؟

كيف شكرنا نعمة الانترنت .. بالمقاطع المحرمة ؟ كيف شكرنا نعمة الحاجبين ( واسألوا مريضات السرطان عن هذه النعمة بالذات ).. بالنمص ؟ كيف شكرنا نعمة الغنى .. بغمط الناس ؟ كيف شكرنا نعمة الجمال .. بإبدائه لمن لا يحل لهم رؤيته ؟

إنا لله .. شرنا إلى الله صاعد ، وفضله إلينا نازل ..نستغفر الله من الزلل والخطل ، ومن سوء القول والعمل .. اللهم اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا .. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما تحب ربي وترضى على كل شيء ؛ على نبضات القلب بتوحيدك وعلى أن كنت أنت لي رباً ..على نعمة الحواس السليمة ، ومظاهر الجمال من حولي والتي طالما غفلت عن وجودها  في حياتي .. على حرارة أنفاس أولادي تخالط شغاف فؤادي ، على بركة وجود أمي في حياتي .. وعلى وعلى وعلى ….وعلى أن جعلت نادية وأهلها  لي أهلاً !!

Read Full Post »

« Newer Posts - Older Posts »